إسلام ويب

الرجاء [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الرجاء هو: ارتياح القلب لتوقع محمود في المستقبل، والرجاء والخوف متلازمان، ولا يمكن أن يصح الرجاء بلا عمل هكذا قرر القرآن والسنة.

    1.   

    حقيقة الرجاء

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعل علمنا حجة لنا عندك يا أرحم الراحمين. أما بعد:

    إخوتي الكرام! أشارت نصوص الشرع المطهر إلى أنه كلما امتد بالناس الزمان تكثر الفتن، ويتمادون في المعاصي والعصيان، وعند ذلك تتبدل حقائق الشرع المطهر، ويعكف الناس على البدع والخرافات، ويعرضون عن شريعة رب الأرض والسماوات، ومما حدث في زماننا بل قبله بزمان: تغير أمرٍ من الأمور، وعدم فهمه على حسب شرع العزيز الغفور، ألا وهو: مفهوم رجاء رحمة الله سبحانه وتعالى، وقد كان سلفنا الكرام يرغبون في طاعة ذي الجلال والإكرام في سائر الأوقات، ويرجون رحمة رب الأرض والسماوات، وخلفهم أناس في هذا الوقت يتمادون في العصيان، وفي أنواع المنكرات والآثام، ويعللون أنفسهم بأنهم يرجون رحمة الرحمن، فرحمة الله واسعة؛ لأنهم فهموا من رحمة الله ما لم يفهمه النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، ولذلك أحببت أن أبين حقيقة هذا الأمر في شريعة الله المطهرة، لا سيما وقد جرى مني محاضرة حول الخوف من الله جل وعلا، فسأتكلم في هذه الموعظة عن الرجاء، وأسأل الله جل وعلا المعونة والتوفيق إنه أرحم الراحمين.

    إخوتي الكرام! حديثنا عن الرجاء سيدور حول أمرين اثنين لا ثالث لهما: الأول: في حقيقة الرجاء ومنزلته في شريعة رب الأرض والسماء، والأمر الثاني: ضرورة اجتياز المكلفين أجمعين لرجاء رحمة أرحم الراحمين.

    أما الأمر الأول: فحقيقة الرجاء في الشريعة المطهرة: ارتياح القلب وابتهاجه لتوقع محمود في المستقبل، وهذا المحمود قد تيسرت عند العبد أسبابه فقام بها، فلم يبق لتحقيق أمنيته إلا فضل ربه سبحانه وتعالى.

    وقد ذكر علماؤنا الكرام أن ما يدور في النفس من آلام وأفكار لا تخرج عن ثلاثة أحوال:

    - إما استحضار لحالة ماضية، فهذا يقال له: ذكر وتذكر.

    - وإما شعور بحالة حاضرة، فهذا يقال له: ذوق ووجد.

    - وإما استحضار شعور بأمر سيأتي في المستقبل، فلا يخرج حال الإنسان نحوه عن أمرين: إما إلى رجاء وإما إلى خوف، فإذا ارتاح قلبه وفرح بحصول ذلك الأمر في المستقبل، فهذه هي حالة الرجاء، وإذا تألم قلبه وانقبض لتوقع مكروه سيطرأ عليه في المستقبل بأمارة ظنية أو معلومة، فهذا يقال له: خوف، وقد تحدثنا عن الخوف سابقاً.

    ضرورة اتصاف المؤمن بالخوف والرجاء حتى يتم إيمانه

    أحب أن أشير إلى أمر كنت ذكرته في بداية موضوع الخوف، نشير إليه على وجه الاختصار، ثم نكمل الموضوع:

    كنت ذكرت أن الخوف والرجاء للمؤمن كالجناحين للطائر، فكما أن الطائر لا يطير بغير جناحين، فالمؤمن لا يمكن أن يسير إلى ربه على صراط مستقيم بغير خوف ولا رجاء، ولذلك قال الإمام أبو علي الجوزجاني : الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا تم الطيران، فإذا نقص أحدهما وقع الطائر في النقص، فإذا فقدا صار الطائر في حكم الموت.

    وهذا المعنى ذكر أيضاً عن الحسن البصري عليه رحمة الله، فقال: الرجاء والخوف مطيتا المؤمن يسير بهما إلى ربه جل وعلا.

