إسلام ويب

حكم ما يدور في القلوبللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الأعمال الظاهرة التي يأتيها الإنسان من خير أو شر مرتبطة بالقلب، فما انعقد في هذا القلب وانطوت عليه نيته يتوقف عليه قبول العمل أو رده، صحته أو فساده، حصول الثواب عليه أو استحقاق العقاب، ومن نعمة الله عز وجل على عباده أن فطر النفوس على حب الخير والسعي إليه وبغض الشر والنفور منه، فعلى الكيّس أن يسعى إلى الطيب اليسير ويجتنب الباطل وما يئول به إلى سوء المصير.

    1.   

    أقسام قلوب بني آدم وموقف الشيطان منها

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، وبيدك الملك كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به عيوناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! تبين لنا في الموعظة السابقة أن القلوب ثلاثة أقسام:

    1- قلب حي سليم صاحبه نفسه مطمئنة راضية مرضية.

    2- ويقابل ذلك قلب ثانٍ وهو قلب ميت سقيم، صاحبه نفسه أمارة بالسوء كحال الشيطان الرجيم.

    3- وهناك قسمٌ ثالث لم تكتمل الحياة في قلبه، ولم تفارق الحياة قلبه، ففيه حياة لكن فيها ضعف ونقص، فهو في حالة مرض، ونفس صاحب هذا القلب نفس لوامة .. تلومه، وهي ملومة ومتلومة لا تثبت على حال، تتردد بين الخير والشر، والمعصوم من عصمه الله.

    إخوتي الكرام! وتقدم معنا أن ضابط النفس الطيبة الحية المطمئنة، أنه يوجد فيها أمران: معرفة للحق وعمل به، اكتملت القوة العلمية والقوة العملية فيها، وإذا فرط الإنسان في أحد هذين القسمين فقلبه ميت موتاً لا حياة فيه، أو مريض مرضاً يفقد تمام الحياة عندما يصاب بالشبهات أو الشهوات، وقد خشي علينا نبينا صلى الله عليه وسلم الوقوع في أحد هذين المرضين، وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أنه لا يخشى علينا إلا أحد هذين الأمرين، ففي مسند الإمام أحمد ومعاجم الطبراني الثلاثة، والحديث رواه البزار وأبو يعلى بإسناد جيد، عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى)، فخشية نبينا صلى الله عليه وسلم من هذين الأمرين: شهواتٌ أو شبهاتٌ تفسدان القوة العلمية أو القوة العملية في الإنسان.

    إخوتي الكرام! وتقدم معنا في الموعظة السابقة موقف الشيطان نحو أقسام قلوب بني الإنسان، فالشيطان لا يقترب من القلب الحي الطيب، وليس له عليه سبيل، ولا يقترب أيضاً من صاحب القلب الميت السقيم؛ لئلا يضيع وقته فيه، فحال صاحب ذلك القلب كما قلت كحال الشيطان الرجيم، إنما مجال الشيطان في القلب المريض الذي لم يفقد تمام الحياة، ولم تكتمل فيه الحياة، فهو يكر على ذلك القلب عندما يغفل الإنسان عن الرد، وهو يفر من ذلك القلب عندما يذكر الإنسان ربه.

    إخوتي الكرام! وحال الشيطان الجني مع هذه القلوب الثلاثة كحال اللص الإنسي مع البيوت الموجودة في الأرض تماماً، فاللص من بني الإنسان تنقسم أمامه بيوت بني الناس إلى ثلاثة أقسام:

    بيت لا يستطيع أن يقربه، مع أن له فيه مطمعاً، والنفس تتطلع إلى ما فيه من زينة الدنيا، لكن إذا اقترب منه صرع وقتل، وهذا هو بيت الأمراء، فيه من خيرات الدنيا شيء كثير، لكن تلك البيوت قد حرست بالحرس فلا يستطيع اللص أن يقترب منها؛ لما فيها من أهبة واستعداد، وهكذا العدو الجني الشيطان الرجيم لا يقترب من قلوب النبيين والصديقين.

