إسلام ويب

الرجاء [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كما دل الكتاب والسنة على وجوب العمل مع الرجاء، فقد ورد عن السلف الصالح رحمهم الله ما يدل على ذلك أيضاً، وأن الرجاء لا يكون إلا بعد العمل، ولكن هناك أصناف من الناس لابد أن يذكروا برجاء الله ورحمته وعفوه، وهم: المذنب المقصر؛ حتى يتوب إلى الله ويعود إليه، والخائف الوجل الذي أثر الخوف على حياته، واليائس القانط من رحمة الله، حتى يتعرضوا لرحمة الله وعفوه، ولا يصابوا باليأس والقنوط فيكونوا من القوم الكافرين.

    1.   

    ذكر بعض ما جاء عن السلف في أن الرجاء لا ينفع إلا مع العمل

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعل علمنا حجة لنا عندك يا أرحم الراحمين. أما بعد:

    إخوتي الكرام! وهذا المعنى الذي دل عليه كتاب ربنا، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، هو الذي فهمه سلفنا رضوان الله تعالى عليهم وبينوه لنا، فهذا الإمام الصالح القانت الخاشع معروف الكرخي ، الذي توفي في نهاية القرن الثاني للهجرة، في سنة 200هـ تماماً عليه رحمة الله، وهو من الأئمة الصالحين، قال الذهبي في ترجمته: إنه بركة العصر، وكان سفيان بن عيينة عندما يلتقي بأهل العراق يقول: كيف الحبر فيكم معروف الكرخي ؟ فيقولون: بخير، فيقول لهم سفيان بن عيينة عليه رحمة الله: لا تزالون بخير محفوظين ما دام فيكم ذلك الرجل.

    وقد كان معروف الكرخي عليه رحمة الله من أسرة نصرانية، ولكن الله آتاه الحكم صبياً، أسلمه أبواه إلى المعلم ليعلمه التثليث، وأن الله ثلاثة، فلما جلس بين يدي المعلم النصراني وهو في حداثة سنه، قال له: الله ثلاثة، فقال معروف بنداء الفطرة: الله واحد، فضربه المعلم، فشرد منه، ثم بعد ذلك كان هذا الشرود من معلمه سبب إيمان أسرته، فدخلت أسرته في الإسلام. يخبرنا معروف الكرخي عن حقيقة الدنيا فيقول: الدنيا قدر يغلي، وكنيف يرمي. الدنيا من أولها إلى آخرها هذا حالها، قدر يغلي، وتدخل الطعام إلى بطنك، ثم كنيف يرمي، هذا حال الدنيا.

    يقول هذا العبد الصالح معروف الكرخي : طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب. فإذا كنت تطلب الجنة ولا تعمل العمل الذي يوصلك إلى الجنة، فقد ارتكبت ذنباً إلى ذنوبك، قال: وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء رحمة من لا تطيعه خذلان وحماقة. تطلب الجنة بدون عمل صالح ترتكب بذلك ذنباً إلى ذنوبك، تنتظر شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم دون إيمان واتباع نوع من الغرور، وترتجي رحمة الله سبحانه وتعالى دون أن تطيعه خذلان وحماقة، هذا الذي فهمه سلفنا رحمة الله عليهم من حقيقة الرجاء، وهذا هو فهمهم للرجاء.

    وهذا العبد الصالح يحيى بن معاذ المتوفى سنة 258هـ عليه رحمة الله، وهو من الأئمة الصالحين، والعلماء العاملين، يقول هذا الرجل: من أعظم الاغترار التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير توبة، وتوقع القرب من الله جل وعلا بغير طاعة، وانتظار الجنة ببذر النار. أي: بالمعاصي، ثم قال عليه رحمة الله: عمل كالسراب، وقلب من التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب عند الملك الوهاب! هيهات هيهات! أنت سكران بغير شراب. أنت سكران لكن بلا خمر، سكران بالهوى الذي هو أعظم من الخمر وأشنع، ذنوبك كالتراب، ومع ذلك تريد هذا الأمر عند الملك الوهاب، يقول: ما أجلك لو بادرت أجلك، وما أقواك لو خالفت هواك. وأنا أقول متابعة لقوله: وما أحلاك لو أطعت مولاك، فإذا حصل هذا ورجوت رحمة الله سبحانه وتعالى، فرجاؤك في محله، وإلا فستزداد ذنباً إلى ذنوبك، وعيباً إلى عيوبك.

