إسلام ويب

حكم الغناء والموسيقى [3]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد دلت الأدلة الصحيحة الصريحة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم على تحريم الأغاني وآلات المعازف بجميع أنواعها، كما أفتى بذلك وقرره أئمة المذاهب الأربعة بلا استثناء، وكما ورد تحريمه عن سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين، وهذا فضلاً عن المفاسد الكثيرة المترتبة على هذه المعصية الشنيعة، التي لو لم يكن إلا هي لقيل بتحريمه، فكيف وقد تكاثرت الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة على تحريمه تحريماً قاطعاً.

    1.   

    الأحاديث الدالة على تحريم الغناء

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، سبحانك ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    الأحاديث التي دلت على تحريم الغناء كثيرة ومجموعها يفيد التواتر، وهو الثبوت القطعي عن النبي عليه الصلاة والسلام، وقد ساق الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه: إغاثة اللهفان، ثلاثة عشر حديثاً منها عن ثلاثة عشر صحابياً عن نبينا صلى الله عليه وسلم، سأقتصر منها على حديثين فيهما الدلالة الواضحة على تحريم الغناء، على تحريم التغني والاستماع إليه.

    حديث: (ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير...)

    الحديث الأول: ثبت في أصح كتاب بعد كتاب الله، في صحيح الإمام البخاري عليه رحمة الله، أورده في كتاب الأشربة، وبوَّب عليه باباً فقال: باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، ثم ساق بسنده إلى أبي مالك الأشعري أو إلى أبي عامر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ، والحرير، والخمر، والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم تروح عليهم بسارحة، يأتيهم -يعني الفقير- لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غداً، فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة).

    هذه معجزة من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام، وعلم من أعلام نبوته، يشير إلى ما سيقع في هذه الأمة: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ) أي: الفروج، يستحلون الزنا بالتأويلات الضالة الباطلة، (يستحلون الحر والحرير والخمر) فيسمونها بغير اسمها، من بيرة أو نبيذ أو وسكي أو مشروبات روحية نجسة أو غير ذلك، (ويستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم) أي: إلى جنب جبل، يذهبون للنزهة والسياحة والفسحة، وهم بطرانون، (تروح عليهم بسارحة)، أي: يأتيهم خدامهم ومعهم المواشي ليأخذوا حظهم منها كما يريدون، وهم بجانب ذلك الجبل، لكنهم بطرانون في شهوات أنفسهم، وأما في حق الإحسان إلى الفقراء فهم في أعظم شح وبخل، يأتيهم الفقير ويطلب منهم مساعدة فيقولون: ارجع إلينا غداً، مماطلة لينصرف عنهم.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم مخبراً عما سيحل بهؤلاء الناس الذين سيستحلون هذه الأمور: الحِرَ والحرير والخمر والمعازف، (فيبيتهم الله) أي: ينيمهم في الليل ويدخل عليهم الليل، (ويضع العلم) أي: يدكه ويسويه بالأرض، أي: هذا الجبل العظيم، (ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة) هؤلاء الذين يستحلون المعازف.

    قال الإمام ابن حجر في فتح الباري عليه رحمة الله: المعازف هي آلات الملاهي والغناء، (يستحلون المعازف) أي: يستحلون آلات الملاهي والعزف، من زمارة ومزيكة وطبل وغير ذلك، والغناء أيضاً.

    وقال الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ عندما أورد هذا الحديث: المعازف اسم لكل ما يعزف به من طنبور أو شبابة أو غير ذلك من آلات الملاهي.

    وقال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله: المعازف هي آلات اللهو كلها بلا خلاف.

    إخوتي الكرام! لو كانت المعازف حلالاً، ولو كان الغناء حلالاً، لما ذمهم نبينا صلى الله عليه وسلم باستحلالها، ولما جعل عقوبتهم كعقوبة من يستحل الخمر، فمن يستحل الغناء كمن استحل الخمر، يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، فلو كانت مباحة وحلالاً لما أُوعدوا هذا الوعيد على استحلالها، فلو كانت مباحة، كيف تترتب عليها عقوبة، إنما هي محرمة كالخمر، ولذلك هم يستحلون ما حرم الله، فيعاقبهم الله جل وعلا بهذه العقوبة.

    قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله: ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم الغناء وآلات الملاهي، فأقل ما في ذلك أنها شعار الفساق وشربة الخمور. من الذي يزاول الغناء، ومن الذي يستعمل آلات الملاهي وغيرها من البلاء؟ إنهم الفساق وشربة الخمور، أقل ما فيها مشابهتهم بهذا الأمر، فما ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريمها.

    قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله: وقد ورد في الأحاديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه سيكون في آخر هذه الأمة مسخ وقذف وخسف، يمسخون قردة وخنازير كما هو في حديث البخاري ، وتخسف بهم الأرض، ويرسل عليهم حجارة من السماء، قال: وهو في أكثر الأحاديث مقيد في صنفين، بشربة الخمور والمغنين، وفي بعض الأحاديث مطلق، أي: سيكون في هذه الأمة هذه العقوبة، فمن زاول الغناء فهو مهدد بهذه العقوبة الفظيعة، بمسخه قرداً أو خنزيراً.

