إسلام ويب

العلوم السلوكيةللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان المسلمون سادات العالم حتى تابعوا الغرب وتركوا دينهم فسقطوا سقوطاً دينياً وسياسياً وعسكرياً، فنحن نرى في عصرنا الحاضر كيف فشى الإلحاد والفسوق في مجتمعاتنا حتى سرى بعض ذلك إلى بعض من ينتسبون للدعوة، ونرى كيف أن فصل الإسلام عن مجالات الحياة يجرى على قدم وساق من بعض الغرباء عن المجتمع المسلم وإن تحدثوا بلسانه، وكانوا من أبناء جلدته!

    1.   

    تبعية الأمة لغيرها في العلوم السلوكية

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.

    اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! إن الحديث الذي سنتدارسه الآن يدور حول العلوم التربوية السلوكية، وهذا الموضوع خطير وجليل، ففي هذا الوقت انحرف الناس عن الهدى، وعن صراط الله المستقيم، نحو هذا الأمر الخطير الجليل العظيم، فلو تأمل الإنسان أحوال الكافرين في بلاد أوروبا وبلاد الكفر بأسرها لرأى أنهم يأخذون بمسائل الأمور الجبلية والعقلية، ويبحثون في ذلك عن طريق العقل، وعن طريق التجارب، وعن طريق الأبحاث، وقد أصابوا في ذلك وحصلوا عرضاً من الدنيا، لكن النوع الثاني من العلوم: وهو العلوم السلوكية، علوم الحلال والحرام، علم الخير والشر، الفضيلة والرذيلة، النظام والتشريع، العقائد والآداب، الفن والأدب، علم النفس وعلم الاجتماع، بحثوا في هذه الأمور عن طريق العقل فألهوه من دون الله، وما وصلوا إلا إلى الوهم، وإن حصلوا عرضاً من الحياة الدنيا فما لهم عند الله من خلاق، هذا حال الكافرين في هذا الأمر، فما هي أحوال المسلمين؟ إننا أحط دركة منهم، أهملنا العقل في مجاله، وما استعملناه في الأمور المادية والتجريبية، ورضينا بالذل والتبعية لمن غضب عليه رب البرية.

    وأما الجانب الثاني فلسنا بأحسن منهم، فقد عولنا على العقل وأهملنا شريعة الله المطهرة، فبحثنا في علم النظام وعلم الاجتماع وعلم الأخلاق وعلم الآداب وعلم التشريع والعقائد وغير ذلك عن طريق العقل، وأعرضنا عن شريعة الله المطهرة، ووصل الهوس والضلال والزندقة والإلحاد أنه يقرر على أبناء المسلمين في كتب المراكز النظامية هذا الكفر المبين.

    أما مرجع القاضي في قضائه فهو القانون، والقانون يستقي من ينابيع تاريخية -كما يقولون- قديمة، وقد تكون حديثة، ويقول صاحب الكتاب: فالقانون المصري مثلاً يأخذ من قانون فرنسا، وقانون فرنسا يرتكز على القانون الروماني القديم، فالقاضي إن أراد أن يقضي في أي مسألة من المسائل يأخذها من القانون، فإن لم يجد يقول: قسم فقهاء القانون المصادر التي ينبغي أن يلجأ إليها القاضي في أحكامه إلى قسمين: إلى مصادر أساسية، وهي: القانون الذي وضعته الدولة التي لا تؤمن بالله العظيم.

    والثاني: مصادر احتياطية، وهي خمسة مصادر احتياطية، إذا لم يجد حكم المسألة.. حكم الزنا، حكم اللواط، حكم شرب الخمر، حكم المناكحات والمبايعات، حكم الحدود والعقوبات، إذا لم يجد هذا في القانون فيلجأ إلى الدين، فهو مصدر احتياطي، ويلجأ إلى العرف، ويلجأ إلى الفقه، ويلجأ إلى قضاء من كان قبله، ويلجأ إلى القانون الطبيعي والآداب العامة، هذه هي المصادر الاحتياطية! هذا يقرر على أبناء المسلمين، ويقال: قسم فقهاء القانون هذا! عن أي قانون تتكلم أيها المجنون؟! وعن أي فقهاء؟ هؤلاء السفهاء، هؤلاء الأشقياء، بهم شقيت الأمة في هذه الحياة، وستصلى ناراً مخلداً بعد الممات، أهملنا العقل فيما استعمل الغرب فيه عقولهم، واستعملنا العقل فيما شقي فيه الغرب عندما استعملوا فيه عقولهم، فيما قدمهم في هذه الحياة أهملنا العقل، وفيما أشقاهم في هذه الحياة، وسيشقيهم بعد الممات غرزنا في ذلك، فنحن في هذا الحين أحط قدراً من الكافرين، إلا من رحم ربك وقليل ما هم.

    1.   