    وقد قرر أئمتنا الكرام عليهم رحمة ربنا الرحمن أن عبادة الرحمن لا تتم ولا تحصل إلا بثلاثة أركان هي مقامات الإيمان: حب الله جل وعلا، وخوف منه، ورجاء له، فمن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو موحد صديق، وقد ذكر هذا القول عن إمام أهل الشام في زمنه، فكان لأهل الشام كالحسن البصري لأهل البصرة، وهو مكحول الدمشقي رحمه الله، كان يقول: من عبد الله بالحب والخوف والرجاء، فهو موحد صديق، ومن عبده بالحب فقط فهو زنديق، ومن عبده بالخوف فقط فهو حروري، ومن عبده بالرجاء فقط فهو مرجئي. وقد وضحت معاني هذه الأمور في محاضرة الخوف.

    فلا بد إذاً من حب وخوف ورجاء، وبذلك وصف الله عباده الأتقياء، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأنبياء بعد أن ذكر عدداً من الأنبياء والأتقياء الصالحين على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90]، (يسارعون في الخيرات) دليل على محبتهم وتعظيمهم لربهم جل وعلا، وهذه المحبة تقوم على دعامتين: على خوف، ورجاء، وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ، أي: طامعين خائفين، راجين وجلين.

    ومن حصل فيه هذا الأمر فهو من علامات إيمانه، ومن علامات صدقه في الإيمان، كما قال ربنا جل وعلا في سورة السجدة: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:15-16]، وهذا كله من باب حبهم لربهم وتعظيمهم له، وهذا الحب والتعظيم يقوم على دعامتين: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16]، (يدعون ربهم خوفاً وطمعاً) خائفين، وطامعين راجين، وهذا وصف المؤمنين الذين يؤمنون بآيات رب العالمين.

    وهذا الأمر أشار إليه ربنا جل وعلا في سورة الإسراء، فقال جل وعلا: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:57]، كما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله في العرب: كانوا يعبدون الجن، فأسلم الجن، وبدؤوا يعبدون الله يحبونه ويخافونه ويرجونه، وبقي أولئك على عبادتهم يدعونهم من دون الله، فأنزل الله هذه الآية يعيرهم بها، أي: أولئك الذين يدعونهم ويعبدونهم من دوني، حالهم معي يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، يطلبون الحظوة والمنزلة عند الله، ويتنافسون في الطاعات ويتسابقون فيها لحبهم لربهم جل وعلا، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:57].

    الخوف والرجاء متلازمان

    إخوتي الكرام! وقد قرر أئمة الإسلام أن الخوف والرجاء متلازمان، فلا ينفك أحدهما عن الآخر، فخوف بلا رجاء يعني: اليأس والقنوط، ورجاء بلا خوف يعني: الأمن والغرور، ولأجل هذا صح مجيء الرجاء بمعنى الخوف؛ لأن الخوف يلازمه ولا ينفك عنه، قال الله جل وعلا في سورة نوح: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [نوح:13]، أي: لا تخافون لله عظمة، فأوقع الرجاء موقع الخوف؛ لأن الرجاء والخوف متلازمان، ولا ينفك أحدهما عن الآخر.

    وإذا كان الخوف والرجاء متلازمين، فينبغي أن يعتدلا عند المؤمن، وينبغي أن يساوي خوفه رجاءه، وإلى هذا أشار أبو بكر صديق هذه الأمة رضي الله عنه، كما في حية الأولياء، يقول أبو بكر رضي الله عنه في وصيته لـعمر: (إن الله لما ذكر أهل الجنة ذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم؛ فإذا ذكرتهم خشيت أن لا أكون منهم، وعندما ذكر الله أهل النار ذكرهم بأسوأ أعمالهم، ورد عليهم حسناتهم، فإذا ذكرتهم رجوت أن لا أكون منهم).

    فينبغي على العبد أن لا يقنط من رحمة الله، وينبغي على العبد أن يرجو الله سبحانه وتعالى، وفي الحلية أيضاً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (والله لو أن منادياً من السماء نادى: ليدخل الجنة الناس أجمعون إلا واحداً لخشيت أن أكون ذلك الواحد، ولو نادى منادٍ من السماء: ليدخل الناس أجمعون النار إلا واحداً لرجوت أن أكون ذلك الواحد).