    قال الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله: ولو استحلوا هذه المحارم مع جزمهم بأن النبي عليه الصلاة والسلام حرمها لكانوا كفاراً، ولو فعلوا هذه المعاصي دون استحلال لها لأوشك ألا يعاقبوا بهذه العقوبة كما لا يعاقب سائر العصاة في هذه الأمة، إنما استحلوا الغناء بنوع تأويل كما هو الحاصل من أهل التضليل والأباطيل في هذا العصر، يقولون: الغناء صوت المطرب يحدث لذة في النفس، ما الداعي لتحريمه؟ يشبه أصوات الطيور والبلابل؟ فإذا كانت تلك الأصوات مباحة فالغناء كذلك، لكن يقال لهم: تهييج النفوس على الأدناس والأنجاس والمسكرات والمخدرات والعهر، هذا ألا تذكرونه؟ ليس في الغناء الصوت المطرب فقط، ففيه أيضاً الفحش والبلاء، إنما يزين لهم الشيطان هذا، فهم يستحلونه بنوع تأويل، أما لو استحلوه مع اعتقادهم أن النبي عليه الصلاة والسلام حرمه فهؤلاء مرتدون خارجون عن حظيرة الإسلام، إنما يستحلونه بنوع تأويل، كما هو حال أهل الأباطيل في هذا العصر الهزيل، يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف.

    بيان خطأ ابن حزم وغيره في زعمهم أن أحاديث تحريم الغناء غير صحيحة

    إخوتي الكرام! والحديث -كما قلت- صحيح ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام في أصح كتاب بعد كتاب الله، وقد دندن ابن حزم غفر الله له حول صحة الحديث دندنة منكرة، وزعم أن الحديث معلق وليس بمتصل، فـالبخاري قال: وقال هشام بن عمار حدثني ... ثم ساق السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مردود على ابن حزم ، فـهشام بن عمار من شيوخ البخاري ، والتلميذ إذا روى عن شيخه بصيغة: (سمعت أو قال أو عن أو أن) كل هذه الروايات بحكم واحد ومحمولة على الاتصال، ما لم يكن الراوي مدلساً، ولم يصف أحد من خلق الله البخاري بالتدليس، فإذا روى عن شيخه هشام بن عمار بصيغة (سمعت أو قال أو أن) كان هذا محمولاً على الاتصال، كما قال الإمام الأثري الشيخ عبد الرحيم زين الدين عليه رحمة الله:

    ولو إلى آخره أما الذي عزا لشيخه بقال فكذي

    أي: حكم من قال حكم عن.

    عنعنة كخبر المعازف لا تصغ لابن حزم المخالف

    وقال أئمتنا في الرد على ابن حزم عند بحث المزامير:

    واجزم على التحريم أي جزم والحزم ألا تتبع ابن حزم

    فهذا من زللـه وهفواته غفر الله له.

    وأما ما يقوله بعض دعاة التحلل في هذا الوقت، ويرتبون أنفسهم في صفوف الدعاة إلى الله، ويحملون حملة منكرة على أحكام الإسلام باسم الإسلام، فيقولون: إن أحاديث الغناء كلها مثخنة بالجراح لا يثبت منها شيء، لمَ هذا الكلام المزور؟ ولمَ هذا الكلام المنمق الذي لا حقيقة له؟ حديث يثبت في صحيح البخاري ، ويُروى عن ثلاثة عشر صحابياً، وبعد ذلك يقولون: هذه كلها مثخنة بالجراح! ثم يقول هذا المشار إليه: ولا بأس من سماع الغناء ولا مانع أن تصحبه الموسيقى غير المثيرة! كذبت يا باغي على دين الله!

    آلات العزف بجميع أشكالها محرمة بإجماع العلماء، الموسيقى غير المثيرة تصحب الغناء، تقول هذا لتضلل عباد الله سبحانه وتعالى، (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف).

    إخوتي الكرام! قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله: ومن لم يمسخ منهم في حياته مُسخ في قبره. ولا يبعد أننا سنستيقظ في يوم من الأيام والناس يتناقلون الأخبار بأنه خُسف ببيت فلان، وقُذف بيت فلان، ومسخ آل فلان قردة وخنازير، ولسنا على الله جل وعلا بأكرم من بني إسرائيل إذا تعدينا حرماته وتجاوزنا حدوده، لما اعتدوا في السبت قال الله لهم كونوا قردة خاسئين، ونحن نعتدي في أيام الأسبوع كلها، ونحارب الله بغنائنا في النهار وفي الليل، وهذه العقوبة مؤقتة بمشيئة الله، فإن شاء أن ينزلها ببعض عباده عاجلاً رأينا ذلك، وإن لم نر هذا بأعيننا فآمنا وصدقنا، ومن مات ولم يمسخ في حياته سيمسخ في قبره.

    إخوتي الكرام! أذكر لكم قصة جرت من ثلاث سنين في الرياض، حدثني عنها بعض الإخوة الكرام الطيبين في المدينة المنورة، عن ذاك الرجل الذي حصل له هذا الأمر، يقول: كان بينه وبين رجل مودة، ثم قضى الله على ذلك الرجل بالموت، يقول: فلما دفناه ورجعت إلى بيتي ونمت رأيت ذلك الرجل في المنام، فرأيت على وجهه سواداً، وعليه أثر عذاب وتعب وبلاء ونكد، فقلت: مالك يا عبد الله؟! كنت تصلي معنا في المسجد، وفيك وفيك، قال: والله منذ أن وُضعت في قبري صب الله العذاب عليَّ، قال: وبأي شيء؟ قال: بالمزامير والمعازف والآلات التي في البيت، فأسألك بالله أن تخبر أهلي وأولادي أن يرفعوا هذا من بيتي، فأنا أُعذب بسبب ذلك.