    خطر الجاهلية المعاصرة وانحرافها

    عباد الله! إن الجاهلية التي نعيشها في هذه الأيام تزداد شناعتها وفسقها وفسادها وضررها عن الجاهلية التي كانت قبل مبعث خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، فهناك كانت جاهلية بسيطة، لا تعقيد فيها ولا نظام يسيرها، إنما هي جاهلية فوضوية، جاهلية همجية، ومع هذه الحالة الرزية كانوا يتمنون الخلاص منها، كما قال الله جل وعلا: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:42-43]، فهم في جاهلية، لكنهم كانوا يتمنون الخلاص منها، ونحن عندما أكرمنا ربنا جل وعلا بهذا الكتاب العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، عارضناه بعقولنا، وألهنا أنفسنا، ثم المجال الذي ينبغي أن نستعمل فيه عقولنا رضينا بالتبعية، رضينا بالذل، رضينا بأن نكون خدماً لأولئك، نخدمهم، ونستورد منهم، فهم أسياد ونحن ضعفاء.

    عباد الله! هذا الموضوع -كما قلت- جليل وخطير، لذلك أردت أن أتكلم عليه، ودعاني للكلام عليه أمران:

    الأمر الأول: أن السقوط السياسي الذي أصاب الأمة الإسلامية في هذا الوقت مع شناعته وقبحه وهوله هو أقل بكثير خطراً وضرراً علينا من السقوط الديني الذي ابتلينا به، والسقوط السياسي أثر من آثار السقوط الديني، والسقوط السياسي مهما كان ضرره وعظم قبحه فهو قاصر على هذه الحياة الفانية، فإذا كنا وراء الكافرين في هذه الحياة، فإن السقوط الديني سيبوئنا مقعدنا ومقاعدهم في أسفل الدركات: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:166-167]، وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ [غافر:47]؟ أخذنا بقانون فرنسا، وقانون بريطانيا، وقانون رومانيا، وقانون أميركا، إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [غافر:47-48].

    1.   

    صور من الإلحاد والعصيان من بعض المنتسبين للإسلام

    عباد الله! من تأمل وسرح نظره في البلاد يرى أن الإلحاد فشا وسرى بين العباد.. فشا الإلحاد في النظام المؤسسي.. فشا الإلحاد في العقائد والأخلاق.. فشا الإلحاد في الفن والأدب. فشا الإلحاد في علم النفس وعلم الاجتماع، وصار عندنا هذا الإلحاد عاماً إلا من رحم ربك وقليل ما هم، فشا في العامة، وفشا في الخاصة، وفشا في خاصة الخاصة الذين يعتبرون من أهل الدعوة والإرشاد إلا من رحم ربك وقليل ما هم.

    ومما تتفطر له القلوب أن امرأة في بعض البلاد كانت تسبح في البحر، وسباحتها معصية، ما كفرت بالله ولا أشركت، لكنها عاصية مرتكبة لكبيرة، فجاء بعض العصاة ومعه آلة التصوير يريد أن يصورها عندما خرجت إلى الشاطئ وهي عارية، فلحيائها الغريزي، ولوجود شيء من الإيمان في قلبها ضمت بين رجليها، فقال لها: سبحان الله! أنت فلاحة؟! أنت رجعية؟! هذه المعاني البالية ذهبت: حلال وحرام، نحن في طور التقدم، في طور التطور، في طور الجاهلية النظامية، ذهبت الجاهلية الهمجية ليخلفها ما هو أشنع جاهلية منها، وهي الجاهلية التي تعيشها البلاد الإسلامية في هذا الحين، فلما حرك الإلحاد في قلبها باعدت بين رجليها، وفرجت رجليها ليصورها من رأسها إلى قدميها حتى السوءة المغلظة!

    الاستهزاء بشعائر الدين

    ووصل الإلحاد ببعض المدرسين لمادة علم النفس والفلسفة في كلية أصول الدين عندما سئل عن سبب حلقه للحيته وعدم إعفائه لها؟! قال: إن اللحية ليست من الدين، فقيل له: كان للنبي عليه الصلاة والسلام لحية؟ قال: نعم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة كانوا فقراء، وما عندهم أمواس يحلقون بها لحاهم، فأعفوا لحاهم لأجل فقرهم وحاجتهم، وأما نحن فنحن في طور الجاهلية النظامية. في الجاهلية الأولى كانوا همجاً، وأما هنا نظام، وتبرير للكفر بهذا الكلام، وسيقول وقد قالوا: إن الحج نوع من الأمور التي شرعها نبينا عليه الصلاة والسلام، وتتنافى مع العقول، وهكذا سائر أمور الإسلام.

