إسلام ويب

علم التاريخللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • علم التاريخ يلحق بالعلوم المادية التجريبية من ناحية بحثه في أمور محسوسة مشاهدة، وهو علم عظيم مفيد من خلاله نستطيع التأكد من الحقائق ومن وقوع الأشياء من عدم وقوعها، فبه يظهر صدق الصادق وكذب الكاذب، ولابد له من ضوابط شرعية عند دراسته والاستدلال والاستفادة منه، وعند عرض الحوادث والوقائع التاريخية.. كل ذلك لابد أن يضبط بالشرع المطهر.

    1.   

    علم التاريخ وفوائده في معرفة صدق الرواة من كذبهم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    عباد الله! وأما النوع الثاني من العلوم التي تبحث في الأمور المشاهدة المحسوسة فهو: علم التاريخ، فيتعلق بنقل ما وقع من الناس، وحكايته للغير، هذا العلم ضبطه أيضاً شرعنا بضوابط، كما ضبط الأول بأربعة ضوابط؛ فهذا كذلك، وعلم التاريخ نافع مفيد، وبه يستطيع الإنسان أن يتحقق من الحقائق ومن وقوع الأشياء، ولذلك قال أئمتنا: لما كذب الرواة أعاننا الله عليهم بالتاريخ، فنقول لهم: متى التقيتم بالشيخ الذي تروون عنه؟ فإذا ذكروا وقتاً لا يكون فيه ذلك الشيخ علمنا كذبهم، كما قال الإمام زين الدين عبد الرحيم الأثري عليه رحمة الله:

    ووضعوا التاريخ لما كذبا ذووه حتى بان لما نسبا

    ووضعوا التاريخ لما كذبا ذووه

    أي: الرواة.

    حتى بان، أي: الأمر، والحقيقة لما نسبا وعلم متى حدثه ذلك الشيخ.

    يذكر أئمتنا في ترجمة عمر بن موسى بن وجيه : أنه جاء إلى بلاد الشام وذهب إلى حمص، وأراد أن يستغل طيب أولئك الناس، فبدأ يفتري عليهم ويكذب، فيقول: حدثنا شيخكم الصالح، حدثنا شيخكم الصالح، فقالوا له: ومن شيخنا الصالح الذي تنقل عنه؟ قال: خالد بن معدان ، وهو من التابعين ومن أئمة الإسلام، فقال له بعض الحاضرين: ومتى التقيت به؟ قال: سنة مائة وثمان في غزاة أرمينية، فقالوا: يا شيخ! اتق الله ولا تكذب، توفي خالد بن معدان سنة مائة وأربعة، ونزيدك أخرى أنه لم يذهب إلى أرمينية قط، ما دخلها، وأنت تقول أنك التقيت به هناك سنة مائة وثمانية؟! ‏

    ظهور كذب اليهود بالتاريخ حينما أخرجوا كتاباً زعموا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط عنهم الجزية فيه

    ويذكر أئمتنا الكرام، والقصة مشهورة، وتكرر وقوعها في عصر الإسلام، يذكرها الإمام ابن القيم في المنار المنيف في صفحة اثنتين ومائة، وهي قصة عظيمة تبين منزلة أئمتنا الكرام عليهم رحمات ذي الجلال والإكرام.

    حاصل هذه القصة: أن اليهود أظهروا كتاباً في عهد الإمام ابن جرير ، المتوفى سنة ثلاثمائة وعشر، ثم أعادوا إظهاره في عهد الخطيب البغدادي ، المتوفى عليه رحمة الله سنة أربعمائة وثلاث وستين، ثم أعادوا الكتاب في عهد الإمام ابن تيمية ، المتوفى عليه رحمة الله سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، حاصل هذا الكتاب: أن النبي عليه الصلاة والسلام أسقط الجزية عن اليهود عند غزوة خيبر، والكتاب بخط علي رضي الله عنه، وفيه توقيع صحابيين، وقع عليه سعد بن معاذ ، ووقع عليه معاوية بن أبي سفيان ، والخط خط علي ، فقورن الخط مع خط علي رضي الله عنه فيما عند المسلمين من وثائق فوجدوا أن الكتاب متشابه، والمدون أتقن الخط، فعرض على الإمام ابن جرير ، وعرض على الخطيب البغدادي بعد ذلك، ثم عرض على الإمام ابن تيمية ؛ فلما عرض على ابن تيمية بصق على الكتاب، واليهود كانوا حوله، ومعهم الحرير يحملون الكتاب عليه، ثم قال: هذا الكتاب مزور من عشرة أوجه، ذكرها الإمام ابن القيم في المنار المنيف، يتعلق ببحثنا منها أمران فيما يتعلق بالتاريخ:

    الأول: وكان الخليفة قد استدعى أئمة الإسلام للنظر فيه، فهدى الله هؤلاء الأئمة للجواب الحق، فقال كل واحد: الكتاب فيه شهادة سعد بن معاذ ، وغزوة خيبر كانت في العام السابع للهجرة، وسعد بن معاذ توفي سنة خمس للهجرة في موقعة الأحزاب رضي الله عنه وأرضاه، فكيف يشهد بعد موته بسنتين؟! فاسودت وجوه اليهود، سود الله وجوههم إنه على كل شيء قدير.

    قال: وفي الكتاب شهادة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم أجمعين، ومعاوية إنما أسلم عام الفتح سنة ثمان للهجرة، أي: بعد موقعة خيبر بسنة، فكيف يشهد ولا زال مشركاً في مكة؟! فلما ظهرت الحقيقة نكل الخليفة باليهود وعاقبهم.