    وهذا العبد الصالح مسلم بن يسار الذي توفي في نهاية المائة الأولى من الهجرة النبوية على نبينا صلوات الله وسلامه، في سنة 100 للهجرة، كان من عباد الله الأبرار عليه رحمة الله، دخل عليه معاوية بن قرة ، وكل منهما من أئمة التابعين، فقال له مسلم بن يسار : ماذا عندك؟ قال: لا شيء إلا أنني أرجو رحمة الله وأخاف منه، فقال مسلم بن يسار : هيهات هيهات! من رجا شيئاً طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه. فهل أنت تطلب الله وتتعرض لنفحاته، وتقوم بما في وسعك لمرضاته؟ إن كنت كذلك فأنت راجٍ وإلا فأنت كذاب، وهل أنت تبتعد عن أسباب سخطه؟ فإن كنت كذلك فأنت خائف، وإلا فأنت كذاب.. هيهات هيهات! من رجا شيئاً طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه.

    كان مسلم بن يسار عليه رحمة العزيز الغفار، يصلي في مسجد البصرة، فانهد المسجد، فتفرق الناس وشردوا وبقي في صلاته، فلما سلم رأى أن المسجد قد تساقط وتهدم، فسألوه: لمَ لم تهرب؟ قال: والله ما شعرت! وكان يصلي في بيته عليه رحمة الله، فشب حريق في بيته، فأطفأه أهل البيت والجيران، وهو قائم يصلي! هذا هو الذي يرجو رحمة الله، وكان يقول لأهله: إذا كبرت للصلاة فقولوا ما شئتم فإني لا أسمعكم. إذا قال: (الله أكبر) انتهى اشتغل بالله سبحانه وتعالى، وقلبه حضر بين يديه، وبعد ذلك قولوا ما شئتم فلن أسمعكم.

    إخوتي الكرام! لمثل هؤلاء الأئمة العظام يحق رجاء رحمة الرحيم الرحمن سبحانه وتعالى.

    وهذا المعنى الذي قاله هذا العبد القانت مسلم بن يسار ورد عن نبينا صلى الله عليه وسلم ما يشير إليه ويدل على صحته: روى الإمام الترمذي وأبو نعيم في الحلية بسند ضعيف عن أبي هريرة ، والحديث رواه الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه، والحديث حسن، فحديث أبي هريرة يتقوى بحديث أنس رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، وما رأيت مثل النار نام هاربها )، يا عبد الله! أنت بين حالتين: راغب وراهب، خائف وراج، فإن كنت ترغب وترجو الجنة ورحمة الله فأنت راغب راجٍ، وإذا كنت تخاف من النار ومن سخط الجبار فأنت راهب وخائف، فكيف تنام عن طاعة الله، وعن فرائض الله، وعن مناجاة الله؟! ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، ولا رأيت مثل النار نام هاربها.

    لو أن إنساناً فر من حيوان مفترس في برية فارتقى إلى شجرة هرباً من هذا الحيوان المفترس من أسد أو غيره، هل ينام تلك الليلة؟ لا، إنه هارب من حيوان مفترس، فيا من تريد الهرب من النار! كيف تحارب الله بالغناء والبلاء في ليلك، ومع ذلك تقول: أرجو رحمة الله، وأسأل الله النجاة من ناره! ولو أن إنساناً سيتزوج في ليلة من الليالي، وأخر زفاف زوجته إليه إلى الساعة الثانية أو الثالثة، فهل سينام قبل أن تزف إليه زوجته؟ لا؛ لأنه راغب في مصاحبة من ستموت هي وستموت أنت، سهرت من أجلها، ومن أجل طاعة الله ومناجاته ما سهرت! ( ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ ) فإذا كنت ترجو رحمة الله فلا يليق بك أن تنام في ذلك الوقت، والله ليس حالنا بحال الراجين، ولا حالنا بحال الخائفين، لا حالنا حال من يرجو رحمة الله، ولا حالنا حال من يخاف من سخط الله، (ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، وما رأيت مثل النار نام هاربها).