    هذا خليفة إبليس، داعي الإلحاد ، أبو العلاء المعري عليه غضب الله وسخطه، الذي هلك سنة: (449هـ) يقول:

    وما حجي إلى أحجار بيتٍ كئوس الخمر تشرب في ذراها

    إذا رجع الحليم إلى حجاه تهاون بالشرائع واشتراها

    أي شريعة سنأخذ بها أيها اللعين إذا أعرضنا عن شريعة رب العالمين؟! سنأخذ بهوسك؟ سنأخذ بوهمك؟! سنأخذ بضلالك؟! نترك شريعة الخالق الذي هو أعلم بعباده، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، وهو أرحم بهم من أنفسهم، لنأخذ هوس اليونان، وهوس غيرهم ممن غضب عليهم ذو الجلال والإكرام!

    هذا إلحاد العامة: أنتِ فلاحة رجعية! وإلحاد الخاصة في المعاقل حولها إلى مهازل، في بيوت التعليم جعلوها أوكاراً للفساد والمفسدين، فأين من يعتبرون في صفوف الدعوة والإرشاد؟!

    الدعوة إلى الانحلال والتبرج والسفور

    ولعكم علمتم -إخوتي الكرام- بما تطاولت به الصحف في أيامنا، في مقابلة مع بعض الدعاة، ما أعلم كيف وصل بنا الانحطاط إلى هذا المستوى! كلامهم من أوله لآخره في المقابلة التي عملت معهم ضلال في ضلال، لكن أشنع ذلك ثلاثة أمور:

    أولها: أنه تكلم أن السفور والتهتك والانحلال كان منتشراً في الستينات سنة: (1960م)، لكنه في عصر السبعينات فما بعدها انتشرت الحشمة، أي حشمة تريد؟ هو سيفسر لنا الحشمة، يقول: والحشمة لا تعني الحجاب، ماذا تعني الحشمة إذاً؟ كان سلفنا إذا أرادوا أن يخبروا عن قلة حياء الإنسان يقولون: إنه خليع الإزار، وإذا كشفت المرأة عن وجهها وبدا وجهها، قليلة حياء، والآن لا يكشف الناس عن حجابهم، إنما يكشفون عن إزارهم، فالحشمة لا تعني الحجاب.

    وداعٍ آخر مخرف ضال، ونعوذ بالله من أن نرد إلى أرذل العمر، يقول: حلت الحشمة محل السفور والتبرج، وكاد هذا الطابع أن يسيطر على العالم، وأن يكتسح الشوارع، حشمة محل التبرج والسفور، وإذا بصيحات مجنونة تدعو إلى ضرورة الحجاب والجلباب -سبحان الله العظيم- فتوجس أولو الألباب خيفة من الصحوة الإسلامية، فقضوا عليها وهم معذورون في ذلك! سبحان الله! سفهاء يحاربون رب الأرض والسماء تلتمس لهم عذراً؟ ومن يدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام تقول: إنما يصدر منه صيحات مجنونة؟ أما سمعت أيها الداعي المخرف الضال، أما سمعت قول الله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب:59]؟ الدعوة إلى لبس الجلباب هذه صيحة مجنونة؟ الدعوة إلى الحجاب صيحة مجنونة؟

    ومن العجيب أنه عُرض علي المقالان في يوم واحد، فواحد من جهة، وآخر من جهة أخرى، ذاك يقول: الحشمة لا تعني الحجاب، وهذا يقول: حلت الحشمة محل السفور والتبرج، وإذا بصيحات مجنونة تدعو إلى الجلباب وإلى الحجاب، سبحان ربي العظيم! ما الفارق بينكم يا من تجعلون أنفسكم في حقل الدعوة؟! ما الفارق بينكم وبين الشاعر الخبيث معروف الرصافي الذي قصمه الله سنة: (1364هـ)، ما الفرق بينكم وبينه عندما يقول:

    شرف المليحة أن تكون أديبة وجمالها للناس أن تتهذبا

    والوجه إن كان الحياء جماله أغنى فتاة الحي أن تتنقبا

    إذا كانت المرأة جميلة الوجه وعندها حياء، هذا يغنيها عن النقاب، وحجابها أن تكون جميلة ظريفة أديبة، ما الفارق بينكم يا من تعتبرون من الدعاة ومن أهل الدعوة والإرشاد، وبين معروف الرصافي ؟! ثم ما صدر منكم وما صدر منه يخرج من مشكاة واحدة، الحشمة لا تعني الحجاب، انتشرت الحشمة محل السفور والتبرج، وإذا بصيحات مجنونة تطالب بالجلباب والحجاب، فتوجس أولو الألباب خيفة من هذه الصحوة وقضوا عليها.

    تحليل الأغاني والمزامير وآلات اللهو والطرب

    والأمر الثاني الذي يقرره يقول: إن الإعلام لا يمكن أن يقوم، ولا يمكن أن يتم بدون الموسيقى، ولا زلنا نتجادل للآن في حل الموسيقى أو في تحريمها، وهل يمكن أن يقوم إعلام إسلامي بغير موسيقى؟ قال: لا يمكن!

