إسلام ويب

حجاب المرأة المسلمة [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كانت المرأة قبل الإسلام مهانة، تتناقلها الأيدي وتقلبها الأبصار كأنها سلعة، فجاء الإسلام بحفظ كرامتها، والرفع من شأنها، ووقايتها من كل ما يشينها ويدنس شرفها، ومن أجل هذه الغاية السامية شرع الله عز وجل الحجاب وألزم به المرأة، وهذا الحجاب غير مقتصر على اللباس الذي يغطي جسدها ويستر مفاتنها عند دخولها وخروجها، وإنما يكون ابتداء بقرارها في بيتها وعدم خروجها منه إلا لضرورة، وهذا من كمال رعاية الإسلام لها وحفظه لدينها.

    1.   

    أسباب الحديث عن حجاب المرأة المسلمة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، سبحانك ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    إخوتي الكرام! إن الحديث الذي سنتدارسه في هذه الموعظة المباركة بإذن ربنا سبحانه وتعالى، يدور حول هدي الشريعة المطهرة في حجاب المرأة المسلمة، والبحث في هذا الموضوع سيدور على أمور ثلاثة، على السبب في اختيار هذا الموضوع، وعلى أمرين يدور عليهما الكلام في هذا الموضوع.

    الأمر الأول: في ضرورة قعود النساء في بيوتهن.

    والثاني: في الوصف الشرعي لهن عند خروجهن من بيوتهن إذا دعتهن الضرورة للخروج.

    إخوتي الكرام! أما سبب اختياري لهذا البحث ومدارسته في هذا الوقت، فغير خافٍ على أحد من الناس أن أعظم ما تتميز به الحياة الاجتماعية الإسلامية عن الحياة الغربية الإنحلالية، وعن الحياة الشرقية الإلحادية، موضوع المرأة، فإذا نظرت إلى النساء فبإمكانك أن تحكم على المجتمع هل هو غربى متحلل, أو شرقي ملحد، أو مسلم موحد.

    إخوتي الكرام! ونظرة الإسلام إلى المرأة أن المرأة عرض يُصان، وينبغي أن تُقابل بالرحمة من قِبل الأنام، فهي ضعيفة تُرحم، وهي عرض يصان، ولو درى النساء بهذين الأمرين اللذَين أوجبهما الله جل وعلا على الناس تجاه المسلمات لالتزم النساء قاطبة بهدي الإسلام في جميع شئون الحياة.

    يحدثني بعض الإخوة الكرام عن بعض إخواننا السودانيين الصالحين أنه ذهب إلى بريطانيا.. إلى دولة الانحلال والفساد والبلاء، وسكن في عمارة، وكان فوقهم في العمارة امرأة تسكن في شقة في السطح، أتعبتهم وأزعجتهم فترة طويلة من إقامته، ثم في يوم من الأيام طرقت هذه المرأة الباب على هذا الأخ الصالح الشيخ المبارك، ففتحوا لها الباب وقالت: أنا التي أسكن فوقكم وجئت لزيارتكم، والأخ كان معه زوجه وأولاده، فأدخلوها، قالت: ما ديانتكم التي تدينون بها؟ فقالوا: ندين بالإسلام، وديننا يقوم على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إنما ما سبب سؤالك يا أمة الله؟ فقالت هذه المرأة البريطانية الإنجليزية الغربية الصليبية: إنني رأيت هذه المرأة المسلمة عندما تخرج من البيت متحجبة، فأردت أن أتعرف على ديانتها، فقالوا لها: وهل ناسبك الحجاب وراق لكِ؟ قالت: منذ أن سكنت في هذه العمارة إلى الآن وأنا أفكر في أمر الحجاب، وأقول: إن الدين الذي فرض هذا الحجاب هو دين حق، وأنا أفكر في هذا الأمر، قالوا: ولم يا أمة الله؟ ماذا رأيتِ في الحجاب؟ قالت: عندما أخرج سافرة متهتكة أشعر أنني سلعة مبتذلة، هذا يتعرضني من هنا, وذاك يتعرضني من هناك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وقد دخلت في دينكم، وصرت امرأة مسلمة موحدة، فما كان من هذا الأخ المبارك مع زوجه إلا أن أعطوها جلباباً يسترها من رأسها إلى رجليها.

    ذهبت في اليوم التالي إلى العمل وهي متحجبة في بريطانيا، فقُوبلت من الباب: كيف تدخلين إلى مكان العمل بهذا الزي؟ قالت: أنا آمنت ودخلت في دين الإسلام، قالوا: وما لنا ولإيمانك، لا يدخل لهذه الدائرة إلا امرأة سافرة، فإن كنتِ تدينين بالإسلام فالتزمي بالأنظمة والقوانين التي في هذه الدائرة، فقالت مقالة المرأة التي عرفت الله: يغنيني الله عنكم, وذهبت إلى بيتها، وما كان من الرجل بعد ذلك إلا أنه سعى مع بعض أهل الخير في استقدامها إلى هذه البلاد، وهي الآن في الرياض.

    هذا الحجاب الذي صان الله به المرأة، وبه تُرحم، ويخبرني بعض إخواننا الطيبين من بلاد الشام عندما كان في بلاد المغرب يدرس هناك، والجامعة فيها ما فيها من الاختلاط والبلاء، أنه تقابل في يوم من الأيام مع مجموعة من الطلاب ومعهم طالبة، فصافح الطلاب ولم يصافح هذه الطالبة، فعتبت عليه بعد ذلك وقالت: ألست مسلمة، ولماذا لم تصافحني؟ قال: إن الله حرم هذا يا أمة الله، وهي تدرس في الأمور العلمية، فقالت: أصحيح هذا في الإسلام؟ سبحان ربي الرحمن! بدأ بنات الإسلام يجهلن الحجاب الذي فرضه الله عليهن، والابتعاد عن الرجال الذي ألزمهن الله به.

