إسلام ويب

العلوم التجريبية [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن الكريم معجز في صفته وترتيبه وأسلوبه، وألفاظه، وبلاغته وفصاحته وحلاوة معانيه، وتأثيره على القلوب والأبدان، وإخباره ببعض الغيبيات، ونحو ذلك، وأما فيما يتعلق بالعلوم المادية والتجريبية فقد أشار إليها إشارات سريعة ليقرر أن الله هو خالقها ومالكها، وأنها مربوبة طائعة له سبحانه، وأما تكلف بعض المعاصرين في إقحام القرآن في كل شيء من النظريات العلمية ونحوها، وأن القرآن ذكرها كلها، فهذا تكلف مذموم لا ينبغي الانشغال به ولا تصديقه.

    1.   

    إعجاز القرآن الكريم وحديثه عن الأمور المادية والتجريبية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    إخوتي الكرام! عند هذا المبحث الجليل يحسن بنا أن نتكلم على قضية تُبحث في هذه الأيام بكثرة، وقد توسع فيها بعض الناس، وهي قضية: الإعجاز العلمي، فنقول: القرآن معجز ولا شك، قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]، وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:23-24].

    والقرآن معجز من أي اعتبار نظرت إليه، ففي صفته وترتيبه وأسلوبه معجز، فهو كلام الله جل وعلا، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر المخلوقات، وهو معجز من ناحية كونه يتحدث عن غيوب لا يمكن لبشر أن يقف عليها ولا أن يطلع عليها، فقد تحدث عن غيوب مضت وعن غيوب حضرت وعن غيوب مستقبلة ستأتي، هذا كتاب خالق الكون الذي يعلم ما جرى فيه، وما سيجري فيه إلى قيام الساعة.

    إذا نظرت إلى أثر هذا القرآن في القلوب فهو معجز، إذا قرأته القلوب تخشع وتخضع: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23].

    إذا نظرت إلى القرآن باعتبار عذوبة ألفاظه، وحلاوة معانيه، وعدم ملل سامعه منه، فهو معجز، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي تقدم معنا: ( ولا يخلق عن كثرة الرد )، ولا يمله العلماء، ولو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا.

    إذا نظرت إلى هذا القرآن باعتبار ما جمعه من علوم بحيث صير رعاة الإبل والنعم، صيرهم خير الأمم وسادتها، إذا نظرت إلى هذا فهو معجز: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]، كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1].

    طبيعة حديث القرآن عن العلوم المادية التجريبية

    لكن ما شأن العلوم المادية كالجيولوجيا، ونظريات الفلك، ونظريات الرياضيات والطب في القرآن؟ هل لها ذكر؟ وهل بحثها القرآن وتكلم عنها أم لا؟

    قلت لكم إخوتي الكرام! في هذا الوقت توسع الناس في أمر الإعجاز العلمي، فلنقرر وضع هذه العلوم المادية في كتاب رب البرية في القرآن العظيم.

    إخوتي الكرام! هذه العلوم المادية التي مجالها العقل من علوم الطب، من علوم الفلك، من علوم الرياضيات، من علوم الكيمياء والفيزياء، من علوم الجيولوجيا، من علوم الرياضيات، وغير ذلك، هذه العلوم ما جعلها القرآن محور حديثه، ولا غاية من غاياته؛ لأن القرآن هو كتاب هداية وإعجاز، وهذه الأمور يتوصل إليها الناس عن طريق الحقائق، وما يصلون إليه في وقت قد لا يضبطونه تماماً، فينقضونه في وقت آخر ويقولون: كنا مخطئين في نظريتنا وفي تجربتنا وفي قاعدتنا التي وضعناها.

    إذاً: القرآن كتاب هداية وإعجاز، وأما ذاك فمجاله العقل، فيُبحث في تلك الأمور على حسب التجربة والمشاهدة، والله جل وعلا لا نعجز عنه أعطانا إياه واضحاً ميسراً، فهذا هو معنى قول الله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107].

