إسلام ويب

تحريم دعاء غير اللهللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الدعاء هو العبادة، ولا يجوز صرف هذه العبادة بحال لغير الله سبحانه ذي الجلال، وهذا الدعاء قد يكون دعاء بالسؤال، وقد يكون ثناء على الله ببيان الحال، وكل لا يجوز صرفه لغير الله فهو حق الخالق وليس للمخلوق فيه من مطمع أو منال، أما ما يفعله أهل التصوف من الغلو في المخلوقين، وتسميتهم بالأقطاب والأوتاد والنجباء والأبدال، وإطرائهم ودعائهم من دون الله، فإنما هو شرك يئول بصاحبه إلى الخسران والوبال.

    1.   

    الدعاء عبادة لا تصرف إلا للخالق جل وعلا

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! تقدم معنا في الموعظة الماضية بيان منزلة الدعاء في شريعتنا الغراء، فهو عبادةٌ عظيمةٌ عظيمة ينبغي أن تصرف لرب الأرض والسماء، ولا يجوز أن نصرفها للمخلوقين الضعفاء.

    نعم إخوتي الكرام! إن الدعاء عبادةٌ عظيمة، فينبغي أن يلتجئ المخلوق إلى خالقه، وينبغي أن يتذلل العبد إلى ربه وسيده، وإذا صرف المخلوق هذا الحق من الخالق إلى مخلوقٍ مثله فقد اعتدى على الله المجيد، عندما صرف هذا الحق منه إلى خلقه من العبيد، ولذلك يغار الله جل وعلا أعظم غيرة، ويغضب أشد الغضب إذا دعي غيره، والتجئ إلى سواه.

    ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين وسنن الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه).

    إنك عندما تلجأ إلى غير الله يغار الله من هذا ويغضب عليك؛ لأنك صرفت حقه إلى غيره، إن الله يغار، ولا يوجد أحدٌ أغير من الله جل وعلا إذا انتهكت حرماته، واعتدي على حقوقه سبحانه وتعالى، كما ثبت في المسند والصحيحين وسنن الترمذي أيضاً من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس أحدٌ أغير من الله جل وعلا، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن).

    والحديث في الصحيحين أيضاً من رواية المرأة الصالحة السيدة المباركة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها وعن الصحابة أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا شخص أغير من الله عز وجل، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن).

    وفي الصحيحين أيضاً من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا أغير من سعد ، والله أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن). ‏

    تحذير النبي من إطرائه ورفعه فوق قدره

    إخوتي الكرام! فلا يجوز أن نلجأ إلى غير ذي الجلال والإكرام؛ لأن هذا مما يغضب الله، والله يغار إذا صرف حقه إلى خلقه سبحانه وتعالى، ولذلك حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من أن نسوي بينه وبين الله، ومن أن نرفعه إلى رتبة الألوهية، وأن نعطيه حق الخالق جل وعلا، كما ثبت في المسند وصحيح البخاري وسنن الإمام الدارمي من رواية أمير المؤمنين الخليفة الراشد الثاني سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)، على نبينا وآله وأنبياء الله ورسله جميعاً صلوات الله وسلامه، (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ).

    والإطراء: مجاوزة الحد في المدح، والإطراء: إعطاء المخلوق حق الخالق، كما فعل النصارى بالعبد الصالح بنبيه وروحه وكلمته سيدنا عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه عندما جعلوه نداً لله، وجعلوه شريكاً مع الله، (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    نعم إخوتي الكرام! إن إطراء أي مخلوقٍ كان إساءة أدبٍ مع الرب سبحانه وتعالى، إن إطراء المخلوق ورفعه فوق الدرجة التي هو عليها إساءة أدب مع المولى، فمن أعطى نبينا صلى الله عليه وسلم من الصفات ما لا يتصف به إلا رب الأرض والسموات، وصرف حقوق الخالق إليه فقد أطراه، إن إطراء نبينا المصطفى عليه صلوات الله وسلامه إساءة أدبٍ مع المولى، نسأل الله أن يعصمنا بالتقوى، وأن يرزقنا حب نبيه وحب الصالحين من خلقه كما يحب ويرضى.

    وقد قرر هذا الإمام الصالح الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال في الجزء الثاني صفحة خمسين وستمائة، وبين أن إطراء أي مخلوقٍ اعتداءٌ على الرحمن، وإساءة أدبٍ مع ذي الجلال والإكرام، (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وليس من الإطراء في حق خاتم الأنبياء -على نبينا وأنبياء الله ورسله جميعاً صلوات الله وسلامه- أن تقول: هو سيدنا، وهو أفضلنا، وهو خير خلق الله، عليه صلوات الله وسلامه، فهذا مما هو فيه، ومما وهبه الله، إنما الإطراء أن تلجأ إلى النبي عليه الصلاة والسلام في كشف ضر، وأن تلجأ إليه عليه الصلاة والسلام في قضاء حاجة، والإطراء أن تقول: إنه بكل شيءٍ عليم، وعلى كل شيءٍ قدير، وهو رب العالمين، ويتصرف في هذا العالم من عرشه إلى فرشه، هذا هو الإطراء، وأما أن تقول: إنه سيدنا، وحبيبنا، وحبيب الله، وأفضل خلق الله، وما ذرأ الله ولا برأ نفساً أكرم عليه من نبينا صلى الله عليه وسلم، فهذا مما يجب عليك أن تقوله وأن تعتقده، والله لن تحقق الإيمان حتى تحب النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من نفسك، وأكثر من أبويك، وأكثر من أولادك، وأكثر من الجنان، وأكثر من الولدان، وأكثر من الحور الحسان، ولا يتقدم حب النبي عليه الصلاة والسلام شيءٌ إلا حب ذي الجلال والإكرام.

    (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: دعائهم أو عبد الله ورسوله)، عليه صلوات الله وسلامه.

    بيان حقيقة المخلوقين والتحذير من دعائهم أو صرف شيء من حق الخالق لأحد منهم

    إخوتي الكرام! إن السمة البارزة التي يتميز بها ديننا: التوحيد، وحقيقة التوحيد كما أثر عن العبد الصالح الإمام الجنيد عليه رحمة الله ورضوانه، أنه قال: التوحيد إفراد الحادث من القديم، ينبغي أن تميز الخالق من المخلوقين في الذات، وفي الصفات، وفي الأفعال، وفي الحقوق، فإياك إياك أن تعطي حق القديم رب العالمين إلى غيره من المخلوقين، فالله ليس كمثله شيء في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفيما يجب له من الحقوق على غيره سبحانه وتعالى، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    التوحيد: إفراد الحادث من القديم، ميز الخالق من المخلوق، وإياك إياك أن تعطي حق الخالق لأي مخلوقٍ كان.

    نعم إخوتي الكرام! إن حق الخالق علينا أن نعبده، وأن نعظمه، كما أن حق المخلوق علينا أن نشفق عليه، وأن نحترمه، فميز بين الحقين: عبادةٌ وإعظام لذي الجلال والإكرام، وشفقةٌ واحترام للمخلوق من بني الإنسان، ولغيره من مخلوقات الرحمن، شفقة احترام، حبٌ وإعظام، ميز بين هذين الأمرين، إننا عندما نحب أنبياء الله ورسله على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، ونحب الصالحين من خلق الله، إنما نحبهم لله، ونحبهم في الله، ولا نحبهم مع الله، ولا نحبهم من دون الله، فميز بين هذه المراتب، لا نحب أحداً محبةً مع الله، بحيث نسوي محبته مع محبة ربنا، ولا نحب أحداً من دون الله، إنما نحب في الله، ونحب لله، ولذلك يتميز الموحد عن المشرك، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة:165].

