إسلام ويب

حكم الغناء والموسيقى [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الغناء هو نوع من أنواع الشعر، لكنه شعر محرم مذموم؛ فإن الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، والغناء هو من قبيح الشعر، وقد دلّ على تحريم الغناء أدلة كثيرة من كتاب الله تعالى، قال السلف والمفسرون: إنها أدلة صريحة في تحريم الغناء، ولم يبق بعد ذلك أدنى شبهة لمن يقول بحله وجوازه بعد كتاب الله تعالى.

    1.   

    الشعر المحرم وأنواعه

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، سبحانك ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    وأما أنواع الشعر المحرمة المذمومة فهي خمسة أيضاً:

    وقد ذكرنا أن ضابط الشعر الجائز المباح ألا يكون فيه فحش ولا بذاءة ولا خنا ولا منكر، وعليه فالشعر المحرم ضابطه: ما كان في موضوعه بذاءة وفحش وقبح وخنا ودعوة إلى الفجور وإلى الأمور المرذولة، هذا الشعر الذي هذا موضوعه له خمسة أنواع، كل نوع له صيغة خاصة، إذا سمعها الإنسان يعلم أن هذا الشعر من أحد الأنواع الخمسة:

    أشعار النياحة والتسخط والجزع

    أول نوع منها: أشعار النياحة على الأموات، والتسخط على رب الأرض والسموات, ينظمون قصائد يتسخطون فيها على قدر الله، وتقال: لهجة خاصة، فيها تحزين وبكاء وأسف وألم، وإذا سمع الإنسان أشعار النوح يعلم أن هذه أشعار نياحة.

    أشعار الهجاء والسب

    النوع الثاني: أشعار الهجاء والسب، ما لم تكن بحق ولمصلحة، يهجو أناساً ويسبهم بشعره، فالموضوع صار فيه بذاءة، أما إذا كان بحق ولمصلحة شرعية فلا بأس، كما ثبت في الصحيحين عن البراء بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـحسان بن ثابت يوم قريظة: (اهجهم وجبريل معك)، فإن كان يهجو الكفار ويذم المشركين فلا حرج في ذلك لأنه بحق ولمصلحة الإسلام.

    أشعار المدح والفخر

    النوع الثالث: أشعار المدح والفخر، أيضاً هذا محرم، ما لم يكن بحق ولمصلحة شرعية، فمدح الإسلام وأهله بما يتصفون به، فهذا لا حرج فيه، وأما إذا جاء ليمدح نفسه، أو ليمدح قبيلته، أو ليُطري الناس وليمدحهم بكلام فيه شيء من المبالغة والبهتان أو بحق ولا يترتب عليه مصلحة، فأشعار المدح والفخر محرمة إذا لم تكن بحق ولمصلحة شرعية.

    الأشعار الشركية

    النوع الرابع من الأشعار المحرمة: الأشعار الشركية، التي يقول الإنسان أبياتاً يشبه فيها المخلوق بالخالق، في أسمائه أو صفاته أو أفعاله، كما قال اللعين أحد الشعراء يمدح الذليل المسمى بـالمعز لدين الله الفاطمي الخليفة المتخلف الباطني، عليه وعلى أمثاله سخط الله وغضبه، يقول له:

    ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار

    سبحان ربي العظيم! صعلوك يقال له هذا!

    يا عباد الله! من عدا الله لا يملك لنفسه فضلاً عن غيره نفعاً ولا ضراً، المعز وغيره لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه، لو أن الذباب وقع على أنفه وتغوط لا يستطيع أن ينتقم لنفسه من هذا الذباب، ضعف الطالب والمطلوب.

    ولما قال هارون الرشيد لبعض العلماء: لمَ خلق الله الذباب؟ قال: ليذل به الملوك، هؤلاء الذين يتجبرون ويتكبرون على الناس، أضعف خلق الله يقف على منخره ولا يستطيع أن ينتقم منه.

    أين المعز ؟ تحت التراب دفيناً، هذا الذي قيل له إنه الواحد القهار، هو مقهور وليس بقهار، القهار هو الله سبحانه وتعالى، الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، هذا هو القهار، لا الذي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فهذه الأشعار الشركية محرمة.