    قال: نعم يا أمة الله! نُهينا عن سؤال المرأة إلا من وراء حجاب، يقول تعالى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53] ، فقالت هذه المرأة: إذا كان الأمر كذلك فأنا أخبرك عن نفسي، والله ما صافحني رجل إلا وهو خبيث القلب، هذا يضغط على يدي، وهذا يفركها، وهذا وهذا، فالحمد لله الذي صان المرأة بالحجاب، وأعاهد الله من هذه الساعة على أن أتحجب، وألا يرى شيئاً من بدني أحد ممن حرم الله عليهم النظر إلى بدني.

    المرأة عرض يصان، مخلوق يرحم، ليست المرأة عند المسلمين كما هي عند الكافرين الملعونين من شرقيين وغربيين سلعة ووسيلة للمتعة، يرتع في عرضها كل ذميم خبيث، لا، بل عرض يصان، ومخلوق يرحم.

    أصون عرضي بمالي لا أبدده لا بارك الله بعد العرض في المال

    عباد الله! المرأة إذا صينت وإذا رُحمت عاد هذا الأمر عليها وعلى الناس أجمعين بالرحمة والخير والبركة، ونصر الله وتأييده وحفظه، وإذا فُرط في هذا الأمر فالأمة وقعت في أعظم البلاء، وأعظم النكد، وتعرضت لسخط رب الأرض والسماء.

    ولذلك حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من التفريط بصيانة النساء ورحمتهن، ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء ).

    المرأة إذا لم تُصن ولم ترحم وابتُذلت هلكت وأهلكت، فأعظم فتنة تقع في هذه الحياة فتنة الرجال بالنساء، ( ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء).

    وقد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من التفريط في هذا الأمر غاية التحذير، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها لينظرَ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).

    ولذلك ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان كفر من مضى من قِبل النساء، وسيكون كفر من بقي من قِبل النساء.

    1.   

    الأمور التي ركز عليها أعداء الأسلام لإفساد مجتمعات المسلمين

    إخوتي الكرام! ولهذا الأمر الذي وعاه أعداء الإسلام، أن المرأة إذا فسدت فسدت الحياة، ركزوا ضربات متتالية على ثلاثة أمور في حياة المسلمين، بعد أن فرطوا عقدهم، وفرقوا فيما بينهم، لئلا تجتمع كلمتهم، ولئلا ينتظم عقدهم، ركزوا على ثلاثة أمور، مادامت هذه الأمور موجودة في حياة المسلمين فلا صلاح للمسلمين ولا اجتماع ولا عز ولا سعادة.

    إفساد الإعلام

    الأمر الأول: ركزوا على وسائل الأعلام، فأفسدوا الإناث، وأفسدوا الذكور، أفسدوا المرأة في بيتها، في شارعها، أفسدوا المرأة في مدينتها، أفسدوا المرأة في ريفها، وما يحدث في وسائل الإعلام يندى له جبين أهل الإسلام، وكأن الذين يشرفون على وسائل الإعلام لا يؤمنون بذي الجلال والإكرام، ركزوا على هذا وأفسدوا الجيل إفساداً ليس بعده إفساد.

    إفساد التعليم

    والأمر الثاني: ضربوا ضربات متتالية على معاقل التعليم، وجعلوها في أيدي الماسونية عليهم غضب رب العالمين، وما يحصل في معاقل التعليم في هذا الحين يندى له الجبين، صارت أوكاراً للفساد والمفسدين، إلا ما رحم ربك وقليل ما هم، وكأن التعليم صار في بلاد الإسلام سببا ووسيلة لمحاربة الإسلام.

    إفساد المرأة

    ركزوا بعد ذلك على المرأة، فإذا فسدت فسد الرجل، وإذا فسد الرجل والمرأة فسدت الحياة، فلا يمكن أن يستيقظوا من نومهم ومن غفلتهم ومن ضلالهم، وسيبقون بعد ذلك في شهواتهم وفي ذلهم وحقارتهم، المرأة ركزوا على إفسادها وأفسدوها إفساداً ليس بعده إفساد.

    وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر في حديثه الصحيح، وأشار إلى هذا الأمر المُغيَّب الذي نخوض الآن فيه، فأخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام: أن المرأة إذا فسدت فهذا دليل على فساد جهاز الحكم، وأن جهاز الحكم إذا فسد فستفسد المرأة؛ لأنه لا يكون هناك رقابة ولا حث على الفضيلة، إنما يكون هناك تهتك وحث على الرذيلة.

    ثبت في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صنفان من أهل النار لم أرهما: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس )، وهم عمال السوء والحكام الظلمة، الذين يعْوون على رعيتهم كالكلاب، ويقابلونهم بأغلظ وأشنع ألفاظ السب وأشنع أنواع العذاب، ( رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ).

    وقرن النبي صلى الله عليه وسلم بين هذين الصنفين للإشارة إلى أن جهاز الحكم إذا فسد فسدت المرأة، وإذا فسدت المرأة فهذا دليل على اختلال الأمور اختلالاً ليس بعده اختلال، (كاسيات) يلبسن ملابس لكنها رقيقة تشف عن الأجسام، لكنها قصيرة لا تستر ما أمر الله بستره، لكنها ضيقة تصف مفاتن المرأة ومحاسنها، فهي كاسية لكنها عارية، كاسيات عاريات، (مائلات) عن الحق وعن الهدى، يملن في مشيتهن ليملن غيرهن أيضاً عن صراط الله المستقيم، (مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت) يضخمنها ويعظمنها ويجعلن الشعور في وسط الرأس ليبدو بعد ذلك عالياً ومرتفعا كسنام البعير، (لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا).

