إسلام ويب

تحريم الاعتداء على النفسللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل حرم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرماً، فلا يجوز لمسلم أن يظلم أخاه المسلم في دم أو عرض أو مال، كما لا يجوز للمسلم أن يظلم مخلوقاً من مخلوقات الله سواء كان آدمياً أو حيواناً، وقد حذر سبحانه وتعالى سوء عاقبة الظالم في الدنيا والآخرة، فإن الظالم تعجل له العقوبة في الدنيا على ظلمه وبغيه، إضافة إلى ما يدخره الله له يوم القيامة من العقاب الأليم والعذاب الوبيل.

    1.   

    العدل مع المخلوقين خلق ودين

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! تدارسنا فيما مضى منزلة الأخلاق الحسنة في شريعة الله المحكمة، وبينت أن الأخلاق الحسنة هي إحدى الدعامتين المتينتين اللتين يقوم عليهما دين رب الكون، تعظيماً للخالق جل وعلا، وحسن معاملةٍ مع المخلوق.

    عباد الله! وتحديداً للأخلاق الحسنة -لئلا يفسر الإنسان هذه الأخلاق بما يحلو له وبما يهواه- بينت أن هذه الأخلاق الحسنة تنقسم إلى قسمين ينبغي أن يأتي الإنسان بهما لينال الدرجة العالية الكاملة في حسن الخلق:

    القسم الأول: معاملةٌ واجبة، فمن انحرف عنها فهو ظالمٌ جائر، وليس من أهل الأخلاق الحسنة، ويدخل في هذا النوع ثلاثة أنواعٍ من المعاملات بينك وبين عباد الله، وبينك وبين الخلق، الأول: أن تعدل معهم، والمعاملة الثانية: أن تحسن إليهم، وأن تساعدهم فيما تعين عليك مساعدتهم فيه، والمعاملة الثالثة الواجبة: أن تحب لهم ما تحبه لنفسك.

    وأما الأخلاق الحسنة الفاضلة المندوبة التي لا تجب عليك، إنما إذا فعلتها صرت في درجة الكمال والتمام، وإذا فاتتك فقد فوت على نفسك تمام الأجر وكماله، هذه الأخلاق أيضاً ثلاثة أنواع: أخلاقٌ حسنةٌ مندوبٌ إليها: أن تساعد الناس فيما وجب على الناس مساعدتهم فيه دون أن يتعين ذلك عليك.

    وأن تساعدهم فيما لا تجب مساعدتهم فيه إنما ذلك من باب الإحسان إليهم في حقك وفي حق غيرك.

    والأمر الثالث: أن تؤثرهم على نفسك.

    إخوتي الكرام! وكما وعدت سنتدارس في هذه الموعظة المباركة إن شاء الله الأخلاق الواجبة والمعاملة الواجبة لنتصف بالخلق الحسن الواجب.

    الأخلاق الواجبة التي ينبغي أن تقوم بها -كما قلت- ثلاثة: أولها: العدل، فلا ظلم ولا جور، وينبغي أن يسلم العباد من ظلمك وجورك في نفوسهم وأبدانهم، وفي أعراضهم وحريمهم، وفي أموالهم وممتلكاتهم، وفي حقهم وقدرهم وكرامتهم، وهذه الأمور قد أشار إليها نبينا صلى الله عليه وسلم في أعظم اجتماعٍ عقد على وجه الأرض في أطهر بقعةٍ وفي أفضل زمان مع خير الأنام الصحابة الكرام رضوان الله عليهم.

    ثبت في الصحيحين من رواية عبد الله بن عمر ، وأبي بكرة رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم عرفة في خطبة حجة الوداع عليه صلوات الله وسلامه: (ألا وإن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت)، بلغت ونصحت، فجزاك الله عنا خير الجزاء، وصلوات الله وسلامه عليك، (ألا هل بلغت، اللهم فاشهد)، على الذين يتكلمون عن حقوق الإنسان أن يعوا هذا الكلام من نبينا عليه الصلاة والسلام قبل خمسة عشر قرناً، (ألا وإن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا)، فينبغي أن يسلم الناس منك في دمائهم وأبدانهم، وفي أعراضهم وحريمهم، وفي أموالهم وممتلكاتهم، وفي حقوقهم وقدرهم وكراماتهم.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم ، والحديث رواه أهل السنن الأربعة إلا الإمام النسائي ، والحديث في صحيح مسلم فهو صحيحٌ صحيح، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، التقوى ها هنا ويشير إلى صدره عليه صلوات الله وسلامه ثلاثاً)، أي: محل التقوى في القلب، (كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله)، فينبغي أن تعدل مع عباد الله، وأن يسلموا من ظلمك وجورك في أبدانهم وأعراضهم وأموالهم وحقهم وقدرهم.