    أشعار الغناء والفحش

    الأمر الخامس: أشعار الغناء وهي موضوع بحثنا, أشعار الغناء موضوعها فيه فحش وبذاءة وخنا، وكما هناك لأشعار النوح صيغة خاصة بتحزين، فللغناء صيغة خاصة، فالموضوع فيه فحش وبذاءة، وصيغة الغناء معروفة، فكل من سمع صيغة الغناء يقول هذا غناء وليس بهجاء، وليس بنياحة، وليس بأشعار زهد، ونحو ذلك.

    أشعار الغناء تقال بتطريب، وتمطيط، وترقيق، وتكسر، وتخنث، وميوعة، ولذلك يستحسن الغناء من المرأة أكثر مما يستحسن من الرجل؛ لأن طبيعة الرقة والميوعة في المرأة أكثر من الرجل، هذا هو الغناء: كلام موزون مقفى فيه فحش ونكارة وبذاءة، يقال بتمطيط وترقيق وتكسر وتخنث، يقوله الماجنون والماجنات، كما يقول بعض الشعراء عليه غضب رب الأرض والسماء:

    أنا عاشق يا بنات النيل وبغنيلكم مواويل

    هذا أين يقال إخوتي الكرام؟ يقال في إذاعات الدنيا، ويأخذ المغنون عليه أجراً، سبحان ربي العظيم!

    ويقول هذا بآلات وعزف وتلحين.. أنت عاشق؟ أنت فاجر فاسق يا عدو الله، ولكن ليس العتب عليك العتب على من جعلك تعربد في أرجاء الدنيا، تشبب بأخواتنا، ببنات المسلمين! يا لك من مجرم!

    النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح عندما دخل مكة أهدر وأراق دم عبد الله بن خطل ، فقال: (إن وجدتموه متعلقاً بأستار الكعبة فاقتلوه) لمَ؟ لأنه كان يشبب ببنات المسلمين، وقد قتله الصحابة وهو متعلق بأستار الكعبة في بيت الله الحرام، وهذا الخبيث صوته يجعجع في إذاعات العالم: (أنا عاشق يا بنات النيل)، أنت عاشق!! أنت فاسق، أنت عدو الله، عليك لعنة رب العالمين.

    هذا الغناء من سمعه يستطيع أن يميز لهجته، وهكذا الغناء الذي يقال في إذاعة أخرى:

    يا محلا العيشة تحت العريشة سكرة وتحشيشة نرقص ونغني

    أي والله! مادام الغناء موجوداً في الناس سيسكرون ويحششون، هذا يقال في إذاعات الدنيا، وأنت إذا سمعته تعلم أن هذا غناء، والحمد لله الذي صانني من ذلك ولا أستطيع أن ألحن هذا:

    هذا هو الغناء، يسكر ويحشش ويغني، يا عبد الله! عيشتك عيشة الكلاب أحسن منها، هذه عيشة حلوة!! والله لو شعرت ببلائك لضججت إلى ربك في ليلك ونهارك، تجلس تحت العريشة تسكر وتحشش وتغني، هل هذه عيشة حلوة يا سفيه؟! وأكثر منك من جعلك تعربد وتجعجع في أرجاء الدنيا.

    هذا هو الغناء -إخوتي الكرام- من سمعه يعلم أنه غناء، موضوع فاحش بذيء منكر قبيح، يدعو للفجور، ويغري النساء بالرجال والرجال بالنساء، ويغري الناس بما حرم الله عليهم، هذا موضوعه، ثم صيغته فيها تكسر، وتخنث، وترقيق، وتمطيط، وتطريب، فالموضوع واضح واللهجة واضحة، والله الذي لا إله إلا هو لا يقول بحل هذا الغناء إلا من طبع الله على قلبه وغضب عليه، فحققوا معنى الغناء ولا تصطادوا في الماء العكر، لا تقولون: سمع النبي صلى الله عليه وسلم الشعر، نعم سمع الشعر الذي يقرب إلى الله:

    خلوا بني الكفار عن سبيله وإلا نقاتلكم على تنزيله

    ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله

    هذا الذي سمعه، ما سمع:

    يا محلا العيشة تحت العريشة سكرة وتحشيشة نرقص ونغني

    هذا ما سمعه النبي عليه الصلاة والسلام، وما أظن أنه كان يخطر ببال أحد من المسلمين أنه سيصل حالنا إلى ما يندى له الجبين، في إذاعاتنا يقال هذا الفحش، وهذا البلاء، ونحارب رب الأرض والسماء.