    بيان كذب ما جاء في رحلة ابن بطوطة عن ابن تيمية بالتاريخ

    الإمام ابن تيمية عليه رحمات رب البرية قضى حياته في بيان الدين الحق، ومقارعة المبتدعة الضالين الذين خرفوا في دين رب العالمين من الصوفية الضالة الذين سلكوا التخريف في عبادتهم، وفي فهم دين ربهم، كما رد على الممثلة وعلى المعطلة، ولما توفي وبعد وفاته بقرابة خمسين سنة، زور على هذا الإمام كلام باطل هو بهتان بهتان، كان هذا الإمام يضلل من يقول به في حياته.

    يقرر الإمام ابن تيمية في الرسالة التدمرية أن من قال: إن لله وجهاً كوجوهنا، ويداً كأيدينا، ونزولاً كنزولاً، واستواءً كاستوائنا؛ فهو ضال جاهل مشبه لله بالجمادات والحيوانات. هذا الإمام الكريم المبارك افتري عليه ما كان هو يضلل من يقول به.

    يقول الإمام ابن بطوطة في رحلته الشهيرة في صفحة خمس وتسعين، وابن بطوطة توفي سنة سبعمائة وتسع وسبعين بعد الإمام ابن تيمية بواحد وخمسين سنة، يقول تحت عنوان وضعه: قصة الفقيه باللوثة، ثم يقول: لما دخلت دمشق كان فيها شيخ كبير من الحنابلة يدعى بالإمام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ، وهذا الإمام.. يقول: كان معظماً عند الناس، ولهم فيه اعتقاد، يقول: لكن في عقله شيء.. إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ [المطففين:29]، ونحن في هذا الوقت يقال للرجل فيه: ما أظرفه! وما أجلده! وما أعقله! وما في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ويقال للإنسان: ما أحمقه! وعقله فيه لوثة، ولعل عقله أعظم مما بين السماوات والأرض، إنما هذه الموازين المختلة في هذا الحين، قصة الفقيه باللوثة إلا أن في عقله شيئاً.

    يقول: فرقى المنبر يوم الجمعة ليخطب فذكر حديث النزول، وأن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر، والحديث متواتر عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه.

    يقول: فنزل الإمام ابن تيمية درجتين من المنبر وقال: إن الله ينزل كنزولي هذا. نعوذ بالله من هذا الضلال! فهذا اتهام في هذا الكتاب في صفحة خمس وتسعين، لو نظرنا -إخوتي الكرام- في هذه القصة حسب التاريخ الذي سنتكلم فيه حسب نقل الواقع المحسوس المشاهد لقلنا: إن هذه القصة كذب واضح.

    الإمام ابن تيمية باتفاق المؤرخين دخل السجن في ستة شعبان سنة سبعمائة وست وعشرين، وبقي في السجن حتى توفي في عشرين من ذي القعدة سنة سبعمائة وثمان وعشرين، ما خرج بعد ذلك، وختم في السجن ثمانين ختمة، وشرع في الحادية والثمانين، فلما انتهى من قول الله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55]، خرجت روحه عليه رحمة الله، فكمل أخوه عبد الرحمن سورة الرحمن إلى نهاية القرآن ليتمم الواحدة والثمانين ختمة، ومات في السجن، وكأن الله نادى بين الناس بأن شيخ الإسلام قد مات، فشهد جنازته مائتا ألف، ووالله لو مات السلطان في ذلك الزمان لما شهد جنازته مائة ألف، قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز.

    هذا الإمام المبارك دخل السجن في ستة من شعبان، سنة سبعمائة وست وعشرين، ومكث فيه حتى لقي الله، ابن بطوطة هو يقول عن نفسه: دخلت دمشق في عشرة رمضان سنة سبعمائة وست وعشرين، أي: بعد دخول الإمام ابن تيمية السجن بما يقارب أربعين يوماً، فكيف سمعت خطبته في المسجد الكبير وهو في السجن؟ فالقصة من ناحية التاريخ مختلقة مكذوبة مزورة على هذا الإمام، ولنا في هذا الإمام وفي الصالحين وبنبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه أسوة حسنة، فإذا افتري على هؤلاء الأئمة وزور عليهم فمن نحن؟ نسأل الله جل وعلا أن يحبنا، وأن يحببنا للصالحين من خلقه.

    وإذا أهل الكرام أكرموني فلا أرجو الهوان من اللئام

    وأرجو تأتي بمعنى: الخوف، أي: لا أخاف منهم ولا أبالي، فإذا أكرمك الكرام فلا تبالِ باللئام، قال الإمام مالك كما في الحلية، والأثر نقله عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمته، قال لتلميذه عبد الله بن مطرف : ما يقول الناس في؟ قال: الناس صنفان: أما محب فيثني، وأما مبغض فيذم، قال: ما زال الناس كذلك، لكن نعوذ بالله من تتابع الألسن. أي: أن يجمع الناس على ذم، أما أن الصالحين يثنون عليّ، والخبيثين يطعنون فيّ، فما زال الناس كذلك، نبينا عليه الصلاة والسلام هذا وضعه، وهذا شأنه، بل ربنا جل وعلا هذا شأنه مع عباده، خلق الخلق وما سلم من شرهم، فيرزقهم ويعافيهم ويجعلون له نداً، ليس أحد أصبر على أذىً سمعه من الله، يخلقهم ويرزقهم ويعافيهم ويجعلون له نداً، يخلق ويعبد غيره، يرزق ويشكر غيره سبحانه وتعالى، وهكذا هذا الإمام أوذي في هذا الأمر، فهذه القصة مكذوبة لهذا التاريخ.

