إسلام ويب

الخوف والرجاءللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحب والخوف والرجاء هي مقامات الإيمان التي يجب أن يُعبد الله تعالى بها جميعاً، والخوف هو المقام الداعي إلى العمل والطاعة، وترك المخالفة والمعصية، فمن خاف من الله تعالى ومن عذابه عمل بما ينجيه منه ويدخل جنته، ولتحصيل الخوف من الله تعالى أسباب عظيمة ينبغي التحلي بها حتى يكون العبد من الخائفين من ربهم في الدنيا، الذين يؤمنهم عنده يوم القيامة.

    1.   

    الحب والخوف والرجاء مقامات الإيمان

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطاهرين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    وبعد:

    إخوتي الكرام! يقوم الإيمان على كلمتين مختصرتين، وهما: إياك نريد بما تريد، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وهاتان الكلمتان المختصرتان اللتان يدور عليهما الإيمان بالرحمن، إياك أريد بما تريد، نعبر عنهما بثلاثة أمور هي: حب الله جل وعلا، ورجاؤه، والخوف منه، وقد جمع الله هذه المقامات في آية كريمة في سورة الإسراء، فقال جل وعلا: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:57]، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ، أي: يعبدونهم من دون الله، يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ، يطلبون المنزلة عنده لحبهم لله جل وعلا، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ويتصفون بالخوف والرجاء.

    والآية نزلت كما ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في أناس من الإنس كانوا يعبدون ناساً من الجن، فأسلم الجن، فأحبوا الله جل وعلا، فرجوه وخافوه، فبقي الإنس على عبادتهم للفريق من الجن، فأنزل الله هذه الآية يعيرهم، أي: يعير المشركين الذين يعبدون الجن من دون رب العالمين، يعيرهم بها: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:57].

    ولا إشكال مطلقاً في قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن الآية نزلت في فريق من الإنس كانوا يعبدون ناساً من الجن، فلفظ (الناس) كما يطلق على الإنس يطلق على الجن بحسب الاشتقاق اللغوي؛ لأنه مأخوذ من ناس ينوس إذا تحرك، فالجن يتحركون كما يتحرك بنو آدم، أو أنه أطلق عليهم فريقاً من الإنس من باب المفاضلة.

    وعلى كل حال: فمن اعترض على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله: كانوا يعبدون ناساً من الجن، كما قال الإمام ابن حجر عليه رحمة الله في رده على هذا الاعتراض: يا ليت شعري على من يعترض؟! فهو صحابي جليل، وهو عربي قح، وهذا اللفظ كما يطلق على الإنس يطلق على الجن.

    وهذه المقامات الثلاثة وهي: حب الله جل وعلا، والخوف منه، ورجاؤه، عليها يكون الإيمان، ولذلك أثر عن إمام أهل الشام مكحول الدمشقي عليه رحمة الله تعالى أنه قال: من عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو صديق، ومن عبده بالحب فقط فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء فقط فهو مرجئي، ومن عبده بالخوف فقط فهو حروري.

    وقد تقدم بيان معنى كلامه في محاضرات سابقة، فلا معنى للإعادة، فالإيمان يقوم على هذه المقامات الثلاثة: حب الله جل وعلا، ورجاؤه، والخوف منه، والحقيقة أن الخوف والرجاء هما ركنا محبة الرحمن جل وعلا، فمآل الأمر يكون إلى المحبة التامة الكاملة، فمن أحب الله حباً تاماً كاملاً رجاه وخافه؛ لأن المحب يرجو وصال محبوبه، ويخاف من قطيعته وعذابه، فحب بدون خوف وبدون رجاء لا يمكن أن يكون حباً تاماً، فالخوف والرجاء هما ركنا المحبة، وإذا وجدا حصلت المحبة التامة الكاملة في الإنسان، ولذلك قال أبو علي الروذباري ، وهو من الأئمة الصالحين، توفي سنة: (323هـ) عليه رحمة الله تعالى، قال: الخوف والرجاء للإنسان كالجناحين للطائر، إذا استويا وكان كلٌ منهما سليماً استوى طيرانه، فإذا نقص أحدهما نقص الطيران، فإذا فقدا كان الطائر في عداد الموتى.

    وأبو علي الروذباري من الأئمة الصالحين، ومن طريف كلامه: أنه عندما سئل عمن يستمع الملاهي بحجة أنه وصل إلى حالة لا يؤثر فيه اختلاف الأحوال، ولذلك يباح له استماع هذه الأمور، قال: نعم وصل، ولكن إلى سقر! ومن جليل كلامه وجميله عليه رحمة الله أنه كان يقول: في طلب الدنيا مذلة النفوس، وفي طلب الآخرة عز النفوس، فيا عجباً ثم يا عجباً لمن يؤثر مذلة النفوس في طلب ما يفنى، على عز النفوس في طلب ما يبقى!

    هذا هو الإمام الصالح يخبرنا عن حقيقة الخوف والرجاء، فيقول: إنهما ضروريان للإيمان كالجناحين للطائر.

    وأثر عن الحسن البصري عليه رحمة الله كما في الحلية وغير ذلك أنه قال: الخوف والرجاء مطيتا المؤمن. ‏

    وصف الله تعالى للمؤمنين بالخوف والرجاء

    وقد ذكر ربنا جل وعلا عباده المتقين من متقدمين ومتأخرين، ووصفهم بالخوف والرجاء لرب العالمين، فقال جل وعلا في سورة الأنبياء بعد أن ذكر عدداً من الأنبياء الكرام عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، ذكر داود وابنه سليمان، ثم ذكر بعد ذلك أيوب، وذكر إسماعيل وإدريس وذا الكفل، ثم ذكر ذا النون، ثم بعد ذلك جاء إلى زكريا، ثم ختم ربنا جل وعلا الكلام بعد ذكر هؤلاء الأنبياء بقوله: إِنَّهُمْ ، أي: من تقدم ذكره من الأنبياء: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90]، وفي سورة السجدة أخبر ربنا جل وعلا عن صفات المؤمنين بقوله: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [السجدة:15-16]، خوفاً من عذابه وقطيعته وفراقه، وطمعاً في جنته ووصاله ورؤيته: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17].