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الذي خلقنا حرم الظلم على نفسه، وجعله بيننا محرماً، فما ينبغي أن نتظالم في هذه الحياة، فإن الظلم في هذه الحياة ظلماتٌ بعد الممات، ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم ، والحديث في سنن الترمذي وابن ماجه من رواية أبي ذرٍ رضي الله عنه، عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال الله تعالى: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، فأقل ما يجب عليك في معاملتك لغيرك أن تعدل معهم، وألا تجور ولا تظلمهم.

    1.   

    وجوب العدل مع الناس بحفظ دمائهم وأنفسهم

    عباد الله! وهذه الأمور الأربعة التي ينبغي أن يسلم الناس من جورنا فيها -في أنفسهم وأبدانهم وأعراضهم وحريمهم وأموالهم وممتلكاتهم وحقوقهم وقدرهم وكرامتهم- لو أردت أن أفصل الكلام عليها فأنا على يقين بأن الكلام عليها يأخذ أكثر من أربعين موعظة، لذلك أريد أن أوجز الكلام عليها بمقدار عشر هذه المواعظ، أي: في أربع مواعظ بحيث أتناول كل حقٍ منها في موعظةٍ أتكلم على أطراف الموضوع، وأجمع أهم ما ينبغي أن يقال فيه، فلنشرع في الحق الأول وهو العدل مع الناس في نفوسهم وأرواحهم وأبدانهم، وعدم الاعتداء عليهم، يدخل في هذا أمران، ينبغي أن يسلم العباد منك فيهم، الأول: ألا تزهق أرواحهم، وألا تقطع أطرافهم، والثاني: ألا تضرب أبدانهم، وهذا الحق هو أعظم ما يجب للمخلوق على المخلوق، أن يسلم المخلوق من بطشك، من ظلمك فيما يقع على نفسه، وإزهاق روحه، هذا أعظم ما يجب للمخلوق على المخلوق، فمن ضيعه فما أشنع خلقه.

    الإثم المترتب على قتل النفس المعصومة وعقوبة ذلك

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن أول مقاصةٍ تجري بين العباد أمام رب العباد المقاصة والحساب في الدماء، ثبت في الكتب الستة باستثناء سنن أبي داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء)، أي: أول ما تحاسب عليه من حقوق الخلق دماؤهم، وهل سفكت دم أحدٍ بغير حق؟ وزاد الإمام النسائي في روايته وإسناده حسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأول ما يحاسب عليه العبد الصلاة)، ولا تعارض بين الأمرين أخي المسلم! فكما قلت مراراً: دين الله يقوم على تعظيم الله والشفقة على خلق الله، وأبرز خصال تعظيم الله بعد توحيده الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، فأول ما تسأل عنه يوم القيامة من حقوق الله الصلاة، وأول ما تسأل عنه يوم القيامة من حقوق العباد الدماء، أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء، وأول ما يحاسب عليه العبد الصلاة.