    والناقل رجل صالح لا زال على قيد الحياة في الرياض، يقول: فارتاع الرجل وتأثر وهاب أن يخبر أهل الميت بهذا الخبر الذي يقطع القلوب، يقول: وفي اليوم التالي رأى أخاه بهيئته، وجهه مسود، وعليه أثر البلاء والكرب، فقال: يا أخي! أما بلغت أهلي؟ يقول له في الرؤيا: فقلت له: لا، قال: نسيت المودة، ونسيت المعروف، أسألك بالله أن تخبر أهلي ليخلصوني مما أنا فيه، يقول: فهبت أن أخبرهم، ففي الليلة الثالثة رأيته بتلك الحالة وهو يعتب عليَّ أشد العتب، يقول: فأخبرت أهله بعد الرؤيا الثالثة، فقالوا: والدنا وأبونا يُعذب ونحن ننعم على هذه الأجهزة، فأخذتهم الحمية وكسروها، يقول: فرأيته في الليلة الرابعة وعليه ثياب بيضاء، ووجهه منور مشرق، وقال: فرج الله عنك كما فرجت عني.

    من لم يمسخ في حياته سيمسخ في قبره ويعذب، (ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة).

    حديث: (إن إبليس لما نزل الأرض وطرده الله...)

    الحديث الثاني: رواه الطبراني وابن أبي الدنيا عن أبي إمامة ، ورواه الطبراني عن ابن عباس ، قال الإمام ابن القيم : ولكل فقرة من فقراته وجملة من جمله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة، فالحديث في درجة القبول، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن إبليس لما نزل إلى الأرض وطرده الله قال: يا رب! أنزلتني إلى الأرض وجعلتني رجيماً، فاجعل لي بيتاً، قال: بيتك الحمام)، ولذلك الحشوش مملوءة بالشياطين، وإذا دخل الإنسان الحمام يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، أي: من ذكران الشياطين وإناثهم، وإذا ما قال الإنسان هذا ينظر الشيطان إلى سوأته ويلعب بها، لأن هذا بيته، فإذا أردت أن تستر نفسك من نظره فقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، من ذكران الشياطين وإناثهم، قال: (فقال: اجعل لي مجلساً، قال: مجالسك الأسواق)، فمجالسه الأسواق التي فيها اللغو والرفث والكلام والغش والخيانة، قال: (اجعل لي طعاماً، قال: طعامك كل ميتة وكل ما لم يذكر اسم الله عليه، قال: اجعل لي شراباً، قال: شرابك كل مسكر، قال: اجعل لي مؤذناً، قال: مؤذنك الغناء والمزمار).

    وهذا كقوله تعالى: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ [الإسراء:64]، اجعل لي مؤذناً أناديهم لطاعتي وللصلاة التي سأنصبها لهم، قال: مؤذنك الغناء والمزمار، ( قال: اجعل لي قرآناً، قال: قرآنك الشعر) وهو الغناء، الشعر القبيح وهو القسم الثاني من الشعر، (قال: اجعل لي كتاباً، قال: كتابك الوشم)، والوشم: أن يأخذ الإنسان حبراً أو نيلة أو شيئاً أزرق أو أخضر بإبرة، ثم يطعن به في الجلد ليخضر ما تحت الجلد ويصبح بلون أزرق أو أخضر أو ما شاكل هذا، ثم يجمد الدم، فيصبح على جلده نقط بلون أزرق أو أخضر أو ما شاكل هذا، هذا يفعله بعض الجاهلين في هذا الوقت ممن ينتسبون إلى الإسلام، ويسمونها دقدقة، يُتزين بها، ويغير خلق الله سبحانه وتعالى وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [النساء:119].

    ( قال: اجعل لي حديثاً، قال: حديثك الكذب، قال: اجعل لي رسلاً، قال: رسلك الكهنة، قال: اجعل لي مصائد، قال: مصائدك النساء، فأنت تفتنهن وتفتن بهن) والنساء سهم الشيطان الذي يرمي بهن ولا يخطئ.

    إذاً: المزمار أذان الشيطان، والغناء قرآن الشيطان.

    قال الإمام ابن القيم : في كون المزمار أذاناً للشيطان في غاية المناسبة؛ لأن الغناء قرآن الشيطان كما قال النبي عليه الصلاة والسلام إخباراً عن إبليس: (اجعل لي قرآناً، قال: قرآنك الغناء)، فقرآن الشيطان الغناء، وصلاة الشيطان وأتباع الشيطان الرقص والتصفيق، يجتمعون يغنون يقرؤون قرآن الشيطان، ويصلون وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال:35] تصفيقاً وتصفيراً، ولابد للصلاة من مؤذن، فالمؤذن هو المزمار الذي يجمع الناس، والإمام هو المغني، والتلاوة هي الغناء، والمأموم هم السامعون، وأتباع الشيطان يصلون كما أن حزب الرحمن يصلون، ولكن من الذي يخشع في صلاته أكثر؟ أصحاب الشيطان أم أدعياء حزب الرحمن في هذا الوقت؟

    ترى التمثيليات التي تقام تأخذ ثلاث ساعات على أقل تقدير، وعندما تنتهي كل واحد يتمنى لو طالت؛ لأنهم في منتهى الخشوع والإنصات والتفاعل مع قرآن الشيطان، ويجيبونه (لبيك لبيك) تلبية تامة، ونحن ندعي أننا من حزب الله، وإذا أطال الإمام الصلاة نقيم الدنيا ونقعدها.