    متى يغلب الخوف على الرجاء أو الرجاء على الخوف

    فالرجاء والخوف ينبغي أن يعتدلا عندك أيها الإنسان، لكن علماءنا الكرام قالوا: بما أن النفس تتفلت من الإنسان، وتميل للفسوق والعصيان، فينبغي أن يغلب الخوف ما دام في هذه الحياة، فإذا حضر الوقت الذي سيفارق فيه هذه الحياة الدنيا في حالة الاحتضار وفي حالة السياق، فينبغي أن يغلب الرجاء على الخوف؛ وذلك لثلاثة أمور:

    أولها: أن الخوف هو الذي يبعث الإنسان على العمل الصالح، ويقوده لفعله، وهو صوت يبعث الإنسان على العمل، ويحول بينه وبين الزلل، وفي ذلك الوقت ليس ثمة عمل يقوم به الإنسان، فهو في حال احتضار وفراق الدنيا، وفي ساعة لقاء رب العالمين سبحانه وتعالى، ولا يتصور من جوارحه في ذلك الوقت الوقوع في الزلل، فإذا غلب على نفسه الخوف فإنه سيقطع قلبه ويعجل موته، ولذلك ينبغي أن يغلب الرجاء.

    الأمر الثاني: ليلقى الله وهو يحب لقاءه، فإذا استحضر أخبار الرجاء وأخبار رحمة الله في حال الاحتضار، تحب نفسه لقاء الله والقدوم عليه، ثبت في مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني بسند صحيح عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا أخبركم بأول ما يقوله الله لأهل الجنة، وما يقولونه لله؟ يقول الله لأهل الجنة: هل استحببتم لقائي؟ فيقولون: نعم ربنا، فيقول: ولم؟ فيقولون: رجونا عفوك ومغفرتك، فيقول الله لهم: قد وجبت لكم مغفرتي )، وفي رواية الطبراني : ( رجونا رحمتك وعفوك، فيقول الله: قد وجبت لكم رحمتي )، فعندما يستحضر الإنسان أخبار الرجاء في حال الاحتضار تحب نفسه لقاء الله.

    الأمر الثالث الذي من أجله ينبغي أن يغلب الإنسان الرجاء على الخوف في حال الاحتضار: ليلقى الله وهو حسن الظن به، فقد ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم والسنن الأربعة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه ).

    1.   

    الرجاء من غير عمل لا ينفع صاحبه

    إخوتي الكرام! من تعريف الرجاء يتبين لنا أن الرجاء بغير عمل، وبغير بذل ما في الوسع لا يعتبر رجاءً شرعياً، إنما هو من باب الحماقة والغرور، أوضح هذا بمثل من الأمثلة الحسية فيما بيننا، ثم أقرر هذا بالأدلة الشرعية الثابتة في القرآن والسنة المطهرة.

    إخوتي الكرام! إذا رجا الإنسان حصول الولد، هل ينفعه ويحصل له الولد مجرد رجائه ورغبته في ذلك؟ كأن يقول: أنا أريد ولداً، فهل سيأتيه الولد بهذه الأمنية؟ لا، بل ينبغي أن يتخذ زوجة، وينبغي أن يعاشرها بعد ذلك عشرة شرعية، فإذا قام بهذا -وهذا ما في وسعه- ثم التجأ إلى الله جل وعلا ليرزقه ولداً فهو راجٍ حقيقة، وأما إذا طلب الولد ولم يتزوج، أو تزوج ولم يتصل بزوجته، وقال: أرجو من الله أن يرزقني ولداً، فهو معتوه سفيه أحمق مغرور! إذا رجوت الولد فينبغي أن تسعى بما في وسعك في إيجاد الطريق الذي يحصل به الولد، فإذا حصلت زوجة واتصلت بها، والتجأت إلى الله ليرزقك الولد الصالح؛ فأنت راجٍ حقيقة، وإلا فأنت كذاب مغرور أحمق، وهذه قضية معروفة ما أظن أنه يختلف فيها اثنان من العقلاء، لو قلت لعاقلٍ: فلان يريد ولداً من غير أن يتزوج، سوف يقول: هذا معتوه، وهذا مجنون، وهذا سفيه! لا يمكن أن يحصل له الولد إلا إذا تزوج.