    لماذا؟ قال: إن هذه الوسائل غزتنا إلى بيوتنا شئنا أم أبينا، لمَ يا عبد الله شئت أم أبيت؟ من الذي اضطرك إليها؟ أنت وضعتها باختيارك، وما قسرك أحدٌ من خلق الله عليها، ما أحد قسرك، إنما أنت الذي اخترتها؛ لأنها توافق ما في قلبك من فساد وضلال، يقول: غزتنا ولا زلنا نتجادل في أوليات الإعلام الإسلامي، يقول: وفي الموسيقى رأيان: رأيٌ يجوز الموسيقى، ورأيٌ يحرم الموسيقى، وأنا أعتبر الفقهاء الذين يفتون بتحريمها جبناء! سبحان الله! بدل من أن تقول عنهم: إنهم أتقياء يخشون رب الأرض والسماء، ولا يبلغ العبد درجة المستقيم حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس، فلو سلمنا لك وجود قولين في الموسيقى قول بالتحريم وقول بالإباحة، لو سلمنا لكانت الديانة تقتضي بأن نبتعد عنها، فيقال لمن ابتعد: إنه تقي، ولا يقال: إنه سفيه جبان!

    ثم ذكر حديث البخاري الذي يقول فيه نبينا عليه الصلاة والسلام: ( ليكونن من أمتي أقوامٌ يستحلون الحرَ والحرير والخمر والمعازف )، يقول: وهذا الحديث في نظري غير صحيح! وهذا مثل قول بعض أساتذة الجامعات في بعض البلاد العربية: أداني بحثي إلى أن محمداً ليس برسول لله! ومن قال هذا الكلام سيقول ذاك أيضاً عما قريب، وهذا في نظري غير صحيح، لمَ؟ في المسألة أنظار، وكل واحد يتهجم على دين الله كما يريد.

    لكن حال المسلمين في هذه الأيام كحال الماشية في البادية في الليلة الممطرة إذا لم يكن لها راعٍ يحرسها ويجمعها، وهذا حالنا، هذا في نظره غير صحيح، ثم كذب وافترى على الإمام الشوكاني ، فقال: إن الإمام الشوكاني يقول في نيل الأوطار: لا أعلم حديثاً يحرم الغناء والموسيقى! ووالله وتالله وبالله إنه يكذب، وقلت للإخوة عندما أخبروني المقال: أنا أجزم أنه ما رأى نيل الأوطار، ولا يعرف كم مجلداً هو، إنما هو يجتر كلام غيره في هذه المناسبة، وأحضرنا نيل الأوطار وإذا بـالشوكاني يرد على من يدعي عدم ثبوت الحديث، وأنه صحيح ثابت في صحيح البخاري ، ويحرم المعازف والمزامير والملاهي.

    إقرار ما عليه الشيوعيون والعلمانيون من أنظمة تصاد الإسلام

    أمرٌ ثالث في نفس المقال يصدر من داعية: سئل: هل يسمح للأحزاب غير الإسلامية بممارسة نشاطها في الدولة الإسلامية؟ والسائل يقول له: باستثناء الشيوعية التي تحارب الله، لكنه تبرع وقال: كل حزبٍ غرضه أن يدافع عن الإسلام، ولا يريد أن يتعارض مع الإسلام، فمن حقه أن يكون له وجود في الدولة الإسلامية، وأن تعترف به الدولة الإسلامية، يقول: فالشيوعية مثلاً إذا قالوا: سنؤمِّن، أي: سنصادر أموال الأغنياء لتكون ملكاً للدولة لئلا يتحكم الأغنياء -في زعمه- بالفقراء، يريد أن تتحكم بهم الدولة، فإذا قال الشيوعي: سأؤمن من أجل الإسلام فله ذلك، سبحان ربي العظيم! شيوعي يقول: لا إله والحياة مادة، والأنبياء لصوص كذابون، والدين خرافة، ولن تقوم القيامة.. نسمح بممارسة نشاطه إذا قال: أنا سأؤمن وأدعو إلى التأمين من أجل خدمة الإسلام؟!

    وأنا أضرب لهذا الهوس مثلاً حصل مع بعض إخواننا عندما ذهب إلى تركيا ليدرس الطب، ولما رأى ما هناك من مفاسد ترك ورجع، يقول لي: استأجرت بيتاً من أحد الأتراك من أهل البلاد، وبعد أن استأجرت البيت قال لي: يا أخي! إن أحببت أن تحضر بنات لأجل أن تزاول معهن ما حرم الله من العهر والزنا فما عندي مانع، وليس عليك حرج في ذلك، فقلت: سبحان الله! أما تستحي؟ أنت مسلم وأنا مسلم وتقول لي: لا مانع من أن تحضر البنات؟! فقال: أنت عندما تحضر امرأة فقيرة لتزني بها، وتعطيها مبلغاً من المال، فلك أجرٌ عند الله تعالى! سبحان ربي العظيم!