    إذاً: الغناء نوع من الشعر والشعر، والشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، كما ثبت هذا عن نبينا صلى الله عليه وسلم في معجم الطبراني الأوسط بسند حسن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، ورواه أبو يعلى في مسنده، عن أمنا عائشة رضي الله عنها بسند لا بأس به، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الشعر كالكلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح), لكن لما كان الشعر في الغالب يستعمل في النوع الثاني، فيما فيه بذاءة ونكارة وقبح وفجور، نزه الله كتابه عن الشعر فقال سبحانه وتعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس:69]، ونزه الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن الشعر فقال جل وعلا: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [الحاقة:41-42].

    وذلك لأن أعذب الشعر أكذبه، والشعر قائم على التخييلات والمجازفات الباردة، وأغراض القرآن لا تتناسب مع أغراض الشعر، فليس في القرآن شعر، وما علم الله نبينا صلى الله عليه وسلم الشعر.

    ورود النهي والتحذير من الشعر المذموم

    وقد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من الشعر المذموم المحرم، فينبغي أن ينصرف التحذير إلى هذا النوع، فقد أخبرنا أنه إذا امتلأ جوف أحدنا قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً وصديداً حتى يرِيه، خير له من أن يمتلئ شعراً)، حتى يريه من الوَرْي، أي: حتى يصيبه بداء الوري، وهو داء يعتري الإنسان في جوفه، فلأن يمتلئ جوف أحدنا قيحاً وصديداً، حتى يصاب بداء في جوفه، خير له من أن يمتلئ شعراً، أي: الشعر المحرم من غناء وغيره.

    وهذا الحديث متواتر عن نبينا صلى الله عليه وسلم، رُوي عما يزيد عن أحد عشر صحابياً رضي الله عنهم.

    وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا قال بيتاً من الشعر المنكر المذموم بعد صلاة العشاء، لا يقبل الله منه صلاة تلك الليلة، كما روى هذا الإمام أحمد في مسنده، والبزار في مسنده، والطبراني في معجمه الكبير، عن شداد بن أوس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرض بيتاً من الشعر بعد صلاة العشاء الآخرة، لم تُقبل له صلاة تلك الليلة)، أي: من الشعر المحرم من شعر النوح والهجاء والمدح والشرك والغناء، فإذا استمعت أغنية بعد صلاة العشاء لن يقبل الله منك صلاة تلك الليلة, هذا إذا تيسر لك القيام، (إن اللئيم عن المكارم يُشغل).

    فلما حاربنا الله في أول الليل كره انبعاثنا في آخر الليل، فثبطنا وقال: اقعدوا مع القاعدين، ناموا مع النائمين.

    والحديث زعم ابن الجوزي أنه موضوع، وكلامه ممنوع، والحديث فيه قزعة بن سويد وغاية ما قيل فيه إنه ضعيف، وقد اختلف كلام الحافظ في هذا الرجل، فحكم عليه في التقريب بأنه ضعيف، وحكم عليه في القول المسدد في الذب عن المسند أن حاصل كلام الأئمة في هذا الرجل: أن حديثه في درجة الحسن، والإمام الذهبي أورده في الكاشف، فقال: مختلف فيه، والحديث ذكره الإمام ابن أبي حاتم في كتاب العلل، وقال: سألت أبي عن حديث شداد بن أوس عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من قرض بيتاً من الشعر بعد صلاة العشاء الآخرة، لم تقبل له صلاة تلك الليلة)، فقال أبي -أي أبو حاتم -: هذا من كلام عبد الله بن عمرو ، أي موقوف عليه، وليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رُوي -كما قلت- مرفوعاً، وليس فيه غرابة، وما تقدم يشهد له، فإذا قال الإنسان بيتاً من الشعر بعد صلاة العشاء الآخرة من الشعر المحرم لم تقبل له صلاة تلك الليلة.

