إسلام ويب

إن سعيكم لشتى [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أقسم الله تعالى في أول سورة الليل بآيات عظيمة منها: خلقه للذكر والأنثى، وهذا دليل على أن هذه آية عظيمة من آيات الله الدالة على وحدانيته وكمال تصرفه في هذا الكون، وأنه إذا أراد شيئاً يقول له كن فيكون، فإذا أراد أن يكون الجنين ذكراً كان، وإذا أراد أن يكون أنثى كان كذلك، لكن قد جعل الله لذلك أسباباً منها: ماء الرجل وماء المرأة، فهما السبب في التذكير والتأنيث للجنين كما وردت بذلك الأدلة.. وكان المقسم عليه في هذه السورة هو: (إن سعيكم لشتى) أي: لمختلف جداً.

    1.   

    الأسباب الداعية إلى الكلام عن تفسير قوله تعالى: (إن سعيكم لشتى)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فيا معشر الإخوة الكرام! إن المحاضرة التي سنتدارسها الآن تدور حول تفسير كلام ربنا العلي الأعلى: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4]، والذي دعاني للكلام على تفسير هذه الآية سببان خاصان:

    قضاء أعداء الإسلام على الخلافة الإسلامية العثمانية بنشر الإلحاد والفرقة بين المسلمين

    السبب الأول: قديم، وهو أنني عندما كنت في المرحلة الثانوية سمعت من شيوخي الكرام -جزاهم الله عني وعن الإسلام خير الجزاء- أن أعداء الإسلام قضوا على دولة الإسلام، وأزالوا آخر خلافة من على ظهر الأرض بأمرين اثنين:

    الأمر الأول: نشروا الإلحاد في الأمة الإسلامية عن طريق المدارس التي فتحوها باسم العلم، ثم بعد ذلك نشروا التميع والإباحية والانحلال والإلحاد في تلك المدارس، ثم رغبوهم بعد ذلك في أمر ثان، وهو في إرسال البعثات العلمية إلى دول الكفر، حتى يتخرج جيل من عقر دار الإسلام، ويأتي جيل تخرج أيضاً في بلاد الكفر اللئام، فيكون في يديهم هناك، وهذا ما حصل، فما استطاع أعداء الإسلام أن يقطعوا شجرة الإسلام، ويعدموا الخلافة التي كانت موجودة إلا برجل خبيث من جلدتنا ويتكلم بألسنتنا، هذا الأمر الأول: الإلحاد.

    والأمر الثاني: نشروا الفرقة، وأثاروا النعرات بين رعايا الدولة الإسلامية ليتحزب الكردي إلى كرديته، وليتحزب التركي إلى تركيته، وليتحزب العربي إلى عربيته، وهكذا، ويتناسوا الأخوة الإسلامية.

    إخوتي الكرام! ويكفينا شاهد على هذا ما يثبته التاريخ، أنه في ذلك الوقت أسست الجمعية السرية في بيروت بقرابة خمسة من الملعونين النصارى، وهم الذين تبنوا الدعوة إلى القومية العربية، والتي صارت عند كثير من المسلمين في هذا الوقت أقوى من الرابطة الإسلامية، وهكذا دعوا إلى الوثنية، وأخرجوا الناس من دين الله أفواجاً.

    إخوتي الكرام! ومحل الشاهد في هذا الأمر الأول، وصلته بموضوعنا: أن شيوخي الكرام عليهم رحمة الرحمن، وأمد الله في حياتهم إن كان منهم حياً في هذا الوقت، أنهم عندما ذكروا هذين السببين في القضاء على الدولة الإسلامية، ذكروا حادثة مريرة تقطع الأكباد، حاصلها: أن حزب الاتحاد والترقي الذي أسس في تركيا، وكان ينتمي إلى اللعين الملعون مصطفى أتاتورك الذي مسح من اسمه الاسم الأول مصطفى ؛ لأنه تبرأ من النبي، والنبي بريء منه، إن حزب الاتحاد والترقي استولى على الحكم سنة 1908 للميلاد، وخلعوا السلطان الثالث عبد الحميد عليه رحمة الله، ورحم الله ملوك المسلمين أجمعين، في نفس السنة عندما عينت الدولة الصليبية بريطانيا مبعوثها في الدولة الجديدة، خرج الكماليون أصحاب حزب الاتحاد والترقي ليستقبلوا هذا الكافر، فأخرجوا الخيول من عربته، وربطوا أنفسهم بعربته، وبدءوا يقودونها وكأنهم الخيل.. سبحان ربي العظيم! سبحان ربي العظيم! سلطان مسلم صالح ويخلع ويكونون أشداء عليه، وصعلوك صليبي مفلس ملحد يأتي ويصبحون دابة له! نعم، وهذا حال من لو غلظ على أولياء الله هان وذل أمام أعداء الله.

    السلطان عبد الحميد الذي حكم البلاد الإسلامية ثلث قرن، لما جاءه اللعين اليهودي هرتزل ليطلب منه السماح لليهود بالاستيطان في بلدة فلسطين مقابل خمسين مليون ليرة ذهبية توضع في خزانة الدولة الإسلامية، وخمسة ملايين ليرة ذهبية تكون على حساب السلطان عبد الحميد الخاص ملكاً له، فزجرهم ونهرهم وطردهم أعظم زجر وأبلغ نهر، هذا حال الرجل الصالح، وهذا حال أولئك، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4].

    وما فعله أصحاب حزب الاتحاد والترقي يذكرنا بما يجري الآن، كيف تضعضع المسلمون أمام أعدائهم اللئام، وصاروا يدفون أرجلهم، وصاروا يضعون رءوسهم بين أرجل أعدائهم، ولعله لا يخفى عليكم المشروع الذي اقترحه بعض العصاة من إقامة مسجد وكنيسة وبيعة في مكان واحد؛ ليعبر هذا عن الكلمة الكافرة الملحدة: الدين لله، والوطن للجميع، اليهودي مع المسلم مع النصراني إخوة، والذي يريد أن يعبد الله فليدخل إن شاء إلى بيعة أو إلى كنيسة أو إلى مسجد، ومما يفري الكبد أن هذا يقوله من ينتسب إلى الإسلام، ولولا معارضة اليهود اللئام لنفذ هذا المخطط، إنما الذي اعترض عليه اليهود فقالوا: إن إقامة البيعة بجوار المسجد هذا فيه تنقيص لليهود! فلا يمكن أن تقام بيعة ومسجد وكنيسة، أن يقام مسجد وكنيسة فلا بأس، أما البيعة فلا تقام بجوار معبد من معابد أهل الملل الأخرى، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4].