    الأمر الثاني: كتب الإمام طافحة برد هذا الهذيان وهذا الضلال والبهتان.

    الأمر الثالث: الإمام ابن تيمية له تلاميذ، فالإمام ابن القيم من تلاميذه، وابن كثير من تلاميذه، والذهبي من تلاميذه، فلو كان الشيخ فيه داء التمثيل لرأينا هذا البلاء في التلاميذ، فهم صورة لشيخهم.

    الأمر الرابع: الإمام ابن تيمية ما كان يخطب في مسجد بني أمية الكبير، ولا خطب فيه، إنما كان يدرس على كرسي قبل أن يعتقل، وقبل أن يسجن، أما المنبر فما رقاه ولا خطب عليه.

    الأمر الخامس: هذا أمر لو وقع في مسجد بني أمية وفيه ما يزيد على عشرة آلاف مصلٍ، لنقله كل من حضر، فعلام لا يوجد إلا في هذه الرحلة التي تذكر هذا الحادث؟ لماذا؟ ونحن نقول: إن ابن بطوطة ما افترى هذا ولا اختلقه أيضاً، إنما لعبت يد أثيمة في هذا الكتاب فزادت عند وصف ابن بطوطة ما رآه في دمشق هذه القصة المزورة طعناً في هذا الإمام المبارك، لكن الله كشفه من جهة التاريخ، وكما قال أئمتنا: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ.

    1.   

    الضوابط الشرعية للكلام في التاريخ والحوادث

    عباد الله! هذا التاريخ ينبغي أن يضبط بضوابط شرعية:

    وجوب الكلام على الحوادث وأحوال الناس إذا كان يترتب على ذلك مصلحة شرعية

    أولها: إذا كان الكلام على الوقائع والحوادث، وعلى أحوال الناس، يتوقف عليه مصلحة شرعية ضرورية لا يمكن أن تحصل إلا بالكلام، إلا بما سمعت، إلا بما رأيت؛ فيجب عليك أن تتكلم في هذه الحالة، ولذلك اعتبر أئمتنا علم الجرح والتعديل من العلوم الضرورية التي تقرب إلى الله الجليل؛ لأننا نميز بين الصحيح والسقيم مما ينسب إلى نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه.

    يقول الشيخ زين الدين عبد الرحيم الأثري عليه رحمة الله:

    واعن بعلم الجرح والتعديل فإنه المرقاة للتفصيل

    بين الصحيح والسقيم واحذر من غلط فالجرح أي خطر

    ومع ذا فالنصح واجب وقد أحسن يحيى في جوابه وسد

    لأن يكون لي خصماء أحب من كون خصمي المصطفى إذ لم أذب

    وربما رد كلام الجارح كالنسيء في أحمد بن صالح

    فربما كان لجرح مخرج غطى عليه السخط حين يحرج

    فإذا كان الكلام يتوقف عليه مصلحة شرعية ضرورية فيجب أن تتكلم، ولذلك لما قيل لـيحيى بن معين : أنت عندما تتكلم على هؤلاء، وتذكر ما هم فيه من كذب تغتابهم، قال: أنا أذب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا خاصمني هؤلاء خير من أن يخاصمني خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه.

    ومع ذا فالنصح واجب وقد أحسن يحيى في جوابه وسد

    لأن يكون خصماء لي أحب من كون خصمي المصطفى إذ لم أذب

    أي: إذا لم أبين أن هؤلاء روايتهم لا يعول عليها لأنهم مجروحون وفيهم كذا وكذا، فإذا كان الأمر كذلك فلا حرج، وتكلم في هذا على حسب ما شاهدت، وعلى حسب ما رأيت دون زيادة ودون نقصان، ودون غرض لقصد تحقير هذا الإنسان، وقد ذكر أئمتنا أن الغيبة تباح في ستة أحوال، إذا اغتاب الإنسان فيها غيره وذكر عيوبه فليس عليه حرج في ذلك:

    والقدح ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر

    ولمظهر فسقاً ومستفتٍ ومن طلب الإعانة في إزالة منكر

    (متظلم) يذهب يقول: ظلمني فلان، أخذ حقي، أخذ مالي.

    (ومعرف) يذكر من لا يعرف إلا بشيء فيه تنقيص له، فيقول مثلاً: أعور، أعمش، فلان قصير من باب التعريف لا من باب الاحتقار.

    (ومحذر) يحذر من فسقه؛ لأنه كذاب عاص لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام.

    (ولمظهر فسقاً) أظهر الفسق، وجاهر به، فلا غيبة له، لأنه قد هتك ستر الحياء، فأنت لا تتكلم عن شيء مخفي مستور.

    (ومستفت) كأن يقول: ما حكم الله فيمن فعل معي كذا وكذا؟ وفلان ظلمني فهل لي عليه حق فيما أقول؟ وهل هو مصيب؟ وما شاكل هذا.

    (ومن طلب الإعانة في إزالة منكر)، جاء إليك وقال: فلان يفعل ويفعل، فأريد أن تساعدني على إزالة هذا المنكر.