    نعم إخوتي الكرام! لا بد من الاعتناء بهذا الأمر، وألا نصرف حق الخالق إلى شيءٍ من مخلوقاته.

    ثم يا عبد الله! إذا صرفت حق الخالق إلى المخلوق، ما قيمة المخلوق؟ وما شأنه؟ وما حقيقته؟ وما منزلته حتى تصرف هذا الحق إليه؟ أوليس المخلوق مخلوقاً مثلك؟ لا يملك لنفسه فضلاً عن غيره ضراً ولا نفعاً، استمع إلى تقرير هذه الحقيقة في كلام ربنا الحق: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأعراف:194]، هو عبد وأنت عبد، هو فقير وأنت فقير، فعلام تلجأ إلى الضعيف الفقير، وتترك الله الجليل؟! إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأعراف:194]، والله إن كل من عدا الله لا يملك مثقال ذرةٍ في السموات ولا في الأرض، وما شارك والله في خلق ذرةٍ في السموات ولا في الأرض، وما طلب الله إعانةً من أحدٍ من مخلوقاته في خلق شيءٍ في السموات وفي الأرض، كما قرر هذا في سورة سبأ فقال جل وعلا: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ:22]، (لا يملكون مثقال ذرةٍ في السموات ولا في الأرض)، لا يخرج عن هذا الوصف ملائكة الله وأنبياؤه ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه فضلاً عن غيرهم، لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ:22]، فعلام يلجأ إلى المخلوق الفقير من دون الله الجليل؟!

    إن حقيقة المخلوق وأنه مدبرٌ من قبل الخالق في جميع أحواله أمر مفروغ منه، مهما كانت قيمة ذلك المخلوق من ملكٍ مقرب، أو نبيٍ مرسل، أو صالح مصطفى، كل هؤلاء مخلوقون مربوبون عبادٌ للحي القيوم، وقد وضح الله هذا سبحانه وتعالى هذا في سورة فاطر التي تلي سورة سبأ، فقال جل وعلا: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر:11-13]، والقطمير هي اللفافة التي تكون على نواة التمر، ما يملكون هذا الشيء الحقير الذي هو لفافة نواة التمر، وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر:13-17].

    إخوتي الكرام! إذا لجأ الإنسان إلى أي مخلوقٍ كان فإلى من يلجأ؟ والله إذا اعتمد الإنسان على نفسه فهو أهلك الهلكى، وإذا اعتمد على غيره فليس بعد ضياعه ضياع، وإذا اعتمد على ربه جعل الله له من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب.

    اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا فنهلك، ولا تكلنا إلى أحدٍ من خلقك فنضيع، يا حي يا قيوم! تول جميع شئوننا إنك أرحم بنا من أنفسنا.

    إخوتي الكرام! إذا لجأ الإنسان إلى غير الله فقد لجأ إلى مضيعة، والتجاء المخلوق إلى مخلوق كتعلق الغريق بالغريق، لا يملك لنفسه فضلاً عن غيره نفعاً ولا ضراً، فعلام تلجأ إليه؟

    إخوتي الكرام! إن كاشف الضر هو الله جل وعلا، وإذا اشتد بك الكرب فالجأ إلى سيدك الذي بيده مقاليد الأمور، وهو القوي الغفور سبحانه وتعالى، إذا نزل بك الكرب الجأ إليه، كما قال جل وعلا في سورة النمل: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [النمل:62]، هناك إله مع الله يحصل منه هذا، يلجأ إليه، يكشف الكرب، يجعلكم خلفاء الأرض؟! أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [النمل:62].

    دعاء الله عز وجل يكون بعرض الحال كما يكون بصريح السؤال

    إخوتي الكرام! وكلما اكتملت العبودية في الإنسان كلما أدمن قرع باب الرحمن، والتجأ إليه في جميع أحواله، وفي جميع شئونه وأقواله، في حال السلم وفي حال الحرب، في حال الشدة وفي حال الرخاء، في خلوته وفي جلوته، يقرع باب ربه، فهو فقيرٌ إلى خالقه وسيده، وهذا حال نبينا عليه الصلاة والسلام، أعبد الخلق للحق، وأتقى الخلق للحق، ما أثر عنه من دعاء والتجاءٍ إلى رب الأرض والسماء في جميع أحواله عليه صلوات الله وسلامه يصعب على كثيرٍ من الناس أن يحيط به، وأن يحصيه، وأن يحفظه، وأن يضبطه، ولو جمعت أدعية النبي عليه الصلاة والسلام لبلغت مجلدات كبار، دعاء النبي عليه الصلاة والسلام والتجاؤه إلى ربه في جميع الأحوال.

    فمن ذلك ما ثبت في المسند والصحيحين وسنن أبي داود من رواية عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه وأرضاه، قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غداة، فلما زالت الشمس قام عليه الصلاة والسلام -وفداه آباؤنا وأنفسنا وأمهاتنا وأولادنا- فقال: يا أيها الناس! لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا، واعلموا أن الجنة تحت ضلال السيوف)، ثم التجأ نبينا عليه الصلاة والسلام إلى خالقه وسيده ومالكه ومالك كل شيءٍ فقال: (اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم، وانصرنا عليهم)، وفي روايةٍ: (اهزمهم وزلزلهم)، انظر لهذه العبودية، والالتجاء إلى رب البرية في جميع أحواله عليه صلوات الله وسلامه في حال الشدة والكرب! (اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب)، أنت صاحب الأمر بجميع أقسامه، الأمر الشرعي مرده إليك، والأمر الكوني مرده إليك، ولا يخرج عن قبضتك ذرةٌ في السموات ولا في الأرض، اللهم منزل الكتاب، أنت الحاكم بين عبادك بأمرك الشرعي، ومجري السحاب، وأنت الحاكم بين مخلوقاتك بأمرك الكوني القدري، أنت الذي تعز من تشاء، وتذل من تشاء، اهزمهم، وانصرنا عليهم، اهزمهم وزلزلهم.

    نعم إخوتي الكرام، ما أثر عن نبينا عليه الصلاة والسلام من دعاء بصريح المقال يلتجئ به إلى ذي العزة والجلال لو جمع -كما قلت- لبلغ مجلداتٍ كبار.

    وهكذا القسم الثاني من الدعاء، وهو الذي هو ثناءٌ على الله كما تقدم معنا دون أن يسأل بصريح العبارة، وقلت: هذا سؤالٌ بالحال، وهذا أيضاً مما كان يقوم به أنبياء الله ورسله قاطبةً على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، لسانهم لا يفتر من ذكر الله، وتقدم معنا هذا دعاء عبادة، ويتضمن دعاء المسألة، فهنا سائلٌ بحاله، كما أنه في دعاء المسألة سائلٌ بمقاله.