    هذا الذي يقترحه العصاة في هذا الوقت، وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز إحداث بيعة أو كنيسة في بلدان المسلمين وأنصارهم، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4].

    البعثات إلى أمريكا وأوروبا ومفاسدها

    السبب الثاني للحديث عن هذا الموضوع: أنه زارني اثنان صالحان من أيام، ولا أزكيهما على ربي الرحمن، وصلاح الناس يختلف من زمن إلى زمان، رجلان يدرسان في أمريكا، واحد تخرج، والثاني لا زال يكمل دراسة الماجستير هناك، فسألت الأخ الذي ما زال باقياً هناك: ماذا تدرس في أمريكا؟ قال: أخبرك بشرط، قلت: وما هو؟ قال: ألا تعلق على كلامي، قلت: لن أعلق، وحقيقة وفيت بوعدي وما علقت على ما قال عندما كان في المجلس، قال: إنني أدرس اللغة العربية.. سبحان ربي العظيم! عربي من بلاد مسلمة يذهب ليأخذ شهادة التخصص من عجم مفلسين صليبيين لا يؤمنون بالله العظيم! ما سألته وما علقت على هذا، إنما قلت: بما أنك لا تريد أن أسألك عن موضوع اختصاصك فسأسأل عن أمر آخر، قال: سل، قلت: أخبرني عن وضع الدراسة في صفك؟ قال: سبحان الله! هذا السؤال ما سألني عنه أحد، وقد زارنا عدد من الدعاة في أمريكا، وما أحد تطرق لهذه المسألة، كيف ندرس في الفصل؟ قلت: سبحان ربي العظيم! أوليس الدين النصيحة يا أخي المؤمن، ما كنت تدرس في الفصل؟ هل يوجد دراسة مختلطة، فاشترك الاثنان في الحديث فقالا: الاختلاط طبيعي، يقول: وكون منتصف الأفخاذ مكشوفة هذا شيء عادي، وقد يظهر التبان وهي السراويل التي تتسرولها النساء، وهذا كلامه -علم الله- وليس لي منه حرف واحد، قد يظهر التبان، وأما كون منتصف الأفخاذ مكشوفة، فهذا شيء طبيعي! سبحان ربي العظيم! والرجل له لحية، وعليه علامة خير، وهو إن شاء الله من أهل الخير، ونسأل الله أن يبصرنا وإياه بعواقب أمورنا، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يجعلنا ممن يقدمون طاعة ربنا على هوانا، إنه مولانا، نعم المولى ونعم النصير.

    قلت: يا أخي المؤمن! من الذي يحل لك هذه الدراسة؟ من الذي يجيزها؟

    إخوتي الكرام! هذا الأمر الذي يجري الآن من ذهاب بعثات كثيرة، وقد أخبرني الأخوان أنه يوجد من هذه البلاد ما يزيد على خمسة آلاف طالب في أمريكا، ويقولان هما بالحرف الواحد: العشر منهم ملتزم يحافظ على دينه، وتسعة أعشار بعد ذلك ما بين إلحاد وعربدة وخمور ومراقص وأشياء يندى لها جبين الإنسان، سبحان ربي العظيم! أريد أن أقول للصالحين الذي يذهبون، والكلام للجميع أيضاً: إن كنتم تذهبون لطلب العلم، والتقرب إلى الله جل وعلا، فما هذا طريق العلم الذي يقرب إلى الله جل وعلا.

    واسمعوا لما كان يقرره سلفنا الكرام، ذكر القاضي عياض عليه رحمة الله في ترتيب المدارك وتخريج المسالك في معرفة أعيان مذهب الإمام مالك عليهم جميعاً رحمة الله، أن الإمام مالك كان يقول: العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. ستأخذون علم التفسير والتوحيد والحديث واللغة العربية من صليبيين؟! من فساق؟! وقال لي واحد من الاثنين: يوجد أيضاً في بعض الجامعات نساء تدرس، متهتكات، هؤلاء الذين سيدرسون التاريخ الإسلامي، أنت ستعود بشهادة فيها تاريخ إسلامي أمريكي! ليس بتاريخ إسلامي حنيفي! سبحان ربي العظيم! العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.

    يقول القاضي عياض : وكان الإمام مالك عليه رحمة الله يقول: حج أيوب السختياني حجتين فما كتبت عنه، ولا نقلت عنه. أي: حديث النبي عليه الصلاة والسلام، لم يا مالك رضي الله عنك وأرضاك، وأيوب السختياني من رجال الكتب الستة؟ وهو كما قال الحافظ في التقريب: ثقة ثبت، كبير القدر من الأئمة الصالحين، هو عابد الفقهاء، وهو فقيه العباد، وهو جهبذ المحدثين، لم ما كتبت عنه؟

    هذا الرجل الصالح لنعطر مجلسنا بكرامة مما أكرمه الله كما ذكر ذلك شيخ الإسلام الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمته، يقول: لما خرج مع أصحابه من بلاد العراق إلى الحج، وكانوا في وسط الطريق ونفد عليهم الماء، واشتد عليهم العطش، وكادوا أن يهلكوا، فقال لهم: إذا دعوت الله ليفرج عنكم أتكتمون ذلك عني؟ لا تنقلوه لأحد ما دمت حياً؟ قالوا: نعم، فأشار بيده إلى بقعة في الصحراء ودورها، ثم رفع يده إلى الله فنبعت عين الماء، هذا هو أيوب السختياني ، حج حجتين فما كتب عنه مالك وما روى عنه.

    يقول: ما كنت أرى عليه هيبة العلم وبهجته، فلما حج حجته الثالثة جلس أيوب في فناء زمزم، فكان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يبكي حتى إني لأرحمه، فكتبت عنه ورويت.