    وقرر ربنا جل وعلا هذا في سورة الأعراف، فقال جل وعلا: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:55-56]، وثبت في سنن الترمذي والنسائي وابن ماجه بسند حسنه الإمام الترمذي ، وقال الإمام العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: إنه جيد، عن أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على رجل من أصحابه وهو في الموت، فقال له: كيف تجدك؟ -أي: كيف تجد نفسك- فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إني أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعا في قلب عبدٍ في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف ).

    الرجاء والخوف متلازمان

    الرجاء والخوف كما أنهما ركنا محبة الرحمن جل وعلا، هما متلازمان أيضاً، ولا يتصور انفكاك أحدهما عن الآخر، إذا كان الخوف خوفاً حقيقاً، وإذا كان الرجاء رجاءً حقيقاً؛ لأن كل خائف من الله جل وعلا يرجو رحمته، وكل من يرجو رحمته يخاف عذابه وقطيعته، فهما متلازمان، فخوف بلا رجاء يأسٌ وقنوط، ورجاء بلا خوف أمانٍ وأمن وغرور، ولا يستقيم هذا في شرع ربنا العزيز الغفور، فلابد من تلازمهما فهما مطية المؤمن، وهما كالجناحين للطائر.

    ولأجل تلازمهما استعمل العرب لفظ الرجاء في موضع الخوف، فجاء في لغة العرب لفظ الرجاء بمعنى الوجل، كما جاء بمعنى الأمل، فمن مجيئه بمعنى الأمل ما تقدم في سورة الإسراء: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ [الإسراء:57]، وقبل هذه الآية قال ربنا جل وعلا: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا [الإسراء:28]، أي: تأملها، ومثل هذا قول الله جل وعلا: وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ [القصص:86]، أي: ما كنت تأمل ولا تتمنى، وجاء لفظ الرجاء بمعنى الخوف في آيتين من كتاب الله عز وجل، في سورة نوح يقرر ربنا جل وعلا هذا فيقول: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [نوح:13]، أي: لا تخافون لله هيبة وعظمة وإجلالاً، وفي سورة الجاثية يقول الله جل وعلا: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الجاثية:14]، يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ ، أي: لا يخافون، أَيَّامَ اللَّهِ ، أي: بأسه وبطشه وانتقامه وأخذهم وعقوبتهم كما حل بأسه وعقوبته بمن سبق من الأمم السابقة: لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الجاثية:14].

    وجاء الرجاء بمعنى الأمل وبمعنى الوجل في آيات كثيرة من كتاب الله عز وجل، منها: قول الله جل وعلا في سورة الفرقان: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا [الفرقان:21]، فسرت بـ(لا يأملون)، وبـ(لا يخافون).

    وهكذا في سورة النساء يقول ربنا جل وعلا: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104]، أي: تخافون وتأملون، فسرت بالأمرين كما قرر هذا أئمة التفسير عليهم رحمة الله، فلأجل تلازم الخوف والرجاء، وعدم تصور انفكاكهما، جاء الرجاء بمعنى الخوف في لغة العرب.

    متى يغلب الخوف على الرجاء والرجاء على الخوف والحكمة من ذلك

    إخوتي الكرام! وإذا كان حال الرجاء والخوف للإنسان بمثابة الجناحين للطائر، فينبغي أن يستويا عند المؤمن ليتم طيرانه إلى ربه جل وعلا، لكن النصوص الشرعية قررت تغليب الخوف على الرجاء مادام الإنسان في حال الأمن والرخاء والصحة، فإذا وصل إلى حالة الموت وحلت به مقدماته، فينبغي أن يغلب الرجاء على الخوف، وهذا لثلاثة أمور:

    الأمر الأول: أن الخوف كالسوط الباعث على عبادة الله جل وعلا، وكالسوط المانع من معصية الله جل وعلا، وهذا يكون في حال الصحة، وفي حال الأمن، فإذا وصل الإنسان إلى ساعة الاحتضار لا يتصور منه في ذلك الوقت طاعة ولا معصية، فلذلك ينبغي أن يغلب الرجاء على الخوف.

    والأمر الثاني: إذا غلب الرجاء على الخوف في حال الاحتضار، فإنه يحب لقاء الواحد العزيز الغفار سبحانه وتعالى، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه )، وفي رواية مسلم عن شريح بن هانئ عندما سمع هذا الحديث من أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، ذهب إلى أمنا عائشة رضي الله عنها، وهو منفطر القلب من الخوف، فقال: لقد سمعت حديثاً من أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، إن كان كما يقول أبو هريرة فقد هلكنا، فقالت أمنا عائشة رضي الله عنها: إن الهالك من هلك بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ذاك؟ فقلت لها: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه )، وكلنا نكره الموت، فقالت: ليس ذلك بكراهية الموت، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه، أي: في ساعة الاحتضار والسياق والغرغرة؛ أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر والفاجر إذا بشر بغضب الله وسخطه كره لقاء الله فكره الله لقاءه، وفي رواية: ولكن ذلك إذا شخص البصر وحشرج الصدر، واقشعر الجلد، وتشنجت -أي: انقبضت- الأصابع، فعند ذلك من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه.

    والسبب الثالث الذي من أجله ينبغي أن يغلب الإنسان الرجاء على الخوف في حالة الاحتضار: أنه في حالة الاحتضار إذا غلب الرجاء على الخوف يلقى الله جل وعلا وهو حسن الظن به، وقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نحسن ظننا ربنا، ففي مسند الإمام أحمد بسند جيد عن واثلة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث القدسي: ( قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء ).