    وهكذا الإنسان إذا أراد محصولاً طيباً، وزراعة مثمرة، فينبغي أن يتخذ أرضاً صالحة للزراعة، وأن ينقيها من الآفات، وأن يبذر فيها البذر الطيب، وأن يتعدها بالسقاية والرعاية، ثم يلجأ إلى الله جل وعلا في إيجاد محصول مبارك كثير له من هذه الأرض، فإذا فعل هذا فهو راجٍ، ورجاؤه في محله.

    وأما إذا لم يكن عنده أرض، وأراد من الله أن يأتيه محصول كبير، ومحصول نافع، فمن أين سيأتيك هذا يا عبد الله؟! ولو كان عنده أرض وما بذر فيها بذراً نافعاً، أو بذر فيها بذراً وما تعهد تلك الأرض بالرعاية والسقاية، فنبت فيها الحشائش والأشواك، فأتلفت تلك الزراعة، فإنه إذا رجا محصولاً طيباً في تلك الأحوال فهو في عرفنا معتوه سفيه أحمق.

    ومثال آخر: لو أن إنساناً استأجر أجيراً ليعمر له بيتاً، أو ليصنع له شيئاً، فهذا الأجير بدلاً من أن يقوم بالمهمة التي كلف بها، كسر الأواني التي كلف بإصلاحها، والبيت الذي كلف بترميمه وتجميله هدمه، ماذا يتوقع من صاحب البيت؟ إنه يتوقع عقوبة عظيمة، أما أن يهدم البيت، ثم يقول: إنني أريد أجرةً، فهذا معتوه سفيه! والله جل وعلا يقول: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185]، فماذا يتوقع الإنسان إذا عطل بدنه عن طاعة الله؟ من بارز ببدنه الله جل وعلا بالمعاصي ماذا يتوقع يوم القيامة؟ يتوقع أجرة أم عقوبة؟ إذا رجا الأجرة في هذه الحالة فرجاؤه تمنٍّ وحماقة وغرور، ولن يحصل له ذلك أبداً.

    ما بال دينك ترضى أن تدنسه وثوبك الدهر مغسول من الدنس

    ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس

    إذاً: الذي يرجو رحمة الله جل وعلا، رحمة أرحم الراحمين، وهو مقيم على معصيته، فهو سفيه أحمق مغرور معتوه، سينال العقوبة عند الله وهو لا يدري، فرحمة الله جل وعلا قريبة من المحسنين، كما سيأتينا تقرير هذا بأدلة الشرع المبين، فهذه أمثلة ثلاثة توضح معنى حقيقة الرجاء، فإذا رجا الإنسان رحمة الله، وما بذل ما في وسعه للوصول إلى رضوان ربه، ثم رجا رحمة الله فهو مغرور سفيه.

    1.   

    الأدلة القرآنية على وجوب العمل مع الرجاء وأن الرجاء بدون عمل لا ينفع

    وهذا الأمر قرره ربنا جل وعلا في آيات كثيرة، يقول الله جل وعلا في سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:218] فهؤلاء قاموا بطاعة الله حسب ما في وسعهم، فقال الله عنهم: أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ ، أي: أولئك يحق لهم أن يرجوا رحمة الله، فهم يستحقون هذه الرتبة العالية، وأما إذا لم يؤمن الإنسان، أو آمن لكنه تلبس بالفسوق والعصيان، ورجا رحمة الله، فهو مغرور سفيه شيطان.

    وإنما أخبر الله عن هؤلاء بأنهم يرجون، ولم يقل: هم في رحمة الله قطعاً وجزماً؛ لئلا يتكلوا على عملهم؛ لأن الأمر الذي سينالونه هو من فضل ربهم سبحانه وتعالى؛ فلا يتكلوا على العمل، ولأنهم في حصول الأجر على وجل، هل سيحصل لهم أم لا؟ هم يتمنون هذا، ويحق لهم أن يتمنوا ذلك، فقد بذلوا ما في وسعهم، فهم قد آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، ومع ذلك قال الله: أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:218].