    فالعقل يعجز عن وضع تشريع في هذه الحياة يسير عليه المخلوقات ويسعدون، ولذلك قال الله له: هذا ليس من غايتك، أضع لك شرعاً تسعد به في الدنيا والآخرة، فلا يضل ولا يشقى من أخذ به، وأما ذاك فالمقصود منه النفع في هذه الحياة، ثم عندنا تنتفعون تستعينون بذلك على طاعة رب الأرض والسماوات، فعلى حسب ما أمكنكم تبحثون، أما هذا القرآن فليس من شأنه أن يقدم لنا نظريات في الفلك ولا في الهندسة ولا في الطب ولا في غير ذلك، هو كتاب هداية وإعجاز، وتلك يبحث فيها عن طريق العقل، ولو بحثها القرآن لأعطانا نتائج حاسمة؛ والناس ليسوا في كل عصر يدركون حقيقة تلك النتائج ويعلمونها واقعاً، فإذا ما كان عندهم هذه الآلات وتلك المختبرات وهذه التجارب، تبقى إذاً هذه الأمور أموراً نظرية ما تحققوا منها، ولا طبقوها في حياتهم وفي واقعهم في هذه الحياة الدنيوية، ولذلك تركها الإنسان للعقل البشري ليبحث فيها على حسب ما يتقدم فيه من أشكال مادية.

    حث القرآن على التفكر في الأمور المادية التجريبية

    الأمر الثاني: القرآن حثنا على التفكر في هذه الأمور المادية، في أمور الفلك، وفيما يتعلق بأمر الطب من تشريح الإنسان وأعضائه، حثنا على ذلك، وعليه فكل ما يتوصل إليه العقل من نتائج عندما يبحث في هذه الأمور المادية فهو مما أمر الله به، قال تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية:17-20].

    وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:27-28]، فقد حث القرآن على النظر في هذه الأمور، فإذا توصل العقل إلى ذلك، يكون هذا العلم الذي توصل إليه مما أمر الله به وهو مثاب عليه.

    إشارة القرآن إلى ما يتعلق بالأمور المادية التجريبية

    الأمر الثالث: كان القرآن يشير إلى ما يتعلق بهذه الأمور المادية، إلى ما يتعلق بواقع حياتنا، فكان ينبه على ما في هذه الأمور المادية من أمور لها صلة بحياتنا في هذه الحياة الدنيوية، يقول الله جل وعلا: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189]، والسؤال كان إما عن حقيقة الهلال: لم يكون صغيراً ثم يكبر ثم يضمر؟ وإما أن السؤال عن سبب وجود الهلال، وما الحكمة منه؟ إما عن حقيقته من أي شيء هو؟ ولم تعتريه هذه التطورات؟ وإما ما الحكمة من وجود الأهلة؟ فإذا كان السؤال عن الأمر الثاني: الحكمة من وجود الأهلة، فالحكمة: أنها مواقيت للناس والحج، فيها ضبط الشهور والأيام والليالي.

    وإذا كان السؤال عن ماهية الأهلة؟ ولم تبدو صغيرة ثم تكبر ثم تضمر؟ فالله جل وعلا يقول: ابحثوا عما يتعلق بحياتكم نحو الأهلة، ولا داعي للبحث في ماهيتها، ومن أي شيء هي، فأجابهم عما يهمهم فقال: قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189].

    وهكذا أشار ربنا جل وعلا إلى ما يتعلق بواقع حياتنا في الليل والنهار: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا [الإسراء:12].

    وهكذا عندما ذكر الله الرياح ذكر فوائدها فقال جل وعلا: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ [الحجر:22]، تلقح الأشجار، وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأعراف:57] أشار ربنا إلى ما يتعلق بهذه الأمور المادية في واقع حياتنا، ولفت أنظارنا إلى ذلك: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الأعراف:57]، قرأ بذلك عاصم من بين القراء العشرة فقط بالشين مع الباء الموحدة: (بشرىً بين يدي رحمته).