    وهؤلاء أيضاً شيوعية سيؤمنون فنعترف بهم إذا قالوا: غرضنا خدمة الإسلام! إلى هذا الحد سرى الإلحاد في البلاد! وقد وصل الضلال بالشيخ محمد مصطفى المراغي الذي كان شيخاً في الجامع الأزهر، وبقي شيخاً له ما يزيد على عشر سنين، وتوفي في السنة التي توفي فيها معروف الرصافي ، وما نعلم ما الحكمة من وفاة هذين الرجلين في هذه السنة؟ ونسأل الله أن يحسن ختامنا، وأن يتوفانا في أحب الأحوال إليه، إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين.

    يقول هذا العبد عندما أرسل بعثة من طلاب الأزهر إلى فرنسا ليتعلموا الإلحاد، ولتأتي أدمغة مغسولة من شريعة رب العباد، يقول لهم: إن العقول في هذه الأيام تنظر إلى الأجيال نظرة تاريخية لا صلة لها بالحياة، نظرة تاريخية! أي: كان هناك دين أتى به محمد عليه صلوات الله وسلامه، وكان هناك دين أتى به عيسى، وكان هناك دين أتى به موسى على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، ننظر إلى الأجيال نظرة تاريخية لا صلة لها بالحياة، وقال -كما نشر هذا في مجلة الأهرام في: (28شباط سنة 1936م)- قال للبعثة العراقية التي جاءت إلى مصر: من نظر في كتب الشريعة الإسلامية يرى أنه من المستحيل أن نطبق كتباً ألفت في القرن الثاني للهجرة في هذا العام سنة (1354هـ)! فقه الإمام مالك وأبي حنيفة ، وهكذا صحيح البخاري وكتب الحديث، من المستحيل أن نطبق ما ألف في القرن الثاني في القرن الرابع عشرة للهجرة، وما الذي طرأ أيها الشيخ المجنون؟! ما الذي طرأ على تلك الكتب؟ هل صارت الفضيلة رذيلة في عصرنا؟ نعم؛ لأننا كما قلنا: رجعنا إلى الجاهلية، لكنها جاهلية منظمة، لا يصلح حديث البخاري في هذا العصر!! وأنا أقول له: إذا كان فقه أئمتنا الذي كتب في القرن الثاني للهجرة لا يصلح في هذا الوقت؛ لأن فقه أئمتنا قديم، فماذا ستحكم -أيها الشيخ الضال- على المصدر الذي أخذت منه كتب أئمتنا، وهو الكتاب والسنة، وهو أقدم من الفقه؟ ماذا ستحكم عليهما؟ إذاً: من باب أولى يطرحان وينبذان، لا يصلح أن نطبق نظاماً وضع في القرن الثاني للهجرة في هذا القرن المتطور! سبحان ربي العظيم! إلحاد يستشري في البلاد ويفشو بين العباد على مختلف الطبقات!!

    1.   

    خطر فصل الثقافة والعلم عن الدين

    عباد الله! إن الثقافة إذا فصلت عن الدين، ولم يقصد بالعلم التقرب إلى رب العالمين، إن الثقافة تهلك الأمة إذا أخذت على هذه الشاكلة؛ لأن المثقف الذي لا دين له، ولا يقصد من علمه وجه ربه، إن استغنى رتع في الفسق والفجور والمحرمات والآفات، وإن استقر صار عبداً ذليلاً لغيره، ودعا إلى الخطر بعينه، إذا كان الإنسان يتثقف لا لأجل الله، وفصلت هذه الثقافة عن الدين، يصاب بهذا الأمر الذميم، يقول ربنا الكريم سبحانه وتعالى في سورة المائدة مخبراً عن بني إسرائيل الملاعين: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [المائدة:13]، (فبما نقضهم)، و(ما) زائدة للتوكيد أي: فبنقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية، أخذ الله عليهم العهد والميثاق بأن يطيعوه كما قال في الآية التي قبلها: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً [المائدة:12-13]، الآيات في سورة المائدة..

    فلما نقضوا هذا الميثاق وانحرفوا عن شريعة الخلاق سبحانه وتعالى لعنهم الله، فقست قلوبهم، فترتب على هذا أمران يوجدان في الدعاة في هذه الأيام إلا من رحم ربك وقليل ما هم:

    الأمر الأول: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ، وصل الضلال بنا في هذه الأيام أن بعض الدعاة يفتي بحل الربا، ووصل الشطط ببعض المسلمين أنه يصدر فتوى بتحريم شهادات الاستثمار لما فيها من فوائد ربوية، ثم بعد سبعة أشهر يأتيه إشارة من الدولة بأنه لنا مصلحة في هذه البنوك، فيصدر فتوى تنقض تلك الفتوى ويقول: إن الربا حلال، لكن كما قلنا: ليس بالطريقة الجاهلية الهمجية، إنما بالجاهلية النظامية، ويصدر تعليلات ردية، وعليه فشهادات الاستثمار التي تؤخذ من البنوك ويعطى عليها فائدة حلال: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13].