    ما يلزم ولي الأمر تجاه المرأة وحجابها

    إخوتي الكرام! وقد أشار الإمام ابن القيم عليه رحمة الله، في كتابه الطرق الحكمية في السياسة الشرعية إلى هذا الأمر، وأخبر أن ولي الأمر ينبغي عليه أن يراقب النساء، وأن يحذِّر وأن يحْذر من تبرجهن، فإذا تبرجن ففي ذلك هلاك للرعية، وسبب لغضب رب البرية، فذكر كلاماً محكماً طيباً في هذا الكتاب زاد على صفحتين، ينبغي أن ينقش على القلوب من صفحة ثمان وعشرين وثلاثمائة إلى صفحة ثلاثين وثلاثمائة، يقول عليه رحمة الله ونوَّر الله مرقده: ومن ذلك -أي مما يجب على ولي الأمر- أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق، والفُرج، ومجامع الرجال، لا يجوز أن يختلط الرجال بالنساء في الأسواق، ولا في أماكن المتنزهات، ولا في محل اجتماع الرجال في الأماكن العامة التي يقصدها رجال ونساء، كالمستشفيات وغيرها، يجب عليه وجوباً أن يمنع هذا.

    قال الإمام مالك رحمه الله ورضي عنه: أرى للإمام أن يتقدم إلى الصنَّاع في قعود النساء إليهم، وأرى ألا يترك المرأة الشابة تجلس إلى الصناع، فالإمام مسئول عن ذلك، والفتنة به عظيمة، قال صلى الله عليه وسلم: ( ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء ).

    ثم قال عليه رحمة الله: ويجب عليه منع النساء من الخروج متزينات متجملات، ومنعهن من الثياب التي يكنَّ بها كاسيات عاريات، كالثياب الواسعة والرقاق، ومنعهن من حديث الرجال في الطرقات، ومنع الرجال من ذلك، حتى ولو كان الرجل الذي تكلمه زوجاً لها، أو أخاً، أو أباً، تمنع المرأة من الكلام في الشارع وفي الطريق، خرجت لضرورة فلتقدر تلك الضرورة بقدرها، ولتخرج بحشمة وأدب، ولتقض ما دعاها للخروج إليه، ثم لتعد بعد ذلك بحياء وأدب إلى حصنها وإلى بيتها وإلى قلعتها وهو البيت.

    قال الإمام ابن القيم : إن رأى ولي الأمر أن يفسد على المرأة إذا تجملت وتزينت وخرجت .. أن يفسد ثيابها بحبر ونحوه فقد رخَّص في ذلك بعض الفقهاء وأصاب، وهذا من أدنى عقوبتهن المالية، وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من منزلها، وإن كانت متحجبة ولا يبدو منها شعر ولا بشرة ولا ظفر، إذا كانت تخرج إلى هنا وهناك، له أن يحبسها، وأن يحجر عليها ليمنع الناس من الفتنة بها، وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من منزلها، ولا سيما إذا خرجت متجملة، بل إقرار النساء على ذلك إعانة لهن على الإثم والمعصية، والله سائل ولي الأمر عن ذلك، وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه النساء من المشي في طريق الرجال والاختلاط بهم في الطرق، فعلى ولي الأمر أن يقتدي به في ذلك.

    ثم قال عليه رحمة الله: ويمنع المرأة إذا أصابت بخوراً أن تشهد عشاء الآخرة في المسجد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( المرأة إذا خرجت استشرفها الشيطان )، ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة، ولما اختلط البغايا بعسكر موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وفشت فيهم الفاحشة، أرسل الله عليهم الطاعون، فمات في يوم واحد سبعون ألفاً، والقصة مشهورة في كتب التفاسير، وذلك كله بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات، ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية قبل الدين لكانوا أشد شيء منعاً لذلك.

    ( صنفان من أهل النار لم أرهما: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ).

    1.   

    أصناف الناس حسب موقعهم من حجاب المرأة

    لقد عم في هذا العصر سفور النساء وتهتكهن في جميع أرض العالم، وفي جميع بلدان العالم، وانقسم الناس نحو هذا الأمر المشين إلى أربعة أقسام:‏

    الصنف الأول: الدعون إلى التبرج والسفور

    الأول: ملحدون زنادقة، يدعون إلى هذا ويروجون له، وقد تبنى هذا زنادقة كثيرون ينتسبون إلى الإسلام والإسلام منهم بريء، هذا قاسم أمين قصم الله ظهره وألقاه في سجين، وهو الآن عند رب العالمين، يؤلف كتابين الكتاب الأول: (تحرير المرأة) تحرير المرأة من أي شيء أيها الخبيث!! من الفضيلة.. من الآداب.. من الحياء.. من الصيانة.. من الرحمة.. من أي شيء ستحررها؟! وأتبع الكتاب بعد سنة تماماً بكتاب ثانٍ (المرأة الحاضرة) ينبغي أن تكون غربية لا تتعرف على الشريعة الإسلامية، يدعو إلى السفور والتهتك في هذين الكتابين، وهكذا أناس كثيرون.

    هذه حقيرة العالم عندما يُعمل معها مقابلة في مجلة ماركلير، وهي مجلة فرنسية ملعونة، وهي هذه المرأة التي يُعمل معها مقابلة حقيرة خبيثة، تدَّعي أنها السيدة الأولى، هي الخبيثة الأولى، يُعمل معها مقابلة حول الحجاب، وعن انتشار الحجاب في بلاد المسلمين: ما رأيك نحوه؟ تقول: إن انتشار الحجاب بين النساء المسلمات هذا أمر مشين، وهذا أمر يندى له الجبين، وهذا ليس من الإسلام، وهؤلاء يعتبرن شاذات؛ لأنهن يخفن الأولاد بمظهرهن، تقول عن نفسها الخبيثة، وهي باعتبارها مدرسة في الجامعة: ستمنع كل طالبة متحجبة، وإذا رأت طالبة متحجبة ستقول لها: مكانك في الخارج، ثم أخبرت عن خبثها وعن خبث زوجها، أنها كانت تكلمه في موضوع المرأة مراراً، وفي القضاء على الحجاب، وفي إلزام الناس بالسفور، والأخذ على يد من تتحجب، فكان الخبيث يقول لها: لم تأت الفرصة المناسبة لذلك، وقد أخذه الله جل وعلا إلى الآخرة، إلى جهنم وبئس المصير، ونسأل الله أن يأخذ كل طاغوت على شاكلته.