    وقرأ ابن عامر إمام أهل الشام من القراء العشرة: (وهو الذي يرسل الرياح نُشرى بين يدي رحمته)، وقرأ المدنيان نافع وأبو جعفر وعبد الله بن كثير المكي ، والبصريان: أبو عمرو بن العلاء ويعقوب : (وهو الذي يرسل الرياح نشراً بين يدي رحمته)، وأفرد ابن كثير الريح: (وهو الذي يرسل الريح نشراً بين يدي رحمته)، وقرأ خلف والكسائي وحمزة : (وهو الذي يرسل الريح نَشراً بين يدي رحمته).

    فهذه أربع قراءات: بُشرى، ونُشرى، ونُشُراً، ونَشراً، أما بُشرى فهي تبشرنا بقدوم الغيث ونزول المطر.

    وأما (نُشُرا)، أي: الرياح المختلفة من كل جهة، وإذا كانت كذلك فهي رياح نافعة تبشرنا بحصول الخير؛ لأن الريح إن جاءت من جهة واحدة فتؤذي العباد، وإذا جاءت من عدة جهات حصل فيها الخير، ثم هذه الرياح التي هي نُشُر تنشر السحاب وترفعه، ثم ينزل علينا منه المطر بإذن الله.

    وقراءة ابن عامر : (نُشرى)، هذا لغة، كرسل ورسل، نُشْرى ونُشُراً، وقراءة حمزة والكسائي وخلف : (نَشراً بين يدي رحمته)، أي: ريحاً لطيفة، وهي نوع من النشر، وقيل: نشراً هي التي تنشر السحاب وترفعه، وقيل: نشراً، أي: هي التي تنشر الأرض وتحييها بعد موتها: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت:39].

    ثبت في مسند الإمام أحمد عن أبي رزين رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! كيف يحيي الله الموتى؟ فقال: أما مررت بأرض من أرض قومك مجدبة، ثم مررت بها معشبة؟ قلت: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال: كذلك النشور ).

    إخوتي الكرام! وأما من قرأ بالإفراد في قوله: (الريح والرياح)، فالأصل أن الرياح إذا جُمعت فهي رياح نافعة تأتي من كل جهة، فلا يكون فيها على العباد ضرر، أما من أفرد فالإفراد هنا اسم جنس؛ لأن الريح إذا أُفردت فهي ريح عذاب: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [الذاريات:41-42]، تأتي من جهة واحدة. وقال تعالى: الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ [الحاقة:1-6]، ففتح عليهم من الريح مقدار الفتحة التي بين الإبهام والسبابة من جهة واحدة، فجعلتهم كأنهم أعجاز نخل منقعر، الواحد منهم يحمل إلى أعلى الجو ثم يهبط على الأرض لا حركة فيه ولا روح، كأنهم أعجاز نخل، بريح صرصر، وهي الريح العقيم.

    فالريح إذا أفردت تفيد العذاب، لكن المراد بها هنا في قراءة حمزة وخلف والكسائي ، وفي قراءة ابن كثير : (وهو الذي يرسل الريح)، اسم جنس، وهي كالرياح التي تعم من كل جهة، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا هاجت الرياح واشتدت يسأل الله أن يجعلها رياحاً، وأن لا يجعلها ريحاً؛ لأن الريح إذا أفردت تشعر بعذاب، وإذا جمعت تكون لينة هادئة لطيفة تأتي من كل جهة.

    ثبت في معجم الطبراني الكبير ومسند الإمام الشافعي ، وكتاب الدعوات الكبير للإمام البيهقي بسند حسن كما قال الشيخ الأرناؤوط في تعليقه على كتاب الأذكار، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا هاجت الريح استقبلها بوجهه، وجثا على ركبتيه، ورفع يديه، ويقول: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به، اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً)، أي: اجعلها رياحاً لطيفة هادئة ناعمة تأتي من كل جهة فلا تؤذي العباد ولا تهلكهم.