    كان سلفنا يتلقون العلم والعمل والخشية من شيوخهم، وطلاب هذا الوقت سيتعلمون التاريخ الإسلامي، وإدارة الداوئر في الدولة، وتوحيد الله، والعمولة الشرعية، سيتعلمون ذلك من شر البلية من الصليبيين القسس الملعونين! إذا كنتم تريدون ذلك لأجل الدين، ولأجل إرضاء رب العالمين، فأقول لكم والدين النصيحة: ليس هذا طريق الآخرة، وإذا كنتم تريدون الدنيا وتريدون أن تلهثوا وراءها كالكلاب، وتحصلوها من أي طريق كان، فليأت واحد منكم ويتصدر بعد ذلك في تركيا ليرقص نفسه ذات اليمين وذات الشمال، فأقول أيضاً لهؤلاء الإخوة: جددوا إيمانكم بربكم، إن كنتم تطلبون الدنيا والرزق، فاعلموا علم اليقين أنكم إذا أخذتم شهادة من أمريكا أو من السوربون فلم تحصلوا إلا ما قدر لكم، وإنني أسوق إليكم وإلى نفسي تذكرة وموعظة، أسوق حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    روى ابن حبان في صحيحه والبزار والطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الرزق ليطلب الإنسان كما يطلبه أجله )، وفي رواية للطبراني : ( إن الرزق ليطلب الإنسان أكثر مما يطلبه أجله )، وروى الطبراني في الأوسط والصغير بسند حسن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو فر أحدكم من رزقه لأدركه كما يدركه الموت )، فتذهبون للدين؟! ليس هذا طريق الدين، تذهبون للدنيا؟ سيأتيكم ما قدر لكم من طريق حلال أو حرام، فخذوه مما أحل الرحمن.

    إخوتي الكرام! وفي هذا الوقت يروج للبعثات بكثرة، والذي يفوز ببعثة يرى كأنه فاز بجنة، وأنا أقول: الذي يفوز ببعثة يخشى عليه من جهنم، أخبرني بعض الإخوة الصالحين من الأردن، وقد التقيت به في مصر، قال لي: عندما انتهى من الكلية، وأرادوا أن يرسلوه إلى فرنسا إلى السوربون، ليأخذ شهادة الماجستير والدكتوراه في التوحيد، سبحان الله العظيم! أليس هذا من المهازل؟ موحد يتلقى التوحيد من مفلس! مسلم يتلقى التوحيد من صليبي! والله ما كان يخطر بعقل أحد من الناس، ولكن إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4]، قال لي: فرفضت ورفضت بشدة، وأخرت البعثة سنة، وقررت إذا لم يحولوها إلى بلد إسلامي أن أترك البعثة والذهاب إلى تلك البلدة، وبعد جهد جهيد وواسطات حولوا بعثته إلى بلاد مصر.. سبحان ربي العظيم! كنا كعبة تقصد، فصرنا زبالة ترمى فيها الفضلات، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4].

    وقد أبى الله جل وعلا إلا أن يذل من انحرف عن دينه، أليس من العار أن يجلس طالب مسلم له لحية في فصل وسط نساء كاشفات عن أفخاذهن؟ وأنا أخبركم عن نفسي، وأسأل الله أن يتقبل مني ومنكم جميعاً: عندما انتهيت من المرحلة الثانوية، وعلمت أنه في كلية الشريعة عندنا في بلاد الشام الدراسة مختلطة، وليس الاختلاط فيها كالاختلاط في بلاد الصليبيين، فيشترط في الطالبة أن تكون متحجبة، على تعبير أهل البلاد هناك: لباس شرعي، فإذا كشفت الوجه ولبست إلى منتصف الساقين فهذه حجابها شرعي، ومع ذلك تجلس في مؤخرة الفصل، هذا الذي كان ولا زال إلى الآن في كلية الشريعة في دمشق، فكلفت بعض الإخوة ليسجلني في مصر لأستريح من هذا العناء، ولا زال الأزهر حتى هذا الوقت يحافظ على هذه المفخرة، وعلى هذه الخصلة، هناك معاهد خاصة للذكور، وهناك معاهد خاصة للإناث في جميع مراحل التعليم في الكلية وغيرها، حسنة عظيمة أسأل الله أن يكثر الحسنات في جميع بلاد المسلمين، وأن يزيل السيئات إنه رحمان رحيم، علم ربي قررت ترك الدراسة، ومواصلة الدراسة إذا لم ييسر الله لي التسجيل في بلادنا، فكيف إذاً يهون على المسلم أن يذهب إلى بلدة لا يسمع فيها كلمة: الله أكبر، لا يسمعها، ويجلس بعد ذلك في وسط جهنم من نساء صليبيات أفخاذهن مكشوفة؟! إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4].

    عباد الله! لا بد من تعظيم شعائر الله: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، عباد الله! إن الله لا يمحو الخبيث بالخبيث، ولكن يمحو الخبيث بالطيب.

    عطلة الصيف.. صور مأساوية

    إخوتي الكرام! هذان سببان خاصان دعاني للكلام على تفسير قول ربنا: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4]، لا سيما ونحن الآن في موسم الصيف، والناس يتفلتون إلى هنا وهناك، والأرض تضج إلى الله جل وعلا أيام الصيف لما يجري فيها من فساد، اجتمعت بالمجلس العام فأخبرني بعض الحاضرين، وأقسم بالله الرحمن أنه لا يتقن قراءة القرآن، أخبرني أنه ذهب إلى أسبانيا وإلى تركيا وغير ذلك، وبدأ يعدد البلاد التي ذهب إليها، قلت له بكل هدوء ولطف: يا عم! ولم ذهبت إلى تلك البلاد؟ قال لي: من أحبه الله أطلعه على ملكه، قلت له: هذه آية أو حديث، آية في القرآن من أحبه الله أطلعه على ملكه، أو حديث ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام؟ قال: ما أدري. قلت: اسمع ما الذي يحبه الله؟ يقول النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث في البخاري : ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )، وفي رواية: ( إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه )، وورد في الترمذي وغيره: ( إن لله أهلين من الناس. قالوا: يا رسول الله! من أهل الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته )، فمن أحبه الله علمه كلامه الذي أنزله ليكون هداية لنا.