    وهذا المعنى قرره الله أيضاً في سورة الكهف، فقال جل وعلا: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، وهذان الأمران جمعا شرطي العمل المبني على الرجاء، فينبغي أن تقوم بالعمل الصالح الذي شرعه نبينا صلى الله عليه وسلم وبينه لنا، وتريد بذلك وجه الله، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، فإذا رجوت الله، وأردت أن تختبر نفسك هل أنت راجٍ أو متمنٍ مغرور؟ فانظر هل تحققت فيك شروط الرجاء، وهما: العمل الصالح، ابتغاء وجه الله؟ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، فلابد أن تكون أعماله كلها على حسب شرع النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك تكون صالحة، وأن يريد بهذه الأعمال وجه الله جل وعلا، وبذلك ينتهي عن الشرك، وتكون الأعمال لله خالصة.

    وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكثر من الدعاء في صلاته فيقول: اللهم اجعل عملي صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئاً. فإذا رجوت الله تحقق هذا الرجاء ببرهان حقيقي: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110].

    وقد أشار الله إلى هذا المعنى في سورة فاطر، فقال جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:29-30]، هؤلاء الذين قاموا بهذا العمل يرجون رحمة الله، ويحق لهم أن يرجو هذه التجارة الرابحة التي لا خسارة فيها ولا كساد.

    والآيات في هذا المعنى كثيرة، فرحمة الله ومغفرته تكون بالقيام بالأسباب التي تهيئه لرجاء رحمة الله ومغفرته، كما قال الله جل وعلا: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]، من أراد المغفرة من جميع الذنوب والعيوب لزم جادة الإيمان بالرحمن سبحانه وتعالى، وعمل الصالحات، واستمر على هذا المسلك إلى الممات، فهذا تناله رحمة رب الأرض والسماوات.

    1.   

    إنكار الله تعالى على الذين يرجون رحمته وهم مسرفون في الذنوب والمعاصي

    وقد أنكر ربنا جل وعلا غاية الإنكار على الذين يرجون رحمته، ويسرفون بعد ذلك في حق الله سبحانه وتعالى، ويتجاوزون الحدود، يقول الله جل وعلا في سورة الأعراف في حق بني إسرائيل: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا [الأعراف:168]، أي: فرقناهم في الأرض جماعات متعددة، مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ [الأعراف:168]، أي: اختبرناهم بالنعم والمصائب، هل يشكرون الله على نعمه ويصبرون على نقمه ومصائبه سبحانه وتعالى؟ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأعراف:168-169]، (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب)، لكنهم تركوا هذا الكتاب وأخذوا بدله ثمناً يسيراً من عرض الدنيا، واشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، (يأخذون عرض هذا الأدنى)، أي: عرض الدنيا الزائلة الدنية، القريبة الحاضرة عندهم، ومع ذلك يعللون أنفسهم ويقولون: (سيغفر لنا)، يقبلون على الدنيا، ويعرضون عن الآخرة، ويقولون: سيغفر لنا، (وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه)، ينكر الله عليهم هذا المسلك فيقول: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأعراف:169].

    قال الإمام القرطبي في تفسيره: وهذا الوصف الذي وقع في بني إسرائيل سيقع في هذه الأمة، ثم استشهد بأثر معاذ بن جبل رضي الله عنه الذي رواه الإمام الدارمي في سننه، قال معاذ رضي الله عنه: (سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب الخلق، يقرءونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم كلها طمع، لا يخالطها خير، إن قصروا قالوا: سنبلغ، وإن أساءوا قالوا: سيغفر لنا إنا لا نشرك بالله شيئاً)، فالله أنكر على بني إسرائيل هذا الوصف الحقير، وهذا الوصف سيقع في هذه الأمة، وقد وقع، والناس الآن يبارزون الله بالعظائم والحرب في نهارهم وفي ليلهم على لهوهم وفجورهم، ويؤمل كل واحد منهم نفسه بأن رحمة الله واسعة، ولكن رحمة الله لمن تنال يا أخي الكريم؟! تنال عباد الله المحسنين، كما قال تعالى: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56].