    هذا في غاية المناسبة إذا كان للشيطان صلاة فلابد -إذاً- من آذان يؤذن للناس ويدعوهم، وهو المزمار والمزيكا والطبل والدربكة والعود والناي فيسمعون ويأتون، فيقوم المغني وهو الإمام ويتلو قرآن الشيطان لا قرآن الرحمن، فيخشعون ويتفاعلون ويتمايلون عندما يستمعون هذا القرآن.

    ورحمة الله على الإمام ابن القيم عندما يقول:

    تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة لكنه إطراق ساه لاهِ

    وأتى الغناء فكالحمير تناهقوا والله ما رقصوا لأجل اللهِ

    دف ومزمار ونغمة شادنٍ فمتى رأيت عبادة بملاهي

    أقول لهم قول عبد نصوح وحق النصيحة أن تُستمع

    متى علم الناس في ديننا بأن الغنا سنة تتبع

    وأن يأكل المرء أكل الحمار ويرقص في الجمع حتى يقع

    فقالوا سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا القصع

    كذاك البهائم إن أُشبعت يرقصها ريها والشِبع

    ويسكره الناي وحب الغنا و(يس) لو تُليت ما انصدع

    وقد حرم علماؤنا الرقص والغناء والتصفيق والتصفير، بل قالوا بكفر من استحل ذلك.

    ومن يستحل الرقص قيل بكفره لاسيما بالدف يلهو ويزمر

    الرقص نقص والسماع رقاعة وكذا التمايل خفة بالراس

    والله ما رقصوا لطاعة ربهم بل بالذي طحنوه بالأضراس

    هذا حال أتباع الشيطان، عندما يغني المغني يتواجدون، ويرقصون، ويحركون أيديهم وأرجلهم ويخشعون لقرآن الشيطان.

    إخوتي الكرام! أذكر لكم قصة مريرة تفري الأكباد، وقعت من قرابة عشرين سنة، وكنت إذ ذاك في المرحلة الثانوية:

    ذهبت إلى آخر قرية في بلاد الشام من جهة المشرق إلى قرية جرابلس، تشرف على حدود تركيا وعلى نهر الفرات، أيام الصيف في إجازة في دعوة إلى الله سبحانه وتعالى، بقيت في تلك القرية قرابة ثلاثة أشهر ولكن كما قال القائل: يصيح في واد وينفخ في رماد، ويستجيب لك الواحد بعد الثاني في هذه الفترة الطويلة.

    أراد بعد ذلك بعض الطغاة أن يجعل سبيلاً للشيطان لا للرحمن، أن يحضر مغنيتين من بعض البلاد من هناك لتغني للناس على حساب الشيطان, وفي ليلة واحدة جمع المغنيتان ما لم يجمعه من يدعو إلى الإسلام في ثلاثة أشهر، لم يبق ذكر ولا أنثى، كبير ولا صغير، إلا خرج ليمتع عينيه بالنظر إلى هاتين الفاجرتين، سبحان ربي العظيم! وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ [الأنعام:128] أتيتم بكل هؤلاء الأتباع أغويتموهم، سبحان ربي العظيم! من يتبعون قرآن الشيطان أكثر ممن يتبعون قرآن الرحمن، فعزيت نفسي بقول الرحمن: قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [المائدة:100]، وعزيت نفسي بحديث نبينا عليه الصلاة والسلام وهو ثابت في الصحيح: (يأتي النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد)، وعزيت نفسي بقول القائل:

    تعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها: إن الكرام قليل

    خبيثتان فاجرتان جمعتا أهل البلدة في ليلة، وداع إلى الله في ثلاثة أشهر لا يجتمع إليه إلا أفراد قليلون، وهذا واقع في كل مدينة ومصر، إذا أقيمت حفلة غناء ورقص لبعض السفيهات والسفهاء، وإذا كانت مجاناً سبيلاً على حساب الشيطان، فالذين يحضرون لا يُحصون، وبعض حفلات المباراة التي تقام في بعض البلاد، وحفلات الرقص، يحصى عدد الحضور فيزيدون على نصف مليون, نصف مليون يحضرون مباراة أو حفلة رقص، وأحياناً يجاوزن هذا الحد، سبحان ربي العظيم!

    هذا هو حال أتباع الشيطان.

    إخوتي الكرام! ومن نظر في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام لا يرتاب في صحتها وفي أنها تدل على تحريم الغناء.

    1.   

    أقوال وفتاوى أئمة الإسلام في حكم الغناء

    الأمر الخامس: فتاوى أئمة الإسلام في حكم الغناء:

    اتفق المذاهب الأربعة وسلف الأمة على تحريم الغناء، وأنه لا يتعاطاه إلا فاسق من السفهاء، وأستعرض أقوالهم على حسب ترتيبهم في الزمن.

    أقوال أئمة المذاهب في تحريم الغناء

    أبدأ بمذهب الحنفية فهم أول المذاهب ظهوراً في هذه الأمة المباركة، يقرر الحنفية في كتبهم أن سماع الغناء فسق، وأن التلذذ به كفر، ويقول قاضي القضاة في عهد هارون الرشيد الإمام أبو يوسف أكبر تلاميذ أبي حنيفة عليهم جميعاً رحمة الله: إذا سمعت الغناء من بيت فإني أدخل عليهم بغير استئذان، أفتح الباب وأدخل؛ لأن تغيير المنكر واجب، وهذا منكر ظهر الآن وما استتر، إذا ظهر الصوت إلى الخارج فهذا منكر ظاهر يجب تغييره، وأنا قاضي القضاة والمسئول عن المسلمين في هذه البلاد، فأدخل عليهم بغير استئذان، وإذا لم يكن القضاة على شاكلته فلا خير فيهم ولا في الأمة.