    ومن ذلك ما أشار إليه نبينا صلى الله عليه وسلم كما في مسند الإمام أحمد ، وسنن الإمام الترمذي ، والحديث رواه الإمام النسائي في السنن الكبرى، وهو في مستدرك الحاكم أيضاً، وفي أحاديث الجياد المختارة للضياء المقدسي ، والحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان وإسناده صحيحٌ كالشمس، من رواية سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دعوة أخي ذي النون وهو في بطن الحوت: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، ما دعا بها رجلٌ في شيءٍ قط إلا استجاب الله له)، وهي ثناءٌ من السائل على المسئول، وتقدم معنا أن من أثنى على ربه فقد تعرض لنفحاته ولفرجه ولنصره ولمعونته.

    (لا إله إلا أنت)، ثناءٌ على الخالق، وتوحيد للخالق، ونفي للألوهية عمن عداه، ثم احتقار السائل لنفسه واعترافه بظلمه وتقصيره في حق ربه، (إني كنت من الظالمين)، هذا من أعظم الدعاء، ومن أبلغه عندما يلتجئ الإنسان بذلك إلى الله جل وعلا، وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:87-88]، ما دعا رجلٌ بهذه الدعوة في شيءٍ إلا استجاب الله له.

    إخوتي الكرام! لا بد إذاً من الالتجاء إلى ذي الجلال والإكرام، هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [النمل:62].

    قصة في اللجوء إلى الله في ساعة الاضطرار

    ينقل الإمام ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية من سورة النمل في الجزء الثالث صفحة سبعين وثلاثمائة من كتاب العبد الصالح الإمام ابن عساكر في تاريخ دمشق، يقول: إنه ذكر في ترجمة أحد الصالحين في ذلك الحين، وهو محمد بن داود الدقي الصوفي ، يكنى بـأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، يقول: كان يعمل بمهنة الكراء، فيحمل الناس على دابته بأجرةٍ ما بين دمشق والقرى التي حولها، فحمل مرةً بعض الناس من دمشق إلى الزبداني، قريةٌ تبعد عن دمشق بحدود ستين كيلو متراً، فلما حمله ووصل إلى منتصف الطريق قال هذا المستأجر لهذا المكاري: امش من هذه الناحية من وراء الجبل فالطريق أقرب، فقال هذا العبد المسكين الغر المؤمن الكريم الذي يحفظ كلام رب العالمين، قال له: أنا أكاري في هذا الطريق من كذا سنة، ولا يوجد طريقٌ إلا هذا، قال: أنا أخبر منك، اسلك من هنا فهذا طريقٌ أقرب، فالمؤمن برٌ كريم، فخدع هذا العبد الصالح حتى صار وراء الجبل فنزل، قال هذا المستأجر للمكاري: أمسك البغلة فمسكها، ثم نزل فشمر ثيابه وأخرج سكيناً ثم أراد أن يذبح وأن يقتل هذا المكاري هذا العبد الصالح، يقول: ففررت منه وهربت، فتبعني حتى أعياني، فاستسلمت بين يديه وقلت: يا عبد الله! خذ البغلة وما عليها، وخذ ثيابي وأمتعتي ودعني، قال: كل ذلك لي، لكن سأقتلك، قلت: إن كان ولا بد فدعني أصلي ركعتين لله أودع بهما الدنيا ثم افعل ما بدا لك، يقول: فلما قلت: الله أكبر وأحرمت بالصلاة -وهو يحفظ القرآن- أوصد علي، وأغلق عليّ القرآن فلم أستحضر شيئاً، وذاك واقفٌ على رأسي والسكين بيده يقول: عجل عجل، يقول: فخطر ببالي قول الله: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [النمل:62]، يقول: فلما قرأتها إذا بفارسٍ من أعلى الجبل على بغلةٍ بيضاء ومعه رمحٌ طويل، فضرب هذا المستأجر العاتي، فما أخطأ فؤاده فقتله ووقع صريعاً، يقول: فقطعت صلاتي وأمسكت بهذا الفارس وقلت له: أسألك بالله من أنت؟ قال: أنا من جنود الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31]، سبحانه هو الذي يجيب المضطر، هو الذي يفرج الكرب، هو الذي يقضي الحوائج، هو الذي يكشف الشدائد، هو الذي يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين.

    كما ثبت هذا في المسند والسنن الأربعة إلا سنن النسائي ، والحديث رواه الإمام ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، ورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى بسندٍ صحيح من رواية سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله حييٌ كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين)، (حيي)، ومع الحياء كرم، فإذا لجأت إليه يستحي أن يردك، فهو الكريم، هو الغني، هو الجواد، هو المتفضل، هو صاحب الجود على كل موجود، (إن الله حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين)، والحديث رواه الإمام الحاكم في مستدركه أيضاً من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، لكن في هذه الطريق عامر بن عبد الله بن يساف صاحب مناكير، ولم يخرج حديثه أحدٌ من أهل الكتب الستة، وفي رواية سلمان رضي الله عنه وعن الصحابة الكرام أجمعين غنية عن تلك الرواية، وكما قلت: إن الحديث ثابت صحيح.

    إخوتي الكرام! هذا شأن الدعاء في الإسلام، وهذه منزلة الداعي عندما يلتجئ إلى ذي الجلال والإكرام، ما الذي حصل بعد ذلك من المخرفين في العصور المتأخرة؟ أوجدوا آلهةً من دون رب العالمين، من دون أحكم الحاكمين، من دون أرحم الراحمين، والتجئوا إليهم في كل حين، مساكين.. مساكين، مسكين يلجأ إلى مسكين، ضعيفٌ يلجأ إلى ضعيف، فقيرٌ يحتمي بفقير، سبحان ربي الجليل!

    1.   

    الدعاء والالتجاء عند الصوفية

    إخوتي الكرام! كما ذكرت في الموعظة الماضية قلت: سأفصل الكلام على الدولة الخفية التي زعمها من زعمها في العصور المتأخرة من هذه الملة الإسلامية، وهذه الدولة الخفية كما تقدم معنا عمادها عندهم القطب وهو غوث الثقلين، ويليه كما تقدم معنا أربعة أوتاد، في كل زاويةٍ من زوايا الأرض واحد، ويليه بعد ذلك ثلاثون من الأبدال وخمسمائة من النجباء وهم أفراد الدائرة، هؤلاء هم الدولة الخفية، ويقولون: إن هذه الدولة الخفية كالدولة الظاهرة العلنية، والدولة الخفية عندهم على تعبيرهم يقولون: دولةٌ محمدية، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، لا تخيب ولا تعيب، ليس حالها كحال الدولة الظاهرة العلنية، دولةٌ خفية، فيها هذا الغوث، وتقدم معنا باختصار شرح حال هذه الدولة، وأنهم يصلون الصلوات الخمس على زعمهم في غار حراء، ويؤمهم القطب الغوث الذي هو غوث الثقلين.

    دعاء الصالحين من الأموات واللجوء إليهم اعتداء على حق رب العالمين وإساءة إلى الدين

    إخوتي الكرام! ولذلك بدأ الالتجاء إلى هؤلاء، وحصل غلوٌ وإطراء لكثيرٍ من الناس من قبل المتأخرين، وقد أطري بعض الصالحين دون إرادةٍ منهم، ودون علمٍ منهم لجأ إليهم كثيرٌ من المتأخرين، فمن جملة ما يقولون: يا رفاعي ! تدارك، ويقول: يا رفاعي ! يا رفاعي ! تداركنا بالفرج، سبحان ربي العظيم! ألا تلجأ إلى أحكم الحاكمين، إلى من خلق الرفاعي وخلق الجيلاني ، ويقولون: إذا لم تدركنا نحن لمن نلتجئ، وأبيات من هذا: راعي المدد يا أحمد حين الطلب لبيني. ومن هذا الكلام.