    عباد الله! موسم الصيف صار عند الناس موسماً للعربدة والفجور، ومعاطاة الإلحاد والشذوذ، والعهر والمخدرات، وقد دلت الإحصائيات الطبية في هذه البلاد أنه بعد الانتهاء من موسم الصيف تكثر نسبة الأمراض في الأعضاء التناسلية، هذا تقرير الأطباء في هذه البلاد؛ لأنهم كانوا هناك يعربدون ما بين لواط وزنا وشرب خمر وحشيش، ونحو ذلك، نعم الله تعالى عندما أغدقها الله علينا استخدمناها في محاربته، عندما ألقيت نظرة على هذا الهمج الضائع أخذت نفسي مع ثلة مؤمنة طيبة تعكف في الصيف على كتاب الله، وعلى أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: صدق الله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4]، هذا يعربد، وهذا يغتنم هذا الموسم لمدارسة كلام الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى)

    إخوتي الكرام! هذه الآية: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4]، من سورة الليل، التي يقول الله فيها: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:1-4]، (والليل إذا يغشى) أي: يغطي بظلامه، من غشيه غشاء وغشاوة، فالليل يغشى ويغطي بظلامه الدامس، وماذا يغشى؟ حذف المفعول للعلم به، وقصداً للتعميم، فهو يغشى كل شيء، ولذلك سمى الله الليل في سورة الفلق بالغاسق، والمراد من الغاسق هو الليل على التفسير الراجح المعتمد، وتفسير الغاسق بأنه القمر إذا غاب -كما ثبت هذا عن نبينا عليه الصلاة والسلام- لا يتنافى مع ما قلت؛ لأن غياب القمر لا يكون إلا في الليل، فسماه الله غاسقاً: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ [الفلق:1-3]، الغاسق هو الليل إذا أقبل بظلامه، وقد سمي الليل غاسقاً من الغسق وهو السيلان، يمشي الظلام كأنه يسيل عند غروب الشمس، فهو يغطي ويغشى كل شيء، يغشى النهار ويغطيه، كما قال الله جل وعلا: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا [الأعراف:54]، وهو يغشى الشمس ويغطيها، وهو يغشى الأرض أيضاً ويغطيها، كما قال الله في السورة التي قبل سورة الليل سورة الشمس: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا [الشمس:1-3]، جل الشمس وأظهرها، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس:4]، أي: يغشى الشمس فهي المذكورة.

    وقال الإمام ابن كثير : (إذا يغشاها): إذا يغشى الأرض، واعترض على ذلك: بأن الشمس إذا غربت من هنا طلعت في مكان ثانٍ، فما غشيها؟ فنقول: المراد غشي المكان الذي كانت فيه، وكل من التفسيرين مقبول ومنقول عن سلفنا، فالليل يغشى كل شيء ولذلك سمي غاسقاً، يغشى النهار، يغشى الأرض، يغشى الشمس، يغطي هذه الأشياء بظلامه، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل:1-2]، النهار من طلوع الشمس إلى غروبها، وهو يختلف عن اليوم، فإن اليوم من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، أما النهار فهو من طلوع الشمس إلى غروبها، (إذا تجلى) أي: إذا ظهر ووضح وسطع وبان لزوال الظلمة وطلوع الشمس.

    إخوتي الكرام! لا أريد أن أتكلم عن الحكمة من خلق الليل والنهار، وما ينبغي أن يفعله المؤمنون نحو حول هذين الظرفين، وهاتين الآيتين العظيمتين، فقد مضى الكلام على هذا عند محاضرة: هدي الإسلام في النوم، ورحمة الله على من قال:

    الليل داج والعصاة نيام والعابدون لذي الجلال قيام

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما خلق الذكر والأنثى)

    قال تعالى: وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [الليل:3]، لما أقسم الله بالليل وبالنهار، أقسم بأعظم الآيات وأظهرها التي يتعاقب عليها الليل والنهار، وهي الإيناث والإذكار، فقال جل وعلا: وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [الليل:3]، فكل من هذه الأمور لا يتصرف فيها أحد من خلق الله، الليل والنهار، والذكورة والأنوثة، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [القصص:71-73]، فكما أنه لا يتصرف أحد في الليل والنهار، وهذا من تصرف العزيز القهار، الأمر كذلك في الإيناث والإذكار: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى:49-50].

    وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [الليل:3]، الإيناث والإذكار آيتان عظيمتان على العزيز الغفار سبحانه وتعالى، والمراد من الذكر والأنثى هنا الذكورة والأنوثة في سائر المخلوقات، وليس هذا خاصاً في جنس بني الإنسان، ولو تأمل الإنسان الإذكار والإيناث في مخلوقات الله لرأى عجباً، لو أخذ الحشرات ليرى كيفية حملها، وكيفية خروج الذكر والأنثى منها، لرأى ما يذهل العقول، وييسلم الإنسان بعبوديته لربه سبحانه وتعالى.

    يقرر العلماء أن بعض الحشرات يتم تلقيحها لتخرج نسلها عن طريق الاحتكاك بين رجليها، سبحان ربي العظيم! تحتك رجلاه ببعضهما فيلقح نفسه، ثم بعد ذلك يخرج الذرية، ولو ألقى الإنسان نظرة إلى عالم النبات لرأى ما يدهش الأبصار، النبات في بعض الأحيان ترى صنفاً ونوعاً من الأشجار ذكراً ونوعاً أنثى، كما هو الحال في شجر النخيل والزيتون، ثم بعد ذلك يؤخذ من شجرة الذكورة التلقيح للإناث، وهكذا سخر الله الرياح لواقح، كما أخبر سبحانه وتعالى، وهناك صنف في النبات الشجرة الواحدة نصفها ذكر ونصفها أنثى، ويلقح بعضها بعضاً، وهناك صنف ثالث أعجب وأغرب، وهذا ثابت وموجود على ظهر الحياة الدنيا، الشجرة الواحدة في سنة تكون ذكراً، وفي سنة تكون أنثى، وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [الليل:3].