    والأمر الثاني: وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ، ذكروا وطلب منهم أن يتعظوا، وأن يخشعوا، وأن يتقوا الله جل وعلا وأن يخافوه، وأن يقوموا الليل، وأن يجاهدوا في سبيل الله، وأن لا يخافوا في الله لومة لائم، فلما نقضوا عهد الله لعنهم الله وقست قلوبهم، حرفوا الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به، أي: تركوا العمل به، إن بيوت الدعاة في هذه الأيام -إلا من رحم ربك- هي بيوت الشيطان، مزامير، وغناء، هذه بيوت الدعاة! هذا حال طلبة العلم!! هذا حال الدعوة والإرشاد في الليل!! وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13].

    1.   

    خطر الإعراض عن القرآن الكريم وهجره

    القرآن رسائل جاءتنا من ربنا لنتدبرها في الليل ولنعمل بها في النهار، فنسينا حظاً مما ذكرنا به فأعرضنا عن هذا؛ لأن القلوب عندما تنجست ما بقي فيها مجال ولا مكان لسماع كلام الله جل وعلا، إنما لمن نستمع؟ نستمع كلام فيروز ، وكلام أم كلثوم ، وليت الإنسان إذا ابتلي بهذا عند تخريفه وضلاله ليته اقتصر على نفسه، لكن تعمل معه مقابلات بحوثية تتطاير هذه الفتوى، تتطاير الصحف بمقابلته في أرجاء الأرض؛ بأنه يستمع إلى فيروز ، وأنه يستمع إلى أم كلثوم ، وأنه يستمع إلى فلانة وفلان، سبحان الله! أين كلام الله؟! والله لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام ربنا، أنزل الله علينا كتاباً لو أنزله على الجبال لرأيتها خاشعة متصدعة من خشية الله، ونحن في الليالي نسمع إلى فيروز وإلى أم كلثوم ؟ وليته عندما سمع قال: عصيت الله، لكنه يقول: إن سماع الأغاني من فيروز وأم كلثوم حلال، ما الدليل؟ يقول: الدليل الحديث الصحيح الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين وغيرهما، والحديث رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( لو رأيتني البارحة وأنا أستمع إلى قراءتك، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود )، زاد الحاكم في روايته في المستدرك قال: ( لو علمتُ بمكانك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحبرته لك تحبيراً ).

    يقول: هذا الحديث دليل على حل الغناء والمزامير! أين هذه الدلالة التي لا تفهمها الحمير؟! ليس من يعتبرون من أهل الدعوة والإرشاد، أين هذه الدلالة؟ قال: قوله: (مزماراً من مزامير آل داود)! ما المراد من هذا المزمار أيها الشيخ الضال؟ اتفق علماؤنا على أن المراد من قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود )، أي: صوتاً حسناً كان يخرج من حنجرة هذا النبي الصالح على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وأعطاه الله صوتاً فيه عذوبة، وفيه نداوة، وفيه رقة، وفيه حلاوة، فأنت يا أبا موسى ! شابه صوتك صوت نبي الله داود في حسنه، وما كان نبي الله داود يستمع وعنده المزامير والموسيقى والعود ويضرب، ما كان يفعل هذا، ولا فعل أبو موسى هذا، إنما أعطيت صوتاً حسناً، وبما أن المزمار بين الناس له صوتٌ حسن فصوتك يشبهه، لكن المزمار محرم، وكونه فيه عذوبة لا يعني أنه حلال، فالزنا فيه لذة للزاني والزانية، وما أحدٌ يقول: إن ذلك حلال، وإذا أردت أن تبيح المزمار لعذوبة صوته، فأبح الزنا لما فيه من لذة للطرفين، هذا كلام الضالين، هذا كلام العاصين، هذا كلام مردود، سبحان ربي العظيم! وهل يلزم هنا أن يكون التشبيه في قوله: (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود) من كل جهة؟ لا ثم لا، كما قلنا: عندك عذوبة، لكن ذاك المزمار محرم وهذا الصوت حلال، والله جل وعلا يقول: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ [فاطر:1]، في الجمال، في حسن الصوت، في جمال الخلق، في غير ذلك، يزيد في الخلق ما يشاء، وقد أعطى أبا موسى صوتاً رطباً ندياً رضي الله عنه وأرضاه.

    أما هل هذا الحديث يبيح لك أن تستمع الغناء لـفيروز ؟ لا ثم لا! فيروز عندما تقيم حفلاً في البلاد العربية، من يحضر لحفلتها في الكويت يدفع خمسين ديناراً في الليلة الواحدة، تزيد على المائة ريال، هذا المشاهد الواحد، وهذا الإنسان يقول: إنه يسمع لهذه المرأة ولتلك المرأة ولغيرها، من الذي أباح لك أن تستمع إلى النساء؟! أما قال الله لأزواج خير خلق الله: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32]، وفيروز وأم كلثوم وغيرهما عندما يغنيان يتخنثان ويخضعان في القول أم يتكلمان بخشونة؟ سبحان ربي العظيم! نعوذ بالله من عمى البصيرة وفساد السريرة.