    إذاً: أرشدنا ربنا جل وعلا، ولفت أنظارنا إلى ما يتعلق بهذه الأمور المادية في واقع حياتنا، ولفت أنظارنا لنعتبر بذلك.

    كلام الله عن بعض الأمور المادية في القرآن كلام العالم الخبير بها سبحانه

    الأمر الرابع: أن الله جل وعلا عندما تحدث عن بعض الأمور المادية بشكل فيه شيء من التصوير، تحدث عنها حديث العالم الخبير سبحانه وتعالى، فهي من مخلوقاته ويعلمها، وهو الذي ركبها وخلقها سبحانه وتعالى، يقول جل وعلا: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا [النور:43]، يسوق السحب، ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ [النور:43]، المطر، يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ [النور:43]، وهذا هو ما يقرره العلماء في هذه الأيام، لكن الله صاغه بهذا الأسلوب وهذا الإحكام، يسوق السحب ثم يؤلف بينها، ثم تتراكم وتتلبد فوق بعضها، ثم ينزل المطر من بين شقوقها، وهذا هو حديث العالم الخبير البصير، فهي من مخلوقاته سبحانه وتعالى.

    وعندما أخبرنا ربنا عن الجبال قال: وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ [النحل:15]، أخبرنا أن الأرض لولا الجبال لمادت واضطربت، لأنها -كما تقدم معنا- ثلاثة أخماس الأرض منغمر في الماء، وخمساها يابس، والرياح تضربها من كل جهة، فاليابس منها في الماء كالكرة في البحر، لولا أن الله أرساها بالجبال لما صلح عليها استقرار ولا بقاء ولا ثبات ولا حياة، وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل:15] ولفظ (الإلقاء) يفيد أن الجبال خلقها ربنا جل وعلا من غير أخذ مادتها من الأرض، فكما خلق الأرض خلق الجبال، قال لها: كوني فكانت، فالله على كل شيء قدير.

    وقد ورد أن الله خلق الأرض، فلما مادت واضطربت خلق فيها الجبال وأرساها، وما يقرره بعض علماء الطبيعة من تكوين الجبال فكله ضلال، يقولون: إن الأرض كانت منغمرة في الماء، ثم بواسطة سطوع الشمس عليها، وشدة حرارتها، تبخر قسم من الماء فصارت يابسة، فتراكمت بعض طبقات الطين في بعض الأماكن، فطبختها الشمس بعد ذلك فتكونت الجبال بهذا السبب، هذا هوس، وضلال، ويكفي في رده أن نقول: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [الكهف:51]، فما حصل هذا في الأرض، إنما خلقت الأرض فلما اضطربت ومادت خلق الله الجبال عليها فرست.

    ولذلك عجبت الملائكة عندما خلق الله الجبال، ورد في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والحديث فيه شيء من الضعف ففيه سليمان بن أبي سليمان الهاشمي لم يوثقه إلا ابن حبان ، وتوثيق الإمام ابن حبان لا يعتمد عليه عند أئمة الحديث، عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لما خلق الله الأرض مادت واضطربت، فخلق الله فيها الجبال فرست وثبتت، فعجبت الملائكة من عظم خلق الجبال ومن شأنها، فقالت: يا رب! هل في مخلوقاتك من هو أشد خلقاً من الجبال؟ قال: نعم، قالت: ومن هو؟ قال: الحديد )، الحديد يفتت الجبال والصخور، ( قالت: فهل في مخلوقاتك من هو أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار -لأنه يلين الحديد ويذيبه- فقالت: فهل في مخلوقاتك من هو أشد من النار؟ قال: نعم، الماء يطفئ النار، فقالت: فهل في مخلوقاتك من هو أشد من الماء؟ قال: نعم الريح، وما يعلم جنود ربك إلا هو، قالت: فهل في مخلوقاتك من هو أعظم من الريح؟ قال: نعم، عبدي يتصدق بصدقة بيمينه فيخفيها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه )، هذا أعظم من هذه المخلوقات، الذي أراد بعمله وجه رب الأرض والسماوات، فالله عندما تحدث عن هذه الأمور المادية تحدث حديث العالم الخبير فهي خلقه وصنعه: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر:62] .