    كفى حزناً أن المروءة ضُيعت وأن ذوي الألباب في الناس ضُيع

    وأن ملوكاً ليس يحظى عندهم من الناس إلا من يغني ويصفع

    هذا حال قاضي القضاة في عهد الدولة العباسية، إذا رأى وسمع غناء من بيت يدخل عليهم بغير استئذان.

    وقد نص الحنفية كما في كتاب: التتار خانية كتاب من كتب الحنفية: أن التغني حرام في جميع الأديان. فما أباح الله الغناء في شريعة من الشرائع، من عهد آدم إلى عهد نبينا صلى الله عليه وسلم، وكيف يبيح الله ما يقول النفاق ويدعو إلى الرذيلة والعهر، الغناء محرم، التغني حرام في جميع الأديان.

    ننتقل إلى مذهب المالكية: سُأل الإمام مالك شيخ المذهب عن الغناء وعن ترخص أهل المدينة فيه، فقال: من يفعله عندنا إنما يفعله الفساق، الغناء ما يفعله إلا الفساق، ما ترخص فيه إمام طاهر فاضل، وكان الإمام مالك يقول: إذا وقفت على بيت غريم لك، أي مدين تريد أن تنتظره ليخرج لتأخذ منه دينك -وسمعت غناء، فلا يحل لك أن تقف ثَمَّ. لأن هذا منكر ولا يجوز لك أن تسمعه.

    وتقدم معنا كلام الإمام مالك للسائل: إذا جيء بالحق والباطل يوم القيامة ففي أيهما يكون الغناء؟ قال: في الباطل، قال: والباطل في الجنة أو النار؟ قال: في النار، قال: اذهب فقد أفتيت نفسك.

    وأما المذهب الشافعي فهذا إمام المذهب عليه رحمة الله، يقول: خرجت من بغداد -وهذا في رحلته الأخيرة إلى مصر عليه رحمة الله ونور الله قبره- وخلَّفت فيها شيئاً ورائي أحدثه الزنادقة، أحدثوه في الخفاء ليفتنوا به الناس، يسمونه التغبير, -والتغبير آلة يغبر بها ويلحن كالعود- يصدون به الناس عن القرآن. فهو من إحداث الزنادقة، وأول من اخترع آلة في الغناء في هذه الأمة خبيث من الأخباث وهو: أبو نصر الفارابي ، عندما اخترع القانون، آلة في الغناء يُضرب بها ويُطرَّب عليها تسمى القانون، اخترعها هذا الرجل الخبيث الضال المضل، الذي ختم الإمام ابن كثير ترجمته في حوادث سنة ثلاثمائة وتسع وثلاثين بعد أن ذكر قبائحه، قال: إن كان مات على ذلك فلعنة رب العالمين عليه، قال: وما ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق لنتنه وقباحته. وهو الذي كان يفتخر بأنه لو كان أرسطو حياً لكان من أكبر تلاميذه، ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام حياً لكان من أكبر أعدائه، أبو نصر الفارابي أحدث هذه الآلة التي يُعكف عليها الآن ويُضرب بها، تحدث في النفوس تهييجاً عظيماً للشهوات والمنكرات والقبائح.

    وأما الإمام أحمد عليه رحمة الله، فالنصوص عنه في ذم الغناء وتحريمه كثيرة، يروي الإمام الخلال في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عن عبد الله ولد الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله، أنه قال: سألت أبي عن الغناء، فقال: لا يعجبني، إنه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، ثم ذكر كلام الإمام مالك المتقدم: الغناء باطل والباطل في النار.

    يقول: وسمع الإمام أحمد عليه رحمة الله غناء من بيت فطرق عليهم ونهاهم، وقال: إذا سمع الإنسان غناءً من بيت فينبغي أن ينهاهم، فإذا انتهوا فالحمد لله، وإلا فليجمع الجيران عليهم وليهول، أي: يصيح، انظروا إلى هؤلاء الذين لا يستحون من الله، كيف يفتحون في بيوتهم الغناء ويجلسون إليه ويدعون الإسلام. هذا كلام الإمام أحمد .

    يقول الإمام الخلال : ومر رجل بالإمام أحمد ومعه عود، فقام الإمام أحمد إليه وكسره.

    ومر رجل آخر ومعه طنبور، فقام الإمام أحمد وكسره بيده، وكان الرجل الثاني عبداً رقيقاً لرجل آخر، فذهب إليه وقال له: إن الإمام أحمد رآني وكسر الطنبور من يدي، قال: ويحك، وعلم أنت غلام من؟ قال: لا، قال: اذهب فأنت حر لوجه الله، قال: ولمَ؟ لأن الإمام أحمد لو عرف أنت غلام مَن لفضحتني! سبحان ربي العظيم! عنده طنبور يعصي به الله في الخفاء، ومع ذلك عنده شيء من الحياء في العلانية.

    وأما الآن فعصاة هذا الوقت أخبث من عصاة الزمن الماضي، فكان إذا أراد أن يعصي استتر، وأما الآن يعلن ويجاهر، ويعرّض، ويقبح رأي من لا يشاركه، صرنا في هذا الوقت نأمر بالمنكر وننهى عن المعروف، ليتنا تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالبلية خفيفة، وليتنا صرنا نرى المنكر معروفاً والمعروف منكراً، فالبلية خفيفة، إنما صرنا نأمر بالمنكر وننهى عن المعروف!