    1.   

    سقوط الأمة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً بعد سقوطها دينياً

    إذا كان الأمر كذلك وهو السبب الثاني فقد سقطنا دينياً، وسقطنا سقوطاً أخس منه وهو السقوط العسكري، والسقوط الديني هو أفظع وأمس بكرامتنا، فإذا بقينا على هذه الحالة فنحن أشقى الناس في الحياة وبعد الممات، أشقى الناس فقر الدنيا وعذاب الآخرة، ورد هذا المعنى عن نبينا عليه الصلاة والسلام في مستدرك الحاكم في الجزء الرابع صفحة: (322)، ورواه الطبراني في معجمه الأوسط كما في مجمع الزوائد في الجزء العاشر صفحة: (267) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( أشقى الناس من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة )، وهذا كحال الأمة الإسلامية في هذه العصور الزمنية إلا من رحم ربك وقليل ما هم، والحديث صححه الحاكم وأقره الذهبي ، وهذا تساهل منهما رضي الله عنهما، فالحديث فيه خالد بن زيد الدمشقي ، قال عنه الحافظ في التقريب: ضعيف مع كونه فقيهاً، ورمز له بحرف (ق) إشارة إلى أنه من رجال ابن ماجه ، وقال الإمام الهيثمي في المجمع: وثقه أبو زرعة وضعفه الجمهور، فالحديث ضعيف، لكن معناه صحيح: (أشقى الناس من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة)، وقد حكم الشيخ الألباني في كتاب سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة في رقم: (139) بأن الحديث موضوع، ثم تكلم بكلام فيه شيء من القسوة على الإمامين المباركين الحاكم والذهبي ، فقال: وتصحيح الحاكم وإقرار الذهبي له من تساهلاتهما الشنيعة، ومن أوهامهما الشنيعة، وكما قلت: هذا تساهل منهما، وأما أنها أوهام شنيعة، فهذا كلام فيه شيء من القسوة على أئمتنا، فما ينبغي أن يصدر منا، نحن نقسو على أعداء دين الله، ونرحم أولياء الله جل وعلا، ومن أخطأ نرد خطأه بلطف، ونسأل الله أن يرزقنا الرفق في الأمر كله إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين.

    إذا كان الأمر كذلك، فالسقوط السياسي حصل، والسقوط الديني الذي هو أقوى منه حصل.

    1.   

    السبيل الوحيد للتمكين في الدنيا والفوز في الآخرة

    لابد من رجعة إلى الله -إخوتي الكرام- فمن رجع إلى الله جل وعلا سلمت له الآخرة قطعاً وجزماً، وإذا كانت مهمة النازل في هذه الحياة، مهمته الأولى إن كان رشيداً ينبغي أن يسعى للنجاة بعد الممات عند رب الأرض والسماوات، فكيف بمهمة الخاسر في هذه الحياة؟ ينبغي إذا خسر الدنيا أن لا يخسر الآخرة، مع أني أقول: إذا رجع الإنسان إلى ربه فقد ضمن الآخرة بإذن الله، وستعود له الدنيا عما قريب، والله على كل شيء قدير: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:123-124].

    ثبت في المستدرك بسند صحيح، والحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير والأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة)، فإذا رجعنا إلى الله ونفينا عنا السقوط الديني، فسوف يزول عنا السقوط السياسي، وسيمكن الله لنا في الأرض كما كنا، والله على كل شيء قدير، ثبت في سنن الترمذي وقال: غريب، والحديث رواه الإمام البغوي في شرح السنة عن الحارث الأعور ، وهو من التابعين، قال: دخلت المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على علي رضي الله عنه فذكرت له ما لقيت، فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ستكون فتن، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! ما المخرج منها؟ قال: كتاب الله فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزوغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن:1-2]، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ).

    والحديث إخوتي الكرام كما قلت قال عنه الترمذي : غريب، وغرائب الترمذي ضعيفة، قال الإمام ابن كثير في كتابه فضائل القرآن: والحارث الأعور فيه ضعف، وغاية ما يمكن أن يكون هذا الحديث من كلام علي رضي الله عنه، لكنه رفع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فهو موقوف على علي ، وهو كلام حقٌ صحيح مقبول، فإذا أردنا أن نزيل ما حل بنا فعلينا أن نرجع إلى ربنا.