    طبيعة حديث القرآن عن المخلوقات المادية

    الأمر الخامس: عندما تحدث ربنا عن هذه الأمور المادية، أخبرنا ربنا أنها مربوبة له، مخلوقة له، هو خالقها يتصرف فيها، ولا تخرج عن أمره وإرادته: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:32-34]، فهو الذي سخرها، وهي مربوبة له، ولا تخرج عن أمره ولا عن طوعه، ولا عن إرادته، جعل لها نظاماً تسير عليه، إذا أراد أن يوقفها وأن يغير ذلك النظام فعل، وهو على كل شيء قدير، فطبيعة النار الإحراق، وإذا أراد الله غير هذه الطبيعة، كما قال: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69] .

    وطبيعة البحر أن من مشى فيه يغوص ويغرق، لكن إذا أراد الله غير هذه الطبيعة: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى [طه:77]، فهذه المخلوقات مربوبة له، وهو خالقها سبحانه وتعالى، يسيرها كما يشاء:

    والأرض فيها عبرة للمعتبر تخبر عن صنع مليك مقتدر

    تسقى بماء واحد أشجارها وبقعة واحدة قرارها

    والشمس والهواء ليس يختلف وأكلها مختلف لا يأتلف

    لو أن باني العمل الطبائع أو أنه صنعته غير صانع

    لم يختلف وكان شيئاً واحدا هل تشبه الأولاد إلا الوالدا

    الشمس والهواء يا معاند والماء والتراب شيء واحد

    فما الذي أوجد ذا التفاضلا إلا حكيم لم يرده باطلا

    يقول الله جل وعلا في سورة الرعد: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ [الرعد:3-4]، لكنها مختلفة في الطبيعة، وفي الماهية والحقيقة، فهذه رملية، وهذه صخرية، وهذه سوداء، وهذه بيضاء.

    قال تعالى: وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ [الرعد:4]، والصنوان هو النخلة التي يكون لها أصل واحد ولها فرعان أو فروع، يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد:4].

    1.   

    الإعجاز العلمي في القرآن وغلو بعض المعاصرين فيه

    فهذه الأمور الخمسة هي حديث القرآن عن هذه الأمور المادية، وأما الإعجاز العلمي الذي بدأ الناس يبحثون فيه، وضخموا الأمر في شأنه كما سأذكر بعض الأمثلة، ووصلوا إلى حد الهوس والتخريف، وأخشى عليهم أن يدخلوا في أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، أما غير هذه الأمور الخمسة، والتخريص فيها، والخروج عن هذه الدائرة التي رسمها القرآن الكريم، غير هذا.

    الرد على المغالين في القول بالإعجاز العلمي في القرآن

    إذا أردنا أن نتكلم في تلك العلوم على غير هذا الإطار الذي ذكرته ضمن هذه الأمور الخمسة، فهذا أول ما يدل على هزيمة داخلية في نفوسنا؛ لأننا نريد أن نجعل العلم المادي هو المهيمن على هذا الكتاب السماوي، فإذا شهد العلم بصحته طرنا فرحاً، لكأننا نستحي من أن نقول للناس: عندنا كتاب الله، أليس كذلك؟ وهذه النظريات التي يقررها العلماء -كما قلت- موكولة للعقول، تثبت صحتها حيناً وتنقضها حيناً آخر، وإذا أردنا أن نخضع آيات القرآن للنظريات العلمية الحديثة الدقيقة، فسنتلاعب بكتاب الله جل وعلا، وسنجعل العلم هو المهيمن على كتاب الله جل وعلا.

    الأمر الثاني: أن القرآن كامل في موضوعه قطعي في حقائقه، والنظريات ليست كذلك، عندما قال الله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه [الزلزلة:7]، طار بعض الناس فرحاً وقال: هذا إشارة إلى أن أصغر المخلوقات الذرة، ولا يمكن أن تحطم ولا أن تجزأ، ثم نقضت تلك النظرية، فلماذا استشهد بتلك الآية على ذلك الأمر الذي قرره الناس؟ وضع للأمر في غير موضعه.