    وهناك بيوت ثانية لا يقترب منها اللص الإنسي، لا لأنها فيها أهبة واستعداد وفيها مطمع، لكن لا يستطيع أن يصل إليها، لا ثم لا، ليس فيها أهبة واستعداد، وهي مخلات لكل داخلٍ وخارجٍ، لكن ليس فيها ما تتطلع إليه النفس في هذه الحياة، وهي الخرائب والبيوت المتهدمة الساقطة على عروشها التي تحولت إلى خرائب ويقضي الناس فيها حوائجهم، فحتماً لا يذهب اللص إليها ولا يقترب منها، وماذا يفعل فيها ولم يبق فيها شيء، وهكذا قلوب عتاة الإنس لا يقربها الشيطان الرجيم؛ لما فيها من دنسٍ وفسادٍ وخبثٍ كحال قلب الشيطان الرجيم.

    بقيت هناك بيوت ثالثة ليست بخرائب، وليست كبيوت الأمراء، وهي بيوت الرعية فيها شيء من الخيرات، لكن ليس فيها حرسٌ كما هو الحال في بيوت الأمراء، فاللص الإنسي ينظر إلى هذه البيوت، فإن رأى غفلة من أصحابها دخل وسرق منها، وإذا أوصدت الأبواب أمام وجهه واحترس أهل البيت من هذا اللص لا يستطيع أن يقترب منها، هذه البيوت في الأرض أحوالها كحال القلوب في الصدر تماماً، والعدو الجني حاله كحال العدو الإنسي، ونسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا.

    1.   

    اشتغال القلوب بالخير أو الشر

    إخوتي الكرام! هذه القلوب بأقسامها الثلاثة: القلب الحي السليم، والميت السقيم، والقلب الذي فقد تمام الحياة وكمالها، ولم يصل إلى حد العطب والموت، هذه القلوب الثلاثة لا تفتر من حركة، ولا تتوقف عن عمل، ولابد من شيء تشغل به، ولابد من خير أو شر، طاعة أو معصيةـ، من نفع أو ضر، ولذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم يلجأ إلى ربه في أن يثبت قلبه على الإيمان على الدوام، وفي ذلك تعليم لنا إخوتي في الإسلام! أن نلجأ إلى ربنا بأن يثبت الإيمان في قلوبنا على الدوام، ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي بإسناد حسن، عن شهر بن حوشب ، وهو من أئمة التابعين، أنه سأل أمنا أم سلمة رضي الله عنها فقال: (ما كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك في بيتك؟ -إذا جاء لبيتك فما هو أكثر دعاء يدعو به نبينا عليه الصلاة والسلام؟- فقالت أمنا أم سلمة رضي الله عنها: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، إي والله! إن القلب ما سمي قلباً إلا أنه يتقلب، ولا يفتر عن الحركة، وهو دءوب العمل في الخير أو الشر.

    وثبت في الكتابين المتقدمين، في المسند وسنن الترمذي بسند صحيح، عن أنس رضي الله عنه قال: (كان يكثر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الدعاء: اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، فقلنا: يا رسول صلى الله عليه وسلم! قد آمنا بك وصدقناك فهل تخاف علينا؟ فقال -عليه صلوات الله وسلامه وفداؤه آباؤنا وأمهاتنا- إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، وثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ).

    إخوتي الكرام! هذه القلوب بأقسامها الثلاثة لابد لها من حركة وعمل، إما أن تجول في الشر، وإما أن ترتع في الخير، ولذلك أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن أصدق اسم ينطبق على حقيقة الإنسان، ويوافق مسماه على التمام حارث وهمام، حارث مكتسب فاعل، فالفارق بين الحي والميت هو الفعل، وهمام وهو من الهم، فلا يخلو واحد منا من هم وخطرة وإرادة، ولا يخلو واحد منا من كسب وسعي، ( كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ).

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي، وأصل الحديث في صحيح مسلم ، ولفظ الحديث في الكتب الثلاثة في المسند وسنن أبي داود والنسائي عن أبي وهب الجشمي ، وهو من الصحابة الأبرار رضوان الله عليهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأقبحها حرب ومرة، وأصدقها حارث وهمام )، أحسن الأسماء وأحبها إلى رب الأرض والسماء ما حمل اسم نبي أو دل على عبودية لله جل وعلا، مثل: محمد أو أحمد أو يوسف أو يونس أو عبد الله أو عبد الرحمن أو عبد الرحيم أو عبد الحليم أو عبد العظيم.