    الحجاب صار شاذاً.. صار شيئاً مشيناً، وينبغي أن يُقضى عليه إذا جاءت الفرصة المناسبة، سبحان ربي العظيم! ملحدون يدعون إلى التهتك والتحلل، هذه الكاتبة الخبيثة نوال السعداوي صاحبة البلاوي، تكتب في مجلة الأهالي في مجلة شيوعية، تريد أن تعالج قضية إسلامية في مجلة شيوعية، تحت عنوان: أنا أتحدى، تتحدين من يا أمة الله؟! تقول: اتحدى كل من يقول إن الحجاب موجود في الشريعة الإسلامية، وأنا قد قرأت القرآن ودرسته خمساً وعشرين سنة، أي: قرآن؟ قرآن إبليس ليس قرآن الكريم العزيز، بينك وبين كلام الله حواجز، أعظم من سد ذي القرنين، قرأت القرآن خمساً وعشرين سنة تقول: فما وجدت آية تدعو إلى الحجاب، ونساء النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فيهن واحدة تتحجب، سبحان ربي العظيم!

    إخوتي الكرام! ملحدون زنادقة، وكل هؤلاء يستقون من سيدهم وإمامهم الذي يتبعونه ويأكلون من فضلاته، الملعون جلادستون ، الذي كان مخنثاً وهو ذكر، رئيساً لمجلس الوزراء في بريطانيا، هذا المخنث قبل أن تصبح رئيسة الوزراء مؤنثة، كان هذا ذكراً لكنه مخنث، يقول هذا الرجل الخبيث: لا يمكن أن تتقدم بلاد الشرق إلا بأمرين:

    الأمر الأول: أن نرفع الحجاب عن المرأة المسلمة.

    والأمر الثاني: أن نغطي بهذا الحجاب القرآن الكريم، سبحان ربي العظيم! يرفع الحجاب ليُغطى به القرآن، إذا سفرت نساؤنا، وحجب قرآننا، فقد تقدمنا!! تقدمنا إلى الرذيلة، إلى الهاوية، إلى جهنم وبئس المصير، وقد تبع الشعراء هذا الملعون في تقرير هذه القضية.

    الشرق ليس بناهض إلا إذا أدنى النساء من الرجال وقربا

    هذا الشاعر السافل جميل صدقي الزهاوي ، الذي هلك سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة، من قرابة خمسين سنة، يقول في أشعاره ويحارب الله جل وعلا تبعاً لأسياده من الغرب، يقول هذا الرجل الخبيث:

    أخر المسلمين عن أمم الأرض حجاب تشقى به المسلمات

    وهذا الرجل الخبيث كان يخبر عن نفسه أنه كان يسمى مجنوناً في صغره لكثرة لعبه، ثم صار يسمى طائشاً في حال شبابه لكثرة مجونه ولهوه، ثم صار يسمى جريئاً -على حد تعبيره- لمقاومته للظلم، لعمالته لأسياده من الغرب عندما كان يهجو الدولة العثمانية، يقول: ثم صار يطلق عليَّ في الأمر الرابع زنديقاً، وأنت زنديق حقيقة؛ لأنه يجهر بآراء الفلاسفة ويهجو الشريعة الإسلامية.

    أخر المسلمين عن أمم الأرض حجاب تشقى به المسلمات

    وهذا الشاعر الثاني معروف الرصافي الذي هلك بعد الشاعر الأول بعشر سنين، وكان بين الرجلين منافسة شديدة في القضاء على الإسلام، يتباريان في أشعارهما من الذي يستطيع أن يدعو إلى الرذيلة ويقضي على الفضيلة أكثر من الآخر، معروف الرصافي يقول هذا الخبيث:

    لم أر في الناس ذا مظلمة أحق بالرحمة من مسلمة

    مظلومة حتى في ميراثها محجوبة حتى عن المكرُمة

    محجوبة حتى عن المكارم، ومظلومة في الميراث.

    ويقول أيضاً:

    شرف المليحة أن تكون أديبة وحجابها في الناس أن تتهذبا

    والوجه إن كان الحياء جماله أغنى فتاة الحي أن تتنقبا

    هذا حجاب جديد عند الملحدين، المقصود في المرأة أن تكون أديبة وفي وجهها حياء، أما بعد ذلك تكشف عن ساعديها، عن فخذيها، عن رأسها، ليس في هذا غضاضة.

    والوجه إن كان الحياء جماله أغنى فتاة الحي أن تتنقبا

    والله لو أن إبليس صاغ الشعر لاستحى من هذا الشعر، الوجه إذا كان فيه حياء يبدو للناس ليقابل هذا وذاك!

    والوجه إن كان الحياء جماله أغنى فتاة الحي أن تتنقبا

    هذا الصنف الأول ملحدون زنادقة، يدعون إلى الإباحية وإلى خروج المرأة متهتكة فاجرة.

    الصنف الثاني: المتساهلون في عدم الحجاب

    والصنف الثاني: متساهلون، وهم يدعون الانتساب إلى الإسلام، ولعله بينهم وبين الصنف الأول عمالة في الخفاء، ويوم القيامة تبلى السرائر، متساهلون، هذا وزير الأوقاف في بلد إسلامي أحمد حسن الباقوري يفتي فتوى تتعلق بالنساء، والله الذي لا إله إلا هو لا يجرؤ الشيطان على الفتيا بها، هذا الرجل -وهو الآن في دار الآخرة ويجد جزاء ما قدَّم- يفتي بأنه يجوز للمرأة إذا كانت على شواطىء البحار تسبح مع الرجال، يجوز لها أن تجمع وأن تقصر وأن تصلي بملابس السباحة!! سبحان ربي العظيم! يا شيطان! هل استفتاك النساء في ذلك، خرجت لتسبح مع الرجال وإذا أرادت بعد ذلك أن تتمتع بالشمس على الشاطئ لها أن تجمع لأنها مشغولة بالعربدة في داخل الماء، لها أن تجمع وتقصر وتصلي بما يستر السوأتين فقط، وليته زاد على فتياه الأثيمة أنه لا مانع أن تصلي إمامة أيضاً بمن يسبحون معها، سبحان ربي العظيم! متساهلون لا يرتفعون عن الصنف الأول مقدار أنملة, والله أعلم بما بينهم وبين الصنف الأول.