    الأمر الثالث: نحن عندما نريد أن نخضع القرآن لنظريات العلم الحديث على غير المنوال الذي ذكرته، هذا سوء فهم منا لطبيعة القرآن، فالقرآن هو كتاب هداية وإعجاز، وعقولنا هي التي تتوصل إلى تلك الأمور فهو لا يوصلها إلينا جاهزة مهضومة، فالعقول لا تدرك حقائقها ولا وضعها في غابر العصور، فهي متروكة لبحثنا.

    الأمر الرابع: ترتب على هذه الأمور المتقدمة تأويل مستمر لآيات القرآن مع تكلف، يقول الشيخ عبد العزيز بن خلف رئيس المحاكم في محكمة الجوف في كتابه دليل المستفيد على كل مستحدث جديد، في الجزء الأول صفحة إحدى وسبعين ومائة: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:6-8]، يقول: هذه الآية فيها إعجاز علمي، وهو أنها دليل على التلفزيون والسينما، أين الدليل؟ قال: قوله: لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ [الزلزلة:6]، كيف يرون أعمالهم؟ يقول: ليروا ما يعملون في هذا التلفزيون، فأنت تقف أمام شاشة التلفزيون، ويعرض عملك على الناس، نعوذ بالله من هذا التلاعب بكلام الله وكتابه! ونحن نجزم قطعاً أن الله ما أراد هذا، وهذا من باب تحميل كلام الله ما لا يحتمل، ومن باب التلاعب فيه.

    يقول: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ [الزلزلة:6]، أي: عند اقتراب الساعة، أَشْتَاتًا [الزلزلة:6]، أي: متفرقين، لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ [الزلزلة:6]، فجهاز التلفزيون والسينما يعرض أعمال الناس، وقد بدأت أجهزة التلفزيون في محلات التجارة والمبايعة لتصور من يدخل وتخرج صورة الداخلين في الشاشة ويرون أنفسهم، إذاً: هم يرون أعمالهم! وهذا في الحقيقة من باب التكلف.

    ويقول مصطفى محمود في كتابه: رحلتي من الشك إلى اليقين في صفحة مائة وأربعة.. وما أعلم أي شك تركه وأي يقين وصل إليه؟! لما ذكر أحاديث الدجال ، وأنه سيخرج في آخر الزمان وهو أعور، يقول: المراد من الدجال هو العلم المعاصر، علم التكنولوجيا، وكيف كان أعور؟ يقول: لأنه فقد الصلة وانقطع عن الله، فهو علم مادي بحت لا صلة له بالله، لما انقطعت الصلة بين هذا العلم وبين الله صار أعور. طيب، أيها المهوس! أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن الدجال لا يدخل مكة والمدينة، ونحن نرى أن السيارات والطائرات، وعلوم التكنولوجيا موجودة في ذينك المكانين المباركين، كيف هذا؟ لابد من تأويل مستمر.

    يقول: كما قرر هذا البولندي ليبولد حين يقول: المراد من الدجال هو الاختراعات الحديثة. سبحان الله! صار كاتب بولندي يؤخذ كلامه في معنى الدجال الغوي الذي أشار إليه نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم قال: هذه معجزة علمية، والدجال في هذا الوقت هو الذي خرج، وهذا إعجاز علمي.