    أخي المسلم! إذا رجوت رحمة الله جل وعلا فأعد العدة التي توصلك إلى هذا؛ لئلا يكون رجاؤك من الحماقة والسفاهة والجنون والطياشة! إن رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56].

    1.   

    علامات الرجاء الحقيقي الذي ينفع صاحبه

    إخوتي الكرام! ولذلك نخلص مما تقدم أنه للرجاء الحقيقي علامتان إذا تخلفت واحدة منهما في الإنسان فهو أحمق مغرور متمنٍ ليس براجٍ:

    العلامة الأولى: ينبغي أن يواظب على طول المجاهدة بصالح الأعمال، وأن يواظب على الطاعات كيفما تقلبت الأحوال، يجاهد نفسه بالعمل الصالح، ويقوم بطاعة الله في كل حال، في ليل ونهار، في سراء وضراء، في السر وفي الجهار، إذا واظب على هذا فهو راجٍ؛ لأن من أراد شيئاً طلبه، وعليه إذا أصر الإنسان على معاصي الله ورجا رحمة الله فهو كذاب.

    قال رجل للحسن البصري عليه رحمة الله: هاهنا قوم يزعمون أنهم يرجون رحمة الله ويعملون المعاصي؟! قال: هيهات هيهات! من رجا شيئاً طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه. فإذا جاهدت نفسك بالعمل الصالح، وواظبت على طاعة الله، وحافظت عليها في كل وقت، وفي جميع أحوالك، ورجوت رحمة الله فأنت راجٍ، وإذا تخلف عنك هذا الأمر، وفقدت منك تلك الصفة، ورجوت رحمة الله، فأنت متمن مغرور.

    العلامة الثانية: مع أنك تجاهد نفسك وتطيع ربك في سائر أوقاتك، فينبغي أن تتلذذ بمناجاة الله، كما يتلذذ الإنسان باللذائذ والطيبات في هذه الحياة الدنيا، بل أعظم وأعظم، فإذا كنت ترجو رحمة الله، فينبغي إذا كنت في عبادة أن تشعر بلذة وبحلاوة وبسكينة نفسك، وقلبك يرقص فرحاً وطرباً بعبادة الله جل وعلا ومناجاته، وينبغي أن يحصل لك قرة عين عندما تناجي الله جل وعلا، فإذا حصل فيك المواظبة على طاعة الله، والالتذاذ بطاعة الله، فأنت راج، وإذا كنت عندما تقوم إلى طاعة الله كأنك تسوق نفسك وتقودها، وتكرهها وتجبرها، والنعاس في رأسك، والنوم في عينيك، ولا تدري ما تقول، فبينك وبين رجاء الله بون شاسع.

    إخوتي الكرام! الذين يتقربون للملوك والأمراء وأهل الشوكة والسلطان، الواحد منهم يطير فرحاً إذا حصل له مجلس مع أحد من هؤلاء، يطير فرحاً ويبتهج لأنه حظي بمجالسة فلان، إذاً هو راج لهذا العبد، فلما حصل له الاتصال به فرح، فأنت إذا كنت ترجو رحمة الله كيف ينبغي أن يكون حالك عند لقاء الله؟ وعند القيام بطاعة الله؟ إذا ما رقص قلبك فرحاً، وابتهجت بذلك، فاعلم أنك لست براجٍ، فلا بد من طول المجاهدة والمواظبة على العمل الصالح، والتلذذ بمناجاة الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال يحيى بن معاذ عليه رحمة الله: الخوف يمنع من الذنوب، والرجاء يقوي على العمل الصالح، وقد كان الأئمة يقومون بمناجاة الله ويدفعهم إلى ذلك رجاء رحمة الرحيم الرحمن سبحانه وتعالى، هذا شيخ المسلمين في زمانه أبو إسحاق الشيرازي عليه رحمة الله، كان إذا جن عليه الليل يدور في حجرته، وينظم أبياتاً يناجي بها ربه سبحانه وتعالى، ويخبر عن فرحه وابتهاجه ولذته بمناجاة الله، والذي يحدوه إلى هذا ويدفعه هو رجاء رحمة الله.

    لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا وقمت أشكو إلى مولاي ما أجد

    وقلت يا عدتي في كل نائبة ومن عليه لكشف الضر اعتمد

    أشكو إليك أموراً أنت تعلمها ما لي على حملها صبر ولا جلد

    وقد مددت يدي بالذل مفتقراً إليك يا خير من مدت إليه يد

    فلا تردنها يا رب خائبة فبحر جودك يروي كل من يرد

    أخي الكريم! إذا كان هذا حالك إذا جن عليك الليل فأنت راجٍ، وأما إذا كنت تقطع ليلك في تمثيليات، وفي مسلسلات، فاعلم أن الله سيدخلك وأهل بيتك في نار جهنم، واعلم أن صلاتك لن تزيدك من الله إلا بعداً، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:9]، فحال الراجي، وحال الطالب أنه يقضي ليله في مناجاة الله، وفي التلذذ والأنس به، لا يقضي ليله في النظر إلى مومسات راقصات، إذا نظر الإنسان إليهن فسد قلبه ودخل الشيطان قلبه فأفسده.

    إخوتي الكرام! إذا كنتم ترجون رحمة الله فقوموا بما يؤيد هذا الرجاء، ويعيد على هذا الرجاء بحمد الله، والالتجاء إليه، والتذلل له، فهذه علامة الراجي، هذه علامة الطالب يتذلل ويتواضع ويقرب ممن يرجوه، أما أن يعرض عنه، ثم يقول له: إني أرجو رحمتك فلا، رحمة الله مبذولة يا عبد الله! لكنك أعرضت عنها، وبلسانك تقول: أنا أرجو رحمتك، فهذا الأمر ينبغي أن ننتبه له، هذا حال الراجين.

    لبست ثوب الرجاء والناس قد رقدوا وقمت أشكو إلى مولاي ما أجد

    وقلت يا عدتي في كل نائبة ومن عليه لكشف الضر أعتمد

    أشكو إليك أموراً أنت تعلمها ما لي على حملها صبر ولا جلد

    وقد مددت يدي بالذل مفتقراً إليك يا خير من مدت إليه يد

    فلا تردنها يا رب خائبة فبحر جودك يروي كل من يرد

    إخوتي الكرام! هذا هو الأمر الأول، وهو حقيقة الرجاء في شريعة الله الغراء، منزلة الرجاء في شريعة الله المطهرة.

    1.   

    المذنبون المقصرون وحاجتهم إلى الرجاء

    الأمر الثاني وبه نختم هذه الموعظة: جميع المكلفين بحاجة لرجاء رحمة أرحم الراحمين، والمكلفون مهما اختلفت أصنافهم وأشكالهم وتباينت أعمالهم ومراتبهم لا يخرجون عن أربعة أحوال، ينبغي لكل واحد منهم أن يستحضر الرجاء لينفعه في حاله.

    الحال الأول والصنف الأول للناس، مفرط تلبس بالذنوب والعيوب، هذا الإنسان إذا لم يستحضر رحمة الله لا يمكن أن يتوب، لا نقول له: ارج الله مع عصيانك، هذه حماقة، وهذا خذلال من الله لهذا العبد، إنما عنده هو حظ نفس، فيأتي الشيطان ليحول بينه وبين الإقبال على ربه، يقول: أنت فعلت وفعلت، وأنت ستصلى ناراً موقدة، فلا داعي إذاً للجوء إلى الله، فإذا كنت مفرطاً -أخي المسلم- ومسرفاً فاستحضر رحمة الله سبحانه وتعالى وتب إلى ربك، فرحمة الله واسعة، وهو الذي يقبل التوبة عن عبادة، ووالله لولا أخبار الرجاء لما تاب مذنب، فربنا جل وعلا يعد المذنبين بمغفرته إذا تابوا إليه وأنابوا، وأما من يرجو رحمة الله وهو مقيم على معصيته، فإنه يستهزئ بربه جل وعلا، وأما إذا أراد أن يتوب فرحمة الله جل وعلا واسعة.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي بسند حسن عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ قول الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر:53]، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ولا يبالي )، إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي، فرحمته واسعة وهو أرحم الراحمين، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ [الزمر:53-54]، ارجعوا إليه فهو ربكم وهو مولاكم سبحانه وتعالى، وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر:54-55].