    عباد الله! وهذا القضاء بين يدي الحكم العدل الذي لا يظلم أحداً سيكون في منتهى الإنصاف والعدل ووضع كل شيءٍ في موضعه، ويا ويحيك ويا ويلك إذا أرقت دم إنسانٍ بغير حق، فسيأخذ حقه منك في ذلك اليوم، وحقه أن يأخذ حسناتك، وأن تطرح عليك سيئاته، وأن تلقى في نار جهنم، والقصاص بين العباد كما تقدم معنا في الدواوين الثلاثة واقعٌ لا محالة، القصاص واقعٌ لا محالة، ثبت في سنن النسائي ومستدرك الحاكم من رواية معاوية رضي الله عنه، والحديث رواه أبو داود والحاكم وابن حبان من رواية أبي الدرداء ، وإسناد الحديث صحيحٌ عن معاوية وأبي الدرداء رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل ذنبٍ عسى الله أن يغفره يوم القيامة، إلا الرجل يشرك بالله جل وعلا -إلا الرجل يكون كافراً- وإلا الرجل يقتل رجلاً مؤمناً بغير حق)، كل ذنبٍ يوم القيامة عسى الله أن يغفره، وأن يتجاوز عن فاعله، إلا من لقي الله بكفرٍ أو شرك، إلا من لقي الله بقتل نفسٍ معصومةٍ وإراقة دمه، كل ذنبٍ عسى الله أن يغفره يوم القيامة إلا الرجل يموت مشركاً، وإلا الرجل يقتل مؤمناً متعمداً بغير حق.

    عباد الله! وقد أشار ربنا جل وعلا إلى فظاعة وشدة وشناعة عقوبة القاتل يوم القيامة، فقال جل وعلا: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، له جهنم، ويغضب الله عليه، ويلعنه، ويبعده من رحمته الواسعة، ويعد له في جهنم عذاباً عظيماً.

    ثبت في سنن الترمذي بإسنادٍ حسن، والحديث رواه الطبراني في معجمه الأوسط عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، ورواه الطبراني في معجمه الأوسط أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه، ولفظ الأثر عن ابن عباس رضي الله عنه: أن رجلاً جاءه فقال: يا ابن عباس ! هل للقاتل من توبة؟ فقال: ماذا تقول؟ كالمتعجب من قوله، قال: هل للقاتل من توبة؟ قال: ماذا تقول؟ مرتين أو ثلاثاً، ثم قال له: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا كان يوم القيامة جاء المقتول يحمل رأسه بإحدى يديه، ويقود قاتله من تلابيبه باليد الأخرى، حتى يقف تحت العرش ويقول: رب هذا قتلني، فيقول الله للقاتل: تعست، ويذهب به إلى النار).

    وفي رواية عبد الله بن مسعود في معجم الطبراني الأوسط: (أن المقتول يقول للحق جل وعلا: يا رب! سل هذا فيم قتلني؟ فيقول الله للقاتل: لم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان -أي: قتلته من أجل أن ينتصر فلان وفلان في هذه الحياة- فيقول الله: بل لله العزة جميعاً وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93].

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا نزل إلى هذا المستوى، وخرج من حسن الخلق الواجب، وأراق دم إنسانٍ بغير حق، فلن يقبل الله منه يوم القيامة فريضةً ولا نافلة.

    ثبت الحديث بذلك في سنن أبي داود ، وكتاب الأحاديث المختارة الجياد للإمام الضياء المقدسي ، وإسناد الحديث صحيحٌ كالشمس، من رواية عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من قتل مؤمناً فاعتبط بقتله، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً)، الصرف: النافلة، والعدل: الفريضة الواجبة، (من قتل مؤمناً فاعتبط بقتله)، أي: قتله اعتباطاً من غير حقٍ يستوجب به القتل، (من قتل مؤمناً فاعتبط بقتله لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً)، وضبط بالغين المعجمة: (فاغتبط بقتله)، قال يحيى الغساني -أحد رواة الحديث-: أي: فرح بقتله، وهذا كما يقع في الفتنة بين المسلمين يقتل بعضهم بعضاً، ويحسبون أنهم على هدى، فلا يتوبون إلى الله ولا يستغفرون، (من قتل مؤمناً فاغتبط بقتله، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً).

    وقد وصلت الجاهلية ببعض الناس في هذه الأيام لخلافٍ وقع في بعض بلدان الإسلام أن كل من يحمل جنسية تلك البلاد ينبغي أن يقتل ولو كان جده السابع من تلك البلاد، علام هذه الجاهلية التي تنشر في بلدان المسلمين؟ علام هذه الجاهلية؟ إذا كان جده السابع، وبعد ذلك ستة أجداد نزحوا إلى مكانٍ آخر، بما أن الجد السابع من تلك البلاد فينبغي أن يقتل الأحفاد؛ لأن الجد السابع من تلك البلاد، في أي شريعةٍ هذا؟ (من قتل مؤمناً فاغتبط بقتله، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً).