    ثبت في معجم الطبراني الكبير بسند صحيح عن أبي شريح الخزاعي قال: ( خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: كتاب الله طرفه بيد الله، وطرفه بأيدكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا بعده أبداً، ولن تهلكوا بعده أبداً )، فإذا أردنا أن نزيل عنا الشقاء فينبغي أن نرجع إلى رب الأرض والسماء، كما حصل لسلفنا، فقد كانوا في جاهلية، فهداهم الله ببعثة خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، فصاروا خير أمة أخرجت للناس، فلنسلك مسلكهم للخلاص من هذه الجاهلية المنظمة التي نعيش فيها.

    ثبت في كتاب الاستيعاب لـابن عبد البر : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اجتمع بـلبيد الشاعر، فقال له: أنشدني شيئاً من شعرك، فقرأ عليه سورة البقرة، قال: إنما أسألك عن شعرك، قال: يا أمير المؤمنين! ما كنت لأقول شعراً بعد أن أكرمني الله بسورة البقرة، وروي أنه منذ أن أسلم ما قال إلا بيتاً واحداً من الشعر:

    الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالا

    وفي رواية أنه قال بيتاً آخر، وهذا غاية ما نقل عنه بعد إسلامه:

    ما عاف ذا المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه القرين الصالحُ

    فعودة -إخوتي الكرام- إلى ذي الجلال والإكرام، عودة إلى هذا القرآن الذي فيه حكم ما بيننا، وخبر ما قبلنا، ونبأ ما بعدنا:

    تالله لو أخذ الأنام بحكمه سلموا وحازوا في المدى الأسلافا

    ولما رأيت من الملاحمِ مرها ومن المفاسد ما تراه دراسا

    ولما تبرجت النساء لفتنة تستام في أعراضها الفتاكا

    ولما رأيت مذكراً كمؤنثٍ ومؤنثاً لمذكرٍ قد حاكا

    ولما فشت في القائلين وساخةٌ ورشاً أراشت سهما الفتاكا

    هم أخروا رد الحقوق وقدموا بهما عليه المجرم الأفاكا

    بالواسطة والرشوة.

    هم أخروا رد الحقوق وقدموا بهما عليه المجرم الأفاكا

    وإذا الأمور لغير كفؤٍ وسدتْ لم تنسَ من إسكانها فتاكا

    وهناك تضطرب البلاد وتحدث الفوضى ويعقب كل ذاك عراكا

    نسألك اللطف بنا يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.

    عودة إلى كتاب الله، عودة إلى الله معاشر المسلمين! ثبت في مسند الإمام أحمد في الجزء الأول صفحة (49) أنه لما أجمع الصحابة الكرام ومن معهم من التابعين في موقعة اليرموك لمقاتلة الروم، وكان الأمراء خمسة: أبو عبيدة بن الجراح ، وخالد بن الوليد ، ويزيد بن أبي سفيان ، وشرحبيل بن حسنة ، وعياض بن غنم ، وكان قد كتب إليهم عمر فقال: إن وقع قتال فأميركم أبو عبيدة ، كان عدد المسلمين في موقعة اليرموك أربعة وعشرين ألفاً، وعدد الروم يزيد على مائة وعشرين ألفاً، وفي بعض الروايات: كان عدد الروم ألف ألف، أي: مليوناً، وكان عدد المسلمين مائة ألف، والرواية الأولى أكثر، أربعة وعشرون ألفاً يقابلهم مائة وعشرون ألفاً، أي: كل واحد يقابله خمسة، فكتبوا إلى عمر : إنه قد فاض فينا القتل، أي: كثر، فأرسل لنا مدداً، فكتب إليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لهم -والحديث كما قلت إسناده صحيح-: بلغني كتابكم ووصلني وتطلبون فيه أن أمدكم -أي: بجيش ليقاتل- لأنه كثر فيكم القتل، وأنا أرشدكم إلى من هو أعز نصراً وأكثر جنداً، وهو الله عز وجل الذي إن تستنصروه ينصركم، فقد نصر نبيه صلى الله عليه وسلم في عددٍ أقل من عددكم، فإذا وصلكم كتابي هذا فقاتلوا الروم ولا تراجعوني، لن أرسل لكم واحداً مدداً، قاتلوا الروم ولا تراجعوني، يقول عياض : فقاتلنا الروم فغلبناهم وهزمناهم، وقتلناهم وغنمنا أموالهم. قاتلوا الروم ولا تراجعوني، لكنكم ينبغي أن تستنصروا الله، وأن تلجئوا إليه، فإذا حصل منا في هذه الأيام هذا، ذهب عنا الانحلال الذي سقطنا فيه، الانحلال الديني، وذهب عنا الذل الذي خيم علينا في السقوط السياسي، وصرنا أعزة سادة في هذه الحياة، مع النعيم الذي نرجوه من ربنا بعد الممات.

    هذان الأمران إخوتي الكرام هما السبب في كلامنا على العلوم السلوكية والعلوم المادية العقلية التجريبية.

    وبهذا نصل إلى ختام هذه الموعظة، والحمد لله رب العالمين.