    جواز نقل الوقائع والحوادث إذا كان فيها عظة وعبرة مثل التحديث عن بني إسرائيل

    الحالة الثانية: إذا كان في ذكر الوقائع التي وقعت وأدركناها بحواسنا من بصر وسماع عبرة، ولا يوجد مصلحة ضرورية منها، فاعلها ونقلها لا حرج فيه، وفي ذلك ترخيص لنا من نبينا عليه الصلاة والسلام بذلك:

    فمن وعى التاريخ في صدره أضاف أعماراً إلى عمره

    ولذلك ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري ، والحديث في سنن الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، فقوله: (وحدثوا عن بني إسرائيل)، أي مما بلغكم من أمور عجيبة فلا حرج لأجل الاعتبار، ونحن نعلم يقيناً كما قال الشافعي : أنه ما أذن لنا نبينا صلى الله عليه وسلم بأن نحدث عنهم بما نعلم كذبهم، لكن أمر يمكن أن يقع ولا نعلم صدقه من كذبه، فلا مانع من التحديث به.

    وقوله: (ولا حرج)، يحتمل خمسة أمور كما وضحها الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء السادس في صفحة ثمان وتسعين وأربعمائة، قال: الأمر الأول: أي: لا محذور عليكم ولا إثم عليكم في أن تحدثوا عنهم، فقد كان فيهم العجائب ويقع الاعتبار فيما تحدثون به عنهم.

    الأمر الثاني: (ولا حرج)، أي: لا تتحرج صدوركم ولا تضيق بما تسمع من الأنباء العجيبة التي كانت تقع في بني إسرائيل من خوارق العادات وغير ذلك، فلا تضيق الصدور في قبول هذا، فهذا لا مانع من وقوعه والله على كل شيء قدير.

    المعنى الثالث: ولا حرج عليكم في أن لا تحدثوا، فالأمر من باب الرخصة لا من باب الوجوب والعزيمة، حدثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج عليكم في ترك التحديث، فلا تتوقف على ذلك مصلحة شرعية ضرورية.

    المعنى الرابع: ولا حرج على الحاكي فيما ينقله عنهم من ألفاظ مستشنعة وقعت فيهم، فلا حرج عليه؛ لأنه ينقل ما وقع فيهم كما حكى الله عنهم هذا: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181]، فإذا نقلت عنهم شيئاً من هذا البلاء فلا حرج عليك.

    المعنى الخامس: وهو أضعفها -كما قال الحافظ في الفتح- أي: ولا حرج عليكم في أن تحدثوا عن أولاد بني إسرائيل، أي: عن أولاد يعقوب خاصة حسبما حدثكم الله عنهم في سورة يوسف: لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ [يوسف:7]، أي: لا حرج عليكم أن تتكلموا بهذه القصة، وإسرائيل هو نبي الله يعقوب، وقد حدثنا ربنا جل وعلا عن قصته، فلا حرج علينا أن نتحدث عن بني إسرائيل، أي: عن أولاد نبي الله يعقوب، وهذا كما قال الحافظ : هو أضعف الأقوال وهو حقيق بالضعف.

    والذي يظهر أن هناك قولين معتبرين في الحديث:

    الأول: لا محذور عليكم في التحديث؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهانا في أول الأمر أن نتحدث عنهم، ثم أذن لنا أن نتحدث عنهم بما ليس بباطل ومستحيل.

    والأمر الثاني ما قاله الطحاوي : ولا حرج في أن لا تحدثوا؛ لأن الأمر ربما يفهم منه الوجوب (حدثوا)، فأراد أن يدفع هذا الفهم الذي لم يرد، فقال: ولا حرج عليكم في ترك التحديث.

    جواز التحديث بما لا فائدة فيه لكن ليس فيه انتقاص من أحد كالكلام في الأنساب ونحوه

    الأمر الثالث: ما لا فائدة للناس في التحديث به مما وقع، مما أبصرته أو سمعته، لا فائدة للناس فيه، لكن ليس فيه انتقاص لمن تتحدث عنه مما وقع منه، ليس فيه انتقاص، فتذكر ما وقع في التاريخ: فلان حكى كذا، ولد كذا، توفي كذا، مما ليس فيه تنقيص، أما ما فيه تنقيص، وليس فيه مصلحة شرعية، فلا يجوز لك أن تتحدث به.

    تبحث في أنساب الناس، وإلى أي نسب تنتهي هذه القبيلة، وتلك القبيلة، ومثل هذه الأبحاث الدقيقة، فلا حرج في ذلك، علم لا ينفع، والجهل به لا يضر، لكن لا محذور في التحدث به، ونقله إلى الناس، ولذلك ورد في كتاب المراسيل لـأبي داود عن زيد بن أسلم ، والحديث رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ورواه أبو نعيم في كتاب رياض المتعلمين بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: ( ما أعلم فلاناً! ) أي: ما أكثر علمه! فقال: ( بأي شيء؟ قالوا: بالأنساب )، يعلم أنساب القبائل، قال: ( علم لا ينفع وجهالة لا تضر )، قال الحافظ ابن حجر : لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وروي أيضاً من كلام عمر رضي الله عنه ولا يثبت، لكن إن حدث الإنسان بهذا فلا حرج، لكن بشرط أن ينبه على ما في الحديث من محاذير ومن مفاسد عندما يحدث، فإذا حدث بأمر ليس فيه فائدة للناس، وليس في هذا انتقاص لمن يحدث عنه، لكن في هذا الحديث شيء من المحذور فُعِل، فينبغي أن ينبه عليه، وأنه لا يليق ولا يتناسب وقوع هذا، وأنه محرم.