    والذي لا يُدخل هذه الأجهزة الفاسدة إلى بيته أقل ما يُقال عنه في مجتمعنا وفي عُرفنا الجاهلي: إنك متنطع متحجر، حجَّرت على أولادك وضيقت عليهم فلا يعرفون شيئاً في الحياة, وهذا يقوله بعض الذين لهم لِحى تزيد على شبر في هذه البلدة، في أبها، يقول: اترك أولادك ينظرون إلى ما يريدون ولكن راقبهم فقط, اتركهم يمتعوا أعينهم بالراقصات والمغنيات، ولكن راقبهم ليكون عندهم وعي.

    وقد وصل الحال ببعض الملحدين في هذه الأمة كالشقي عبد العزيز الكوفي إلى أن يقول: إنه عندما يعرض أولاد الجيران أعضاءهم التناسلية على بعضهم الذكر مع الأنثى، ولد الجيران مع بنت الجيران، كل واحد ينظر إلى عضو الآخر التناسلي ما ينبغي أن يفسر هذا على أنه شذوذ وقباحة، إنما هذا حب استطلاع!!

    حب استطلاع يا صاحب البلاء! أولاد الجيران يعرضون أعضاءهم التناسلية على بعضهم هذا حب استطلاع!

    وكانت كتب هذا اللعين تُقرر على بنات المسلمين في كلية التربية، فكتبت للمسئولين فصادروها مباشرة والحمد لله رب العالمين، كتب (أسس الأسقام النفسية) (أسس الصحة النفسية) يقول: هذا من باب حب الاستطلاع لا ينبغي أن يفسر على أنه خيانة وفجور! وهذا الرجل الملتحي في أبها يقول: اترك أولادك يمتعوا أعينهم هنا وهناك ولكن راقبهم ليكون عندهم استطلاع ووعي عما يحدث في الدنيا.. سبحانك ربي هذا بهتان عظيم!

    أقوال السلف في تحريم الغناء

    إخوتي الكرام! وما قرره أئمتنا هو الذي عليه سلف الأمة، فهذا محمد بن مصعب العابد المتوفى سنة ثمان وعشرين ومائتين للهجرة، قبل الإمام أحمد بقرابة ثلاث عشرة سنة، وكان رجلاً صالحاً يحضر الإمام أحمد دعاءه ووعظه، كان إذا سمع غناءً من بيت يدق الباب ويقول لأهل البيت: أنزلِوا إلي الوسيلة التي تدقون بها وتغنون عليها حتى أكسرها، فإن أعطوه إياها كسرها وانصرف، وإذا لم يفعلوا جلس بباب البيت يقرأ القرآن ويبكي، فكل مَن مر في الطريق يراه ويقول: محمد بن مصعب من أغضبه؟ فيجلسون معه يستمعون ويبكون، فيصبح لهم ضجيج، فيضطر صاحب البيت لإنزال الآلة ليكسرها.

    فمر مرة ببيت فسمع غناء فطرق الباب فخرجت جارية، قال: مَن أنت؟ قالت: جارية وعندي مولاتي أغني لها وأدق بالعود، قال: أنزلي العود حتى أكسره، قالت: انتظر حتى أخبر مولاتي، فأخبرتها، فقالت لها: هذا شيخ أحمق اضربي بعودين، فبدأت تدق وتغني، فجلس محمد بن مصعب يقرأ القرآن ويبكي، واجتمع الناس وصار لهم ضجيج وصياح، فأشرفت المرأة من النافذة ورأت الحالة وعلمت أنهم لا ينصرفون إلا بكسر العودين، فقالت لجاريتها: خذيهما ليكسرهما محمد بن مصعب ، فكسرهما وانصرف وانصرفوا، هذا كان حال السلف.

    والإنسان لو سمع غناءً من بيت في هذا الوقت وطرق عليهم، وإذا ما انتهوا لو أراد أن يقف بالباب ويهول, الصالح فينا إذا مر عليه سوف يقول: ما لك وله؟ أنت ستنزل في قبره؟ اتركه، هذا الصالح، وأما الطالح فيسمعه من الكلام ما يندى له جبين الإنسان.

    إخوتي الكرام! وقد نص أئمتنا على أن الإنسان إذا مات وعنده آلة للغناء أو قينة وهي المغنية فإنه لا يصلى عليه، بهذا أفتى شيخ أهل الشام في زمنه مكحول الدمشقي ، ونقل هذا الإمام الخلال في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في صفحة ستين ومائة، قال: من مات وعنده قينة أو مغنٍّ لا يصلى عليه؛ لأنه سيمسخ في قبره.

    وكان سلفنا إذا رأوا في الإنسان شيئاً من هذا البلاء ابتعدوا منه وحذروا عنه, فهذا شعبة شيخ المحدثين، كان يتلقى حديث نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه عن المنهال بن عمرو .. المنهال وما أدراك ما المنهال ! من رجال البخاري والسنن الأربعة، إمام ثقة، جاء شعبة ليسمع الحديث منه ويتلقى العلم عنه، فلما اقترب من بيته سمع صوت طنبور غناء يضرب وعزف، فانصرف شعبة عن المنهال وقدح فيه وقال فيه كل سوء.

    قال العلماء: والمنهال ثقة، وشعبة تسرع، ما تحقق هل هذا الغناء وصوت الطنبور من بيت المنهال أو من بيت الجيران، نعم، لو كان من بيت المنهال فـالمنهال فاسق ولا يُؤخذ عنه حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا كان من بيت الجيران فليس على المنهال حرج، فليت شعبة تحقق، لقد تسرع وظن أن الصوت من بيت المنهال .