    إخوتي الكرام! ولأجل كون الشعر يستعمل أكثر ما يستعمل في النوع الثاني المحرم, نص أئمتنا على أنه لا يُكتب في بداية دواوين الشعر (بسم الله الرحمن الرحيم)، بعد أن اتفقوا على أن البسملة تُكتب في بداية كل كتاب، لكن في دواوين الشعر لا تُكتب، لما في الشعر من مجازفات ومبالغات وكذب وتخرصات.

    قال الإمام الشعبي : أجمعوا أنه لا تُكتب البسملة في دواوين الشعر.

    وقال الإمام الزهري : مضت السنة ألا تكتب البسملة أمام الشعر.

    لكنني أقول: هذا لعله محمول على الشعر المحرم المذموم، وقد ذهب سعيد بن جبير إلى جواز كتابة البسملة أمام الشعر الجائز، قال الإمام الخطيب البغدادي : وهو الذي نختاره ونستحبه.

    أقول: وإذا كان الشعر كالكلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح، وثبت هذا عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وقال هذا الإمام الشافعي وغيره، فينبغي أن نعطي للشعر حكم الكلام الآخر، فإذا كان موضوع الشعر مباحاً فلا مانع من كتابة البسملة في بدايته، وإذا كان موضوعه مذموماً قبيحاً فيحرم أن نكتب بسم الله الرحمن الرحيم في بدايته؛ لأن هذا فيه استهانة باسم الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    الأدلة من القرآن الكريم على تحريم الغناء

    إخوتي الكرام! هذا هو الشعر، والغناء نوع من الشعر فهو من النوع الثاني الشعر المحرم.

    هذا الشعر المحرم ما الدليل على تحريمه من كتاب ربنا؟

    إخوتي الكرام! الآيات كثيرة، وهذا الموضوع لو أردنا أن نتكلم على عيون مسائله على وجه الإحاطة، فلن تكفي عدد من المحاضرات للكلام على هذا الموضوع، لذلك لن أستعرض سائر الأدلة التي تدل على تحريم الغناء، إنما سآخذ من كتاب الله ثلاث آيات فقط تحرم الغناء، وأبيِّن وجه تحريمها، وسوف نأخذ حديثين فقط من السنة تدل على التحريم، لئلا يحصل بنا توسع كبير في هذا الموضوع والوقت لا يسع لهذا، لذلك سأقتصر على سرد ثلاث آيات تدل على تحريم الغناء:

    قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث...)

    الآية الأولى في سورة لقمان، وسورة لقمان مكية باتفاق علماء الإسلام، وفي مكة حرم الله الغناء على الأنام، يقول الله جل وعلا: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان:6-7].

    غاية ما نُقل عن سلفنا الكرام في بيان معنى (لهو الحديث) ثلاثة أقوال:

    قال الحسن البصري : كل ما شغلك عن الله فهو من لهو الحديث.

    وقال الضحاك : لهو الحديث الشرك.

    وقال ثلاثة من الصحابة عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنه أجمعين: لهو الحديث الغناء، وقد أقسم بالله عبد الله بن مسعود ثلاث مرات كما ثبت هذا في المستدرك بسند صحيح كالشمس: أن لهو الحديث هو الغناء.

    قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله: ولا تعارض بين هذه الأقوال، فكل ما شغلك عن الله فهو من لهو الحديث, فالشرك من ذلك، يشغلك عن الله ويصدك عنه، والغناء أعظم شاغل وصاد عن الله، فهو من لهو الحديث, فكل ما شغلك عن الله من غناء أو غيره فهو من لهو الحديث. والآية نزلت في رجلين وورد هذا بسند ضعيف:

    أولهما: في النضر بن الحارث ، فقد اشترى جارية في مكة عندما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول للناس: هلموا إليّ، فجاريتي تغني لكم أحسن مما يقول محمد عليه الصلاة والسلام، هلموا إليّ عندنا غناء وعندنا جارية، أحسن مما عند محمد عليه الصلاة والسلام.