    كما يذكر أئمتنا عليهم رحمة الله في ترجمة العبد الصالح معروف الكرخي ، المتوفى سنة مائتين للهجرة، وهو من الأئمة الزهاد والأولياء العباد عليه رحمة الله، كان مجوسياً، وقيل: نصرانياً، ولما جلس مع أخيه بين يدي المعلم ليعلمهم أن الله ثلاثة: الأب والابن وروح القدس؛ كان معروف الكرخي صغيراً حدثاً آتاه الله الحكمة، فكان يقول له: أحد أحد، فكان المعلم يضربه فيقول له: أحد أحد، ثم شرد، فقالت أمه: أسألك يا رب! أن ترد علي معروفاً ، وأن أدخل في دينه على أي دين كان، فعاد بعد فترة فقالت: ما دينك؟ قال: الإسلام، قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأسلم أخوه، وصارت هذه الأسرة طيبة مباركة، ولما توفي دفن عليه رحمة الله في بغداد، ينقل ابن الجوزي في الكتاب الذي ألفه في ترجمة معروف الكرخي ، وهذا في صفة الصفوة، وهكذا أبو يعلى في طبقات الحنابلة، وكذا الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء، ينقلون أن قبر معروف هو الترياق المجرب، أي: الدواء النافع، وأن من عرضت له حاجة فليلجأ إلى قبر معروف، وليدعو الله بحاجته عند قبر معروف فحاجته تقضى ولابد، وقال بعض الناس: من ذهب إلى قبر معروف وقرأ مائة مرة سورة الإخلاص، ثم دعا استجيب دعاؤه. فهذا الكلام نقل، وهو شيء وقع فتجوز حكايته، لكن عندما ننقله ينبغي أن ننبه الناس أن هذا ضلال، وأن هذا شرك بذي العزة والجلال، وأن قبر معروف وقبر غيره من أئمة المسلمين وسائر القبور تزار لأمرين معتبرين لا ثالث لهما:

    الأول: لنقوم بحقوق الأخوة الإسلامية علينا نحو إخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وتقدمونا بالوفاة؛ لندعو لهم، ولنستغفر لهم، ولنؤانسهم بدعائنا واستغفارنا عندما نزورهم: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية.

    والأمر الثاني: أن نعتبر بالمصير الذي صار إليه هؤلاء، وأن نستحضر الموت الذي غفل عنه الناس. هذا هو المقصود من زيارة القبور، وأما من زار القبر ليدعو ولتقضى حاجته، سواءً كان قبر نبي أو قبر ولي أو قبر من كان، زار القبر بهذه النية فهي زيارة شركية، فنحن عندما نذكر هذا ينبغي أن ننبه عليه.

    وأما ما قاله معلق الكتاب الدكتور الجبوري على كتاب معروف الكرخي للإمام ابن الجوزي ، يقول: وإنما يستجاب الدعاء عند قبره كرامة لصاحب القبر لا للقبر. فهذا من زيادة الهوس والتعمية على الناس، الله جل وعلا هو الذي يستجيب الدعاء، ونحن نتقرب إليه بحبنا لـمعروف ولسائر الصالحين، وبحبنا لنبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه أن يستجيب دعاءنا وأن يغفر ذنوبنا، وأما أن نلجأ إلى قبر من القبور لندعو عند هذا القبر لتقضى حوائجنا، فهذا ضلال، وقد وصل الشطط ببعض الناس أن قال: الناس يلجئون إلى الحي، وأنا ألجأ إلى الأموات، أي: إذا اعترتني حاجة أذهب إلى قبور الصالحين، وأستغيث بهم، أو أدعو عندهم لتقضى حاجتي!

    إذاً: إذا نقلنا هذا ينبغي أن ننبه عليه، وأما أن ينقل بلا تعليق فهذا لا يجوز، هذا النوع من الكلام الذي ليس في التحديث به فائدة، لا حرج -كما قلنا- في التحديث به أيضاً، لكن الأولى والأفضل والأكمل والأطهر والسنة الإمساك عن هذا النوع من الحديث؛ لأنه إذا لم يكن فيه مصلحة فقد يجر من كلام إلى شيء من الغيبة وإلى شيء من الآثام، ولذلك قال الإمام النووي عليه رحمة الله في كتابه الأذكار في صفحة أربع وثمانين ومائتين: اعلم أنه ينبغي للمكلف أن يحفظ لسانه، ويجب عليه أن يتفقد الكلام قبل أن ينطق به، ومتى استوى الكلام وعدمه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه؛ خشية أن يجر إلى غيبة، وإلى غير ذلك من المحرمات كما هو العادة.

    وقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ).