    وقد عرض عليّ البارحة بعض الإخوة كتاباً يزيد على خمسمائة صفحة شابٌ صالحٌ في أول حياته لعله في حدود العشرين من عمره أو يزيد قليلاً مضللٌ من قبل المضلين، معه كتاب وهو من إحدى البلاد الإسلامية الأعجمية من حيث اللسان، يزيد على خمسمائة صفحة، كله في الموالد، ثم أطلعني، وهل سمع الموعظة الماضية أو أحد بلغه ما أدري على كلامٍ في ترجمة الشيخ عبد القادر الجيلاني ، والشيخ أحمد الرفاعي ، وترجمة كثير من الأولياء، وما يحصل في موالدهم غوث الثقلين، لا يلجأ أحدٌ إلى الشيخ عبد القادر في حياته أو بعد موته إلا قضى حاجته، ومن هذا الكلام، قلت: يا عبد الله! إن هذا شرك، قال لي: يقول لي من يعلمه: إن هؤلاء الناس يسمعون، والموتى يسمعون قرع النعل، قلت: سبحان الله! سبحان الله كم أسيء إلى الشريعة الإسلامية من قبل شطط من يزعمون أنهم سلفية، ومن قبل من انتسب إلى الصوفية! كم أسيء إلى الإسلام! أولئك قالوا: إن الموتى لا يسمعوا، وهؤلاء قالوا: إذا كان الموتى يسمعون إذاً نلجأ إليهم من دون الحي القيوم، وهذا ضلالٌ وذاك ضلال، يا عبد الله! قلت: نفرض أنه هو على قيد الحياة، يجوز أن تطلب منه هذه الأمور، وأن تلجأ إليه من دون العزيز الغفور؟! قال: هو هكذا يقول، أي: الذي علمه ودرسه، وهذا في كتابٍ كما قلت يزيد على خمسمائة صفحة، وطلبت منه أن يترك الكتاب وكان في نيتي أن أحضره لنقرأ فصلاً منه، فقال: إنه استعاره من ذاك ويريد ألا يؤخره عليه، ووعد أن يحضره بعد ذلك.

    على كل حال دولةٌ خفية كما يقولون لا تخيب ولا تعيب، هؤلاء هم أفرادها، هؤلاء ينبغي أن نلجأ إليهم من دون الله، فهم وسائط بيننا وبين الله جل وعلا.

    إخوتي الكرام! كما قلت: إن هذا من أوله لآخره ضلال، وغوث الفقراء ومن يدعيه المتأخرين من الصوفية وهمٌ لا حقيقة له، ولذلك قال أئمتنا: ثلاثة أمور لا حقيقة لها، وهي وهمٌ وباطل: باب النصيرية، ومنتظر الرافضة، وغوث الصوفية، هذه الأمور الثلاثة لا حقيقة لها، النصيرية عندها الباب يلجئون إليه، والرافضة المهدي المنتظر الذي دخل السرداب على زعمهم وهو دون خمس سنين سنة ستين ومائتين للهجرة، وسيخرج بعد ذلك ليملأ الدنيا عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، منتظر الرافضة، وغوث الصوفية، هذه الأمور الثلاثة كلها كما قلت وهمٌ وباطلٌ ولا حقيقة لها، ولا يجوز أن نطلق لفظ الغوث، وأنه غياث الثقلين إلا على رب الكونين سبحانه وتعالى، فهو غياث المستغيثين، وهو رب العالمين سبحانه وتعالى.

    وقد قرر هذا الإمام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمات رب البرية في مجموع الفتاوى، في الجزء الحادي عشر من صفحة ثلاثٍ وثلاثين وأربعمائة إلى صفحة أربعمائة وأربعٍ وأربعين في إحدى عشرة صفحة، وأعاده أيضاً بطريقةٍ أخرى في المجلد السابع والعشرين من صفحة خمسٍ وتسعين إلى صفحة خمسٍ ومائة من مجموع الفتاوى، وذكر أن هذه الأمور الثلاثة كما قلت لكم إخوتي الكرام! باب النصيرية، ومنتظر الرافضة، وغوث الصوفية، كل هذا وهمٌ وخيال ولا حقيقة له.

    ذكر الأبدال في سنة المصطفى وعند أهل التصوف

    وهذه الألقاب من قطبٍ وغوث ومن وتد ومن نجباء وأبدال، هذه كلها إخوتي الكرام ما ورد لها في شريعة الله المطهرة ذكر، ولم تثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا في اصطلاحٍ واحد وهو الأبدال، لكن ما ورد في الشريعة من كلامٍ عن الأبدال خلاف ما يعتقده الضالون الجهال، فاستمعوا لتحقيق الكلام إخوتي الكرام، البدل والأبدال ورد هذا اللفظ مستعملاً على لسان نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو الصادق المصدوق كما سأذكر الأحاديث عما قريب، لكن يراد بالبدل أمران: هم الذين بدلوا صفات النفس الذميمة صفاتٍ كريمة، هم الذين تخلوا عن الرذائل واتصفوا بالفضائل، فبدلوا سيئ الأوصاف بأوصافٍ حسنةٍ طيبة، وهم أيضاً قيل لهم: أبدال لأن الله جعلهم خلفاً وبدلاً عمن سبقهم، ينشرون دين الله، وينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فهم الطائفة المنصورة الظاهرة على الحق إلى يوم الدين، وكلما مات عالمٌ صالحٌ أبدل الله في هذه الأمة مكانه عالماً صالحاً يذب عن دين الله، ويوضح للناس حكم الله، وإلى هذا أشار نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الثالث عنه في سنن أبي داود ومستدرك الحاكم وكتاب المعرفة للإمام البيهقي والمعجم الأوسط للإمام الطبراني ، وإسناد الحديث صحيحٌ كالشمس من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائةٍ سنةٍ منها من يجدد لها أمر دينها)، أبدال، على رأس كل مائة سنة يأتي أناسٌ صالحون مهتدون علماء عاملون يظهرون دين الحي القيوم، وينفون عنه ما ألصق به مما ليس منه، (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنةٍ منها من يجدد لها أمر دينها)، هذا معنى البدل، إذاً بدلوا الصفات السيئة بصفاتٍ حسنة، وأبدلهم الله وجعلهم بدلاً لمن قبلهم.

    وأما البدل عند من يزعمونه من مخرفي الصوفية، وكما قلت إخوتي الكرام! ليس كل صوفيٍ مخرف فانتبه لهذا، عندنا من هو أهل شططٍ، ويسلك مسلك الخوارج ممن يدعي أنه من السلفية، كما أنه عندنا من يسلك مسلك التحلل والتفلت ممن يدعي أنه من الصوفية، ودين الله بين الغالي والجافي، وهناك من ينتمي إلى السلف وهو على هدى، وهناك من ينتمي إلى التصوف وهو على هدى، إنما وجد فيمن ينتسب إلى الصوفية من المخرفين ما الله بهم عليم، فيقولون: المراد من البدل هو: الذي يتبدل من حالٍ إلى حال، ويظهر في صورٍ وأشكال، وتطوى له الأرض إذا أراد الذهاب والانتقال، فتارةً يظهر بصورة رجل، وتارةً بصورة امرأة، وتارةً بصورة رجل لا لحية له، وشارباه مفتولان، وتارةً.. وتارة، أحوال وأشكال تظهر للبدن فلا يعرفه إلا من كان بمثل وظيفته، أي: من الدولة الخفية.