    والثاني: عبد الله بن خطل الذي تقدم معنا أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بضرب رقبته في بيت الله الحرام، وهو متعلق بأستار الكعبة، اشترى قينة كانت تغني وتهجو الإسلام والمسلمين، فقتله النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، والنضر قتله النبي عليه الصلاة والسلام في موقعة بدر، بعد أن أسره قتله عليه صلوات الله وسلامه، دون سائر الأسرى، وقد أُسر سبعون فقتله وقتل عقبة بن أبي معيط بعد أن أسروا، لما كان يصدر منه من شناعات وبليات في العصر المكي، فقال الخبيث: أأقتل دون أصحابي؟ قال: نعم، أنت ستقتل دون أصحابك؛ لأن من اتخذ جارية لتغني ولتصد الناس عن القرآن ينبغي أن تقطع رقبته، هذا حكم النبي صلى الله عليه وسلم.

    قوله: (ليضل) قرأ القراء الثمانية (ليُضل)، وقرأ ابن كثير قارئ مكة، وأبو عمرو قارئ البصرة: (ليَضل)، وقراءة (ليُضل) قراءة الجمهور فاللام للتعليل، أي: يفعل ما يفعل ليُضلل الناس ويصدهم عن كتاب الله سبحانه وتعالى.

    وقراءة ابن كثير وأبي عمرو تحتمل أمرين: إما أن تكون اللام هنا لام العاقبة أي: ليَضل هو عن سبيل الله، فإن قيل: هو ضال فكيف سيضل؟ قيل: ليرسخ في الضلال، وليكون له فيه رتبة عظيمة، وليزداد ضلالاً، وقيل: إن قراءة ابن كثير وأبي عمرو بمعنى قراء الجمهور، فعبَّر الله جل وعلا بالرديف وأراد المردوف، عبر بالضلال وأراد الإضلال؛ لأنه لا يُضل الإنسان غيره إلا إذا كان ضالاً، فهو ضال مضل.

    قال الإمام الألوسي عليه رحمة الله في تفسيره عند هذه الآية: وفي الآية عند الأكثرية ذم للغناء بأعلى صوت، وقد تضافرت الآثار واتفقت كلمة الأخيار، على ذم الغناء وتحريمه مطلقاً لا في مقام دون مقام,

    وهو الغناء الذي تقدم وصفه أنه محرم ولا يباح بحال.

    وقال الإمام القرطبي عليه رحمة الله في تفسيره بعد ذكر قول ابن مسعود ومن معه بأن المراد من لهو الحديث هو الغناء، قال: هذا أعلى ما قيل في تفسير الآية: أن المراد بلهو الحديث الغناء، ثبت هذا عن ثلاثة من الصحابة الأتقياء رضي الله عنهم، قال الإمام القرطبي : وهو أولى ما في هذا الباب، والغناء ممنوع بالكتاب وبالسنة. يقول: هذا الأمر الذي ذكره هؤلاء الصحابة حقيقي وحق، فقد دل القرآن والسنة على تحريم الغناء.

    وأنا أزيد على كلام القرطبي فأقول: الغناء ممنوع بالكتاب وبالسنة وبما أجمع عليه سلف الأمة، محرم في كتاب ربنا وسنة نبينا، وعلى هذا إجماع سلفنا.

    إخوتي الكرام! الغناء إذاً من لهو الحديث، ثبت عن صحابي وعن تابعي وعن رجل من أتباع التابعين، الصحابي هو ابن عباس ، والتابعي هو القاسم بن محمد أحد الفقهاء السبعة، والذي هو من أتباع التابعين هو الإمام مالك ، هؤلاء الثلاثة كل واحد منهم سئل عن حكم الله في الغناء: ما تقول في الغناء؟ فلما تشابهت القلوب في الطهارة اتفقت الألسن في الجواب، قال كل واحد من هؤلاء الثلاثة ابن عباس والقاسم بن محمد ومالك : كل واحد يقول لمن سأله في عصور مختلفة: إذا كان يوم القيامة وجيء بالحق وبالباطل، ففي أيهما يكون الغناء؟ فقال السائل: في الباطل، فقال كل واحد من هؤلاء الثلاثة لسائله: والباطل في الجنة أو في النار؟ قال: في النار، فقال كل واحد من الثلاثة لسائله: اذهب فقد أفتيت نفسك. لا داعي لأن نفتيك، أنت قد أفتيت نفسك، إذا جيء بالحق وبالباطل يوم القيامة فإن الغناء يكون في الباطل والباطل في النار.