    ثبت في معجم الطبراني الأوسط بسند حسن عن ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لا أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية )، أي: بأن الله يرحم المذنبين ويتوب عليهم إذا تابوا، قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53]، والله جل وعلا يخبرنا في سورة الفرقان عمن تلبس بشيء من المعاصي والآثام، ثم أراد أن يتوب إلى الرحمن، فرحمة الله واسعة: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:68-69].

    ثبت في معجم الطبراني الأوسط بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قرأنا هذه الآية سنين: يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:69]، قرأناها سنين، فليس فيها زيادة عن هذا المقدار، ثم أنزل الله بعد ذلك: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:70]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فرح بشيء كفرحه بهذه الآية، وبقول الله: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح:1].

    استحضار المذنب لأخبار الرجاء ومن أعظمها أخبار التوبة

    أخي المسلم! إذا فرطت في جنب الله، وقصرت في حقه فاستحضر أخبار الرجاء لتتوب إلى الله جل وعلا، استحضر أخبار الرجاء لتتوب إلى الله، ومن أعظم أخبار الرجاء التوبة، ولذلك ثبت في تفسير ابن المنذر : أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا مجتمعين مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فتذاكروا بني إسرائيل، وما أعطاهم الله من الفضائل، فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كان الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب ذنباً كتب ذنبه على باب داره، وكتب معه كفارة ذلك بأي شيء ينبغي أن يقوم ليغفر له ذلك الذنب، وأما أنتم فقد جعل الله مغفرة ذنوبكم قولاً تقولونه بألسنتكم، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136]، فقال عبد الله بن مسعود: والله ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران:135]، اللهم إنا نستغفرك من جميع الذنوب والعيوب.

    عباد الله! فمن أخطأ وأسرف فليستحضر أخبار الرجاء ليتوب لرب الأرض والسماء، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن أعظم شيء يغتاظ به الشيطان توبة المسلم إلى ربه الرحمن سبحانه وتعالى، ففي مسند الإمام أحمد، ومسند أبي يعلى، ومعجم الطبراني، ومستدرك الحاكم بسند صحيح أقره عليه الذهبي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن إبليس عليه لعنة الله لما طرده الله من الجنة، قال لله جل وعلا: وعزتك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال الله له: وعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني )، أنت تغويهم ولكن أنا ربهم ومولاهم، أرحم بهم من أنفسهم، أدعوهم إلى التوبة إليّ والإنابة إليّ، وعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني.

    وثبت في سنن الترمذي بسند حسن عن أنس ، والحديث رواه الإمام أحمد عن أبي ذر ، ورواه الطبراني في معاجمه الثلاثة عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي )، فإذا تلبست بذنوب وعيوب وتبت إلى علام الغيوب فرحمة الله واسعة، ( يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء )، أقطار السماء وما تراه منها وما لا تراه منها، ( ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة ).