    ولئلا أنقل لكم مما هو من الكتب فقط، وقد قرأت في ذلك شيئاً كثيراً، أنقل لكم ما خاطبت به بعض الناس وكلمني عن هذا الأمر ممن له شأن ويدعي أنه من العلماء، ومن العباد ومن.. ومن..، يقول لي: كنا في مجلسٍ في بعض البلاد الإسلامية مع بعض الشيوخ الكرام، لكن يقول: هو من الظاهر، يقول: فطرق الباب طارق، فقال الشيخ الذي هو مسئولٌ عن ذلك المكان، وهو من الدولة المحمدية على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه على حسب زعم هذا الإنسان، قال: قال لهذا الشيخ الكبير وسماه لي وأعرفه هو صاحب مكانةٍ، وهو على صلاحٍ وديانة، لكن عندما حدثني هذه القصة عنه كان ذلك متوفياً في حادث سيارةٍ، وهو من العلماء الربانيين، قال: يقول هذا الشيخ الذي له وظيفةٌ خفية لهذا الشيخ من علماء الظاهر: اذهب فافتح الباب، يقول: ففتح الباب وإذا بامرأة تطلب صدقة، يقول: فأعطاها نصف ليرةٍ سورية شامية على اصطلاح بلاد الشام، يقول: فانصرفت المرأة، فلما دخل قال هذا الشيخ الذي له وظيفة: أما تستحي يا فلان! أرسلنا إليك الخضر فأعطيته نصف ليرة، قال: وأين الخضر ؟ قال: هذه المرأة التي طرقت الباب هي الخضر ، الخضر جاءك وأنت تعطيه نصف ليرة، سبحان ربي العظيم! سبحان ربي العظيم! سبحان ربي العظيم! وما الذي أتى بـالخضر ؟ أنا أريد أن أعرف، وما الذي دل على ثبوت حياة الخضر إلى هذا الوقت، ولو كان الخضر حياً في حياة نبينا عليه الصلاة والسلام أما وجب على الخضر أن يهاجر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت الهجرة على الموحدين واجبة إلى نبينا عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة على منورها أفضل الصلاة وأزكى السلام؟! أما كان يحصل للخضر شرفٌ ليس بعده شرف عندما يقبل رجلي النبي عليه الصلاة والسلام، ويكحل عينيه برؤية سيد الكونين عليه الصلاة والسلام؟! علام لم يأت الخضر إلى خير خلق الله عليه الصلاة والسلام لو كان حياً؟! ففي حياة نبينا عليه الصلاة والسلام ما ذكر الخضر ، وبعد موته بدأنا نسمع أحاديث عن وجود الخضر وحدوثه وحصوله هناك وهناك، وجاء في صورة امرأة!

    وقال لي واحدٌ آخر يقول: كنت أمشي مع شيخٍ له رتبة من أهل الدولة المحمدية على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، يقول: فمر بنا رجلٌ لحيته محلوقة، وشارباه مفتولتان، يقول: فمر بجواري وضربني بكتفه حتى كاد يسقطني على الأرض، ثم بعد دقائق قال لي هذا الشيخ: أتدري أين صاحبك الآن؟ قلت: أين هو؟ قال: وصل إلى تركيا، قلت: من الذي أخذه؟ قال: هذا من الأبدال، ما عرفته؟ سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم!

    ويقول لي آخر: كنت مع بعض المشايخ ممن له رتبة من الشيوخ الكبار من أهل الظاهر، يقول: فبتنا عنده أنا وهو في حجرة، والشيخ مع أهله، يقول: ففي وسط الليل أيقظني هذا الشيخ الذي هو من أهل الدولة الخفية فقال لي: إن صاحب البيت من العلماء، وهو من أهل الوسوسة، ويداي متلطختان بالدم، يقول: وجدت الدم في يدي، فقلت: من أين هذا الدم؟ قال: ذبحت ظالماً في وسط الليل، فأريد أن أغسل يدي، لو رأى الشيخ الدم في يدي لوسوس وقال: هؤلاء نجسوا الحجرة، قلت له: الذي ذبح الظالم الله عليم في أي جهةٍ من الأرض، أما استطاع أن يغسل يديه في ذلك المكان حتى أيقظك لتذهب معه إلى المطبخ أو إلى الحمام ليغسل يديه، أين عقولكم تذهب يا معشر أمة محمدٍ عليه الصلاة والسلام؟! والله إن استعمار هذا الصنف لعقول الإنسان أشنع أنواع الاستعمار، أين ذهبت عقولكم؟! نائم لعب بأنفه ثم أخرج دماً في يديه، ثم يقول له: ذبحت ظالماً وأريد أن أغسل يدي، وذاك يعتقد أن هذا من الأبدال، وأنه تصرف في بعض البلاد وذبح ظالماً والدماء في يديه.

    وآخر على إثر ضجيج حصل في بعض البلاد، اجتمعوا عند شيخٍ من المرموقين الذي يدعي أنه هو الغوث الأعظم، وهو غوث الثقلين، فشكوا إليه أحوال البلاد، وما فيها من ضرٍ وفساد، فقال لهم: والله الذي لا إله إلا هو! لو حركت عمامتي هكذا لأسقطت الحكومة ليس في هذا المكان، لأسقطت حكومات الأرض بأسرها، لو حرك العمامة، فبعض البله الحاضرين ممن يخدعون بمثل هذا القول السقيم، قال: يا سيدنا حرك عمامتك وأرحنا من هؤلاء الذين أفسدوا في الأرض، فقال له: أنا أريد البديل، إذا حركت عمامتي وأسقطتهم من الذي سيحكم بدلهم؟ فقام أبلهٌ آخر وقال: أنت يا سيدنا تحكم، قال: لا أريد الدنيا، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم! وصل استخفافهم بعقول الناس إلى هذا الحد، يحرك عمامته فيسقط الدول من أولها لآخرها، لم لا تفعل؟ يريد بعد ذلك بديلاً صالحاً، أنت الذي تدعي أنك غوث الثقلين، وخليفة سيد الكونين عليه الصلاة والسلام، هلا حركت العمامة وأرحت البلاد والعباد، وطهرت البلاد من الفساد؟! وأولئك يصدقون، وعندما يسمعون هذا القول يصيحون وكأنه آيةٌ من القرآن تتلى.