    وأصل الحديث في الصحيحين من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أنا عند ظن عبدي بي )، وفي رواية المسند زيادة في رواية واثلة : ( فليظن بي ما شاء )، وثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه )، فإذا استحضر رجاء الله جل وعلا في ساعة الاحتضار حسن رجاؤه بالعزيز الغفار، فيعطيه الله جل وعلا بمقدار رجائه وظنه كما أخبر عن نفسه: ( أنا عند ظن عبدي بي ).

    ولذلك ذكر العلماء في ترجمة سليمان التيمي ، وهو من أئمة التابعين الصالحين عليهم جميعاً رحمة رب العالمين: أنه لما حضره السياق قال لولده ومن حوله: حدثوني بالرخص لعلي ألقى الله وأنا حسن الظن به، ولما احتضر الإمام أحمد عليه رحمة الله قال لأولاده ولمن حضر احتضاره أيضاً: حدثوني بأخبار الرجاء، لعلي ألقى الله وأنا حسن الظن به.

    1.   

    حديث القرآن عن الخوف من الرحمن

    عباد الله! وإذا كان الحال في الخوف والرجاء كما قلت: هما متلازمان، وهما كالجناحين للإنسان، فينبغي على المؤمن أن يطير بهما إلى الرحمن، وينبغي أن يغلب الخوف على الرجاء مادام في حال الأمن والصحة، لذلك أرى لزاماً علي أن أبدأ بالكلام عن الخوف، وسأذكر ما يتعلق بهذا الموضوع من عدة جوانب، وبعض الجوانب أرجئ الكلام عليها فيما يتعلق بموضوع الخوف إلى اجتماع آخر إن يسر الله وأعان.

    والجوانب التي سأتحدث عنها في موضوع الخوف هي:

    الأول: حديث القرآن عن الخوف.

    الجانب الثاني: حال نبينا صلى الله عليه وسلم في خوفه من ربه.

    الجانب الثالث: حال الملائكة الكرام عليهم صلوات الله وسلامه في الخوف من الرحمن.

    الجانب الرابع: حث النبي صلى الله عليه وسلم لأمته على الخوف من الله جل وعلا.

    الجانب الخامس: الأسباب الموجبة للخوف من الله جل وعلا.

    الجانب السادس وبه أختم البحث: نماذج من خوف سلفنا الصالحين من رب العالمين، عليهم رحمة الله تعالى.

    أما الأمر الأول: وهو حديث القرآن عن الخوف من الرحمن. ‏

    تقرير القرآن أن الخوف صفة ملازمة للمؤمن دائماً

    إخوتي الكرام! أخبرنا ربنا جل وعلا في كتابه أن المؤمن لا ينفك عن خوف، ولا يتصور حصول الإيمان في نفس الإنسان من دون خوف، قرر ربنا جل وعلا هذا في آيات كثيرة منها في سورة الأنفال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال:2-4]، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ [الأنفال:2]، خافت وخشيت من الله جل وعلا.

    وأصرح من هذا في الدلالة قول الله جل وعلا في سورة آل عمران: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:173-175]، قال أئمة الشريعة المطهرة، وعلى رأسهم المفسرون الكرام في تفسير هذه الآية الكريمة: لا يتصور انفكاك المؤمن عن خوف، وإذا تجرد الإنسان من الخوف انسلخ من الإيمان: وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175].

    وقرر شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله دلالة الآية العلية فقال: ينبغي للإنسان أن يخاف من الرحمن، وخوفه من غير الرحمن شرك ينبغي أن يتنزه عنه الإنسان، ثم قال: وبعض الناس يقول: أنا أخاف الله، وأخاف من لا يخافون الله، ويعلل كلامه؛ لأن من لا يخاف من الله لا يردعه ولا يزجره زاجر، ولذلك نحن نخاف منه، وهذا الكلام يقوله العامة بكثرة لعدم انشراح قلوبهم بالإيمان بربهم، فيقولون: من لم يخف الله خف منه، ونقول: أنت خف من الله، فإذا خفت من الله سيكفيك كل مكروه من كل جبار عنيد.

    قال الإمام ابن تيمية : وهذا كلام ساقط، فمن عصى الله وحاده وشاقه هو أذل وأحقر من أن نخاف منه، فإن قلت: إنه لا يرقب في إلاً ولا ذمة، ولا يحجزه حاجز عن الاعتداء علي، فاعلم أنه يسلط عليك بسبب ذنوبك، ولو توكلت على الله حق توكله، وخفت منه حق الخوف، لكفاك شر كل ذي شر، وقد قرر ربنا هذا في كتابه فقال جل وعلا في سورة آل عمران: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ [آل عمران:165]، سبحان الله العظيم! يوجه الكلام لخيرة هذه الأمة في موقعة أحد، عندما حصل عليهم ما حصل: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا [آل عمران:165]، في بدر: قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:165]، فإذا أصبت باعتداء، ونزل عليك مكر من قبل الماكرين ففتش عن نفسك يا عبد الله، فالبلاء منك ومن تقصيرك أتيت، وما سلط الله الظالمين علينا إلا لظلمنا لأنفسنا، وانتهاكنا لحرمات ربنا.

    قال الإمام ابن تيمية : ويشهد لهذا ما ورد في الأثر، والأثر الذي أورده، رواه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط، وفيه إبراهيم بن راشد وهو متروك، ولكن معناه صحيح جليل وإن كان السند تالفاً، ولذلك قال الإمام: وفي الأثر رواه الطبراني في الأوسط عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله تعالى: أنا الله مالك الملك، وملك الملوك، قلوب العباد ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلت ملوكهم عليهم رحمة، وإن العباد عصوني جعلت ملوكهم عليهم نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم )، أعمالكم عمالكم: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46].