    وأقبح الأسماء ما دل على فتنة أو كرهٍ، مثل: حربٌ الذي يدل على الفتنة والمشاكل، ومرة الذي يدل على شيء تستكرهه النفوس وتتقذر منه وهي المرارة.

    وأصدق الأسماء -الأصدق يدل على مسماه، وينطبق على حقيقته- حارث، أي: فاعل مكتسب، لابد من كسب في الخير أو الشر، لابد، والنفس كما تقدم معنا إن لم تشغل بحق شغلت بباطل، وهذه النفوس والقلوب كالرحى، كالطاحون التي لا تفتر، فإن وضعت فيها براً طحنته وأخرجت منه دقيقاً، وإن وضعت فيها حجراً طحنته وأخرجت تراباً، وإن وضعت فيها شوكاً طحنته وأخرجت أذى وغماً وهماً، هذه النفوس لابد لها من حركة.

    أصدق الأسماء حارث وهمام، ولذلك قال أئمتنا الكرام: هذه القلوب جوالة، فإما أن تجول حول العرش، وإما أن تجول حول الحش.

    إما أن تجول في الملأ الأعلى حول عرش الرحمن، وتذكر ذا الجلال ولإكرام، وإما أن تطوف حول مزابل بني الإنسان ووساوس الشيطان.

    إما أن تجول حول العرش، وإما أن تجول حول الحش.

    1.   

    أقسام ما يدور في نفوس بني آدم والثواب والعقاب المترتب عليها

    إخوتي الكرام! وإذا كانت هذه القلوب بأقسامها الثلاثة لا تفتر عن عمل وخطرة وحديث وإرادة وهم، فينبغي على العاقل أن يقف عند قلبه، وأن يتأمل ما يدور في نفسه، وأن يبحث فيه، هل هو له أو عليه؟

    إخوتي الكرام! وهذا ما سنتدارسه في هذه الموعظة بإذن ربنا الرحمن، لابد إخوتي الكرام من مراقبة ما يدور في القلب ويجري في النفس، فالإنسان بعمله القلبي يرتفع إلى درجة الصديقين أو يهوي إلى دركة الشيطان الرجيم، إما أن يكون في أعلى عليين أو في أسفل السافلين بعمله القلبي، وأكثر شهداء هذه الأمة أصحاب الفرش، ورُبَّ قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته، هذا القلب لابد من مراقبة ما يقع فيه، وهذه النفس لابد من مراقبة ما يجري فيها.

    الهاجس في النفس

    إخوتي الكرام! إن ما يدور في قلوب بني الإنسان، ويخطر في نفوسهم ينقسم إلى خمسة أقسام:

    أولها: وهي المرحلة الأولى: مرحلة الهاجس، وهذا الهاجس عرفه أئمتنا الكرام: بأنه الشعور بأمر من الأمور في جانب الخير أو الشرور من غير اختيار من الإنسان، ثم يزول ذلك الشعور من غير اختيار منك، يقال عن هذا الذي يقع في قلبك ويدور في نفسك إذا كان خطراته على قلبك ووقوعه بغير اختيارك وزواله بغير اختيارك يقال له: هاجس، هذا الهاجس تكرم الله علينا فلم يعاقبنا عليه إذا كان في جانب السيئات، وأيضاً لا ثواب عليه إذا كان في جانب الحسنات.

    الخاطر في النفس

    ويليه أيضاً الخاطر، وهو استمرار ذلك الشعور جانب الخير أو الشرور، فترة أطول من الهاجس، ثم زوال ذلك الخاطر أيضاً دون اختيار منك، فالهاجس والخاطر هجما عليك بغير اختيارك، وزالا عنك بغير اختارك إن كانا في الخير أو الشر لا تثاب عليهما ولا تعاقب عليهما، والسبب في ذلك أنه ليس منك كسبٌ وسعيٌ نحوهما، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، بما أن هذا جرى منك من غير اختيارك، وزال من غير اختيارك، فلا تثاب عليه ولا تعاقب.