    وهكذا أناس كثيرون أيضاً، يدعون أنهم يقومون بالدعوة يغمزون الحجاب والمتحجبات، ومن يدعون إلى الحجاب بعبارات تصك الآذان، فيقول: من يدعو إلى حجاب المرأة إلى حجاب جميع جسمها حتى الوجه، يريد أن يخرج لنا المرأة في سمت عفريت، سبحان ربي العظيم! إذا تحجبت المرأة صارت عفريتاً، اتق الله في كلامك أيها الرجل.

    ويقول بعد ذلك مندداً بمن يرى إلزام المرأة بالحجاب وأن هذا واجب يقول: هؤلاء أناس شذاذ، غلب عليهم الشبق، وغلب عليهم الشذوذ الجنسي، فأفتوا بهذه الفتاوى، سبحان ربي العظيم!

    الصنف الثالث: الداعون إلى التساهل في الحجاب لعدم تنفير الناس

    وصنف ثالث في هذا الوقت: مغفلون مخدوعون، يدَّعون أنهم يريدون ألا ينفروا الناس، فلا داعي إذاً بأن نقول لهم إن الوجه ينبغي أن يُستر، لا مانع من أن يُكشف الوجه لئلا يحصل هناك تنفير، ويسلكون بعد ذلك مسلكاً ملتوياً في تقرير هذا، وفهم الأدلة على غير وجهها الشرعي، والله أعلم بما في قلوبهم.

    الصنف الرابع: المتمسكون بالحجاب الداعون إليه

    والصنف الرابع وهم قلة قليلة: متمسكون بهذا الأمر كما شرعه الله، يدعو إليه الصالحون من الرجال، ويحافظ عليه الصالحات من النساء، ويُنبذون من قِبل الأصناف الثلاثة نبذاً ليس بعده نبذ.

    يخبرني بعض الإخوة الطيبين من أهل أبها في هذه البلدة أنه تزوج امرأة من أهالي بلدته أيضاً، وعلى حسب العادات الجاهلية المنتشرة في بيوت المسلمين في هذا الحين أن المرأة لا تتحجب عن أقاربها.. أولاد عمها، وأولاد عماتها، وهكذا خالها وخالتها، وهكذا رجال القبيلة بأسرهم، والرجل صالح يخاف الله، فمنع زوجته من هذه الأمور فما أطاعته، فلما رُفع الأمر إلى والدها إلى العم، وهو في هذه البلاد، يقول لصهره زوج ابنته بالحرف الواحد: ما كنت أظنك أنك وسِخ القلب، سبحان ربي العظيم! صارت الطهارة وساخة، ما كنت أظنك أنك وسِخ القلب، ماذا يضر لو خرجت هذه المرأة أمام أولاد أعمامها وعماتها وأمام رجال القبيلة ماذا يضر؟ ولكن أنتم معشر الملتزمين قلوبكم وسخة، فما كان من هذا الرجل لما علم أن عمه بهذه الدركة، وأن زوجه أيضاً على هذا المسلك، إلا أن طلقها في المجلس وخرج، سبحان ربي العظيم قلوب وسخة!!

    إخوتي الكرام! روى الدارقطني في الأفراد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، والحديث حوله شيء من الكلام، ففيه شعيب بن مبشر ، أورده الإمام ابن حبان في الضعفاء، والإمام الذهبي في الميزان نقل عن الإمام الأوزاعي أنه حسن الحديث، وحكم عليه الذهبي في كتاب المغني بأنه صويلح، وعلى كل حال فليس في الحديث إثبات لحكم شرعي فلا مانع من ذكره.

    عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتكلمه في حاجة، فقعدت أمامه وهي متحجبة، فلما انتهت وقامت جاء رجل وأراد أن يقعد مكانها ليكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لا تقعد حتى يبرد مكانها )، سبحان ربي العظيم! صحابية وصحابي أمام النبي عليه الصلاة والسلام وفي مسجده، ينهاه عن الجلوس في ذلك المكان حتى يذهب أثر الحرارة التي كانت من المرأة في حال الجلوس في هذا الوقت، فمنعه من الجلوس حتى يبرد ويعود المكان إلى طبيعته، سبحان ربي العظيم!

    وهذا يريد من ابنته أن تكشف أمام كل ساقط لاقط مهما كان شأنه من أقرباء وغيرهم، وإذا أراد زوج البنت أن يمنع زوجته من ذلك يقول له: إنك وسخ القلب، وأنتم معشر المتدينين قلوبكم وسخة، سبحان ربي العظيم! هل نحن من أهل الهوى أم أنتم، ومن الذي قلبه وسخ، اتق الله في كلامك أيها الإنسان، وأخشى أن تكون قد خرجت من حظيرة الإسلام بهذه الكلمة التي تكلمت بها، ( والرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في النار سبعين خريفاً ).

    إخوتي الكرام! هؤلاء أقسام الناس في هذا الوقت نحو الحجاب، ملحدون، متساهلون، متهورون، مغفلون، متمسكون وهم قلة قليلة.

    1.   

    الحث على قعود المرأة في بيتها

    إن خروج المرأة من بيتها سبب للفتنة، ولذلك قال الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في مجموع الفتاوى، في الجزء الخامس عشر صفحة سبع وتسعين ومائتين: ظهور النساء سبب للفتنة، ولهذا خُصت المرأة بالاحتجاب، وترك إبداء الزينة والتبرج، وأمرت بالاستتار باللباس وفي البيوت، الستر الحقيقي لها بيتها، فإذا اضطرت للخروج فلتستتر بشيء ساتر لها كما سنتكلم على هذا في الأمر الثاني، إنما أعظم ستر لها بيتها، ولو أمكن أن تحرك بيتها إذا استطاعت الخروج لقضاء حاجاتها، وأن تتنقل وهي في جوف البيت فهذا أحسن، ولكن هذا لا يمكن، فلا مانع أن تلبس بعد ذلك ما يستر بشرتها وشعرها وظفرها وجميع بدنها عن أعين الناس، أمرت بالاستتار باللباس وبالبيوت.