    لو تأمل الإنسان الإذكار والإيناث في الحشرات وفي النباتات، لسجد لرب الأرض والسماوات، وأما الإيناث والإذكار فينا، وهكذا في الحيوانات الثدية التي تحمل وترضع، ويتم الإذكار والإيناث بينها عن طريق التقاء الذكر والأنثى، فالأمر عجب عجب يا عباد الله! ولنلقي نظرة حول هذا الأمر الذي يقع فينا، وهو دليل على عظمة ربنا سبحانه وتعالى، هذا الإذكار والإيناث الذي يقع فينا وفي الحيوانات الثدية، ليس لأحد من البشر فيه دخل، ولا لأحد من المخلوقات فيه تصرف، إنما هو صنع الله الذي أتقن كل شيء، كما قال جل وعلا: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى:49-50].

    قرر المفسرون الكرام عليهم رحمة الرحمن: أن الله قدم الإناث بالذكر في هذه الآية لثلاثة اعتبارات:

    الاعتبار الأول: يهب لمن يشاء إناثاً؛ لأن ذلك يقوم على خلاف ما يهواه الأكثر، وفي ذلك دلالة واضحة على أن المتصرف في ذلك هو الله، (يهب لمن يشاء إناثاً).

    والحكمة الثانية: جبراً لضعفهن، وإشارة لفضل رعايتهن، فقدمهن في الذكر، (يهب لمن يشاء إناثاً).

    والحكمة الثالثة: للإشارة إلى عظيم الآيات فيهن، فهن المعامل الربانية لإنتاج الذرية، يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ [الشورى:49].

    وهذه الحكم الثلاث معتبرة، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الكثيرة إلى بعضها، ففي مستدرك الحاكم وغيره بسند صحيح أقره عليه الذهبي عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من كن له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن وضرائهن وسرائهن أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهن، فقال رجل: وابنتان يا رسول الله؟ قال: وابنتان. فقال رجل آخر: وواحدة يا رسول الله؟ قال: وواحدة ).

    وثبت في الصحيحين وغيرهما عن أمنا عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار )، (فأحسن إليهن) والإحسان إليهن لا يحصل إلا بالتربية الشرعية.

    التذكير والإيناث والشبه في الحمل بإذن الله وكيفية حصوله

    إخوتي الكرام! دل القرآن الكريم على أن الذكر والأنثى يخلق من ماء الرجل ومن ماء المرأة، كما قال الله جل وعلا: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان:2]، أي: أخلاط، من ماء الرجل ومن ماء المرأة، فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق:5-7]، الصلب في حق الرجل، والترائب عظام صدر المرأة، ودل القرآن على أن المرأة حرث، فهي التي يزرع فيها الذكور والإناث، فلا دخل لها إذاً في الإذكار والإناث، إنما هذا يكون عن طريق الرجل، كما قال الله جل وعلا: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، فهي حرث، والبذر ذكراً أو أنثى يتم عن طريق الرجل حسب ما يقدر الله جل وعلا.

    وإيضاح ذلك كما يقرر الأطباء: أن الخلية التي تتلقح وتلقح في الذكور والإناث، أما خلية الإناث فيبلغ عددها إلى ثمان وأربعين، تنقسم إلى شطرين بإذن الله، إلى أربع وعشرين، وأربع وعشرين، وخلية الرجل تنقص واحداً عن خلية المرأة، فهي سبع وأربعون، وتنقسم إلى ثلاث وعشرين وأربع وعشرين، فإذا أراد الله جل وعلا أن يكون الحمل ذكراً اتصلت الخلية الناقصة من خلية الرجل التي هي ثلاث وعشرين، بإحدى الخليتين من المرأة فتساوتا، فكان الحمل ذكراً بإذن الرحمن، وإذا أراد الله أن يكون الحمل أنثى اتصل الشطر الثاني من خليته التي مجموعها أربع وعشرون مع إحدى خليتي المرأة، فكان الحمل أنثى بإذن الله.

    الأحاديث الدالة على تكون الجنين من ماء الرجل والمرأة وشبهه لأبيه أو أمه بسبب ذلك

    أريد أن أسوق الأحاديث الثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام في هذه المسألة، وهي تدور على خمسة أحاديث؛ لنحقق الكلام فيها، ولنعلم عظمة ربنا سبحانه وتعالى، أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام التي تعلقت في بيان الحمل، وما يتعلق به من شبه وإذكار وإيناث، وتكوين من لحم وعصب ودم وغير ذلك، مرجعها ومردها إلى خمسة أحاديث:

    الحديث الأول: ثابت في الصحيحين عن أمنا أم سلمة رضي الله عنها، قالت: جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ( يا رسول الله! هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال: نعم إذا رأت الماء، فقالت أم سلمة رضي الله عنها: أو تحتلم المرأة؟ قال: نعم، تربت يمينك! فبم يشبهها ولدها؟ ) فيأتي مشابهاً لها؛ لأنه يكون من مائها، إذاً المولود والجنين من ذكر أو أنثى يتم تكوينه بماء الرجل وماء المرأة بإذن الله سبحانه وتعالى.

    الحديث الثاني ثابت في صحيح البخاري : وفيه أن عبد الله بن سلام ، وهو من أحبار اليهود الذين أسلموا رضي الله عنه وأرضاه، قال: لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ذهبت إليه عند قدومه، وأصحابه حوله، فقلت: ( يا رسول الله! إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، فقال: سل. فقال عبد الله بن سلام: أخبرني بأول أشراط الساعة؟ وأخبرني بأول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: أخبرني بهن جبريل آنفاً، فقال عبد الله بن سلام : ذاك عدو اليهود من الملائكة )، أي: الذي تعاديه اليهود، ولذلك أنزل الله ربنا عليه: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:97-98]، خصه بالذكر في الآية الثانية أيضاً؛ لأنه عودي من قبل شر المخلوقات، وهم اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، ذاك عدو اليهود من الملائكة.