    تذكير العاصي برحمة الله ورجائه حتى يتوب ويستغفر

    إخوتي الكرام! فإذا عرفتم بعض المسلمين تلبسوا بشيء من العصيان فذكروهم برحمة الله ليتوبوا، وليرجعوا إليه وليستحوا من ربهم سبحانه وتعالى، ,هذا أمر ضروري إخوتي الكرام! وأحدثكم عن قصة جرت لي عندما كنت في المرحلة الثانوية، كنا نجلس لقراءة القرآن بين العشاءين، فكنت أيام الدراسة أخرج من قريتي إلى منزلي في حلب، وأعود إلى القرية أيام الصيف، فكان يحضر معنا بعض من أهل القرية في مدارسة القرآن بين العشاءين، وكان من جملة الحضور رجل صالح فيه خير وبركة، وكان يشتغل خبازاً، ثم بعد ذلك رأى أن تلك المهنة فيها ما فيها، فاتخذ دكاناً بعيداً وبدأ يبيع فيه ويتسبب ويسترزق الله سبحانه وتعالى، ويطلب الله من فضله، فجاءته امرأة في يوم من الأيام إلى هذا الأخ، ولانت معه بعض الشيء حتى مد يده إليها، ولكنه بعد ذلك شعر بخطيئته، واستغفر ربه، واسود وجهه، وبدأ يبكي، وذهب إلى المسجد كعادته ليجتمع مع إخوانه لقراءة القرآن، فلما حضر نظر الناس إليه نظرة احتقار، فسلم عليهم وما ردوا عليه، ولما جاءته النوبة لقراءة القرآن ما تركوه يقرأ، فبقي على ذلك ثلاثة أيام، وهم لا يسلمون عليه، والرجل صالح وفيه خير كثير، أهل الفساد يعادونه، وأهل الخير عادوه، فبقي المسكين وحيداً طريداً في هذه القرية.

    فجاءه الشيطان بعد ذلك، وزين له أن يصحب أهل الفجور عندما أعرض عنه أهل الخير، وكانت لحيته تزيد على قبضة، فحلقها، وبدأ يذهب إلى المقاهي، وصاحب أهل الفجور، وترك الصلاة وغيرها، ومضى على هذا أشهر، فلما رجعت من حلب إلى القرية التي أنا فيها، وجلسنا بين العشاءين لقراءة القرآن، قلت: أين فلان؟ قالوا: أو ما بلغك ما عمل؟ قلت: وماذا عمل؟ قالوا: عمل شيئاً كبيراً، قلت: هل هدم الكعبة؟ إذا هدم الكعبة وتاب إلى الله يتوب الله عليه، ماذا جرى منه؟ قالوا: شيء حقير لا يمكن أن نتكلم عنه، وبعد أن خرجنا أخذت واحداً على طرف، وقلت: ما الذي جرى من فلان؟ قال: مد يده إلى امرأة تكلم معها بعض الكلام، ورآه بعض الناس، فشاع خبره في القرية، فأعرضنا عنه وطردناه من المسجد، قلت: سبحان الله! من الذي أعان الشيطان عليه؟ جاءكم تائباً، والتائب حبيب الله، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والله إن أنين المنيبين عند السحر أفضل عند الله من تسبيح المسبحين، أما تستحون يا عباد الله! من الله في حق أخيكم؟ وكيف فعلتم به هذا؟ قالوا: هذا الذي وقع.

    إخوتي الكرام! الرجل فيه حياء، وعنده خشية من الله، ولكن كل بني آدم خطاء، فنسأل الله أن يدخل عظيم جرمنا في عظيم عفوه إنه واسع الفضل والمغفرة، فذهبت إلى بيته بعد أن صلينا العصر في اليوم الثاني، فطرقت الباب فقال: من؟ فلما أخبرته عني قال: انتظر، فدخل إلى بيته ثم لبس غترته، وجاءني وهو متلثم حتى لا يريني أن لحيته محلوقة، سبحان ربي العظيم! سبحان ربي العظيم! فقلت له: السلام عليكم، والله ما سمعته رد السلام من كثرة بكائه، وهو يقول: هل يغفر الله لي؟ يا أخي! إن رحمة الله واسعة، اتق الله في نفسك، لا يجوز القنوط من رحمة الله، وهو يبكي ويقول: هل يغفر الله لي؟

    ثم قال: ادخل إلى البيت، فقلت: لا، نخرج نتمشى في القرية التي نحن فيها بين الأشجار، عساه يرجع إليه شيء من رشده وعقله، من بعد صلاة العصر إلى صلاة المغرب -والله على ما أقول شهيد- ما انقطع بكاؤه، وما فهمت عنه شيئاً إلا هذه الكلمات: هل يغفر الله لي؟ سبحان ربي العظيم.. سبحان ربي العظيم! مثل هذا يهجر؟ مثل هذا يترك؟ إذا وقع الإنسان في بلية، في قاذورة، نذكره برحمة الله ليتوب.