    وتقدم معنا: أن المرأة إذا أكثرت الخروج من البيت فإن لولي الأمر أن يحبسها وأن يسجنها.

    إخوتي الكرام! وقد قرر نبينا صلى الله عليه وسلم هذا في أحاديثه الكثيرة وأمر النساء به، أمرهن بملازمة البيوت.

    ولعل الله ييسر محاضرة آتية للكلام على عمل المرأة، والكلام على الجنس الثالث الذي حصل في هذا الوقت، امرأة مترجلة تريد أن تعمل وأن تشارك الرجال في جميع الأعمال، جنس ثالث، وجمعيات النساء في هذا الوقت تحرص على تعليم النساء كل مهنة، ليشاركن الرجال في ذلك، فعلِمن النساء مهنة تربية الأجيال، ومهنة إدارة البيوت، إن المرأة عندما تخرج الآن لوظيفة تترك مكانها بسائق وبشغالة، سبحان ربي العظيم! خرجت لتعمل فأجلسن اثنين من الناس سائقاً وشغالة مقابل خروج المرأة.

    ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم النساء من الخروج، وألزمهن بالجلوس فلا يجوز لهن أن يخرجن إلا لضرورة شرعية.

    بعض ما ثبت في السنة في الأمر بقعود المرأة في بيتها

    ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان ، والحديث صحيح وقد نص الحافظ ابن حجر على تحسينه، عن أم حميد الساعدي رضي الله عنها، أنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ( يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إني أحب الصلاة معك، قال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك معي)، عليك صلوات الله وسلامه يا رسول الله، الصلاة في مسجدك بألف صلاة وتصلي مع مَن؟ وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يقول: إذا صليت في بيتك داخل حجرة هذا خير لك من أن تصلي في حجرتك، أي في الحجرة العامة التي يجلس فيها الرجال والنساء، إذا صليت في الحجرة الخاصة بك فهذا أعظم عند ربك سبحانه وتعالى، وإذا ترخصت وصليت في الحجرة التي تجمع الرجال والنساء من محارمك، فهذا أحسن من أن تصلي في صحن الدار في مكان لا يطلع عليه أحد، فالصلاة في الحجرة خير من الصلاة في الدار أيضاً، وألا تخرجي من بيتك على الإطلاق خير من صلاتك في مسجد قومك، وإذا أردت شهود الجماعة فلو صليت في مسجد قومك الذي هو قريب من بيتك خير من صلاتك في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم مع النبي عليه الصلاة والسلام، ( صلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك معي ).

    وثبت في سنن الترمذي وصحيح ابن حبان وابن خزيمة ، والحديث صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المرأة عورة -من رأسها إلى قدميها- فإذا خرجت استشرفها الشيطان)، الاستشراف أن يضع الإنسان كفه فوق حاجبيه وأن ينظر إلى الشيء، فإذا خرجت المرأة استشرفها الشيطان ليُغويها ويُغوِي بها، ( المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون إلى ربها عندما تكون في قعر بيتها).

    إلزمي بيتك أيتها المرأة المسلمة، ثبت في كتاب التوحيد لـابن خزيمة ، واشترط في أول الكتاب ألا يورد حديثاً إلا إذا كان صحيحاً من رواية العدل عن العدل، والحديث في معجم الطبراني الكبير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه موقوفاً عليه، قال شيخنا المبارك عليه رحمة الله في أضواء البيان، الشيخ محمد الأمين الشنقيطي : ولهذا الأثر حكم الرفع إلى نبينا صلى الله عليه وسلم.

    يقول ابن مسعود رضي الله عنه: ( إذا لبست المرأة جلبابها وثيابها وأرادت الخروج من بيتها، قيل لها: إلى أين؟ -أين ستذهبين- فتقول: لأعود مريضاً، أو أصلي على جنازة، أو أصلي في مسجد، فيُقال لها: وماذا تبتغين من ذلك؟ فتقول: أريد وجه الله، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: والله ما أرادت امرأة وجه الله بمثل أن تجلس في بيتها ).

    إذا أرادت وجه الله فلتجلس في بيتها، أعظم من عيادة المريض، والصلاة في المسجد، والصلاة على الجنازة، ( ما أرادت امرأة وجه الله بمثل أن تجلس في بيتها )، القعود في البيوت هذا هدي الإسلام في حق المرأة.

    إخوتي الكرام! وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة من الخروج من بيتها لغير ضرورة، ووعدها وأوعدها إيعاداً فظيعاً، ففي مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين، أقره عليه الذهبي ، والحديث رواه البخاري في كتاب الأدب المفرد، ورواه أبو يعلى والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان، عن فضالة بن عُبيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاثة لا تسأل عنهم ) أي: لا تسأل عما سيلاقون من الهلاك والبلاء وسخط الله وعذابه ( ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ثم مات عاصياً لإمامه )، خرج على جماعة المسلمين وفارق الإمام وعصاه ثم مات، ( من شذ شذ في النار )، لا تسأل عنه عن هلكته وعما سيلاقيه من البلاء، ( وأمة أو عبد أبق فمات وهو آبق من سيده هارب، وامرأة غاب زوجها عنها وقد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده ).

    والمراد من التبرج هنا مطلق الخروج، ليس الخروج بحالة متهتكة لا ثم لا، الرجل خرج إلى سفر وترك للزوجة ما يكفيها، ثم خرجت بدون إذن الزوج، وبدون مراقبته، لا تسأل عن هلكتها وعن سخط الله عليها، ( امرأة غاب زوجها عنها وقد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده )، ذهبت بعد ذلك من جارة إلى جارة، ومن بيت إلى بيت، ومن سوق إلى سوق، ومن مكان إلى مكان، لا تسأل عن هلكتها وعما ستحصل من السخط والبلاء.