    فإلى طلبة العلم في هذا الوقت أوجِّه هذه القصة ليتقوا الله في أنفسهم، فطالب العلم ينبغي أن يصون بيته عن هذا البلاء، هذا حال سلفنا الأتقياء.

    1.   

    مفاسد الغناء

    الأمر السادس وهو آخر الأمور: لمَ حرم علينا العزيز الغفور الغناء؟ ولمَ ذمه خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه؟

    إخوتي الكرام! مفاسد الغناء كثيرة، وكل مفسدة متشعبة من الغناء، لكن هذه المفاسد يمكن أن نجملها في مفسدتين عظيمتين، أتكلم عليهما وبهما تنهي هذه الموعظة:

    الصدّ عن ذكر الله

    المفسدة الأولى: الغناء يصد عن ذكر الله، وهذا ثابت لا يختلف فيه اثنان، ثبت عن الضحاك أنه قال: الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرب، ولذلك كان الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ثبت هذا عن ابن مسعود رضي الله عنه، وثبوته صحيح عن ابن مسعود ، لكن اختُلف في وقفه عليه أو رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والصحيح أنه من كلام ابن مسعود كما قال البيهقي ، ورأى بعض أئمة الحديث أنه وإن كان موقوفاً فله حكم الرفع لأنه لا يقال من قِبل الرأي.

    قال ابن مسعود رضي الله عنه: (الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل).

    قال الإمام ابن القيم معلقاً على كلام هذا الصحابي رضي الله عنه: وهذا أدلُّ شيء على معرفة الصحابة وفقههم في أحوال القلوب وأعمالها، ومعرفتهم بأدويتها وأدوائها، فهذا كلام عارف بأثر الغناء وثمرته، فوالله ما اعتاده أحد إلا نافق، ما اعتاد أحد الغناء إلا نافق، فهو والخمر رضيعا لبان، وهو يهيج على القبائح كسائر المهيجات. يهيج على القبائح وعلى طاعة الشيطان، فهو والخمر رضيعا لبان، فلذلك يصد عن سبيل الله وينبت النفاق في القلب، وإذا ابتعد الإنسان عن ذكر الله وعشعش الشيطان في قلبه، فقد حق عليه قول الله: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المجادلة:19].

    إخوتي الكرام! وهذا له أثر خطير على حياة الإنسان، فإذا سكن النفاق في قلبك، وعشعش الشيطان في نفسك، فكيف سيكون حال عباداتك؟! يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم: أن من لعب بالنرد بالطاولة بالكعاب بالورق الذي يسمونه باصرة ثم قام ليصلي، فهو كمن توضأ بالقيح والصديد والدم ثم قام ليصلي.

    والله إن مفسدة الغناء أعظم من مفسدة النرد بكثير، فاسمعوا أحاديث البشير النذير عليه الصلاة والسلام في النرد، ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود وابن ماجه عن سليمان بن بريدة عن أبيه بريدة بن الحصيب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه).

    وفي رواية للإمام أحمد وأبي داود والموطأ وابن ماجه ، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله).

    وفي رواية للإمام أحمد وأبي يعلى والطبراني بسند يتقوى بالأحاديث المتقدمة: (مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم يصلي، كمثل الذي يتوضأ بالقيح والدم ثم يقوم ويصلي)، وفي رواية أبي يعلى : (فلا تقبل صلاته).

    فكيف سيكون حالك إذا كنت تجلس على الغناء بين العشاءين، فإذا حانت صلاة العشاء جئت لتصلي! إن مفسدة الغناء أعظم من مفسدة النرد بكثير، وإذا لعب الإنسان بالنرد لا تقبل صلاته، فكيف حاله إذا استمع إلى الغناء الذي يدعو إلى النرد على حد تعبير المغنية الخبيثة:

    قم لنلعب باصرة والشاطر يأخذ باصرة

    واللي بيغلب يا حبوب بدو يمشي بالمقلوب

    هذا الغناء في إذاعات العالم، هذا حال الغناء، دعوة إلى الفحشاء وإلى قلة الحياء، ولذلك كل مفسدة أصلها الغناء، متى يزني الإنسان إخوتي الأتقياء؟ هل إذا اشتغل بكلام الله وحديث النبي عليه الصلاة والسلام وأدى الصلوات واتقى الله يزني؟!

    لا والله، ولكن عندما يسمع ما يحرك الحجر لا البشر، كيف سيكون حاله؟ سيبحث عن فلانة أو فلان فيزني أو يلوط، وواقع الأمر كذلك، كيف سيكون حال الإنسان عندما يسمع:

    ميلي عليّ ميلي ميلي قلبي نار

    الله يجعل قبرك من نار جهنم، كيف سيكون حال الناس إذا سمعوا هذا؟! سيبحث عن واحدة لتميل عليه ويميل عليها، فالغناء منبع البلاء.

    وابحثوا عن أهل الجرائم وتحروا أحوالهم، ما رأينا حافظاً للقرآن ابتُلي بزنا، ولا بشرب خمر، ولا بمتاجرة بمخدرات، إنما هؤلاء الذين يحرضون على هذا هم أهل الغناء، فإذا أردتم القضاء على البلاء فاقطعوا رقاب المغنين والمغنيات، هم الذين يفسدون الأمة ويؤججون الشهوات في القلوب وفي النفوس، الغناء ينبت النفاق ويصد عن سبيل الله وعن ذكر الله، ويستحوذ الشيطان به على قلب الإنسان.