    حديث النفس

    المرحلة الثالثة: حديث النفس، أن يحدث نفسه بذلك الخاطر الذي استمر في نفسه فترة، أن يحدث نفسه بحسن أو بقبح، بفعله أو بتركه دون أن يرجح فعلاً على تركٍ أو تركاً على فعلٍ، إنما حدث نفسه به، خطر بباله أن يبني مسجداً لله، حدث نفسه بحسن ذلك العمل ومنفعته دون أن يرجح البناء على الترك، ومن باب أولى دون أن يعزم على البناء دون الترك، إنما حدث نفسه ببناء المسجد، وأن فيه أجراً عظيماً عند الله جل وعلا، لكنه ما مال إلى فعله ولا عزم على فعله، هذا يقال له: حديث النفس، استمر ذلك الخاطر في نفسه وبذل نحوه سعياً اختيارياً، فبدء يتحدث به في داخله، ثم زال عنه ذلك الخاطر أيضاً لانشغاله بغيره، فهذا من كرم الله وفضله يكتب له في الحسنات ولا يكتب عليه في السيئات.

    الهم على الفعل أو الترك

    ويلي حديث النفس الهم، وهو ترجيح الفعل على الترك، فما حدث به نفسه ورأى حسنه هم بفعله، وكان نسبة الهم تزيد على النصف، وهذا هو ترجيح الفعل على الترك، عزم عزماً لم يصل إلى درجة التصميم، إنما إلى درجة 60 أو 70 % أنه سيبني ذلك المسجد، فمن باب أولى يكتب له أجر الهم كما يكتب له أجر حديث النفس.

    وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى كتابة أجر حديث النفس والهم في الحسنات، وعدم كتابة حديث النفس في السيئات في أحاديث كثيرة، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة؛ فإن عملها كتبها الله بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فإن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه حتى يعملها؛ فإن عملها كتبها الله بمثلها ).

    وفي رواية للإمام مسلم يقول الله تعالى في الحديث القدسي: ( إذا حدث عبدي نفسه بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة )، فإذا حدثت نفسك بطاعة تكتب لك، هممت بخير يكتب لك، حدثت نفسك بمعصية أو هممت بها لا تكتب عليك في جانب حديث النفس والهم، كرماً من الله وفضلاً.

    إخوتي الكرام! وفي بعض روايات الحديث في الصحيحين: (إذا حدث نفسه وإذا هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة)، ولا تعارض بين الروايتين؛ لأن من يحدث نفسه بسيئة ومن يهم بسيئة ينقسم حاله بعد ذلك في تركها إلى حالتين: إما أن يتركها غفلة عنها واشتغالاً بغيرها فلا تكتب عليه سيئة، وليس له في ذلك أجر، وإما أن يتركها خشية من الله واستحضاراً لعظمته، بعد أن حدث نفسه بمعصية وهم بها، استحضر عظمة الله، وخشي الله، وجاهد نفسه في ذات الله، وأزال ذلك عنه الخاطر الرديء، فيكتب له على همه بالسيئة حسنة عندما تركها خشية من ربه جل وعلا.

    العزم والتصميم على الفعل أو الترك

    وأما المرتبة الخامسة التي تدور في القلوب وتجول في النفوس فهي: مرحلة العزم، وهو التصميم الأكيد على فعل الشيء، بحيث لو تمكن منه لفعله، بحيث لو لم يمنعه مانع خارجي لأوجد ما عزم عليه، ففي هذه الحالة يكتب على الإنسان ما عزم عليه في جانب الخير وفي جانب الشر، مع أنه لم يباشره بجوارحه، فلنتفطن لما يقع في قلوبنا مما نعزم عليه، من عزم على خير وجزم به كتب له، وإذا كان حديث النفس والهم يكتبان له، فمن باب أولى أن يكتب العزم، وإذا عزم على شر كتب عليه كما لو فعله؛ لأنه لم يفعله لمانع خارجي.

    وقد دلت آيات القرآن وتواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم على أن العزم يؤاخذ عليه الإنسان ويكتب عليه، يكتب له في جانب الخير بلا خلاف، وهكذا يكتب عليه في الشر كما دلت على ذلك آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    فأما الآيات فسأقتصر على آية واحدة يقرر الله فيها هذا الأمر في سورة النور، فيقول العزيز الغفور: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19]، (إن الذين يحبون)، والمحبة عمل قلبي، أحب في قلبه ومال قلبه إلى هتك ستر المسلمين، وطار فرحاً عندما يهتك ستر مسلم ويتكلم في عرضه، ما حرك شفتيه ولا سعى بجوارحه، لكن إذا تُكلم على مسلم في حضرته فرح، هذا الفرح عمل قلبي، وهذا العمل القلبي له هذه العقوبة عند الله، إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ [النور:19] أن تنتشر الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا [النور:19] أن تهتك أستارهم وأن يتكلم عليهم لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19]، هذا حال من يحب أن تشيع الفاحشة في المؤمنين، نعم يجب عليك أن تستر عباد الله، وأن تحب سترهم في هذه الحياة، فمن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة.

    وثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام في معجم الطبراني الأوسط من رواية جابر ، والحديث رواه أبو داود والنسائي والحاكم والبزار بإسناد صحيح من رواية عقبة بن عامر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من ستر على مؤمن فكأنما أحيا موءودة )، وفي رواية: ( من ستر عورة فكأنما استحيا موءودة )، من ستر عورة من عورات المؤمنين فكأنما استحيا موءدة، أراد والدها أن يقتلها فأخذها ورباها فله أجر عظيم عند الله، وهكذا حال من يستر عباد الله، فإذا أحب الإنسان هتك الستر عن المسلمين فله هذه العقوبة، أما إذا سعى بجوارحه في هتك أستارهم فله من العقوبة ما لا يخطر ببال كثير من الناس.

    ثبت في مسند البزار ومعجم الطبراني الكبير، ومستدرك الحاكم بإسناد لا بأس به، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة)، إن قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة، من تكلم في عرض مؤمن أو مؤمنة حبط عمله مائة سنة بطاعات وعبادات.

    وفي الصحيحين وغيرهما من حديث حذيفة بن اليمان أيضاً رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يدخل الجنة نمام ) ينقل الكلام بين المسلمين ويوقع بينهم العداوة والبغضاء فلا يدخل الجنة، هو إذا أحب في قلبه هتك ستر المسلمين له عذاب أليم في الدنيا والآخرة، فكيف إذا سعى بلسانه؟!

    وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( والله لا يؤمن .. والله لا يؤمن .. والله لا يؤمن! قالوا: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يؤمن جاره بوائقه )، لا يأمنون شروره وغوائله وفتنه وضره، فليس عند الله من عباده المؤمنين.

    إذاً: العزم إذا وصل في القلب وحل به يكتب للإنسان وعليه في جانب الخير أو الشر، وقد دلت على ذلك أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وسأقتصر على حديثين من أحاديثه الكثيرة التي تقرر هذا الأمر:

    الحديث الأول في الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا التقي المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار! قلت: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول -أي: دخول القاتل النار أمر معلوم؛ لأنه قتل مؤمناً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام، فما بال المقتول؟- فقال عليه الصلاة والسلام: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)، أي: عزم على ذلك في قلبه، لكن لم يتمكن بجوارحه؛ لأنه منعه مانع خارجي.

    وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجة بإسناد صحيح من رواية الصحابي أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ثلاثةٌ أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه)، أما الثلاثة التي أقسم نبينا صلى الله عليه وسلم على صحتها ووقوعها ولابد: (ما نقص مال من صدقة)، فمن تصدق لا ينقص ماله بل يزيده الله أضعافاً مضاعفة، وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39]، (ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً)، ظُلم عبد في هذه الحياة فعفا يزيده الله بذلك عزاً ورفعة، (ومن فتح على نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر)، إذا تعرض لسؤال الناس من غير حاجة يجعل الله فقره في قلبه ولا يأتيه إلا ما قدر له، هذه يقسم عليها النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأما الحديث الذي ينبغي أن نعيه ويتعلق بأمرنا وهو أن من عزم على خير كتب له كأنما فعله، ومن عزم على شر كتب عليه كأنما فعله، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، هذه الدنيا لأربعة نفر)، أي: حال هذه الدنيا مع الناس إلى أربعة أقسام، والناس ينقسمون فيها إلى أربعة أقسام لا خامس لهم، (رجل آتاه الله مالاً وعلماً فهو يعمل في ماله بعلمه فيتقي فيه ربه ويصل به رحمه، ويعلم أن لله فيه حقاً، فهو في أعلى المنازل، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، فقال: يا ليت لي مثل فلان حتى أعمل بمثل عمله، فهم في الأجر سواء)، ذاك بعمله، وهذا بنيته، (ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط في ماله فلا يتقي فيه ربه، ولا يصل به رحمه، ولا يعلم أن لله فيه حقاً، فهو في أخبث المنازل)، الذي ينفق ماله على المسكرات والمخدرات والاعتداء على الأعراض، قال: (ورجل لم يؤته الله علماً ولا مالاً فقال: يا ليت مثل فلان حتى أعمل بمثل عمله، فهما في الوزر سواء)، لم يعمل شيئاً من المنكرات، لكنه عزم عليها، ولو تمكن منها لفعلها، هناك (فهما في الأجر سواء)، وهنا (فهما في الوزر سواء).