    ومن عجيب ما يحكى في هذا الأمر، وما أذكى ذلك الإنسان المختبر، حضر عنده بعض هؤلاء الدجاجلة وشيخهم ينتفض يميناً ويساره، فيقال له: ماذا رأيت؟ يقول: مر جبريل بالسماء السابعة ينتفض، مر إسرافيل ينتفض، هؤلاء حملة العرش، فذاك الذي هو من أهل الدنيا ومعهم في المجلس ما راقه هذا الكلام، وعجب أن هذا يفتري على الرحمن، ثم أراد أن يظهر للناس دجل هذا الشيخ، فدعاهم إلى وليمة وقسمهم إلى قسمين: وجعل الشيخ وخواص أصحابه الذين لهم رتب باطنية خفية في جانب، وأولئك في جانب، ووضع صحنين من الطعام، الصحن الأول الذي للعامة من أصحابه فيه لحمٌ قليل على ظاهره مقطع، والصحن الثاني ليس فيه قطعة لحم إنما رزٌ فقط، ثم قال: الشيخ يجلس هنا والتلاميذ الآخرون هناك، فلما رتبهم على هذا الترتيب، الشيخ لما جلس ونظر أن هناك اللحم وهنا لا يوجد، والتلاميذ كذلك قالوا: كيف شيخنا يجلس على صحنٍ لا لحم فيه؟ وقال الشيخ لصاحب البيت: أما تستحي! تقدم اللحم للضيوف ولا تضع في هذا الصحن شيئاً؟ قال له: أنت الذي ترى جبريل وإسرافيل وميكائيل وحملة العرش، أما رأيت اللحم الذي تحت الرز، ثم كشف الرز وإذا بلحمٍ أشهى وأكثر من ذلك اللحم، لكن ستره، قل للذي يرى الملأ الأعلى: ألا يرى اللحم الذي هو تحت طبقةٍ من الرز لا تزيد على أربعة أصابع؟!

    إخوتي الكرام! هذا الدجل والتزوير الذي يجري في هذه الأيام، وكم من عرضٍ ينتهك تحت اسم الدولة الخفية المحمدية على نبينا صلوات الله وسلامه! وكم من مالٍ يؤخذ! وكم بعد ذلك من شركٍ يقع تحت اسم الأقطاب والغوث والنجباء والأبدال!

    بعض الأحاديث النبوية التي ورد فيها ذكر الأبدال

    إخوتي الكرام! مفهوم البدل عندنا له اصطلاحٌ في شريعة الله كما قلت يقوم على أمرين، وعند الضالين للبدل مفهومٌ ذميمٌ باطلٌ لعين، إن قيل بعد ذلك: ما النصوص التي دلت على هذا اللفظ؟ نعم، ورد نصوصٌ شرعية عن خير البرية عليه صلوات الله وسلامه تشير إلى وجود الأبدال في أمة نبينا عليه الصلاة والسلام، أذكر بعض هذه الأحاديث وأبين درجتها إخوتي الكرام إن شاء الله.

    الحديث الأول: رواه الإمام أحمد في المسند، ورواه الإمام أبو نعيم في تاريخ أصبهان، ورواه الإمام الخلال في كتاب كرامات الأولياء من رواية عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأبدال في هذه الأمة ثلاثون على مثل خليل الرحمن إبراهيم -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه- بهم يسقى الغيث، وينتصر على الأعداء).

    (الأبدال ثلاثون على مثل خليل الرحمن إبراهيم)، على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، والحديث كما قلت: من رواية عبادة بن الصامت ، وفي إسناده عبد الواحد بن قيس السلمي ، قال الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء العاشر صفحة اثنتين وستين في كتاب المناقب عند الكلام على الأبدال، وأنهم في بلاد الشام، قال الإمام الهيثمي: عبد الواحد بن قيس السلمي وثقه أبو زرعة والعجلي ، وهو حقيقةً صدوق، وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن، ولذلك حكم عليه الحافظ في التقريب فقال: صدوق، وهو من رجال سنن ابن ماجه ، لم يخرج له أحدٌ من أصحاب الكتب الستة إلا الإمام ابن ماجه عليهم جميعاً رحمة الله.

    والحديث الثاني: رواه الإمام أحمد في المسند أيضاً، وابن عساكر في تاريخ دمشق من رواية شريح بن عبيد الحمصي رضي الله عنه وأرضاه (عن عليٍ رضي الله عنه وأرضاه أنه قيل له: ألا تسب الشام وتدعو عليهم عندما خالفوك؟ فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: البدلاء في الشام، وهم أربعون، بهم يستسقى الناس، وبهم ينتصر على الأعداء، وبهم يدفع الله عن أهل الشام البلاء، وهم على مثل خليل الرحمن إبراهيم -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه- كلما مات رجلٌ منهم أبدل الله مكانه رجلاً آخر)، والحديث كما قلت في المسند وغيره، وجميع رجال الإسناد ثقات أثبات، جاءوا في الصحيح كما قال الإمام الهيثمي في المجمع إلا الراوي عن علي وهو شريح بن عبيد الحمصي ، وهو ثقة، وإن لم يرو له صاحبا الصحيحين، وحديثه في السنن الأربعة إلا سنن الترمذي ، لكن اختلف هل أدرك علياً وروى عنه أم لا؟ فالإمام الهيثمي في المجمع يقول: وقد ثبتت رواية شريح ولقاؤه وإدراكه للمقداد بن عمرو ، وهو المقداد بن الأسود رضي الله عنه وأرضاه، ووفاته قبل علي ؛ لأن المقداد توفي سنة ثلاثٍ وثلاثين، وعليٌ رضي الله عنه توفي سنة أربعين، فإذا أدرك شريح بن عبيد المقداد وروى عنه، فهو إذاً من بابٍ أولى بالإمكان أن يدرك علياً ، وأن يروي عنه والعلم عند الله، فإن ثبت الإدراك واللقاء والرواية فالحديث متصلٌ وهو صحيح، وإلا ففيه انقطاع، لكن سيأتينا حكم الحديث بعد ذلك في النهاية.

    والحديث الثالث: رواه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط بإسنادٍ حسن كما نص على ذلك شيخ الإسلام الإمام الهيثمي في المجمع في المكان المتقدم في مجمع الزوائد، ووافقه على ذلك الإمام السيوطي عليهم جميعاً رحمة الله، ولفظ حديث معجم الطبراني الأوسط من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لم يزل في هذه الأمة أربعون على مثل خليل الرحمن إبراهيم -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه- بهم تنصرون، وبهم تسقون الغيث، وبهم ترزقون)، والحديث كما قلت: إسناده حسن كما قال أئمتنا الكرام.

    والحديث الرابع: حديث عوف بن مالك في معجم الطبراني الكبير من رواية شهر بن حوشب رضي عنهم أجمعين: (أنه عندما فتحت مصر سب أهل مصر أهل الشام، فأخرج عوف بن مالك رضي الله عنه وأرضاه- وهو من الصحابة- رأسه من البرنس الذي كان يلبسه ورفع صوته فقال: لا تسبوا أهل الشام، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الأبدال أربعون، وهم في الشام، كلما مات رجلٌ منهم أبدل الله مكانه رجلاً آخر)، وهذا الحديث الذي هو في معجم الطبراني الكبير، ورواه ابن عباس في تاريخ دمشق أيضاً في إسناده عمرو بن واقد ، كما قال الإمام الهيثمي : جماهير المحدثين على تضعيفه، وهو من رجال الترمذي وسنن الإمام ابن ماجه عليهم جميعاً رحمة الله، وقد حكم عليه الحافظ في التقريب بأنه متروك.