    ثم جئنا بعد ذلك إلى المسجد عند أذان المغرب فقال: أريد أن أتوضأ، فتوضأ ثم جاء، فصلى بعيداً عني في الصف، ونحن نصلي شوش علينا الصلاة من كثرة بكائه، فاجتمع الناس عليه بعد الصلاة يظنون أن به آفة، فقلت: انصرفوا يا عباد الله! وما رأى أحد وجهه حتى عادت لحيته كما كانت.

    عباد الله! إن رحمة الله واسعة، وأنت أخي -أيها المذنب الخطاء- إذا عصيت الله وتبت إليه فهو حبيبك، وهو رقيبك، وهو ربك وهو مولاك، وليس لك سواه، فهو الذي يقيل عثرات المتعثرين، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، فالمجرم يستحضر أخبار الرجاء ليستحي من نفسه، ومن ربه ليتوب إليه، لا ليواظب على عصيانه.

    كان شاب من بني إسرائيل -كما ورد هذا في أخبار الكتب السابقة، ومثل هذا لا مانع من حكايته- عبد الله أربعين سنة، ثم عصاه أربعين سنة، ثم أراد أن يتوب، فخرج إلى الصحراء، وبدأ يبكي، ويقول: يا رب! هل تقبلني؟ فسمع صوتاً يناديه: أحببتنا فأحببناك، وكرهتنا فما نسيناك -فضل الله عظيم- وإن عدت إلينا قبلناك. فذكر المذنبين بأخبار الرجاء ليستحوا من ربهم، وليقلعوا عن ذنوبهم، وليتوبوا إليه فهو أرحم الراحمين.

    1.   

    الخائفون الوجلون الذين أثر الخوف على حياتهم وحاجتهم إلى الرجاء

    الصنف الثاني الذي ينبغي أن يستحضر أيضاً أخبار الرجاء: صنف من الناس يغلب عليه الخوف، ويكاد الخوف أن يقطع قلبه، وكما قلت: الناس لا يخرجون عن واحد من هؤلاء الأصناف الأربعة، فالكل بحاجة لاستحضار أخبار الرجاء ليداوي علته، غلب عليه الخوف حتى قطع قلبه، وأضر به وبغيره من أهله، فامتنع عن الطعام والشراب، منع الاتصال بالأهل خشية من الله وخوفاً منه، وحقيقة عندما يستحضر الإنسان أخبار يوم القيامة، والله لو لم يستحضر مع ذلك أخبار الرجاء لهلك، ولفارق أهله وابتعد عن أولاده، إلا أنه لما يستحضر أخبار الرجاء يلين قلبه: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ [الزمر:23].

    إذا جاءوا إلى أخبار الوعيد والخوف اقشعرت جلودهم ووجلت قلوبهم، وإذا دعوا إلى أخبار الرجاء والرحمة لانت واستأنست وانبسطت وفرحت، وصنف من الناس يتذكرون أخبار الوعيد، وتطيش عقولهم، وتنخلع قلوبهم، ويؤدي هذا بهم إلى الضرر في أنفسهم وفي أهليهم، فعليهم أن يستحضروا رحمة الله، ورجاء رحمة الله، وأن يعلموا أنه لن يدخل أحد منهم الجنة بعمله مهما كان، إنما يدخلها بفضل الله ورحمته.

    ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون أزواج النبي عليه الصلاة والسلام عن عبادته في السر )، بأي شيء يعبد ربه إذا دخل إلى بيته؟ كان عليه صلوات الله وسلامه يتهجد بثمان ويوتر بثلاث، ويصبح بإحدى عشرة ركعة، وكان يقرأ في الركعة الواحدة أحياناً بالبقرة وسورة النساء، فيما يعدل أربعة أجزاء، يقوم من الليل ما تيسر، حاله كما قال الله: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل:2-4]، ثم بعد ذلك يعاشر أهله ويخالطهم، فلما أخبروا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم كأنهم تقالوها، فبعد ذلك رجع بعضهم إلى بعض وقالوا: ( أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ -كأنهم يلتمسون عذراً للنبي عليه الصلاة والسلام في قلة عبادته- إن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

    فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أنام )، هذا عهد، أقطعه على نفسي بأنني لا أنام في الليل طرفة عين، ( وقال الثاني: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج )، كل هذا مبناه -إخوتي الكرام- على الخوف الذي قطع قلوبهم، ( فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بمقالتهم قال: ما بال أناس يقولون: كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ) وإذا كنت أعلم الناس بالله، فينبغي أن أكون أعبد الناس وأخوفهم لله ( لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ).

    فإذا اشتد الخوف على الإنسان في بعض الأحيان حتى أدى به للإضرار بنفسه أو بأهله، فنذكره أخبار الرجاء، أخبار الوعد، أخبار رحمة الله؛ ليلين قلبه ويعود إلى طبيعته.

    1.   

    القانطون اليائسون من رحمة الله وحاجتهم إلى الرجاء

    الصنف الثالث: صنف من الناس يزيد الخوف عليهم إلى درجة شديدة بحيث يصلون إلى يأس وقنوط، ويقول: أنا لن يغفر الله لي أبداً، نعوذ بالله من هذا، فإنه لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ [يوسف:87] فإذا كان الأمن من مكر الله من الكبائر فالقنوط واليأس من روح الله من الكبائر، فينبغي أن لا تأمن ولا تقنط أيضاً، فصنف يقنطون من رحمة الله وييأسون، فينبغي أن نذكرهم بأخبار الرجاء ليبتعدوا عن هذه الخصلة المذمومة، وليبعد عنهم القنوط واليأس.

    ولذلك ورد في معجم الطبراني الأوسط أن أبا هريرة رضي الله عنه لقي الفرزدق الشاعر، فقال له: إن طالت بك حياة يوشك أن تلقى أناساً يقولون لك: لن يغفر الله لك، فإياك أن تقطع رجاءك من رحمة الله، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رجل قنط رجلاً من رحمة الله، وآيسه من روح الله، أخبرنا عن مصيره الشنيع الفضيع عند الله سبحانه وتعالى، ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود ، والحديث إسناده جيد كما حكم عليه بذلك شيخ الإسلام الإمام عبد الرحيم بن الحسين الأثري عليه رحمة الله في المسند، وسنن أبي داود عن ضمضم بن جوس ، وهو من أئمة التابعين، ومن التابعين الصالحين، قال: قال لي أبو هريرة رضي الله عنه: إياك يا ضمضم ! وفي رواية قال له: إياك يا يماني أن تقول لإنسان: لن يغفر الله لك، أو لن يدخلك الله الجنة، إياك أن تقول هذا، فقال ضمضم بن جوس : هذه الكلمة يقولها أحدنا لصاحبه إذا غضب منه، إذا غضب منه يقول: اذهب فلن يغفر الله لك، لن يدخلك الجنة، قال: فلا تقلها، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( كان رجلان من بني إسرائيل متواخيين ) متآخيين، بينهما إخوة ومودة، ( فكان أحدهما يجتهد في العبادة، وكان الآخر مسرفاً على نفسه، فكانا متآخيين فكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب، فيقول: يا هذا! أقصر، فيقول: خلني وربي أبعثت علي رقيباً؟ قال: إلى أن رآه يوماً على ذنب استعظمه، فقال له: ويحك اقصر، قال: خلني وربى أبعثت علي رقيباً؟ قال: فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة أبداً، قال أحدهما: قال: فبعث الله إليهما ملكاً؛ فقبض أرواحهما واجتمعا، فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: أكنت بي عالماً أكنت على ما في يدي خازناً اذهبوا به إلى النار، قال: فوالذي نفس أبي القاسم بيده لتكلم بالكلمة أوبقت دنياه وأخرته ).

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.