    قوله تعالى: (أفمن هذا الحديث تعجبون ... وأنتم سامدون)

    الآية الثانية في سورة النجم، وسورة النجم مكية بإجماع العلماء، وفيها نص الله على تحريم الغناء، يقول الله جل وعلا في آخر سورة النجم: أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:59-62].

    ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ [النجم:61] أي: مغنون، والسمود هو الغناء بلغة حِمْيَر، يقال للقينة -أي المغنية-: أسمدينا، أي: ألهينا بالغناء.

    وثبت عن عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، قال: كان المشركون إذا نزل عليهم القرآن تغنوا، كانوا يغنون لئلا يسمعوا كلام الله الميمون، فنزلت الآية: أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:59-62].

    قال علماء اللغة: والسمود أصله في اللغة بمعنى: السهو والغفلة واللهو والإعراض.

    قال الإمام ابن القيم : وهذه المعاني الأربعة كلها موجودة في الغناء، فالغناء سهو وغفلة ولهو، وفيه إعراض عن الله سبحانه وتعالى، فهذه الآية يحرم الله فيها الغناء لتربى القلوب على الطهارة والصفاء من أول يوم.

    قوله تعالى: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك...)

    الآية الثالثة في سورة الإسراء، وسورة الإسراء مكية باتفاق، حرم الله فيها الغناء، يقول الله جل وعلا: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [الإسراء:61-64].

    عندما لعن الله إبليس وطرده بسبب عدم سجوده لأبينا على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، والعداوة بيننا وبين هذا اللعين إبليس عداوة قديمة، فأعلن هذا الملعون اللعين أنه سيغوينا أجمعين، إلا من عصم الله ورحم: قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:62]، ولما قال: (ذريته) في ذلك بشارة عظيمة بأن آدم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه لن يكون للشيطان عليه سبيل وتسلط بعد ذلك، كيف لا وهو نبي مُكلَّم عندما نزل إلى الأرض، وكان حاله بعد الزلة والخطيئة خيراً من حاله قبل الزلة والخطيئة، فقوله: (لأحتنكن ذريته) فيه دليل على أن آدم ليس له عليه سبيل، ومعنى (أحتنكن) أي: أستولين، يقال: احتنك الجراد الزرع إذا استولى عليه وقضمه فلم يترك منه شيئاً، (لأحتنكن ذريته) أي: لأستولين عليهم كما يستولي الجراد على الزرع، فإن الجراد إذا نزل على الزرع لا يترك خضراء ولا صفراء ولا حشيشة قائمة، فالشيطان يقول: سأستولي عليهم كما يستولي الجراد على الزرع.

    وقيل: (لأحتنكن ذريته) أي: لأسوقن ذريته إلى حيث شئت، مأخوذ من قولك: حنكت الفرس، إذا جعلت له رسناً في فمه لتقوده كما تريد، والأمران يطمع بهما الشيطان، فهو يطمع بأن يستولي علينا، ثم يقودنا كما يقود الإنسان دابته، وهذا هو الواقع.

    قال تعالى: قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ [الإسراء:63-64] أي: استنهض مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ [الإسراء:64] ما هو صوت الشيطان؟

    أقوال السلف في المراد بقوله: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك)

    ثبت عن مجاهد أنه قال: صوت الشيطان الغناء والمزامير. وسيأتينا -إخوتي الكرام- كلام النبي عليه الصلاة والسلام بأن الغناء هو قرآن الشيطان، أي: اذهب واستنهض الناس وادعهم إليك بالغناء فهو قرآنك. فالقرآن هو كلام الله، وأنت عندك قرآن وهو الغناء والمزامير.