    عباد الله! هذا الأمر الذي نقرره مما هو مشاهد يحكى، ولا فائدة فيه، ولا نفع فيه للعباد، ينبغي أن نعيه بعض الوعي، لو تأمل الإنسان في كتب المدارس في هذه الأيام، في كتاب الجغرافيا يدرسونهم قارة أستراليا وبقية البلاد: بنقلادش، باكستان، الهند، الصين، مساحتها، ماذا تزرع، ماذا تصدر.. ونحو ذلك، لطلاب لا زالوا لا يتقنون كلام الله نظراً، ما الفائدة من هذا؟ لا فائدة من هذا إلا ضياع الوقت في هذيان لا يسمن ولا يغني من جوع، هذه الأمور التي تتعلق بأحوال الدنيا يطلع عليها من اختمرت العلوم في عقله ليستخلص منها عبراً، أما الطالب الذي لا يحفظ سورة الكوثر نأتي ونقول له: ارسم لنا خريطة أستراليا، واكتب ما تزرعه، وما تنتجه، وحدد لنا طبيعة البلاد، ما فيها من تضاريس وجبال وأنهار ومدن، ما الفائدة من هذا؟ أوقاتنا تضيع فيما لا ينفع، وينبغي أن يتقي الله الذين عهدت إليهم المسئولية عن معاقل التعليم ليقدموا لجيلنا ما ينفعهم في الدنيا والدين، أما هذا فأنا أعطيهم النتيجة القطعية بالمائة مائة، أعطيهم النتيجة: أنه لن يستفيد طالب من هذا على الإطلاق، وقد درسنا هذا ست سنين، ويا ضيعة الأعمار تمشي سبهللاً! في مرحلة المتوسط والثانوية ولو قلت لي: ارسم خريطة من الخرائط لقلت: ما أستحضر، ولو بحثت معي ماذا تنتج هذه البلد وما محصولها لقلت: ما الفائدة من هذا؟ وليته صرف ذاك الجهد لحفظ مائة حديث في كل سنة من أحاديث نبينا عليه صلوات الله وسلامه.

    هذا لابد من أن نعيه، وإذا قدر الله لواحد منا أن يكون مسئولاً فليعلم أن أولاد المسلمين في رقبته، وسيسأل عنهم أمام أحكم الحاكمين، مناهج تقرر لا نفع فيها، لم؟ مناهج تقرر فيها ضرر، لم؟ هذا لابد من وعيه، إذا استوى الكلام وعدمه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه.

    حرمة الكلام فيما حدث إذا كان في ذلك تنقص للمتكلم عنه وليس فيه مصلحة شرعية

    الأمر الرابع: إذا كان في الحديث عن هذه الأمور المشاهدة الحسية مما وقع عليه نظرنا أو سماعنا تنقيص لمن نتحدث عنه، ولا يترتب على هذا مصلحة شرعية، فيحرم علينا أن نتكلم، ولذلك امتلأت كتب التاريخ بالغيبة والحرام والبهتان، وأعراض المسلمين كما قال شيخ المسلمين ابن دقيق العيد : حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها المحدثون والمؤرخون، أما المحدثون فاتقوا الله، فما تكلموا إلا لمصلحة شرعية ذباً عن سنة خير البرية، وأما المؤرخون فخاضوا في الهوس، وذكروا ما لم ينقله مؤرخ، ما ذكر محدث من المحدثين في الكلام على راوٍ من رواة الحديث أنه كان أبخر الفم، ما ذكر هذا، أو رائحة فمه طيبة، ليس في ذلك منقصة له، خلقه الله على هذه الشاكلة، ما كانوا يطعنون فيه بهذا، أما ما يوجد في كتب التاريخ فينبغي أن نغربله، وأن نتقي الله، يقال: الخليفة فلان -ولا أريد أن أذكره لئلا يكون في ذكرنا غيبة له، إنما انظروا في كتاب المعارف لـابن قتيبة في صفحة ثلاث وخمسين ومائة- يقول: كان أبخر، وكان يكنى بأبي الذبان، يقول: لأن الذباب كان إذا شم رائحة فمه مات من نتن ريحه. ماذا تريد منه أيها الإنسان؟ خلقه الله بهذه الصورة طويلاً أو قصيراً أو أعور، أو نحو ذلك. فإذا كان في هذا تنقيص له بوصف من الأوصاف التي لا يحب أن يذكر بها، فلنتق الله في ذلك.

    إذاً: هذا وإن كان يستند إلى أمور -كما قلت- مشاهدة محسوسة، لكنها تلحق بالعلوم المادية، لكن لها ضوابط في الشريعة الإسلامية ينبغي أن نتصف بها.

    1.   

    العلوم السلوكية ووجوب انضباطها بالشريعة المطهرة

    عباد الله! وأما العلوم السلوكية، وهي التي قلت سنتحدث عنها إن شاء الله ونتدارسها في محاضرة كاملة، فأقول باختصار: العلوم السلوكية هي ما يتعلق بالعدل والظلم، بالحق والباطل، بالفضيلة والرذيلة، بالحلال والحرام، في العقائد والأخلاق، في النظام والتشريع، في الفن والأدب، في علم النفس وفي علم الاجتماع، هذا كله مصدره شريعة الله، فديننا يقوم على أمرين: (لا إله إلا الله)، فلا يُعبد إلا هو، ونريد بأعمالنا وجهه، (محمد رسول الله) حسبما بين لنا مما هو حلال وحرام، حلال نتبعه، حرام نطرحه، فإذا تكلم الإنسان في واحد من هذه العلوم عن طريق عقله ورأيه فهو مشرك بالحي القيوم، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47]، وشرع الله هو من ربنا، وهو عليم بنا وبكل شيء، وهو حكيم يضع الأمر في موضعه، وهو سبحانه وتعالى رحيم بنا أكثر من رحمتنا بأنفسنا، فهذا يؤخذ منه أمور الفضيلة والرذيلة لا يقررها إلا ربنا جل وعلا، والعقول همها أن تتلقى هذا، وأن تفهم النصوص وأن تعمل بموجبها، وأما أن نؤله العقل لنصل إلى الضلال والوهم، فلا ثم لا.