    ثم قال له النبي عليه الصلاة والسلام: ( أما أول أشراط الساعة فنار من المشرق تحشر الناس إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت )، وهو لحمة صغيرة معلقة في الكبد، أطيب الطعام وأهنؤه وأمرؤه، هذه تقدم ضيافة لأهل الجنة عندما يدخلون، زيادة كبد الحوت، هذه القطعة الصغيرة من ذاك الحوت العظيم تشبع أهل الجنة بإذن رب العالمين، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد )، أي: صار الولد يشبه أباه، ( وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد )، أي: صار يشبهها، ونزعت شبهه إليها، ( فقال عبد الله بن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، ثم قال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت إذا علموا بإسلامي سيضعون من مكانتي، فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فلما جاء اليهود قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: ما تقولون في عبد الله بن سلام ؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: ما تقولون إن أسلم؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله بن سلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فقال اليهود: إنه شرنا وابن شرنا، ومقتوه، فقال عبد الله بن سلام : هذا الذي كنت أخاف ).

    إذاً: إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد بإذن الله، والمراد من السبق هنا -كما اتفق شراح الحديث- أن المراد أن يسبق إلى الرحم، فإذا استقر أحد الماءين في الرحم قبل أن يتصل بالماء الثاني، ويتم التلقيح، يكون الشبه له بإذن الله، إذا سبق ماء الرجل نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت الولد.

    والحديث الثالث: في صحيح مسلم عن أمنا عائشة رضي الله عنها في قصة أم سليم أيضاً رضي الله عنها عندما قالت: هل على المرأة من غسل إذا احتملت؟ فقالت أمنا عائشة رضي الله عنها، كما قالت أمنا أم سلمة : ( وتحتلم المرأة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وهل يكون الشبه إلا من قبل ذاك، إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه الولد أعمامه، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه الولد أخواله )، والحديث في صحيح مسلم، والمراد من العلو هنا كما قال القرطبي وابن حجر وغيرهما: علو معنوي، وهو المراد من السبق في الحديث المتقدم، علو معنوي، أو سبق في الاستقرار في الرحم في مكان تكوين الولد.

    يدل على هذا أنه في بعض روايات حديث أم سلمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قالت له أم سلمة : ( وتحتلم المرأة؟ قال: نعم، ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما علا أو سبق يكون الشبه له )، (علا أو سبق)، فالمراد بالعلو هو السبق، يدل على هذا ما رواه البزار عن ابن عباس : ( فأيهما غلب -أي: إلى الرحم- نزع الولد )، وفي رواية البزار عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ( فأيهما علا غلب الشبه )، فإذاً علا، وسبق، وغلب، كلها بمعنى واحد، والمراد الغلبة في الاستقرار في الرحم، والسبق إلى الرحم، والعلو وهو سبق معنوي، الوصول إلى الرحم قبل الماء الثاني.

    حديث الحبر اليهودي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن تكون الولد في الرحم

    الحديث الرابع: ثبت في صحيح مسلم عن ثوبان قال: ( كنت قائماً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: يا محمد! فدفعته دفعة كاد يصرع منها، وقلت: ألا تقول: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ).

    إخوتي الكرام! وعند هذا الفعل أحب أن أنبه إلى أن كثيراً من طلبة العلم عندما يذكر نبينا صلى الله عليه وسلم، يقول: قال محمد بن عبد الله، استح من الله أيها الرجل! لا يقال عنه: محمد بن عبد الله إلا عندما يذكر نسبه، وأما ما عدا هذا فهو خلاف التعظيم والتوقير الذي أمرنا به ربنا نحو نبينا صلى الله عليه وسلم: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور:63]، قل: قال رسول الله، قال خاتم النبيين، كما وصفه بذلك رب العالمين.

    ولذلك ثوبان ضرب هذا الحبر ضربة كاد أن يصرعه منها، عندما قال: يا محمد! قال: ألا تقول: يا رسول الله! والحديث في صحيح مسلم ، ( فقال الحبر: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن اسمي الذي سماني به أهلي محمد، فقال الحبر: يا محمد! جئت أسألك عن أشياء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أينفعك شيء إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني، فنكت النبي عليه الصلاة والسلام بعود كان معه في الأرض، وقال: سل، قال: أخبرني أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هم في الظلمة دون الجسر )، أي: دون الصراط.

    إخوتي الكرام! وهذا لا يتعارض مع ما ثبت في سنن الترمذي بأنهم على الجسر، وكما في صحيح مسلم بأنهم على الصراط؛ لأن الجمع بين الأحاديث كما قال الإمام البيهقي ، وهذا هو المقرر عند أهل السنة: أنهم يكونون في الظلمة التي هي بقرب الصراط، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث بأنهم على الصراط بقربهم منه، ولا داعي لإهمال هذه الرواية الصحيحة في صحيح مسلم : (في الظلمة دون الجسر)، وعلى هذا فقوله: (على الصراط)، أخبر بكونهم قريبين منه، وملاصقين له، كما قال هذا الإمام البيهقي وارتضاه أهل السنة الكرام رحمة الله عليهم جميعاً.

    ( قال: فمن أول الناس إجازة؟ -أي: من أول من يجوز الصراط ويمشي عليه من الناس- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: فقراء المهاجرين )، أول من يجوزون الصراط ويدخلون الجنة، ( قال: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ )، إذا دخل أهل الجنة الجنة بأي شيء يتحفون؟ وما أول طعام يقدم لهم؟ قال: ( زيادة كبد النون -أو الحوت كما تقدم معنا في صحيح البخاري - قال: فما غذاؤهم على إثرها )؟ ماذا يأكلون بعد ذلك؟ وبأي شيء يغذون ويطعمون بعد هذه الزيادة؟ وكل هذا ثابت في الكتب السابقة، وعندما يخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا يتحققون بذلك صدقه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها )، ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها، أمور مغيبات حقائق أخبرنا بها خير البرية صلى الله عليه وسلم، آمنا وصدقنا، ونسأل الله أن يكرمنا بذلك فهو أرحم الراحمين.