    يقول الإمام ابن القيم : وقد رأينا أن الإنسان إذا استمع الغناء مال برأسه وهز منكبيه، وضرب الأرض برجليه، ودق على أم رأسه بيديه، وبدأ يثب وثبات الدباب، ويدور دوران الحمار حول الدولاب. هذا حال المغنين.

    وانظر للمغنية عندما تنتهي من أغنيتها ماذا يحصل من ضجيج من قِبل المستمعين، هذا حال الغناء ما سمعه إنسان إلا فسد قلبه، مسخطة للرب، مفسدة للقلب، وإذا فسد قلبك وسخط عليك ربك فماذا يُنتظر منك؟ ما ينتظر منك إلا الشقاء لك ولأمتك.

    والله الذي لا إله إلا هو، إن ضرر المغنين والمغنيات أعظم على الأمة من اللصوص وقطاع الطرق، قاطع الطريق يعتدي على واحد أو على اثنين، وأما هذا فقد غزانا في بيوتنا وأفسد ذكراننا وإناثنا، في إقامتنا وفي سفرنا، وأينما يذهب الإنسان يفتح أشرطة الغناء ويحارب رب الأرض والسماء، جريمته دون جريمة قطاع الطرق بكثير، فينبغي أن توجه العناية لضرب هؤلاء بيد من حديد، فهم الذين أفسدوا الأمة، وحركوا الشهوات، وحركوا الاعتداء في قلوبهم، هذا هو حال الغناء، هذه هي المفسدة الأولى.

    إثارة الشهوات والغرائز

    المفسدة الثانية: أن الغناء كما أنه يصد عن ذكر الله فهو يثير الشهوات في نفوس الناس، ولذلك كان الغناء هو الطريق الموصل إلى الزنا، ثبت عن شيخ المسلمين في زمانه أبي علي الفضيل بن عياض شيخ المسلمين وإمام الحرم المكي في عهد التابعين، أنه قال: الغناء رقية الزنا، أي: الطريق الموصل إليه.

    قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله: وليس في رقى الزنا أنجع من الغناء. أي: جميع طرق الزنا لا يوجد منها طريق يوصلك إلى الزنا إلا الغناء، وهذا كلام خبير.

    وقال يزيد بن الوليد آخر حكام بني أمية: يا نبي أمية إياكم والغناء، فإنه ينقص الحياء، ويهدم المروءة، ويزيد الشهوة، وينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعله السكر.

    إخوتي الكرام! نزل الحطيئة الشاعر مع ابنته على رجل، فالرجل عندما نزل عليه الحطيئة مع ابنته بدأ يغني، فقام الحطيئة مع ابنته وأراد أن يرتحلا، فغضب صاحب البيت وقال: من اعتدى عليك؟ وماذا رأيت مني حتى خرجت من ضيافتي؟ فقال: هذا الغناء ستفسد ابنتي عليَّ، إما أن تسكت وإما أن أخرج، أما أن تغني فكيف سيكون حال هذه المرأة.

    قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله: ومن طرَّق -أي أوصل- أهله إلى سماع رقية الزنا، فهو أعلم بالإثم الذي يستحقه.

    ومن المعلوم عند القوم: أن المرأة إذا استعصت على الرجل حاول أن يسمعها الغناء، فعندئذ تعطي الليان، فهو طريق الزنا، وإذا اجتمع مع الغناء دف وشبّابة ورقص وتخنث، فلو حبلت المرأة من غير جماع لحبلت من هذا الغناء، غناء ورقص وتخنث ودف وشبّابة، ماذا سيكون حال المرأة؟!

    ولذلك كثرت نسبة الزنا في بلاد المسلمين؛ لأن الإنسان إذا غنى زنى، وإذا لم يتيسر له تمنى، إذا غنى الإنسان زنى أو تمنى، شاء أم أبى، فامرأة تسمع هذا ماذا سيكون حالها، وماذا سيكون شأنها، والفضائح التي نسمعها في هذه الأيام يندى لها جبين الإنسان.

    قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله: كم من حر صار بالغناء عبداً للبغايا، وكم من حرة صارت بالغناء من البغايا!

    وقال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في مدارج السالكين، في الجزء الأول صفحة خمسمائة: ومن المعلوم عند الخاصة والعامة أن فتنة سماع المعازف والغناء أعظم من فتنة النوح بكثير، والذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارب، أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم وفشت فيهم واشتغلوا بها، إلا سلط الله العدو عليهم، وبُلوا -ابتلاهم الله- بالجدب والقحط وولاة السوء.

    يقول: هذا معلوم عند الخاصة والعامة وعرفناه بالتجارب، والعاقل يتأمل أحوال العالم وينظر، والله ما ذهبت سينا إلا بمزامير ابن سينا، وما ذهبت الجولان إلا بمزامير الشيطان، وهكذا سائر البلدان بعد ذلك ستذهب عندما حاربنا الرحمن.

    إخوتي الكرام! قد عرفتم مفسدة الغناء فاتقوا الله في أنفسكم، واتقوا الله في نسائكم وفي أهل بيوتكم، فأنتم مسئولون عنهم.

    أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأسأله برحمته التي وسعت كل شيء أن يجعل القرآن حجة لنا لا حجة علينا، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، يا رب العالمين.

    اللهم اجعل حبك وحب رسولك صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من كل شيء، أحب إلينا من أنفسنا، وأموالنا، وأهلينا، أولادنا، وأحب إلينا من الماء البارد في اليوم القائظ.

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    سبحانك ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.