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الناس في آخر الزمان سيتهاونون في الدماء، وسيصلون إلى حالةٍ لا يدري القاتل فيم قَتَل، ولا المقتول فيم قُتِل، ثبت الحديث بذلك في المسند وصحيح مسلم من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قَتَل، ولا المقتول فيم قُتِل).

    إخوتي الكرام! هذا البدن بناه ربنا الرحمن لعبادته، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، والمؤمن يركع لله أكثر من ستة آلاف ركعة في كل سنة، هذا في الركعات الواجبة المفروضة عدا عن النوافل التي تزيد على ذلك أضعافاً مضاعفة، فكيف تفقد الإنسان حياته، وتبطل عليه هذه العبادات التي يعظم بها رب الأرض والسموات، ستة آلاف ركعة وكسر يأتي بها المؤمن من فرائض واجبة عليه في كل سنة، بعد ذلك تريق دمه وتبطل عنه عبادة ربه جل وعلا، يا ويحك أمام ربك، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم: (أن الدنيا بأسرها لو زالت أيسر على الله من إراقة دم المسلم)؛ لأن الدنيا ما وجدت إلا لعبادة الله جل وعلا، فإذا أرقت دم أخيك فقد عطلت الغاية التي من أجلها وجد هذا الكون.

    ثبت الحديث بذلك في صحيح مسلمٍ وسنن الترمذي ، والنسائي من رواية عبد الله بن عمرو ، والحديث رواه النسائي والبيهقي من رواية بريدة ، ورواه ابن ماجه والبيهقي من رواية البراء بن عازبٍ رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لزوال الدنيا بأسرها أيسر على الله من قتل مؤمنٍ بغير حق).

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن العباد بأكملهم في الملأ الأعلى والأسفل في السماء وفي الأرض، لو اجتمعوا على قتل مؤمنٍ لأكبهم الله في النار على وجوههم، ثبت الحديث بذلك في سنن الترمذي من رواية أبي هريرة وأبي سعيدٍ الخدري ، والحديث في درجة الحسن، ورواه البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في قتل مؤمنٍ لأكبهم الله في النار). وفي روايةٍ: (لأكبهم على وجوههم في النار)، ولذلك إذا سلم الإنسان من هذه الورطة، ونجا من هذه المشكلة، وسلم الناس منه في دمائهم، فليعلم أنه في خيرٍ وفي سعةٍ وفي رحمة الله ونعمته.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال المؤمن في فسحةٍ من دينه ما لم يسفك دماً حراماً)، في فسحةٍ، أي: في سعةٍ ويسر، ورحمة الله منه قريبة، (ما لم يصب دماً حراماً)، قال عبد الله بن عمر والكلام من قوله موقوفاً عليه، يقول: من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله، (من ورطات) جمع ورطة، وهي الهلكة والمشكلة التي إذا وقعت فيها لا تجد منها مخرجاً، (من ورطات الأمور)، من المهلكات التي لا يمكن أن تنجو منها سفك الدم الحرام بغير حله.

    استواء حرمة الدماء في كل نفس معصومة لمسلم أو معاهد

    عباد الله! فينبغي أن يسلم الناس منا في دمائهم، لا يجوز أن نعتدي عليهم في دمائهم، والعقوبة المتقدمة على اعتداء الناس في دمائهم ينالها وتقع على من أراق دم نفسه، وأراق دم غيره، سواء كان مؤمناً أو معاهداً مستأمناً، وقد وردت الأحاديث بذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام، أما المؤمن فحذار حذار أن تريق دمه بغير حقٍ شرعي، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الأحوال التي يراق فيها دم المسلم فلنقف عندها، ثبت في الصحيحين وغيرهما من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحل دم امرئٍ مسلمٍ يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله عليه صلوات الله وسلامه إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، من زنى بعد إحصان، من كفر بعد إيمان، من قتل نفساً معصومةً بغير حقٍ من أهل الإسلام، في هذه الأحوال الثلاثة يراق دم الإنسان: كفرٌ بعد إيمان، زنا بعد إحصان، أن يقتل نفساً معصومةً من أهل الإسلام، وإذا سعيت بعد ذلك في قتل مسلمٍ بغير هذه الأسباب فأنت في النار، سواء قَتَلت أو قُتِلت.

    ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه).

    فينبغي أن يسلم المسلمون من الاعتداء على دمائهم وأبدانهم، وهكذا المعاهد المستأمن الذي أعطيناه عهداً وأمناه، ودخل بلادنا وصار له حق الأمان، فلا يجوز أن يقع عليه من أحدٍ العدوان، لا يجوز، ومن فعل هذا فلينظر إلى العقوبة الشرعية التي أخبر عنها خير البرية عليه صلوات الله وسلامه.

    ثبت في صحيح البخاري ، والحديث رواه الإمام النسائي من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها -في رواية البخاري - ليوجد من مسيرة أربعين سنة)، (من قتل معاهداً)، ذميٌ كافر، يهوديٌ أو نصراني أعطي عهداً، ودخل البلاد بأمان، فلا يجوز إراقة دمه، ومن نكث العهد وغدر فله هذه العقوبة عند الله عز وجل، (من قتل معاهداً لم يرح -أي: لم يشم- رائحة الجنة)، وضبط بضم الياء وكسر الراء: لم يرح رائحة الجنة، أي: لا يستنشقها، ولا يناله شيءٌ من نسيمها، (لم يُرِح) (لم يَرَح) رائحة الجنة، (وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين سنة)، وفي بعض الروايات في صحيح ابن حبان والسنن من رواية أبي هريرة وأبي بكرة : (وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين سنة)، وفي بعض الروايات: (من مسيرة مائة سنة)، وفي بعض الروايات: (من مسيرة خمسمائة سنة)، ولا يشكلّن عليك هذا أخي الكريم، أربعون وسبعون ومائةٌ وخمسمائة، كيف هذا؟

    ذهب بعض العلماء كالإمام الكرماني في صحيح البخاري مذهباً هو فيه واهمٌ قطعاً وجزماً، وقال: إن هذا من باب المبالغة في المدة التي يستنشق منها رائحة الجنة، دون حصرٍ لفترةٍ وزمنٍ ومسافةٍ معينة، فتستنشق وتشم من أربعين وسبعين ومائة وخمسمائة، ومن أقل ومن أكثر، فلا يراد من ذلك هذا العدد بعينه، وهذا حتماً لا اعتبار له، وإذا نص النبي صلى الله عليه وسلم على عددٍ معين فلا يجوز أن نلغيه بتعليلٍ لا يقوم عليه الدليل، إنما الجواب المعتبر ما قاله شيخ الإسلام زين الدين عبد الرحيم بن الحسين الأثري عليه رحمة الله، وهو من شيوخ الحافظ ابن حجر عليهم جميعاً رحمة الله، وقال قريباً من هذا القول الإمام أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي، قال: هذا باختلاف أحوال الشامين المستنشقين على حسب إيمانهم، فبعضهم يشم ريح الجنة من خمسمائة سنة، وبعضهم من مائة، وبعضهم من سبعين، وبعضهم من أربعين، وإذا كفر بالله لا يشم ريح الجنة ولا من مسيرة يومٍ ولا من مسافة لحظة، إنما هذا على حسب تفاوت الناس في الدرجات، ولذلك قال أبو بكر بن العربي عليه رحمة الله: هذا على حسب ما يخلق الله فيهم من الإدراك للشم، فبعضهم من خمسمائة، وبعضهم من مائة، وبعضهم من سبعين، وبعضهم من أربعين، وهذا الجواب هو المعتبر، وقيل كما قلت أقوالٌ أُخر كلها لا يعول عليها، خمسمائة ومائة وسبعون وأربعون، هذا على حسب أحوال المؤمنين المتقين، وبعضهم لكمال إيمانه يشم ريحها من مسيرة خمسمائة سنة، وبعضهم من مائة، وبعضهم من سبعين، وبعضهم من أربعين، (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين سنة).