    وهذا لفظ الأبدال في إسنادٍ حديثٍ صحيحٍ ثابتٍ كالشمس على شرط الشيخين، الحديث مرويٌ في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود ، ورواه الطبراني في معجمه الكبير، وأبو يعلى في مسنده، ورواه الإمام الحاكم في مستدركه، وابن حبان في صحيحه، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه، وإسناده كما قلت صحيحٌ على شرط الشيخين من رواية أمنا أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (يكون اختلافٌ عند موت خليفة)، هناك سيقع هذا في آخر الزمان، لا يعلم هذا إلا ذو الجلال والإكرام، (يكون اختلافٌ عند موت خليفة، فيخرج رجلٌ من المدينة هارباً إلى مكة، فيخرجه أهل مكة وهو كارهٌ فيبايعونه بين الركن والمقام، فعندما يبايع يرسل إليه بعثٌ من بلاد الشام، فإذا كان البعث في البيداء بين مكة والمدينة خسف الله بهم الأرض، فإذا خسف بهذا البعث الأرض سمع الناس بذلك، فيأتيه أبدال الشام، وعصائب العراق -وهم المتعصبون الطائفة المهتدون على الحق- فيبايعونه في مكة، فينشأ رجلٌ من قريش أخواله من كلب، فيجهز أيضاً جيشاً ويقاتل هذا الرجل الذي قيل: إنه المهدي -وقد أورد الإمام أبو داود هذا الحديث في سننه في كتاب المهدي - فيقاتله، فيظهر عليهم هذا الرجل الذي يقال: إنه المهدي، وبويع بين الركن والمقام، فيظهر عليهم وينتصر عليهم، فيقسم المال، ويحكم بين الناس بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلقي الإسلام بجرانه في الأرض - والجران جمعها جرن، وهو باطن الرقبة، وهذا يكون للبعير إذا استلقى ومد رقبته يكون مرتاحاً مستريحاً مطمئناً آمناً- يلقي الإسلام بجرانه - أي: يتمكن الإسلام من الأرض، ويكون هو القوة الوحيدة الآمنة التي لا منافس لها على ظهر الأرض- فيلقي الإسلام بجرانه، فيمكث بينهم -أي: هذا الرجل الذي بويع بين الركن والمقام- فيمكث بينهم سبع سنين، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون)، وما ورد في روايتنا: أنه يمكث تسع سنين، فقد جمع أئمتنا بين الروايتين، قالوا: سبع سنين، ألقى الإسلام فيها جرانه، وظهر وعلا، واطمأن الناس، وسنتان فيها خلافٌ بينه وبين بعث الشام، وبين البعث الذي يأتي من القرشي الذي أخواله من كلب.

    إذاً يأتيه أبدال الشام، والحديث كما قلت: على شرط الشيخين، حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ ثبوت الشمس في رابعة النهار، ومن أجل هذا قرر أئمتنا أن حديث الأبدال، وورود هذا اللفظ عن نبينا عليه الصلاة والسلام ثابتٌ صحيح، لكن يراد به من بدلوا صفات النفس الخبيثة بصفاتٍ طيبة، ويراد بالبدل من جعله الله بدلاً لمن قبله في الذب والذود عن دين الله، ونصرة شريعته، ولا يراد منه ما تعارف عليه المخرفون المتأخرون، إذاً لفظ الأبدال وارد.

    وقال الإمام السخاوي في المقاصد الحسنة في صفحة تسعة في أول الكتاب بعد أن بين أن حديث الأبدال ثابتٌ عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ولا ينزل عن درجة الحسن، وهذا ما قرره الإمام الهيثمي أيضاً، والإمام السيوطي ، وهكذا أئمة كرامٌ كبار: لا ينزل حديث الأبدال عن درجة الحسن، وقوله: هم في الشام، إما أن يكون غالبهم في بلاد الشام، أو هذه النسبة في بلاد الشام وتوجد بعد ذلك نسبةٌ أخرى وأبدالٌ آخرون في بلاد الله الأخرى، والله على كل شيءٍ قدير.

    بعض من وصف بأنه من الأبدال من السلف

    قال الإمام السخاوي : ومما يدل على ثبوت حديث الأبدال وتقويته انتشاره بين الأئمة، وتعبير الأئمة عن كثيرٍ من الصالحين بأنه كان من الأبدال، كما قال الإمام الشافعي لكثيرٍ من العلماء: إنه من الأبدال.

    وقال الإمام البخاري : كانوا لا يشكون أنه من الأبدال عليهم جميعاً رحمة الله، وقد تقدم معنا إخوتي الكرام! في مباحث سنن الترمذي ما يشهد لهذا، سأذكر مثالاً واحداً فيمن قيل إنه من الأبدال، ولعل الله ييسر بعد ذلك محاضرةً أو محاضرة طويلة في بيان من قيل: إنهم من الأبدال من قبل أئمتنا الأبرار، وترجمةٌ بعد ذلك لهؤلاء الذين وصفوا بهذا النعت.

    تقدم معنا إخوتي الكرام ضمن مباحث سنن الترمذي في ترجمة العبد الصالح يحيى بن سليم الطائفي المكي الذي توفي سنة سبعٍ وتسعين ومائةٍ للهجرة، وحديثه في الكتب الستة، قال عنه الإمام الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله، والشافعي هو من تلاميذه قال: كان من أفاضل عباد الله، وكنا نعده من الأبدال، يحيى بن سليم الطائفي ، ومر معنا هذا إخوتي الكرام! وقلت: هو أحد الرجال في إسناد الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند، والبخاري في صحيحه، وابن ماجه في سننه، ورواه ابن الجارود في المنتقى، والطحاوي في شرح مشكل الآثار، ورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى، وإسناد الحديث صحيحٌ صحيحٌ فهو في صحيح البخاري ، وهو من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: ثلاثةٌ أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجلٌ باع حراً فأكل ثمنه، ورجلٌ استأجر أجيراً فاستوفى منه فلم يعطه أجره).

    في إسناد هذا الحديث كما تقدم معنا يحيى بن سليم الطائفي المكي ، وهو من الأبدال، وقد تقدم معنا شطط بعض المعاصرين ممن ينسبون أنفسهم إلى حديث نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام أنه ضعف هذا الحديث، وقلت: هذا من شذوذه وشططه، وفتح باب تضعيف أحاديث في صحيح البخاري يعتبر فتحاً لباب الزندقة والإلحاد، فانتبهوا لهذا يا أهل الرشاد! الحديث في صحيح البخاري ، والحكم عليه بالضعف سفاهةٌ وشذوذ، ليس بعد ذلك سفاهةٌ ولا شذوذٌ أكثر من هذا، وقد تلقت الأمة ما في هذا الكتاب بالقبول، فحذار حذار بعد ذلك من الفضول، الحديث كما قلت فيه يحيى بن سليم الطائفي المكي ، وقد دندن حوله بعض المعاصرين، وقال حول ضبطه شيءٌ، وهو يعني ضعيف الحفظ، وبالتالي إن الحديث ضعيف وإن كان في صحيح البخاري ، كلامٌ باطلٌ مردود لا يمكن للإنسان أن يقبله إلا إذا تخلى عن دينه وعن عقله، فالحديث صحيح، إذاً (كنا نعده من الأبدال).

    وفي حديث أنس المتقدم في معجم الطبراني الأوسط، قول قتادة: (أربعون في هذه الأمة من الأبدال، كنا لا نشك أن الحسن البصري منهم).