    فقال الحبر: ( فما شرابهم عليه؟ -بعد أن يأكلوا من لحم هذا الثور ماذا يشربون؟- قال: من عين تسمى سلسبيلاً، ثم قال: يا محمد! جئت لأسألك عن أمر لا يعلمه إلا نبي، أو رجل، أو رجلان، قال: أينفعك شيء إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني، قال: سل، قال: جئت أسألك عن الولد ) أي: من أي شيء يخلق؟ وكيف يتكون؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ماء الرجل غليظ، وماء المرأة رقيق، فإذا اجتمعا فعلا ماء الرجل ماء المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل آنثا بإذن الله)، وفي رواية في صحيح مسلم بالإذكار: ( فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكره )، أي: هذا الاجتماع، وكان الحمل ذكراً بإذن الله، ( وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثه بإذن الله )، والمراد من العلو هنا الكثرة والزيادة بحيث يصبح الماء الثاني قليلاً ضئيلاً متلاشياً مضمحلاً بجانب الماء الأول.

    أقول إخوتي الكرام! والذي يظهر والعلم عند الرحمن أن ماء الرجل لا يعلو على ماء المرأة إلا إذا اختلط الشق الثاني من خليته، وهي ثلاث وعشرون كما قرر هذا الأطباء، فيعلو ماء الرجل في هذا الوقت بإذن الله، فيكون الحمل ذكراً، فلا يعلم هذا إلا رب الأرض والسماء، فإذا اختلط الشق الثاني الذي عدده أربع وعشرون، بإحدى الشقين من خلية المرأة، علا ماء المرأة، وآنث الحمل بإذن الله، وهذا الحديث ثابت في صحيح مسلم ولا غبار عليه.

    والإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه تحفة المودود في أحكام المولود، وهكذا في كتابه مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، قال: الحديث ثابت لا غبار عليه، إلا أنه يخشى أن لا يكون بعض الرواة ضبط لفظه، وأما السائل سأل عن الشبه لا عن الإذكار والإناث.. ثم قال: وعلى كل حال، فإذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو ثابت، والراوي أداه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فهو حق، كما نص بذلك نبينا عليه صلوات الله وسلامه.

    أقول: والذي يظهر أن الحديث في صحيح مسلم كما قلت، وهو ثابت، ولم يتصرف بعض الرواة في لفظ من ألفاظه، بل نقلوه كما قاله نبينا صلى الله عليه وسلم، لما ثبت في مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير بسند رجاله ثقات، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( جاءت يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم! كيف تذكر المرأة وكيف تؤنث؟ ) أي: كيف يكون الجنين في بطنها ذكراً، وكيف يكون الجنين في بطنها أنثى؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يلتقي ماءان فإذا علا )، وهذا لفظ الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير: ( فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت بإذن الله ).

    إذاً: الحديث نقل لنا كما قاله نبينا صلى الله عليه وسلم، فإذا علا أحد الماءين وصار له غلبة على الآخر، وهذا يتم إذا لقحت إحدى الخليتين من الذكر، وهي التي عددها ثلاث وعشرون، بإحدى خليتي المرأة، فعند ذلك يحصل علو ماء الرجل، فيكون الجنين ذكراً، وإذا لقحت الخلية الثانية إحدى خليتي المرأة، يكون الجنين أنثى، وكل هذا بتقدير العزيز العليم، فهناك لما سأل الحبر، والحديث في صحيح مسلم عن ثوبان رضي الله عنه، فلما قال له النبي عليه الصلاة والسلام ما قال، قال الحبر كما في صحيح مسلم : صدقت وإنك لنبي.

    الحديث الخامس الذي يتعلق بموضوع تكوين الذكر والأنثى في بطن أمه: رواه الإمام أحمد في المسند، وأبو الشيخ ، والحديث فيه ضعف كما قال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( كانت قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمر يهودي فقالت قريش لليهودي: يا يهودي! إن هذا يزعم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسله، فجاء اليهودي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا محمد! أخبرني عن الولد مم يخلق؟ فقال: يا يهودي! من كل يخلق، من ماء الرجل ومن ماء المرأة، أما ماء الرجل فغليظ فيكون منه العظم والعصب، وأما ماء المرأة فرقيق فيكون منه اللحم والدم ).

    وعلى هذا فحاصل الأحاديث الثابتة عن نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر أنه إذا سبق أحد الماءين إلى الرحم كان الشبه له، وإذا زادت نسبة أحد الماءين على الآخر كان الحمل ذكراً أو أنثى على حسب الزيادة، وتكون العظام والعصب من ماء الرجل، واللحم والدم من ماء المرأة، وهذا يفعله ربنا جل وعلا في ظلمات ثلاث لا يطلع عليه مخلوق من المخلوقات.

    1.   

    عظيم صنع الله وحكمته في الخصيتين وما فيهما من الآيات العظيمة

    ولا أريد أن أستعرض عظيم الآيات الموجودة في الذكر والأنثى، إنما عند خلق هذين الصنفين المتقابلين المختلفين، أريد أن أشير إلى حكمة جليلة ذكرها الأطباء في الذكر، وتتعلق بموضوع الإذكار والإيناث: يقرر علماء الطب أن الحرارة الاعتيادية الطبيعية لجسم الإنسان تكون 37 درجة، يقولون: وثبت عندنا في الطب أن الحيوانات المنوية لا تعيش إذا كانت الحرارة أكثر من 35 درجة، قالوا: ولأجل هذا الأمر فصل الله الخصيتين عن بدن الإنسان، لتكون الحرارة فيهما أقل من حرارة الجسم، ولو كانت الخصيتان في باقي بدن الإنسان لما تم هناك مخلوق، ولا حدث ذكر ولا أنثى، سبحان ربي العظيم!

    وأنا أقول ما ذكره الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في حكمة مقابلة كل عضو للآخر، يقول في كتابه مفتاح دار السعادة: إن عملية الهضم التي تتم للطعام في داخل جوف الإنسان تخرج منها حرارة عظيمة، بحيث يصبح الجوف كأنه حر مستعر، وهذا يؤذي القلب ويشوشه ويتعبه، فخلق الله له مروحتين تروحان عنه، وتخففان الحرارة عنه وهما الرئتان، يضطربان ذات اليمين وذات الشمال كالمراوح التي يتروح بها الناس في هذه الحياة، وهكذا الخصيتان جعلهما الله جل وعلا خارج البدن ليتم خزن الماء فيهما، وتتكون فيهما الحيوانات المنوية في درجة حرارة (35).