    وثبت في سنن ابن ماجه وصحيح ابن حبان ، وإسناد الحديث صحيح عن عمرو بن الحمق رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أيما رجلٍ أمّن رجلاً ثم قتله، فأنا من القاتل بريءٌ وإن كان المقتول كافراً)، (أيما رجلٍ أمن رجلاً -أعطاه الأمان- ثم قتله، فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتول كافراً)، إذا أردت أن تقتله فلا تؤمنه، أما أن تعطيه الأمان ثم تغدر به فليس الغدر من شيمة المسلمين، وليست الخيانة من طبيعة المؤمنين، أن تؤمن ثم تغدر، يا ويحك، (أيما رجلٍ أمن رجلاً ثم قتله فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتول كافراً).

    فينبغي أن يسلم الناس منك في دمائهم، سواء كانوا مؤمنين أو معاهدين، وهكذا ينبغي أن تسلم نفسك منك، فلا يجوز أن تريق دمك، ولا يجوز أن تعتدي على نفسك، وكما لا يجوز أن تفعل هذا في حق غيرك لا يجوز أن تفعله في نفسك، وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29].

    ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من قتل نفسه بحديدةٍ فحديدته في يده يتوجأ بها -أي: يطعن بها- في نفسه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سماً فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبلٍ فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)، فلا يجوز أن تقتل نفسك كما لا يجوز أن تقتل غيرك.

    وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جندب بن عبد الله عن نبينا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه أنه قال: (كان في الأمم قبلكم رجلٌ فيه جراحةٌ، فلما آذته جزع فأخذ سكيناً فحز بها يده، فما رأى الدم حتى مات)، أي: ما انقطع الدم حتى زهقت هذه الروح وفارق الإنسان الحياة، (فقال الله: بادرني عبدي بنفسه)، أي: تعجل الموت ولم أنزله به، (بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة).

    يحرم ضرب المسلم بغير حق كما يحرم سفك دمه

    فينبغي أن يسلم الناس منك في دمائهم، وينبغي أن تسلم نفسك أيضاً من هذا الأمر فلا يجوز أن تعتدي على نفسك ولا على غيرك في إراقة الدم، وكما يحرم علينا أن نريق دماءنا أو دماء غيرنا فلا يجوز أيضاً أن نعاقب أحداً بضرب إلا بمقررٍ شرعيٍ، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أننا إذا اعتدينا على أبدان الناس وضربناهم فسنلقى الله وهو علينا غضبان، ثبت ذلك في معجم الطبراني الكبير والأوسط، وإسناد الحديث حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى عليه وسلم قال: (من جرد ظهر مسلمٍ بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان)، و(جرده) أورد أئمتنا لهذه الكلمة واللفظة معنيين: الأول: جرده من ثيابه، وأخذ عنه ما يحتاجه ويستر به عورته فعراه، فيلقى الله وهو عليه غضبان.

    والمعنى الثاني وهو أظهر المعنيين: جرده من ثيابه ليضربه وليسجنه وليوجعه كما يفعل بالمظلوم، تنزع عنه الثياب ليجد حرارة الضرب، (من جرد ظهر مسلمٍ بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان).

    وثبت في صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي من رواية أبي مسعودٍ الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: (كنت أضرب غلاماً لي -أي: مملوكاً عنده عبدٌ رقيق- والنبي عليه الصلاة والسلام خلفي يناديني فيقول: اعلم أبا مسعود ، يقول: وما سمعته، ولا انتبهت إليه من كثرة غضبي وأنا أضرب غلامي، فاقترب مني النبي عليه الصلاة والسلام، فالتفت إليه، فقال: اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك على هذا الغلام، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! والله لا أضرب مملوكاً بعده، هو حرٌ لوجه الله، قال: يا أبا مسعود ! أما لو لم تفعل للفحتك النار).

    وثبت في سنن الترمذي وغيره، وإسناد الحديث حسن من رواية صديق هذه الأمة أبي بكر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة سيئ الملكة)، والملكة أي: سيئ الصنيعة والمعاملة مع المملوكين والأرقاء والأجراء، (لا يدخل الجنة سيئ الملكة)، (أما لو لم تفعل للفحتك النار).