    ولذلك علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمور السلوكية إذا أخذت من غير الشريعة الإسلامية، فالأمة في متاهة وفي حالة رديئة، وقد آذن أمر الله باقتراب قيام الساعة، كما ثبت في المستدرك بسند صحيح في الجزء الرابع صفحة أربعة وخمسين وخمسمائة، وقرر عليه الذهبي ، والحديث في معجم الطبراني الكبير بسند رجاله رجال الصحيح كما في المجمع في الجزء السادس صفحة ست وعشرين وثلاثمائة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن من أشراط الساعة: أن يرفع الأشرار، وأن يوضع الأخيار، وأن يفتح القول، وأن يخزن العمل، وأن يقرأ في القول بالمثناة ليس فيهم من ينكرها ولا من يغيرها، قالوا: وما المثناة يا رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قال: كتب غير كتاب الله )، فإذا أخذ علم النفس من غير كتاب الله فهو كفر، وإذا أخذ نظام الحياة من غير كتاب الله فهو كفر، وإذا أخذ علم الاجتماع وبني على نظريات داروين اليهودي الملعون، وهو الذي يدرس في كليات الاجتماع فهو كفر، وتفصيل الكلام في هذا سيأتي عند البحث في العلوم السلوكية إن شاء الله، إنما من باب بيان شيء من الأمر معجلاً أقول: هذا العقل البشري إذا ترك له أن يتكلم في هذه الأمور فالناس سيخبطون في هذه الحياة خبط البهائم، وتقريراً لهذا إليكم ثلاثة أمثلة على سبيل الإيجاز ننهي الكلام عندها إن شاء الله.

    الحاكم بأمر الله الفاطمي وتشريعه للناس خلاف الشريعة الإسلامية

    المثال الأول: الحاكم اللعين بأمر الله الذي حكم في مصر، وقصمه الله سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وهو من الحكام الباطنيين الملعونين، الحاكم بأمر الله ، من حكام الدولة الفاطمية، الدولة العبيدية الملحدة المحضة، التي ظاهرها الرفض وحقيقتها الكفر المحض، وأول من أسس دولتهم عبيد الله بن ميمون القداح في بلاد المغرب سنة سبع وتسعين ومائتين، ثم انتقلت الدولة بعد ذلك إلى مصر في عهد المعز لدين الله الفاطمي عليهم جميعاً غضب الله سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، واستمرت الدولة الملحدة في مصر ثلاثة قرون، من سنة اثنتين وستين وثلاثمائة إلى سنة خمسمائة وسبع وستين عندما قضى عليهم صلاح الدين الأيوبي ، وألف الإمام ابن الجوزي كتابه: النصر على مصر، وأزال هذه الدولة الباطنية الملحدة.

    هذا الحاكم بأمر الله كان يشرع على حسب عقله ورأيه، فأوجب على الناس العمل بالليل، وحرم عليهم العمل بالنهار، من رآه يخرج في النهار سجنه وضرب رقبته، فالناس يتاجرون ويزرعون ويفلحون في الليل، لماذا؟ ما الحكمة؟ تزرعون وتفلحون وتبيعون وتشترون في الليل، فإذا أذن الفجر وأحد زاول مهنة أو حرفة سجن وضربت رقبته، نعوذ بالله من هذا!

    وصل به الحقد في آخر شرع شرعه للناس، أن حرم على أهل مصر أكل الملوخية، وامتد سلطانه إلى بلاد اليمن وبلاد الحجاز والحرمين، وكان يدعى له على منابر الحرمين: الحاكم بأمر الله ، هذا اللعين الملعون، ثم بعد ذلك شرع نظاماً كما قال ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة إحدى عشرة وأربعمائة، يقول: شرع نظاماً منكراً ملعوناً لم يسبقه إليه أحد، فكان في الليل يطوف على السوق بنفسه، فإذا رأى من غش وخرج عن النظام أمر غلمانه أن يلوطوا به، يقول: وهذا لم يسبقه إليه أحد.

    نموذج لتشريع البشر لأنفسهم غير ما شرعه الله

    ولا أريد أن يقول واحد منكم: لم تذكر العصور المتقدمة فنحن في عصر النور؟ اسمع ماذا يقع من سفور في عصر النور؟! من قرابة ثلاثة أسابيع نشر في الصحف التي تطايرت في البلاد وتناقلها العباد، حدث غريب غريب في بريطانيا، أستاذ الفلسفة وعلم النفس هناك في جامعة عقد الزواج على رجل في المحكمة الشرعية البريطانية، من ثلاثة أسابيع، رجل يدرس في الجامعة أستاذ النفس وعلم الفلسفة يتزوج رجلاً، هذا هو نظام البشر، وإذا ترك لهم التشريع فسيأتون بهذه الأمور، وفي بريطانيا يجوز اللواط بالقانون، ويجوز زواج الذكور بالقانون.

    تعدد الزوجات بين شرع الله وشرع البشر

    أمر ثالث أحله لنا ربنا جل وعلا، وجعل فيه مصلحة للبلاد والعباد، وبه يقضى على الفساد: وهو تعدد الزوجات، استقبل الناس هذا الأمر في منتهى الشناعة في هذه الأيام، وكما قلت: لا يمكن أن نتكلم على هذا بإيجاز عندما ذكرته في أول المحاضرة فلعل الله يأذن في الكلام على هذا الموضوع في محاضرة كاملة، إنما أريد أن أقول:

    بعض البلاد العربية الآن في نظامها يمنع التعدد، وتزوج بعض الناس زوجة ثانية، فأقامت الزوجة الأولى دعوى إلى المحكمة أنه تزوج زوجة ثانية، فلما ذهب أمام القاضي قال: لم تزوجت الزوجة الثانية؟ تطلق الزوجة منك وأنت تسجن وتدفع غرامة، قال: ومن قال لكم أني تزوجت؟ قال: المرأة عندك في البيت، قال: نعم، إنها عشيقة وليست بزوجة، قال: عشيقة؟ قال: نعم، قال: اذهب بسلام. عشيقة حلال، أما زوجة فحرام، هذا تشريع البشر، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]، سبحان الله!