    فمن رجا رحمة الله دون إعداد العدة لذلك فهو أحمق مغرور معتوه، ثبت في مسند الإمام أحمد، والصحيحين وغيرهما عن خباب بن الأرت رضي الله عنه، قال: كنت في الجاهلية قيناً -أي: حداداً- فصنعت سيفاً للعاص بن وائل السهمي ، فلما جاء الإسلام أسلم خباب رضي الله عنه وأرضاه، وبقي العاتي العاص بن وائل على شركه وكفره، فجاء خباب إلى العاصي يطلب أجرة السيف الذي صنعه له في الجاهلية، فقال له: أعطني أجرتي، قال: لا أعطيك أجرتك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقال: والله لا أكفر حتى يميتك الله ثم يبعثك.

    إخوتي الكرام! وليس هذا من خباب رضي الله عنه إشارة إلى أنه سيكفر في ذلك، لا ثم لا؛ إذ إنه عند بعث الناس واجتماعهم في عرصات الموقف لا يتصور كفر آنذاك، والناس كلهم يشاهدون الحقائق بأعينهم، فالكفار يؤمنون، فكأن خباباً قال له: لن أكفر أبداً، وذكر هذا الكلام ليعرض بالعاص بن وائل الذي لا يؤمن بالبعث ولا بيوم القيامة، ولا يعني أنه إذا حصل ذلك اليوم أنه يمكن أن يكفر، فحاشاه من ذلك! وهذا هو الجواب المعتمد عن قول خباب رضي الله عنه: لا أكفر حتى يميتك الله ثم يبعثك، فقال العاص بن وائل : وسنبعث بعد الموت؟ إذا بعثنا سيكون لي هناك مال وأولاد، فتعال إليّ حتى أعطيك أجرتك. سبحان ربي العظيم! كافر ومع ذلك يرجو المال والولد والنجاة في ذلك اليوم العصيب الرهيب، فأنزل الله جل وعلا: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا [مريم:77-80].

    فحال العصاة المغرورين المعتوهين في هذا الحين كحال هذا الكافر اللعين، يجلب العصيان في الليل والنهار، ومع ذلك يعلل نفسه بأنه يرجو رحمة العزيز الغفار.

    يا ناظراً يرنو بعيني راقد ومشاهداً للأمر غير مشاهد

    تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي درج الجنان ونيل فوز العابد

    أنسيت ربك حين أخرج آدماً منها إلى الدنيا بذنب واحد

    فأنت ترجو رحمة الله، وعصيانك متواصل لا ينقطع!

    1.   

    الأدلة من السنة النبوية على أن الرجاء لا يكون إلا بعد العمل

    إخوتي الكرام! وهذا المعنى قرره لنا نبينا عليه الصلاة والسلام، ففي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه والمستدرك، والحديث على المعتمد في درجة الحسن، حسنه الترمذي وأقره النووي، وقال الإمام ابن تيمية عليهم رحمة الله: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فجزم بثبوت هذا الحديث، فهو حديث حسن، عن خباب بن أوس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ) (الكيس) أي: العاقل الذكي الفطن (من دان نفسه) أي: حاسب نفسه، وأوقفها عند حدود الله، وعمل لما بعد الموت، ( والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) ، عاجز أحمق مغرور، سفيه متمنٍ يطيع نفسه هواها، ينهمك في البطالات والضلالات، ومع ذلك حاله كحال العاص بن وائل ، يتمنى على الله الأماني.

    فليس هذا برجاء صالح -إخوتي الكرام- لا يكون الرجاء إلا بعد أن تبذل ما في وسعك، وكل ما كلفنا ربنا جل وعلا فهو في وسعنا، ولن يكلف الله نفساً ليس في وسعها، إذاً ينبغي أن تقوم بشرع الله المطهر، فعلاً للأوامر وتركاً النواهي، ثم بعد ذلك ترجو النجاة عند الله، وترجو رحمة الله، فأنت حينئذٍ راجٍ حقيقة.

    اللهم اجعلنا من العاملين بكتابك وسنة نبيك، والحمد لله رب العالمين.