    وقال الحسن : هو الدف. أي إذا لم يكن مرخصاً فيه في العرس.

    وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كل داع إلى معصية الله.

    قال الإمام ابن القيم : والغناء من أعظم الدواعي إلى معصية الله.

    إذاً: قوله: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ [الإسراء:64] أي: استنهض من استطعت منهم لطاعتك بقرآنك، (وأجلب عليهم) أي: صُحْ ونادِ عليهم، مأخوذ من الجلبة بالسوق، وهي الضجيج والصياح، صح فيهم بما تستطيع بخيلك ورجلك، بكل راكب وماشٍ في معصية الله، قرأ حفص عن عاصم (ورَجِلِك)، وقرأ شعبة عن عاصم ومعه سائر التسعة: (بخيلك ورجْلِك) والرجْل: جمع راجل، كالصحب جمع صاحب، وقراءة حفص بمعنى قراءة الجمهور؛ لأن الرجِل لغة في الرجْل، وه جمع راجل، وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء:64-65].

    فكل من استمع إلى الغناء فليعلم أنه قد استحوذ عليه الشيطان، وليس له من الله الحفظ والرعاية.

    ثم قال تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الإسراء:65]، فصوتك لا يؤثر فيهم، فهم يعرضون عنه ويحتقرونه، وجيوشك التي ترسلها وتحرض الناس على معاصي الله من مشاة وراكبين لا يأبهون بهم ويقارعونهم، فمن عادى الغناء وأولياء الشيطان فهو من أولياء الرحمن، ومن استمع إلى الغناء فهو من حزب الشيطان، وقد دعاه الشيطان فقال له: لبيك.

    قال الإمام القرطبي في تفسيره: في الآية دليل على تحريم المزامير والغناء واللهو -مثل كلام القرطبي بالحرف- فما كان من صوت الشيطان أو فعله أو ما يستحسنه فواجب التنزه عنه. لأن الغناء والمزامير إذا كانت من صوت الشيطان، ودعاء الشيطان، فيجب أن تتنزه عنه، ثم أيَّد الإمام ما استنبطه من الآية بحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم.

    والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، وهو في درجة الحسن، عن نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين، قال: (كنت أسير مع ابن عمر رضي الله عنهما فسمع صوت راع يزمر بزَمارة، وكنت صغيراً، -أي: نافع - فوضع ابن عمر أُصبعه في أذنيه، وقال: يا نافع ! أتسمع؟ فقلت: نعم، ثم سار، فقال: أتسمع؟ فقلت: نعم، ثم سار فقال: أتسمع؟ فقلت: لا، فأخرج أصبعيه من أذنيه، ثم قال له: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع صوت يراع، -آلة يزمر ويُغنى بها- ففعل مثل ما فعلت)، وضع النبي صلى الله عليه وسلم أصبعيه في أذنيه، فهذا دليل على أن الغناء محرم.

    قال القرطبي عليه رحمة الله: قال علماؤنا: وهذا في غناء ذلك الزمان، أي: في الزمن الأول، عندما كان لا يخرج عن حد الاعتدال، أي: غناء ليس فيه فحش وتشبيب وبذاءة وسفاهة، ما فيه (أنا عاشق يا بنات النيل)، هذا لا يوجد، ومع ذلك وضع ابن عمر أصبعه في أذنيه والنبي عليه الصلاة والسلام وضع أصبعه في أذنيه، هذا كان في غناء زمانهم وليس فيه هذا الفحش، فكيف بغناء زماننا!

    والقرطبي كان في القرن السادس للهجرة عليه رحمة الله، لقد مضى على زمنك ثمانية قرون، فكيف لو رأيت زماننا، والله لاستحيت من المشي في شوارعنا وفي أسواقنا، لو رأيت زماننا، إذا كنت تقول في القرن السادس: قال علماؤنا: فكيف بغناء زماننا! وأنا أقول: فكيف بغناء زماننا! ونسأل الله أن يلطف بأحوالنا.

    عباد الله! هذه آيات ثلاثة من آيات كثيرة اقتصرت عليها تدل على تحريم الغناء.

    وبهذا نكتف في هذه الوعظة، والحمد لله رب العالمين.