    إخوتي الكرام! يقرر علماء الطب أن الأنابيب الموجودة في الخصية الواحدة تزيد على ألف أنبوب، يسري فيها الماء لتكوين الذكر والأنثى، يقولون: هذه الأنابيب في الخصية الواحدة يزيد طولها على خمسمائة متر أي: نصف كيلو، سبحان ربي العظيم! في حجم لا يزيد إلا يسيراً عن حجم اللوزة وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21]، ولذلك أقسم الله جل وعلا بالذكر والأنثى، فلا يتصرف بالإذكار والإيناث إلا الله، وفي الذكورة والأنوثة، وهذا كله من الآيات العظيمة التي تخبرنا عن عظيم قدرة ربنا سبحانه وتعالى.

    1.   

    القراءات الواردة في قوله تعالى: (وما خلق الذكر والأنثى) وتوجيهها

    عباد الله! قبل أن أنتقل إلى قول الله جل وعلا: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4]، عندنا مبحث لطيف في هذه الآيات أحب أن أستعرضه تتمة للطائف التفسير، وتفسير الآيات المتقدمة، وهذا البحث هو في قول الله جل وعلا: وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [الليل:3]، في القراءة المتواترة المحكمة الثابتة عن نبينا صلى الله عليه وسلم، والتي عليها القراء العشرة، وهذه القراءة هي: وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [الليل:3]، فكيف جعل الله (ما) بدل (من)؟ والمراد: ومن خلق الذكر والأنثى؟ و(ما) لغير أولي العلم، فلمَ لمْ يخبر الله عن نفسه عندما أقسم بذاته بصيغة من؟ لمَ لمْ يقل: ومن خلق الذكر والأنثى؟ قال أئمة اللغة: إن (ما) يجوز أن تحل بدل (من) إذا روعي في المذكور الصفة، فالمراد هنا: من خلق الذكر والأنثى، وهو الله، فذكر صفته، وهي صفة الخلق التي خلق بها الذكر والأنثى، فعبر عن الخلق بـ (ما)، والمعنى: ومن خلق الذكر والأنثى، وهذا كما قال الله جل وعلا: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22]، ولم يقل: من نكح آباؤكم؛ لأنه لما لوحظ في المنكوح صفة الاستنكاح جاءت (ما) بدل (من)، وهنا لما لوحظ في المذكور صفة الخلق جاءت (ما) بدل (من).

    وقيل وهو قول ثان: أن (ما) هنا مصدرية، والمعنى: وخلق الله للذكر والأنثى، ولفظ الجلالة محذوف للعلم به؛ لأنه لا خالق إلا الله، وخصهما بالذكر لما فيهما من الآيات العظيمة، وعليه فهنا أقسم الله جل وعلا بصفة من صفاته، في المعنى الأول والتعليل الأول أقسم بنفسه، وفي التعليل الثاني أقسم بصفة من صفاته وهي الخلق، كما يقسم بعلمه ورحمته سبحانه وتعالى.

    والتقدير الثالث ذكره القرطبي في تفسيره وقال: في الكلام (من) مضمرة محذوفة، وتقدير الكلام: وما خلق الله من الذكر والأنثى من عباد أتقياء فضلاء أنبياء وصالحين، وعليه فهنا أقسم الله جل وعلا بصنف من الذكور والإناث وهم الصالحون الأتقياء الفاضلون، (وما خلق الله) أي: أقسم بما خلقت من الذكر والأنثى من أناس صالحين طاهرين فاضلين من أنبياء وصديقين وغير ذلك، وعليه فهنا وقع القسم بعباد الله المقربين، ولا غضاضة في ذلك، فلله أن يقسم بما شاء من خلقه كما قال الحسن البصري ، وقد أقسم الله في أول السورة بالليل إذا يغشى، وأقسم بالنهار إذا تجلى، وهنا أقسم بعباد الله المقربين الذين وجدوا وخلقوا من الذكور والإناث، هذا على القراءة المتواترة.

    وهناك قراءة منسوخة في هذه الآية كان يقرأ بها في أول الأمر، ثم نسخت بعد ذلك واستقر الأمر على القراءة التي نقرأ بها، والقراءة المنسوخة نقلت عن ابن مسعود وأبي الدرداء رضي الله عنهما كما ثبت هذا في الصحيحين، وسنن الترمذي : (والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى)، فوقع القسم بالذكر والأنثى، كما وقع القسم بالليل إذا يغشى، وبالنهار إذا تجلى، وتعليل هذه القراءة المنسوخة كالتعليل الثالث في القراءة المتواترة، لكن يختلف التعليل؛ لأن القسم هناك بصنف من الذكور والإناث، وهم الصالحون، وهنا القسم بجميع الذكور والإناث.

    وهذه القراءة التي نقلت عن ابن مسعود وأبي الدرداء رضي الله عنهما رجعا عنها وقرأا بالقراءة المتواترة التي استقر الأمر عليها، وثبتت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، يدل على هذا أن أهل الشام تلقوا قراءتهم عن أبي الدرداء ، فكلهم يقرءون: (وما خلق الذكر والأنثى)، وأهل الكوفة تلقوا قراءتهم عن ابن مسعود، وكلهم يقرءون: (وما خلق الذكر والأنثى)، وثلاثة من القراء السبعة تنتهي أسانيد قراءاتهم إلى ابن مسعود، إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهم يقرءون: (وما خلق الذكر والأنثى)، والثلاثة هم: عاصم وحمزة والكسائي ، أسانيد قراءتهم تنتهي إلى ابن مسعود إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهم يقرءون بهذه القراءة الثابتة عنه، وقراءتهم متواترة: (وما خلق الذكر والأنثى)، وعليه فما ثبت عنهما رضي الله عنهما، هذا باعتبار ما كان قبل النسخ، ثم بعد ذلك نسخت، والقراءة الثابتة المتواترة: (وما خلق الذكر والأنثى).