    إخوتي الكرام! وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرشد النساء إلى هذا الأمر كثيراً، ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وسنن البيهقي ، والحديث في درجة الحسن، وقد روى بعضه الحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه، عن أم ورقة بنت نوفل رضي الله عنها، أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم في موقعة بدر: ( يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم ائذن لي أن أخرج معكم حتى أداوي مرضاكم، وأقوم على شئونكم، لعل الله يكتب لي الشهادة -رضي الله عنها- فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: يا أم ورقة ! قِرِّي في بيتك -وضُبط بفتح القاف قَري في بيتك، امكثي واثبتي وأقيمي- فإن الله سيكتب لك شهادة ).

    قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: ورد في رواية ابن السكن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ( اقعدي في بيتك فإن الله سيُهدي إليك شهادة في بيتك )، وهذا من باب ما أطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم عليه من المغيَّبات وكان كذلك، فكان عندها عبد وأمة فدبرتهما أي: أعتقتهما وقيدت عتقهما بعد موتها رضي الله عنها، فقالت لعبدها: أنت حر دُبر موتي، وقالت لأمَتها: أنت حرة دُبر موتي، فغماها في ليلة من الليالي بقطيفة حتى ماتت، أخذا ملابس ووضعاها على وججها حتى ماتت ليتعجلا الحرية، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: مَن عنده علم عن أحد هذين فليأتِ به، فجيء بهذا العبد وهذه الأمة، فصلبهما عمر رضي الله عنه في المدينة، فكانا أول مصلوب في المدينة المنورة.

    ( قري في بيتك فإن الله سيُهدي إليك شهادة وأنت في بيتك )، فأصابها ما أصابها على يد هذين، ( قري في بيتك ) مع أنها طلبت الخروج للجهاد في موقعة بدر لعل الله يكتب لها الشهادة.

    إخوتي الكرام! ولا مانع من خروج المرأة للجهاد إذا دعت الضرورة لذلك، ففي معجم الطبراني الكبير بسند رجاله ثقات، عن أسماء بنت السكن التي يقال لها: خطيبة النساء رضي الله عنها، أنها شهدت موقعة اليرموك وقتلت تسعة من الروم بعمود فسطاط أسماء بنت السكن ، لا مانع إنما الأكمل قري في بيتك، وإذا جلست المرأة في بيتها فلها من الأجر شيء عظيم تشارك الرجال فيما يقومون به من خيرات يتقربون بها إلى الله جل وعلا.

    ثبت في كتاب الاستيعاب لـابن عبد البر في تراجم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، في ترجمة خطيبة النساء أسماء بنت السكن الأنصارية الأشهلية رضي الله عنها، أنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ( يا رسول الله! بأمي أنت وأمي، إن الله بعثك للرجال والنساء كافة، فآمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات مخدَّرات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهاوتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معشر الرجال فُضلتم علينا بالجمع والجماعات، وفُضلتم علينا بشهود الجنائز وعيادة المرضى، وفُضلتم علينا بالحج بعد الحج، وأعظم من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا خرج لحج أو عمرة أو رباط جلسنا في بيوتكم -عندما يخرج هؤلاء الرجال نجلس في بيوتكم- نحفظ أموالكم، ونربي أولادكم، ونغزل ثيابكم، فهل نشارككم فيما أعطاكم الله من الخير والأجر؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بجملته وقال: هل تعلمون امرأة أحسن سؤالاً عن أمور دينها من هذه المرأة؟ قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! والله ما ظننا أن امرأة تسأل سؤالها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا أسماء ! افهمي عني وأخبري من وراءك من النساء، أن حُسن تبعل المرأة لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لرغباته، يعدل ذلك كله ) سبحان ربي العظيم! يعدل شهود الجنازة، وعيادة المريض، والصلاة في جماعة، والحج، والجهاد، فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، يعدل ذلك كله.

    نماذج من نساء السلف حفظن أنفسهن في بيوتهن

    إخوتي الكرام! وقد كان النساء الصالحات في العصر الأول يحافظن على هذا محافظة تامة، وكن يلازمن بيوتهن، فهذه حفصة بنت سيرين لزمت مصلاها ثلاثين سنة، فما خرجت منه إلا لحاجة أو لقائلة، إذا أرادت أن تنام، أو أرادت أن تأخذ شيئاً من أمور الدنيا من طعام أو قضاء حاجة تخرج وما عدا هذا هي في هذه الحجرة.

    وهذا الأمر كان فاشياً بين نساء سلفنا الكرام، فهذه فاطمة بنت نصر العطار المتوفاة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، يورد الإمام ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمتها خبراً غريباً -وهو غريبا فيما بيننا في هذا الوقت- فبعد أن أثنى عليها بأنها من النساء الصالحات المخدارت العبادات، قال: ما خرجت من بيتها إلا ثلاث مرات، عندما تزوجت، وعندما حجت، وعندما ذهبت للقاء الله بعد موتها، فاطمة بنت نصر العطار.

    والإمام أبو بكر بن العربي من علماء القرن الخامس للهجرة يروي لنا خبراً غريباً يروي في كتاب أحكام القرآن في تفسير سورة الأحزاب عند قول الله: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33]، يقول: طفت أكثر من نيِّف وألف قرية، فما رأيت نساء أصون ولا أفضل ولا أكثر من نساء نابلس في بلاد فلسطين، يقول: ما وقعت عيناي على امرأة قط في يوم من الأيام إلا يوم الجمعة فقط، ثم يخرجن إلى المسجد فيمتلئ المسجد بهن وهن في طرف ولهن مكان خاص بهن، فإذا سمعن الموعظة عدن إلى بيوتهن وهن يمشين بجوار الجدران لا من وسط الطريق، فبعد ذلك لا أرى امرأة منهن، المرأة تخرج فقط من الجمعة إلى الجمعة مرة واحدة.