    إخوتي الكرام! لابد من مراقبة ما يدور في هذا القلب، فالإنسان بإمكانه أن ينوي الخيرات، وأن يحصل بذلك أعظم الدرجات عند رب الأرض والسماوات.

    أسال الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا، وأن يجعل خير أيامنا يوم لقائه، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

    1.   

    ارتباط أعمال العبد الظاهرة بنيته القلبية

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير الخلق أجمعين، اللهم صلِّ على محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    عباد الله! إذا كان حال القلوب وما يدور فيها كما فصلت وذكرت، فينبغي أن نعلم أن القلوب هي أصل الأعمال، والأعمال الظاهرة مرتبطة بما يقع في القلب، فالعمل الظاهري الذي يقع منك صحته وفساده، قبوله ورده، حصول الثواب أو العقاب عليه متوقف على ما يقع في القلب من عزم ونية، فقد قرر هذا نبينا صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات)، صحة وفساداً، قبولاً ورداً، ثواباً وعقاباً، (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)، هو في الصورة مهاجر لكنه عند الله خاطبٌ أو تاجر، (فهجرته إلى ما هاجر إليه).

    إخوتي الكرام! وإذا كان الإنسان إذا حدث نفسه بطاعة أو هم بها أو عزم عليها يكتب له أجرها، فينبغي على الكيس في هذه الحياة أن يفعل بجوارحه ما استطاع من الحسنات، وما يعجز عنه ينبغي أن ينويه، وأن يهم به، وأن يحدث نفسه به، وأن يعزم عليه، فإذا عزم عليه وأتى بما في وسعه مما تتمكن منه جوارحه يكتب له أجر ما عزم عليه، فالعازم على الطاعة إذا لم يتمكن منها يكتب له أجر العامل كاملاً، وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26].

    إخوتي الكرام! إن الحديث بالحسنات والهم بها والعزم عليها يسيرٌ يسير، وفعلها ليس بالعسير، وإن الحديث بالسيئات ثقيل وخيم وبيل، وفعلها أشنع منها، وقد أشار ربنا جل وعلا إلى هذا في آخر سورة البقرة فقال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286]، انظر لدلالة الآية الكريمة على سهوله الحسنة وانتفاع العبد بها، وعلى ثقل السيئة وتضرر العبد بها، من وجهين أشار إليها ربنا جل وعلا بهذه الآية فقال: (لها)، تعجيلاً بالمسرة، فهذا (لها) تنتفع به، وتحوزه وتملكه، ثم في جانب الفعل (ما كسبت)، ليس هناك تكلف ولا ثقل، ولما أتى للسيئات قال: (عليها)، تعجيلاً بالمضرة، فكأنها تحمل شيئاً يثقلها ويتعبها ويؤذيها وتتضرر به، ولما أتى لجانب الفعل أتى بصيغة الافتعال (ما اكتسبت)، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، نعم إن الهم بالسيئة ثقيل، وهو خلاف الفطرة التي فطر الله عليها عباده، وفعل السيئة أثقل منها، لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286].

    أسأل الله جل وعلا أن يشرح صدورنا لطاعته ومحبته في جميع أحوالنا وأوقاتنا إنه على كل شيء قدير، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت فتنة بعبادك فاقبضنا إليك غير مفتونين، اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك، اللهم اجعلنا من المحبوبين عندك يا أرحم الراحمين، اللهم اجعلنا من أحب خلقك إليك، ومن المقربين لديك، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وأصلح ذات بينهم وانصرهم على عدوك وعدوهم، إنك على كل شيء قدير.

    عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].