    إخوتي الكرام! قبل أن أختم هذه الموعظة قد يستشكل بعض الناس فيما ورد في أحاديث الأبدال من صفاتٍ لهم؛ بأنه بهم يستسقى الغيث، بهم ينتصر على الأعداء، بهم يرفق بالعباد، إياك ثم إياك أن تفهم الحديث على غير ما يريد نبينا صلى الله عليه وسلم، لا يراد بقوله: (بهم) أننا نلجأ إليهم لينصرونا، ليغيثونا، ليرزقونا، ولا يراد من قوله: (بهم) أننا نتوسل إلى الله بذواتهم، لا ثم لا، لهذا الحديث نظائر، فلا يشكلنّ عليك هذا، ثبت في المسند والسنن الأربعة إلا سنن ابن ماجه ، والحديث في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم من رواية أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه، وإسناده صحيحٌ كالشمس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ابغوني ضعفاءكم)، أي: اطلبوهم وقدموهم ليكونوا معنا في كل مناسبةٍ، (ابغوني ضعفاءكم، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم).

    وثبت في المسند وصحيح البخاري وسنن النسائي وكتاب الحلية لـأبي نعيم الأصبهاني ، والحديث كما قلت في صحيح البخاري من رواية مصعب بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم أجمعين: (أن والده سعداً رأى لنفسه فضلاً على من دونه من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا سعد ! وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)؟! ويوضح هذا رواية النسائي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما تنصر هذه الأمة بضعفائها؛ بصلاتهم ودعائهم وإخلاصهم)، وعليه ننصر بالأبدال، ونسقى بالأبدال، ونرزق بالأبدال، أي: هؤلاء الصالحون يدعون ويلجئون إلى الحي القيوم، والله جل وعلا يرحم عباده لوجود الصالحين بينهم، فلولا شيوخٌ ركع، وأطفالٌ رضع، وبهائم رتع، يصب البلاء علينا صباً، أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يلهمنا رشدنا، وأن يرينا الحق حقاً وأن يرزقنا اتباعه، وأن يحببنا فيه، وأن يرينا الباطل باطلاً وأن يلهمنا اجتنابه، وأن يكرهنا فيه، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، أقول هذا القول وأستغفر الله.

    1.   

    مما يحقق الإيمان اقتصار العبد في التجائه إلى الرحمن

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    إخوتي الكرام! إذا حقق الإنسان الإيمان تعلق بذي الجلال والإكرام، ولم يلجأ إلى مخلوقٍ أياً كان في أي أمرٍ كان، سواء مما رخص له أن يطلبه منه والمسئول في إمكانه أن يقضيه، أو مما ليس في وسعه، إن سؤال غير الله كما تقدم معنا منقصةٌ في الإنسان، وتقدم معنا تقرير هذا في الموعظة الماضية، واستمعوا إلى هذه القصة الكريمة لأئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين.

    يذكر أئمتنا في ترجمة سيد المسلمين ذي العفاف الحسن بن سفيان النسوي ، الذي توفي سنة أربعٍ وثلاثمائةٍ للهجرة، صاحب كتاب المسند الكبير: أنه أوصله طلبه العلم مع تسعةٍ من أصحابه إلى بلاد مصر، فمرت عليهم ثلاث ليالٍ ما ذاقوا فيها طعاماً، فلما اشتدت الحال قالوا: لا بد من السؤال، قالوا: كيف نسأل غير ذي العزة والجلال، قالوا: فما الحل؟ قال: نقدم واحداً منا ليدعو لنا ونؤمن ليأتي الفرج من حيث لا نحتسب، فاقترعوا فوقعت القرعة على الحسن بن سفيان فتقدم وصلى ركعتين، فقبل السلام طرق عليهم طارقٌ الباب، وقال: أين الحسن بن سفيان ؟ قالوا: إنه يصلي، فانتظره حتى سلم، فدفع إليه صرةً فيها مائة دينار، ثم عدا أسماء البقية وأعطاهم صرراً كل صرةٍ فيها مائة دينار، قالوا: من أنت؟ قال: إن أحمد بن طولون الأمير في مصر كنت أحجبه وأنا معه في الحجرة فأخرجني وقال: أريد أن أستريح ساعة، ثم دعاني وأراني في خاصرته أثر الضرب، فقلت: ما هذا أيها الأمير؟ قال: اعتراني الإعياء كما رأيت فنمت، فلما نمت رأيت فارساً في الرؤيا ضربني بحمالة سيفه -بقرابه الذي يوضع فيه- وقال لي: أيها الأمير! أنت هنا والحسن بن سفيان مع أصحابه جياع، قلت: أين هم؟ قال: في مكان كذا، قلت: أسألك بالله من أنت؟ قال: أنا رضوان خازن الجنة، هذا الذي حصل في الرؤيا، فاستيقظ الأمير وأرسلني بهذه الصرر إليكم، وهو سيزوركم بعد ثلاثة أيام، فلما علم هؤلاء بزيارة الأمير لهم فارقوا ذلك المكان، وتركوا بلاد مصر لئلا يشهروا، فجاء الأمير إليهم فلم ير أحداً، فاشترى ذلك المكان، ووقفه لطلبة العلم وأغدق عليه خيراتٍ وأرزاقاً، بحيث لو جاء طالب العلم يجلس هنا ويكون مرتاحاً نفسياً.

    إخوتي الكرام! نعم من التجأ إلى الله فإن الله بيده مقاليد الأمور، وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، فخيرٌ من أن تلجأ إلى الأمير التجئ إلى رب الأمير، وهو الذي يلهمه أن يقضي حاجتك من حيث لا تحتسب، وقد تقدم معنا سابقاً إخوتي الكرام نظير هذه القصة، وهذه القصة انظروها في سير أعلام النبلاء في الجزء الرابع صفحة ستين ومائة، وانظروا في الجزء الرابع عشر صفحة ستين ومائة، وانظروا تعليق الإمام الذهبي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وقد تقدم معنا في المواعظ السابقة نظير هذه القصة التي جرت مع المحمدين الأربعة: مع محمد بن نصر ، وتوفي سنة أربعٍ وتسعين ومائتين للهجرة، ومحمد بن هارون الروياني ، وتوفي سنة سبعٍ وثلاثمائة، ومحمد بن جرير الطبري ، توفي سنة عشرٍ وثلاثمائة، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ، وتوفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، عندما اجتمع هؤلاء أيضاً في مصر، وحصل منهم ما حصل، وقدموا أيضاً ابن خزيمة إمام الأئمة، وحصل له كهذه الواقعة.

    وتقدم معنا أيضاً واقعةٌ جرت مع العبد الصالح إبراهيم بن أدهم عندما اشتد به الجوع مع أصحابه، فكتب ورقةً وقال فيها:

    أنا حاضر أنا شاكرٌ أنا ذاكرٌ أنا جائعٌ أنا ضائعٌ أنا عاري

    هي ستةٌ وأنا الضمين بنصفها فكن الضمين لنصفها يا باري

    مدحي لغيرك لفح نار خضتها فأجر فديتك من دخول النار

    فجاءه الفرج على يد عبدٍ من عباد الله، كان نصرانياً فأسلم، والله على كل شيءٍ قدير، دون أن يلجأ إلى مخلوق، نعم، إن من حقق توحيد الله والتجأ إلى الله يسر له أمره من حيث لا يحتسب.

    اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عينٍ ولا أقل من ذلك، يا حي يا قيوم! أصلح لنا شأننا كله، برحمتك نستغيث، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا فنهلك، ولا تكلنا إلى خلقك فنضيع، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب الأرض والسموات، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].