    وفي طبقات ابن سعد بسند متصل إلى الإمام الحسن البصري إمام التابعين في زمنه، عندما حصل من الحجاج ما حصل، وطلبوا منه الخروج عليه، قال الحسن كلمته الشهيرة: يا أيها الناس! إن الحجاج عقوبة من الله بعثه الله علينا، ولا تغير عقوبة الله بالسيف، ولكن تغير بالتوبة، توبوا إلى الله جل وعلا، ما سلط علينا من سلط إلا بذنوبنا وببلائنا، (أعمالكم عمالكم).

    وقد قرر الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه مفتاح السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة في الجزء الأول في صفحة: (253)، فذكر صفحتين ينبغي أن ينقشا على قلب كل مؤمن، ووالله إنه من الحيف ومن الظلم أن تنقش تلك الصفحتان في الكتب، إنما ينبغي أن ينقشا على القلوب.

    يقول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله: وتأمل حكمة الله جل وعلا في توليته للولاة بمقدار حال الرعية، يولي الله جل وعلا الولاة، ويجعلهم وينصبهم حكاماً بمقدار أحوال الرعية، قال: إياك أن تتهم الله في حكمته، وأن تقول: لمَ ولى علينا فلاناً؟ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى:30].

    ثم قال الإمام ابن القيم : نحن في زمن.. وهو في القرن الثامن للهجرة متوفى سنة: (754هـ) عليه رحمة الله، نحن في زمن لا يصلح أن يولى علينا فيه مثل معاوية ، وعمر بن عبد العزيز ، فكيف بالشيخين أبي بكر وعمر؟ فحكامنا على قدرنا، ونحن على قدرهم، ولا يظلم ربك أحداً، نسألك يا الله أن تتوب علينا توبة نصوحاً لتفرج عنا الكروب فأنت على كل شيء قدير.

    وفي مستدرك الحاكم بسند صحيح صححه الحاكم وأقره الذهبي عليه، والحديث في سنن ابن ماجه بإسناد جيد، ولفظ الحديث الذي سأذكره هو لفظ الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما: ( أن رجلاً جاء إليه فسأله عن إسبال العمامة؟ -أي: عن استرخاء العذبة بين الكتفين إذا تعمم الإنسان- فقال ابن عمر : سأنبئك عن هذا، كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنا عاشر عشرة، فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعد بقية العشرة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فجاء فتى من الأنصار فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أي المؤمنين أفضل؟ فقال: أحسنهم خلقاً، فقال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكراً، وأشدهم له استعداداً، ثم التفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصحابة فقال: يا معشر المهاجرين! خصال خمس إذا ابتليتم بهن، ونزلن بكم، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن بأسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين -القحط- وشدة المئونة وجور السلطان )، (وجور السلطان) أعمالكم عمالكم.

    ( ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم، فيأخذ بعض ما في أيديهم )، فلا تحرر البلاد التي أخذت من ديار المسلمين إلا بالعودة إلى رب العالمين، والله لا تحررها الطائرات ولا الدبابات ولا القنابل؛ لأن هذا تسليط من الله علينا.

    ( إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].

    وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، أما قول من يقول: أخاف الله وأخاف من لا يخافه فهو كلام ساقط، ومن لا يخاف الله هو أصغر من ذبابة ومن بعوضة، فكيف تخافه؟ إذا حققت الإيمان فلا تخف إلا من الرحمن، وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، وهذا حال الصحابة الطيبين: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [آل عمران:173]، ماذا كان حالهم؟ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا [آل عمران:173]، حباً وخشية من رب العالمين: وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:173-175]، فلا يتصور انفكاك مؤمن عن خوف من الله جل وعلا، فإذا انسلخ من الخوف انسلخ من الإيمان.

    تقرير القرآن أن الخوف والخشية من الله درجات ومنازل

    عباد الله! وكما أن الإيمان درجات فإن الخوف أيضاً في العباد بمقدار درجات إيمانهم، لا يتصور انفكاك مؤمن عن الخوف، ولكن شدة الخوف وقلته بحسب كمال الإيمان ونقصه، وهذا الأمر كرره ربنا جل وعلا في كتابه، فقال جل وعلا في آخر سورة الإسراء: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:107-109]، خوفاً من الله جل وعلا وخشية له، وكيف لا وهم من أهل العلم، وإذا كان أهل العلم لهم مقام عالٍ في الإيمان، فينبغي أن يكون لهم مقام عالٍ في خشية الرحمن، ولذلك نقل عن أبي الأعلى التيمي رضي الله عنه، وهو من أئمة التابعين، كما في سنن الدارمي وكتاب الزهد لـابن المبارك وتفسير الطبري والحلية لـأبي نعيم ، أن الإمام أبا الأعلى التيمي قال: من أوتي من العلم ما لا يبكيه لم يؤتَ علماً؛ لأن الله نعت العلماء بالبكاء والخشية لرب الأرض والسماء: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:107-109].

    وهذا المعنى قرره ربنا في آيات كثيرة، ففي سورة فاطر يقول جل وعلا: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:27-28]، فإذا كان العلماء لهم ذلك المقام، فينبغي أن يكون لهم تلك الرتبة في خشية الرحمن جل وعلا، وقال ربنا جل وعلا في سورة الزمر: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]، لا إله إلا الله! من هم الذين يعلمون؟ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ [الزمر:9]، يخاف منها، وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9] هذا هو الذي يعلم، وأما العالم الذي يغط في نومه كالجيفة في الليل، وبينه وبين العلم مراحل! قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:9]، هؤلاء هم أصحاب العقول الذين يخشون العزيز الغفور سبحانه وتعالى، الذين يعبدون الله جل وعلا، ومن انحرف عن هذا فهو سفيه، مهما أوتي حظاً من الحياة الدنيا.