    إخوتي الكرام! نسبة النساء في البلاد العربية في هذه الأيام الإحصائية الأخيرة ضعف نسبة الذكور، وأما في البلاد الأوروبية الغربية فالنسبة تزيد، في بلاد الفلبين نسبة النساء ستة أضعاف الرجال، الرجل الواحد يقابله ست نسوة، فأنت لو زوجت الرجل بأربع نسوة لبقي ثنتان بلا زواج، والنصارى عليهم غضب الله لا يعددون، فالواحد يتزوج واحدة إن تزوج لكنه يزني بألف واحدة، فبقي خمس من النسوة هناك معطلات عن الزواج، ماذا سيفعلن؟ سيزاولن العهر مع الفلبينيين ومع العرب الذين يجلبون الشغالات، فتأتي وليس عندها محرم.. هذا موجود، ووصلت نسبة النساء إلى الذكور في هذا الوقت في بعض مناطق الصين إلى عشرة أضعاف الذكور، رجل تقابله عشر نساء، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام سيتحقق، والحديث في صحيح البخاري ومن أشراط الساعة: ( سيكون لخمسين امرأة القيم الواحد )، هذا الآن بدأ ينتشر.

    نحن أمام هذا العدد الفائض عندنا أربعة حلول لا خامس لها: إما أن نقتل العدد الزائد على الذكور لئلا ينتشر العهر والفجور، وإما أن نسمح للنساء بمزاولة العهر كما سمحت الأنظمة الوضعية لهن بذلك، وفي أيام المولد النبوي على نبينا صلوات الله وسلامه الذي يحتفل فيه في بلاد العالم في هذه الأيام، والاحتفال به بدعة وضلال، لكنني أقول: في عيد المولد النبوي الذي يحتفل فيه في بعض البلاد، قبضت الحكومة المصرية -كما نشرت هذا مجلة الدعوة- على بعض الراقصات في بعض المدن أيام المولد يرقصن ويزاولن العهر، فكانت إدانتهن أنه ليس معهن ترخيص، أما إذا كان هناك ترخيص فلا حرج، تزني ولا حرج، لكن لابد من ترخيص لتستفيد الدولة من الضرائب.

    وأيضاً نشر في نفس العدد أنه قبض على بعض الناس عندما هرب خمراً من النوع الممتاز، قيمة الجمرك عليه ثلاثة ملايين جنيه، فليس إدخال الخمر حراماً، إنما تهريبه بلا جمرك هذا هو الحرام، هذه أنظمة البشر.

    فإما أن نسمح للنساء بالعهر، وإما أن نقتلهن، وإما أن نحبسهن ليتحملن العنوسة الشديدة والصبر الشديد، وإما أن نفتح باب الزواج الذي أحله الله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21].

    وحقيقة أقول لكم إخوتي الكرام! والله إن الواحدة فقط لا تكفي رجلاً، إنما تكفي أكثر منها، لكن المؤمن عندما يتزوج يتزوج بنية التقرب إلى الله جل وعلا، ولذلك كان الصالحون في كل وقت يعددون، وهم أعلى من أن يتعلقوا بمتعة رخيصة لا وزن لها ولا اعتبار، لكن هذه الأمة التي هي في ضياع، ولا سيما هذا العضو الضعيف فيها، وهذا الجزء الضعيف فيها، فمن سيرحمها؟ وعلى ضوء هذا نفهم أثر ابن عباس رضي الله عنهما في صحيح البخاري : ( خير هذه الأمة أكثرهم نساءً )، وإلا إذا أراد الأمر للشهوة فواحدة تكفي، لكنه يطلب هذا -كما قلنا- لمقاصد شرعية جليلة، فمن سيستر بناتي وأخواتي؟ ومن سيستر بناتك وأخواتك؟ ولابد لهذه الأمة من أن تتضافر، وأن تتحد الجهود لصيانة المجتمع والحياة من المفاسد ومن البلايا والرزايا التي عمت بها بقاع الأرض في هذا الوقت.

    عباد الله! الكلام على هذا -كما قلت- لابد له من وقت كامل لنبين خصائص شرع الله الذي يبحث في سلوك عباده، ولنستعرض بعد ذلك من بحثوا في سلوك الإنسان على حسب هوسهم وعقولهم، ماذا قالوا؟ وماذا أتوا به من قاذورات وبليات؟ سواء في النظام والتشريع، أو في علم الفلسفة وعلم النفس، أو في نظريات الاجتماع؟ ماذا حصل فيها؟ سواء في الأدب، أو في الفن، عندما لم تؤخذ هذه الأمور من شرع العزيز الغفور تخبطنا في هذه الحياة، وإذا بقينا على هذا فالنتيجة أسوأ وأسوأ في العاجل والآجل.

    أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يلهمنا رشدنا، وأن يسترنا بعواقب أمورنا، وأن يثبت الإيمان في قلوبنا.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.