    وبعض الإخوة يورد سؤالاً هذا هو جوابه، يقول: لو أن النساء لم يحضرن المحاضرة أما كان أحسن؟

    والله الذي لا إله إلا هو إن جلوس المرأة في بيتها أفضل وأطهر من حضور كل شيء من محاضرة وصلاة وغيرها, لكن بشرط إذا كان الهدى يصل إليهن في بيوتهن، وأما إذا كن عن ذلك محرومات أو معزولات، وأردن أن يشهدن موعظة في بيت من بيوت الله، ( فلا تمنعوا إماء الله مساجد وليخرجن وهن تفلات)، كما سيأتينا, والحديث في سنن أبي داود بسند صحيح على شرط الشيخين، فإذا أرادت أن تخرج إلى بيوت الله بالصفة الشرعية فلا مانع، إنما نحبب لها الاستقرار والقعود في البيت، وإذا استأذنتنا للخروج إلى صلاة الجماعة أو شهود موعظة فيحرم علينا أن نمنعها إذا كانت بالصفة الشرعية، إنما إذا كانت هذه الفائدة يمكن أن تحصلها في بيتها، فنقول: اجلسي في بيتك فهو أستر لك.

    أقول لكم بصراحة: وموضوع النساء في هذا الوقت أُهمل وعُطل وعظ النساء، وتركت تربيتهن في المدارس على أيدي من لا يخافون الله، وهن سافرات يعلمن بنات المسلمين، فإذا كانت المرأة تريد أن تأتي إلى بيت الله وإلى مسجد الله لتتعلم موعظة فهذا إن شاء الله أمر فيه خير لها وللمسلمين، ونسأل الله أن يتقبل إذا كان بالصفة الشرعية خروجها.

    قرار المرأة في بيتها في كتاب الله

    إن لزوم المرأة بيتها أمر قرره ربنا جل وعلا في كتابه فقال جل وعلا: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33] ، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33] قرأ المدنيان وعاصم بفتح القاف (وقَرن في بيوتكن) من الاستقرار والبقاء والملازمة، وقرأ البقية (وقِرن في بيوتكن) بكسر القاف، والقراءة بالكسر تحتمل أمرين: إما أن تكون من الاستقرار والبقاء والملازمة أيضاً، وإما أن تكون من الوقار، فاجلسن في بيوتكن ولازمن ذلك ليحصل لكنَّ الوقار، فوقاركن وحشمتكن وأدبكن يحصل عندما تجلسن في البيوت: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33] .

    ولذلك فسر الإمام القرطبي هذا اللفظ بالأمرين فقال: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33] من التوقر والسكون في البيوت.

    وقرن في بيوتكن قال الإمام ابن كثير عليه رحمة الله في تفسيره: أي الْزَمْن بيوتكن ولا تخرجن منها لغير حاجة شرعية، ومن الحوائج الشرعية الصلاة في جماعة بشروطها.

    وقال الإمام القرطبي في تفسيره: ومعنى الآية الأمر بلزوم البيوت (وقرن في بيوتكن) الزمن بيوتكن، يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:32-33]، وهذا الخطاب وإن كان خاصاً بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى.

    قال الإمام القرطبي: هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج إلا لضرورة، فإن مست الحاجة إلى الخروج فليكن على تبذل وتستر تام وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:33] ، هذا هو الأمر الأول الذي ينبغي أن تحافظ عليه المرأة المسلمة أن تلزم بيتها.

    إخوتي الكرام! المرأة المسلمة مكرمة مفضلة معززة ما دامت في بيتها، وإذا أرادت أن تمتهن فلتخرج من بيتها لتلقى بعد ذلك ما تلقى.

    كنت مع زوجي من قرابة عشر سنوات في بعض البلاد من فترة، ونحن في شهر رمضان طُرق علينا الباب، ففتحت الباب وإذا بالطارق فتاة دون العشرين، قلت: ماذا تريدين؟ قالت: أتريدون شغالة تشتغل عندكم في البيت؟ قلت: ادخلي، وأدخلتها لتطلع الأهل على أحوال النساء عندما تركن شريعة الله، فتركهن الله لأنفسهن، فناديت الزوجة الكريمة: وقلت اسمعي من هذه المرأة ما تريد؟ وجلست أسأل هذه المرأة أمام زوجتي، قلت: ماذا تريدين؟ قالت: أريد أن أشتغل، قلت: ما شأنك؟ تقول: والدي توفي وليس عندي إلا أخ واحد، ويقول هذا الأخ لي: كل يوم أنا أطعمك كالبط، اذهبي اشتغلى وكلي، فتقول: من أين أشتغل؟ يقول: من أي مكان، اذهبي اشتغلي وكلي، فقلت لها أمام زوجتي: يا أمة الله أما تخشين إذا طرقت الباب على إنسان وأدخلك وليس عنده زوجة واعتدى على عرضك، أما تخشين من هذا؟ فقالت: وماذا أعمل؟! سبحان ربي العظيم!

    أيتها المرأة المسلمة! ما دمت في بيتك فإن أعلى الناس منزلة إذا أراد الاتصال بك عن طريق ما أحل الله يوسِّط في خطبتك، وإذا امتهنت نفسك فستمتهنين، وستقولين ما قالته هذه المرأة، سيُعتدى على عرضك فتقولين: ماذا أعمل؟ يا قاسم أمين قصم الله ظهرك، حررت النساء حتى بدأت النساء تقول: إذا اعتُدي على عرضي ماذا أعمل؟ هذه نتيجة كتابَيك كتاب: تحرير المرأة، والكتاب الثاني: المرأة الحاضرة، المرأة يقال لها: إذا اعتدي على عرضك, تقول: ماذا أعمل؟ أريد أن أعيش، أريد أن آكل وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33] .

    إخوتي الكرام! هذا فيما يتعلق بالأمر الأول، ينبغي على المرأة أن تلازم بيتها، ولا يجوز أن تخرج من بيتها إلا لضرورة شرعية.

    هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.