    ومن طريف وجليل النصائح التي قررها المفسرون في تفسير قول الله جل وعلا في سورة الأنبياء: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء:83-84]، وقال جل وعلا في سورة ص: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ [ص:41-43]، قال العلماء: وبمجموع الآيتين يخلص الإنسان بنتيجة: أن صاحب اللب والعقل هو من عبد الله، وقد قرر الفقهاء أن من أوصى بوصية لأعقل الناس في بلدة ما، فتصرف لأعبدهم، ولأخشاهم من ربهم جل وعلا، لأن الله قال: وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء:84]، وقال: وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ [ص:43]، ومن انحرف عن هذا ولم يعبد الملك الوهاب، فليس من أهل العقول مهما كان حظه في هذه الحياة الدنيا، وسيقرر العباقرة هذا ويعترفون به في نار جهنم: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10]، وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا [الأعراف:179].

    وقد عقد الإمام الدارمي في مقدمة كتابه السنن باباً بهذا الخصوص فقال: باب: من قال: العلم الخشية وتقوى الله، أي: العلم معناه أن يخشى الإنسان ربه، وأن يتقيه، ثم ساق بسنده إلى مجاهد عليه رحمة الله أنه قال: الفقيه من يخاف الله، وروى عن سعد بن إبراهيم من أئمة التابعين في المدينة المنورة أنه سئل: من أفقه أهل المدينة؟ فقال: أتقاهم لله، وأخوفهم منه. ونقل في ذلك الباب المشار إليه عن الحسن البصري عليهم جميعاً رحمة الله، أن سالماً سأله عن مسألة فأجابه، فقال السائل: إن الفقهاء يقولون غير هذا، فقال: ويحك! وهل رأيت فقيهاً؟ إنما الفقيه الصائم نهاره، القائم ليله، الذاهب في دنياه، الراغب في الآخرة، هذا هو الفقيه.

    تقرير القرآن أن الإنسان إذا حقق الخوف من الله حصلت له السعادة عاجلاً وآجلاً

    إخوتي الكرام! لقد أرشدتنا آيات القرآن إلى أن الإنسان إذا حقق الخوف من الرحمن حصلت له السعادة عاجلاً وآجلاً، قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا [الأنعام:80]، إذا قدر علي الله شيئاً بسبب تفريطي فهو أعلم: وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:80-82]، ومن الشرك: الخوف من غير الله؛ لأن سياق الآيات في الخوف من غير الله: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ [الأنعام:81]، فإذا خفت ما أشركتم وآلهتكم وطواغيتكم فقد أشركت بربي: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82]، بشرك، بخوف من غير ربهم: أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ [الأنعام:82-83].

    وأما في الآجل فيحصل الخائف من الله جل وعلا رضوان الله، وفي آخر سورة البينة يقول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:7-8]، (فرضي الله عنهم ورضوا عنه)، ومآلهم إلى الجنات: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:8]، وقرر ربنا جل وعلا هذا في سورة الملك تبارك، فقال جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12]، وأشار إلى هذا ربنا جل وعلا في سورة ق فقال جل وعلا: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:31-35]، وفي سورة الرحمن يقول ذو الجلال والإكرام: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46].

    1.   

    خوف نبينا صلى الله عليه وسلم وخشيته من ربه تعالى

    هذا حديث القرآن عن الخوف، وأما حال نبينا عليه الصلاة والسلام -وهو الجانب الثاني من موضوع البحث في الخوف من الله جل وعلا- فهو حال جليل كبير عظيم، فكان هو أخشانا لرب العالمين عليه صلوات الله وسلامه، والكلام ينبغي أن يرتبط بما سبق، فإذا كان الإيمان درجات، فالخوف كذلك، وإذا كان أفضل المؤمنين هم العلماء؛ لأنهم يطلعون على ما لا يطلع عليه غيرهم من صفات الله جل وعلا وأحكامه ولذلك يزداد خوفهم منه، فنبينا عليه الصلاة والسلام هو أعلم الخلق بربه، وهو أخوف الخلق للحق جل وعلا.

    ففي الصحيحين عن أمنا عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية )، في الحديث الطويل عندما فعل أشياء تنزه عنها بعض الناس، ثم قالوا: أين نحن من النبي عليه الصلاة والسلام؟ إن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال: ( إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية ).

    وكان عليه صلوات الله وسلامه يظهر عليه أثر الخوف، فهو وإن كان عملاً قلبياً لكن تظهر آثاره على الجوارح، والإنسان يميز الخائف من غيره، فكان لنبينا عليه صلوات الله وسلامه علامات بارزة، تدل على خوفه من الله جل وعلا، ففي مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وأبي داود ودلائل الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فسمعت لصدره أزيزاً كأزيز المرجل من خوف الله جل وعلا )، وفي رواية أبي داود : ( أزيزاً كأزيز الرحى )، أي: صوتاً كصوت المرجل، وهي القدر التي تغلي، أو كصوت الرحى وهي الطاحون، يسمع لجوف النبي عليه الصلاة والسلام إذا صلى صوت، خفقان قلبه يخفق من خشية الله كصوت الطاحون التي تطحن الحب.

    هذا هو حال نبينا عليه الصلاة والسلام، حال خليل الرحمن، وله سبب، ففي سنن الترمذي بسند حسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من قول: اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! آمنا بك وصدقناك، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء )، وفي رواية للترمذي أيضاً عن شهر بن حوشب : أنه دخل على أمنا أم سلمة رضي الله عنها، فقال: أخبريني عن أكثر ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم في بيته؟ فقالت: كان أكثر دعائه: ( اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك )، وما أمن أحدٌ على إيمانه من الاستلاب إلا سلبه.

    وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام إذا تغيرت الأحوال في هذه الحياة الدنيا يظهر عليه من الخوف ما يقطع القلوب، لعلمه بما يجري من أفعال الله جل وعلا، ففي الصحيحين عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى لهواته )، واللهوة: هي اللحمة التي في الحنك الأعلى، إذا قهقه الإنسان تظهر، فما كان النبي عليه الصلاة والسلام يضحك حتى تبدو اللهاة، إنما كان يبتسم.

    وكان إذا رأى ريحاً أو غيماً عرف في وجهه الكراهية، وفي رواية مسلم : ( فبدأ يدخل ويخرج ويقبل ويدبر ومهموم عليه صلوات الله وسلامه، لا يدري ماذا يعمل؟ إذا رأى في السماء غيماً أو ريحاً، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إن الناس إذا رأوا السحاب أو الريح استبشروا رجاء أن يكون فيهما مطر، وإذا رأيت أنت السحاب أو الريح عرف في وجهك الكراهية، ولا يزال ذلك فيك حتى تمطر السماء، فإذا أمطرت سري عنك؟ فقال: يا عائشة ! وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ )، سبحان الله العظيم! وهو خير خلق الله سيعذب؟ هذا شأن الخائفين الذين يعظمون رب العالمين، ( وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ لقد عذب الله قوماً بالريح، ولقد رأى قومٌ العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [الأحقاف:24-25] في حق قوم عاد كما في سورة الأحقاف.

    فكان عليه صلوات الله وسلامه إذا حدث في مظاهر الطبيعة التي أوجدها رب العالمين ما حدث، وصار هناك شيء من التغير يرتاع، فيقبل ويدبر ويخرج ويدخل، وهو مهموم لا يدري ماذا يعمل، فيلجأ إلى الله جل وعلا حتى تمطر السماء، فتذهب عنه الكراهية والخوف، هذا حال الخائفين من رب العالمين سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا لا يعذب الناس إلا في حال أمنهم ودعتهم، وفي حال غرورهم: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:44-45]، هلاك الظالمين نعمة ليس بعدها نعمة: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:45].

    1.   

    خوف الملائكة الأبرار من العزيز الغفار

    إذا كان هذا حال نبينا عليه الصلاة والسلام في الخوف، فإن ملائكة الله الأطهار الذين لا يتصور أيضاً صدور شيء من الأوزار عليهم كانوا أيضاً بذلك المقام -وهو المبحث الثالث في بحثنا- فالله وصفهم بالخوف في آيات كثيرة، ففي سورة الأنبياء يقرر ربنا هذا فيقول: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:26-28]، وفي سورة النحل يقرر ربنا جل وعلا فيقول: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:49-50].

    وفي مسند الإمام أحمد بسند جيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: ( يا جبريل! ما لي لا أرى ميكائيل ضاحكاً قط؟ )، ما رأيت هذا الملك الموكل بالقطر، وهو من ملائكة الله العظام، ما رأيته ضاحكاً قط؟ ( فقال جبريل على نبينا وعليه الصلاة والسلام: إن ميكائيل لم يضحك قط منذ أن خلق الله النار )، قال الإمام العراقي : وثبت هذا عن إسرافيل في كتاب شعب الإيمان للبيهقي ، وثبت أيضاً عن جبريل في كتاب ابن أبي الدنيا في نعت الخائفين.

    أقول أيضاً: وروى الطبراني في الأوسط بسند رجاله رجال الصحيح كما في المجمع عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى، وإذا بجبريل وكأنه حِلس بالٍ من خشية الله )، والحلس: هي الثياب التي تكون على ظهر البعير، ويوضع فوقها القتب، كأنه ثياب بالية من خشية الله جل وعلا، يقول: ( فعرفت مكانه ).

    عباد الله! وهذا الخوف عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وعند الملائكة الكرام؛ لأنهم عاينوا ما لم يعاينه غيرهم، وإذا كان الإنسان عالماً بصفات ربه وبأفعاله وأحكامه فإنه يعظم خوفه منه، ولذلك ثبت في المستدرك بسند صحيح عن ابن أبي مليكة ، وهو من أئمة التابعين، قال: جلسنا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه في فناء الكعبة، فقال: ابكوا؛ فإن لم تبكوا فتباكوا، والله لو تعلمون العلم -أي: العلم الحقيقي- لصلى أحدكم حتى ينكسر ظهره، ولبكى حتى ينقطع صوته.

    وفي مسند الإمام أحمد بسند جيد عن عتبة بن عبد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو أن رجلاً يخر على وجهه من يوم ولدته أمه إلى يوم يموت هرماً في طاعة الله لحقره ذلك اليوم )، فيموت وقد أدركه الهرم، وامتد عمره في طاعة الله، لحقره ذلك اليوم، فهؤلاء الأنبياء والصفوة المختارة من الملأ الأعلى، عندما علموا ما عند الله جل وعلا اشتد خوفهم من الله، وعندما قست قلوبنا وابتعدنا عن معرفة صفات ربنا وأفعاله وأحكامه، وغرنا ما غرنا، قلَّ خوفنا من ربنا، ونسأل الله جل وعلا أن يمن علينا بالخوف منه كما يرضيه إنه على كل شيء قدير.

    1.   

    حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على الخوف من الله تعالى

    عباد الله! وإذا كان هذا حال خوف نبينا عليه الصلاة والسلام، وحال خوف الملأ الأعلى، فالنبي عليه الصلاة والسلام حرضنا على سلوك ذلك المسلك، ورغبنا فيه، وأخبرنا أن عظيم الأجر الذي يحصله الخائفون عند رب العالمين، وهي النقطة الرابعة التي سأتكلم عليها:

    ففي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله تعالى: وعزتي وجلالي! لا أجمع على عبدي أمنين ولا أجمع له خوفين، فإن أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة، وإن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة )، فحرضنا نبينا صلى الله عليه وسلم على الخوف في هذه الأيام اليسيرة؛ لئلا نخاف في ذلك اليوم العصيب الرهيب.

    وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً، عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في طاعة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه )، من خشيته وخوفه وشوقاً للقائه، فالذي دعته امرأة ذات منصب وجمال، قال: إني أخاف الله، والذي ذكر الله خالياً ففاضت عيناه خوفاً من الله، والإمام العادل لأنه يخاف الرب الجليل سبحانه وتعالى، ولو تأمل الإنسان الأصناف السبعة لوجد أن الجزاء الذي حصل لهم بسبب خوفهم من ربهم جل وعلا.

    ففي سنن الترمذي وغيره بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان نار جهنم )، (لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع)، وعود اللبن إلى الضرع مستحيل ولا يمكن أن يقع، وإذا بكى الإنسان من خشية الله جل وعلا فله بشارة من النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم النار عليه.

    1.   

    الأسباب والأمور الداعية إلى الخوف من الله تعالى

    إخوتي الكرام! وإذا سأل الإنسان بعد ذلك عن الأسباب التي ينبغي أن يخاف الإنسان ربه جل وعلا من أجلها، وما الأسباب التي تكسبه خلق الخوف من الله جل وعلا -وهي النقطة الخامسة- فالأسباب على كثرتها تجتمع في ثلاثة أمور إذا استحضرها المؤمن أو واحداً منها خاف من العزيز الغفور سبحانه وتعالى.

    إجلال الله وتعظيمه

    السبب الأول: إجلال الله وتعظيمه، فمن علم صفات الله جل وعلا، وعلم ما له من كمالات خافه ولابد، فهذا الأمر يعود لمعرفة الإنسان لحقارته ولعظمة ربه، فمن علم أنه حقير، وأن الله جليل خافه تعظيماً له، وأكثر خوف الملائكة والأنبياء من هذا المقام، خوف تعظيم الله جل وعلا، وقد أشار ربنا إلى هذا المقام في آيتين في سورة آل عمران، فقال جل وعلا: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28]، الخوف منه فقط، إجلالاً له وتعظيماً، خافوه فهو عظيم ينبغي للعباد أن يخافوا منه: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:28-30]، فمن علم جلال الله جل وعلا وعظمته خافه لا محالة، فهذا الأمر من أسباب الخوف، من علم ضعفه وحقارته وذلته وقوة الله وجبروته وكرمه وعظمته، خافه ولابد.

    الخشية والخوف من التفريط في الطاعات وفعل المعاصي

    السبب الثاني الذي يوجب الخوف: خشية التفريط، والتفريط يكون في الطاعات وفي المعاصي، فمن نظر في طاعاته ورأى ما فيها من خلل، فوالله الذي لا إله إلا هو! لو حاسبنا الله على أعظم أعمالنا عندنا، وعلى أجلها في نظرنا لأكبنا عليها على وجوهنا في نار جهنم، أعمالنا التي تصدر منا من طاعات من صلاة وصيام، والله لو قدمت لمخلوق لما قبلها، فكيف تقدم لذي العزة والجلال؟ يقول الإنسان: الله أكبر، ثم يهيم في كل وادٍ، إذا التفت المصلي بوجهه يقول الله: أإلى خير مني؟ فكيف إذا التفت بقلبه، وأعرض عن ربه جل وعلا؟ ولذلك لما كان الخوف عامراً للقلوب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في سنن ابن ماجه بسند حوله كلام يسير لا يضر: كان نظر الإنسان لا يجاوز قدميه، إذا قام يصلي نظر إلى قدميه، فلما ولي أبو بكر -كما تقول هذا أمنا أم سلمة رضي الله عنها- صار نظر الناس إلى موضع جباههم، فلما ولي عمر صار نظر الناس إلى القبلة ولا يتجاوزون ذلك، فلما ولي عثمان وحصلت الفتنة، نظر الناس يميناً وشمالاً، والآن ينظرون يميناً وشمالاً وفوق، القلوب حصل فيها ما حصل، أما في زمن النبي عليه الصلاة والسلام فنظر المصلي كان لا يجاوز القدمين، حاله كحال من يريد أن يضرب عنقه بين يدي الله، والقلب أخشع وأسكن.

    فهذه الطاعات التي تصدر منا فيها تفريط لا يعلمه إلا الله، ووالله! لو كانت النوافل التي تجري منا تجبر خلل الفرائض لكنا من السعداء، ولكن كما قال بعض الصالحين: إذا كان استغفارنا يحتاج إلى استغفار، فالمشتكى إليك يا عزيز يا غفار! إذا استغفرنا الله فاستغفارنا يحتاج إلى استغفار، فهذه طاعاتنا، وقد ثبت في مستدرك الحاكم وسنن الترمذي ومسند الإمام أحمد وابن ماجه ، وغير ذلك بسند حسن، عن أمنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( يا رسول الله! يقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف؟ قال: يا بنت الصديق ، هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف هل يقبل الله ذلك منه أم لا؟ )، فمن علم أن في طاعته تفريطاً، وأنها لو قدمت لأحقر العباد لما قبلها، فكيف سيلقى الله بها؟! فكلنا عيوب وذنوب وبلاء وتقصير في طاعتنا وفي معاصينا، فخشية التفريط يكون بالطاعات ويكون بالمعاصي، ومن الذي يخلو من هفوات وزلات؟!

    وفي صحيح ابن حبان بسند صحيح وحلية الأولياء عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو يؤاخذني الله وابن مريم بما جنت هاتان -وأشار إلى الإبهام والسبابة- لعذبنا ثم لم يظلمنا )، سبحان الله العظيم! (لو يؤاخذني الله وابن مريم -كلمة الله- بما جنت هاتان)، بالتفريط الذي يجري من السبابة والإبهام: (لعذبنا ثم لم يظلمنا).