    الرد على القول بأن السماوات والأرض كانتا ملتحمتين

    قول الله جل وعلا في سورة الأنبياء: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء:30]، ذكر أئمتنا خمسة أقوال في تفسير هذه الآية:

    أولها: وهو المعتمد أن قوله: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا [الأنبياء:30]، أن الرتق هو الالتحام، ضد الانفتاح والانفراج، كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ، أي: كانت السماء لا تمطر، وكانت الأرض لا تنبت، فما نزل من السماء مطر، ولا نبت من الأرض زرع، فكانت ملتحمة، ففتق الله رتق السماء بالمطر، وفتق الله رتق الأرض بالزرع، هذا المعنى ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما في مستدرك الحاكم في الجزء الثاني صفحة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، وقال: صحيح الإسناد، لكن تعقبه الذهبي فقال: قلت: طلحة بن عمرو واهم ضعيف، فالسند فيه ضعف، لكن هذا التفسير هو المعتمد: كانت السماء لا تمطر والأرض لا تنبت ففتق الله رتق السماء بالمطر، وفتق الله رتق الأرض بالزرع.

    المعنى الثاني: كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ، أي: كانت السماوات السبع سماءً واحدة ففتقها الله إلى سبع، وكانت الأرضين أرضاً واحدة ففتقها الله إلى سبع وجعلها سبع سماوات وسبع أرضين.

    المعنى الثالث: كَانَتَا رَتْقًا ، أي: ملتحمتين، الأرض ملتصقة بالسماء، ففتق الله الأرض عن السماء وفصلها عنها.

    المعنى الرابع: (كانتا رتقاً) أي: في ظلمة، ثم أزال الله تلك الظلمة عن السماء وعن الأرض، فكانتا في ظلمة تحيط بها وتخيم عليها.

    المعنى الخامس: كَانَتَا رَتْقًا ، أي: عدماً، فخلق الله السماء وخلق الأرض.

    والمعنى الأول هو المعتبر، ويدل عليه أربعة أمور:

    الأمر الأول: قول الله: أَوَلَمْ يَرَ ، والرؤية هنا بصرية، والذي أبصرناه هو ما أشار إليه ربنا -وهو الأمر الثاني- في الآية: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء:30]، هذا الذي فتقناه هو نزول المطر من السماء، ونبات الزرع من الأرض.

    الأمر الثالث: أن الله أخبرنا أن السماء هي ذات الرجع، والأرض ذات الصدع، تتصدع وتنشق فيخرج منها الزرع، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ [الطارق:11]، أي: يرجع إلينا منها المطر كرة بعد كرة، ومرة بعد مرة.

    فنزول الماء من السماء، ونبات الزرع من الأرض، هو المراد بهذه الآية؛ لأنه ورد مثل هذا في آيات كثيرة؛ لأن الله يذكر أنه أنزل المطر من السماء، وأنبت الزرع من الأرض، فكما أحيا الأرض بعد موتها بهذا الماء يحيي الأبدان بعد موتها وهو على كل شيء قدير، فالآية مسوقة للتدليل على البعث، وهذا هو الذي يتناسب مع هذا الأمر، نزل المطر من السماء فنبت الزرع من الأرض، فكما أحيا الله الأرض بعد موتها يحيي الأجسام بعد موتها وهو على كل شيء قدير.

    وهذا التفسير الحق هو الذي ذكره شيخنا المبارك عليه رحمة الله في أضواء البيان، وهو الذي رجحه الإمام ابن جرير وابن عطية والإمام الرازي والقرطبي وغيرهم وغيرهم كثير، وهو المعنى الحق.

    وأما من يقول كما يفرح بعض الناس بنظرية لا ظل لها من الثبوت والحقيقة، وهو أحد الأقوال التي ذكرتها، وهو القول الثالث: كأنهما كانتا ملتحمتين، كانت السماء ملتحمة مع الأرض، هذا القول لا يمكن أن يعول الإنسان عليه إلا إذا نقل عن معصوم، فالله أخبرنا أنه خلق الأرض منفصلة عن السماء، وأنه خلق السماء منفصلة عن الأرض: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت:9-12].

    والآية -إخوتي الكرام- نص صريح في أن الأرض خلقت مستقلة عن السماء، وأن السماء خلقت مستقلة عن الأرض، وإذا كان الأمر كذلك فالدعوى بأنهما كانتا ملتحمتين، ثم فصلتا بعد ذلك لما حصل فيهما من جاذبية أو غير ذلك، يكفي في رد هذا أن نقول: ما الدليل عليه؟ فإن قيل: إنه نظرية وليس عليه دليل يبرهن عليه؛ فنقول لهم: النظريات في الأمور المغيبات لا يعول عليها: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [الكهف:51].