    وفي صحيح مسلمٍ وسنن أبي داود عن زاذان بالزاي المعجمة وبعدها ذالٌ معجمة، زاذان الكوفي الكندي ، قال: أتيت ابن عمر رضي الله عنه وقد أعتق مملوكاً له، ثم أخذ عوداً من الأرض أو شيئاً يسيراً، وقال: والله ما لي فيه من الأجر ولا بمقدار هذا. أي: ليس لي أجرٌ مطلقاً في إعتاق هذا الإنسان وتحريره، ولم؟ ومن أعتق عبداً في هذه الحياة أعتقه الله من النار، كل عضوٍ منه بعضوٍ منه، فعلام ليس لك أجر؟ فقال زاذان لـابن عمر : وعلام ليس لك أجر في إعتاق هذا المملوك؟ قال: كنت ضربته، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول، والحديث كما قلت في صحيح مسلم : (من ضرب مملوكه أو لطمه -أي: على وجهه- فكفارته أن يعتق)، فأنا أعتقته كفارةً لخطيئتي، فليس لي أجرٌ على عتقه وتحريري له، (من ضرب مملوكه أو لطمه فكفارته أن يعتقه)، إذا سلم الناس منا في دمائهم فليسلموا في أبشارهم، ولا يجوز أن نضرب بدناً بغير حق.

    قد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أنه في آخر الزمان ينتشر الظلم ويتوسع، وتضرب أبدان الناس بلا حقٍ شرعي. ففي المسند وصحيح مسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (صنفان من أهل النار لم أرهما: رجالٌ معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس) أي: ظلماً وعدواناً بغير حقٍ شرعي، (ونساءٌ كاسياتٌ عاريات، مائلاتٌ مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)، أي: خمسمائة سنةٍ، فينبغي أن يسلم الناس منا في أبشارهم كما سلموا في دمائهم.

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن من يعذبون الناس في هذه الحياة بغير القتل يعذبهم رب الأرض والسموات، ثبت في صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي من رواية هشام بن حكيم رضي الله عنه: أنه مر في بلاد الشام فرأى جماعةً من الأنبار قد أجلسوا في الأرض في يوم حرٍ ويصب من فوق رءوسهم الزيت، فقال: علام يفعل هذا بهؤلاء؟ قالوا: لم يدفعوا الخراج، ولم يؤدوا الجزية، فهم من أهل الذمة، وتأخروا في دفع الحق الذي عليهم، فأمر ولي الأمر بأن يجلسوا في الحر، وأن يصب فوق رءوسهم الزيت، فقال: إنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، والحديث كما ذكرت في صحيح مسلم وغيره: (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الحياة الدنيا)، ثم دخل على الأمير فخبره بحديث نبينا عليه صلوات الله وسلامه فخلوا، أي: أمر الأمير بإطلاقهم وتخلية سبيلهم، وعدم تعذيبهم بهذا العذاب الفظيع.

    عباد الله! أول ما ينبغي أن نعامل به عباد الله العدل في دمائهم وفي أبدانهم، فلا نريق دماً بغير حق، ولا نضرب بدناً بغير حق، نسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن نلقاه وليس علينا لأحدٍ من خلقه مظلمة في نفسٍ، أو بدنٍ، أو مالٍ، أو عرضٍ، أو حق، إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، أقول هذا القول وأستغفر الله.

    1.   

    حرمة ترويع المسلم وتخويفه

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    عباد الله! كما لا يجوز لنا أن نريق دم أنفسنا، ولا دماء غيرنا من مسلمين ومستأمنين، فلا يجوز أيضاً أن نروع مسلماً بالإشارة إليه بحديدةٍ أو غيرها، كما لا يجوز أن نحز رقبته بالسكين لا يجوز أن نظهر له السكين وأن نروعه بها وإن لم نطعنه بها، وقد نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشير إلى رجل بحديدة، وأخبرنا أن الذي يفعل ذلك تلعنه ملائكة السماء حتى ينزع وحتى يقلع عن هذه الإشارة.

    ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرةٍ من النار)، (ينزع) بالعين المهملة وكسر الزاي، (ينزع في يده)، أي: يتصرف بيده، يحرك يده على الزناد الذي يطلق الرصاص، أو يحرك يده فيمد بها السكين إلى الأخ الذي يشير بالسكين إليه فيؤذيه، (فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده)، أي: يحرك ويتصرف، وضبط: (لعل الشيطان ينزغ)، بالغين المعجمة وفتح الزاي، (ينزغ)، أي: يوسوس ويغوي، وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ [الأعراف:200]، ينزغ في يده، يعني: يغويه ويوسوس له أن يستعمل يده عند هذه الإشارة فيفقد تمام عقله ورجحان رأيه، فيطلق رصاصةً على من يشير إليه بالسلاح، فيقع في حفرةٍ من النار.

    وفي صحيح مسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينزع، وإن كان أخاه من أبيه وأمه)، أي: وإن كان المشار إليه بهذه الحديدة أخاً له شقيقاً من أبيه وأمه، وأشار إليه بحديدةٍ .. بسكينٍ .. بشوكةٍ .. بأي شيءٍ يروعه به، فإن ملائكة السماء تلعنه حتى ينزع.

    التحذير من أذية الأموات

    إخوتي الكرام! وكما يحرم علينا أن نعتدي على أبدان الناس إذا كانوا أحياء، فيحرم علينا أن نعتدي على أبدانهم إذا كانوا أمواتاً، فليسلم الناس منا في أبدانهم أحياءً وأمواتاً.

    ثبت في المسند وسنن أبي داود وابن ماجه ، والحديث رواه ابن حبان ، ورواه البيهقي والدارقطني وغيرهم، وإسناده صحيح عن عائشة رضي الله عنها، وقد نص الحافظ في تفسير الحديث على تصحيحه وتحسين إسناده، ورواه ابن ماجه من رواية أم سلمة رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كسر عظم الميت ككسره حياً)، أي: إذا كسرت عظم ميتٍ فكما لو كسرت عظم حي، قال أئمتنا: أي: في الإثم لا في الحكم في هذه الحياة، فليس عليك قصاصٌ إذا كسرت إصبع ميت، لكن هناك إثمٌ كما لو كسرت إصبعه وهو حي، لا يجوز أن تعتدي على معصوم النفس والدم، سواءً كان حياً أو ميتاً، لا يجوز أن تعتدي على بدنه ولا على نفسه ولا أن تقتله.

    النهي عن أذية الحيوان وقتله عبثاً

    عباد الله! وكما يحرم أن نريق دم نفسٍ معصومة بغير حق من الناس ومن بني آدم فيحرم علينا أن نقتل حيواناً بغير حقٍ عبثاً، وحسن الخلق كما تقدم معنا حسن المعاملة مع الخلق أجمعين، ينبغي أن تحسن خلقك مع المكلفين وغيرهم، وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي ، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه ورجاله رجال الصحيح، عن الشريد بن سويد رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من قتل عصفوراً عبثاً -أي: للعبث والتلهي لا ليأكله ولا ليستفيد من لحمه- عجّ العصفور إلى الله يوم القيامة وقال: رب إن هذا قتلني عبثاً ولم يقتلني منفعة)، علام قتلني بدون نفع؟ ماذا يقصد من وراء ذلك؟ (عجَّ) أي: رفع صوته بالصراخ والجؤار إلى الله، وأفضل الحج العج والثج، وهو رفع الصوت بالتلبية، وإراقة الدم، يعج هذا العصفور إلى الله يوم القيامة فيقول: (رب إن فلاناً قتلني عبثاً ولم يقتلني منفعةً).

    وتقدم معنا إخوتي الكرام حديث في الصحيحين: (أن امرأةً دخلت النار في هرةٍ حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي أسقتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض)، وخشاش الأرض أي: هوامها وحشراتها، فينبغي أن يسلم الخلق منك أجمعين في نفوسهم، وفي أبدانهم، فلا تزهق أرواحهم، ولا تعتد على أبدانهم، ولا على أبشارهم.

    اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا يا أرحم الرحمين، اللهم سلمنا وسلم الخلق منا، اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزم أحزاب الكفر وزلزل أقدامهم، اللهم لا تجعل لهم على المسلمين سبيلاً، نعوذ بك اللهم من شرورهم، وندرأ اللهم بك في نحورهم، اللهم اكفنا شرورهم وكيدهم ومكرهم واكفناهم بما شئت إنك على كل شيءٍ قدير، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا ولشيوخنا ولمن أحسن إلينا، ولمن علمنا وتعلم منا، ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].