    تكلف بعض المعاصرين في تنزيل الآيات القرآنية على النظريات العلمية

    إخوتي الكرام! تكلف بعض الناس في هذه الأيام من نظريات علمية، ونزل عليها الآيات القرآنية، وألف الشيخ أحمد محمد الصديق الهمام من بلاد المغرب كتاباً سماه: مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، والكتاب فيه شطط كثير، وبعد عن الحق، وتحميل كلام الله ما لا يحتمل، ومن جملة ذلك الشيخ عبد العزيز بن خلف كما قلت لكم رئيس محكمة الجوف ألَّف كتاب: دليل المستفيد في كل مستحدث جديد، يسير على منوال الكتاب السابق، ومن جملة ذلك الشيخ أبو بكر الجزائري ألَّف كتابين في هذا الموضوع، الأول: الأحاديث النبوية الشريفة في أعاجيب المخترعات الحديثة، والكتاب الثاني: اللقطات في بعض ما ظهر للساعة من علامات، وقد ذهب هؤلاء الثلاثة الشيخ: أحمد محمد الصديق الهمام ، والشيخ عبد العزيز بن خلف ، والشيخ الجزائري ، ذهبوا إلى تكلفات في هذه الكتب، وإلى تحميل كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام ما لا يحتمله أبداً، فيقرر هؤلاء الثلاثة في هذه الكتب: أن الدجال عندما يبعث يكون معه طائرات، ولذلك تطوى له الأرض ويجوبها في تلك السرعة في أربعين يوماً، ويوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا هذه، وهذا مناقضة صريحة لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الدجال وأحاديث متواترة: أنه لا يسخر له إلا الحمار، فهو رجس على رجس، وأما تكلف بعض هؤلاء كما فعل الشيخ عبد العزيز بن خلف فقال: الحمار هو الطائرة؛ لأن شكلها كشكل الحمار، فهو في الحقيقة من الكلام الممجوج الذي لا ينبغي أن يعول عليه الإنسان.

    والاستدلال أيضاً بقول الله في سورة الفيل: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ [الفيل:1-3]، الاستدلال بهذا على وجود الطائرات النفاثة والطائرات الحربية المقاتلة، كل هذا في الحقيقة بعد عن مراد الله، وعن مراد رسوله عليه الصلاة والسلام، فلا داعي للتكلف في هذا الأمر، القرآن كتاب هداية وإعجاز، وتلك الأمور مجالها العقول، فإن ثبتت عندكم حسبما توصلتم إليه فقولوا بذلك، وإذا نقض هذا بعد ذلك فهو عقل نقض عقلاً، وبحث نقض بحثاً، وكتاب الله جل وعلا ما تعرض له ولا مس بأذى، أما أن نقول: هذا هو مراد الله، ثم ينقض ذلك الكلام بعد ذلك، أو أن نتكلف في حمل كلام الله على معنى بحيث لو عرضناه للناس لقالوا لنا: هذا المعنى لا ينطبق على هذا اللفظ، فأنتم تريدون أن تؤيدوا دينكم بما لا يتأيد به، بباطل تتكلفونه، فكتاب الله أعلى من ذلك.

    فالإعجاز العلمي الذي توسع فيه في هذه الأيام، إن كان هناك أمور أشار إليها القرآن فلنبحث فيها، وقلنا: كل ما نبحثه في هذا الكون فقد أمرنا ربنا ببحثه، وعليه فما نتوصل إليه أمرنا الله به، وهذا هو الإعجاز، وأما أن ندخل بعد ذلك في تفصيلات دقيقة، وأن ننزل القرآن على هذا، فهذا في الحقيقة شطط، وبعد عن صراط الله المستقيم.

    وأسأل الله برحمته أن يثبت الإيمان في قلوبنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.