    ما للعباد عليه حقٌ واجبُ كلا ولا سعي لديه ضائعُ

    إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسعُ

    إذا كان هذا بسبب ما اقترفته هاتان الأصبعان الإبهام والسبابة، فكيف بما اقترفته بقية الجوارح؟! فمن الذي يخلو من تفريط؟ ومن الذي يخلو من هفوات؟ والله لو كنا نذنب كل يوم ذنباً، مع أن ما يجري منا أضعاف الطاعات، إنما لو كنا نذنب كل يوم ذنباً، وهذا الذنب بمقدار حجرة نرميها في بيوتنا لامتلأت بيوتنا حجارة وما وسعتنا، فكيف سنلقى الله في قبورنا بهذه الذنوب التي ستملأ علينا قبورنا ظلمات؟! فمن علم ما يجري منه من تفريط نحو رب الأرض والسماوات السبع خاف، ولو عذب الله الأنبياء بما اقترفت أصبعان منهم لعذبهم وهو غير ظالم لهم سبحانه وتعالى، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً من أعمالهم، فكيف سيكون حالنا؟ ونحن نفعل ما نفعله، فإذا استحضر الإنسان تفريطه في طاعاته، وتفريطه في هفواته، عظم خوفه من ربه جل وعلا لا محالة.

    ولذلك ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل ويخاف أن يقع عليه)، فكيف سيكون خوفه؟ ينقطع قلبه تحت جبل سيقع عليه، وذكر الجبل لأنه لضخامته ولكبر جرمه إذا وقع على الإنسان لا ينجو منه، فالخوف محقق، (وإن المنافق أو الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا) كما هو حالنا، نعصي الله في الليل والنهار ونقول: سيغفر لنا، وإذا قال الإنسان منا: أستغفر الله، قالها بقلب لاهٍ ساهٍ، كأنه يمني نفسه بأنه سيدخل الجنة من أبوابها الثمانية.

    يرى ذنبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا، قال تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا [الأعراف:169]، والله وإن كانت الآية في بني إسرائيل فإنها تنطبق علينا أتم الانطباق: وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأعراف:169].

    قد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من الهفوات التي تصدر منا، وأخبرنا أنها تجتمع على الرجل حتى تهلكه وهو لا يدري، والأمر كما قال الله: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47]، وفي صحيح ابن حبان وسنن ابن ماجه بإسناد صحيح عن أمنا عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ( إياك ومحقرات الأعمال )، أي: الأعمال التي تحتقرينها وترينها صغيرة، ( إياك ومحقرات الأعمال فإن لها من الله طالباً ).

    وفي مسند الإمام أحمد وغيره بسند صحيح أيضاً عن ابن مسعود ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إياكم ومحقرات الذنوب )، أي: أمر الذنوب اليسيرة التي تحتقرونها وترونها ليست جسيمة وليست سبباً لهلاككم عند الله تعالى، ( إياكم ومحقرات الذنوب فإنها تجتمع على الرجل حتى تهلكه، ومثلها كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة فأرادوا أن ينضجوا طعامهم، فجاء هذا بعود وهذا بعود، حتى جمعوا ما أنضجوا به طعامهم )، فهكذا محقرات الذنوب، فالهفوات التي يتساهل فيها الإنسان تجتمع عليه حتى تهلكه، فمن استحضر تفريطه في طاعاته وفي معاصيه عظم خوفه من ربه جل وعلا.

    الخوف من سوء الخاتمة

    السبب الثالث وهو الذي يخلع القلوب: الخوف من سوء الخاتمة، وخوف سوء الخاتمة عليه كلام كثير لا أريد أن أتكلم عليه الآن بكلمة واحدة، إنما أرجئ الكلام عليه في محاضرة أخرى إن مد الله في أعمارنا، وأرجو من الإخوة الكرام إذا طلبوني لمحاضرة أن يكون هذا الموضوع هو موضوع المحاضرة: سوء الخاتمة وأسباب ذلك، لأن أسباب سوء الخاتمة والخوف من سوء الخاتمة هي التي قصمت ضلوع الصديقين، فلا يليق أن نتكلم عليها في عجالة يسيرة، إنما أقول: هذا الأمر هو الذي يطيش بالألباب، ولا يدري الإنسان في حالة السياق بمَ يختم له، فقد يعمل بعمل أهل الجنة طول عمره، ويختم له بغير ذلك، فإذا كان سيفارق الدنيا سيفارقها فراقاً ليس كالفراق المعتاد إلى جنة أو إلى نار، ولما حضرت سفيان الثوري الوفاة بدأ يبكي، فقالوا: ما يبكيك؟ قال: أتعلمون أين يذهب بي؟ أين سأذهب الآن ليست رحلة إلى مكة أو إلى المدينة يمكن أن أعود أو أتعرض لخطر، هل تعلمون أين يذهب بي؟ يذهب بي إلى جنة أو إلى نار، أمر عظيم يحير العقول، نسأل الله بعظمته ونتوسل إليه بأسمائه وصفاته أن يختم لنا بالحسنى جميعاً إنه على كل شيء قدير.

    1.   

    نماذج من خوف الصالحين من رب العالمين

    النقطة السادسة في البحث: نماذج من خوف الصالحين، ومن خوف الصديقين من رب العالمين، سأذكر بعض النماذج المختصرة من حال سلفنا الطاهرين الطيبين رضوان الله تعالى عليهم؛ لنرى كيف كانت حياتهم، وكيف آلت إليه حياتنا؟

    يذكر العلماء كما ذكر هذا الإمام أبو نعيم في حلية الأولياء، وابن الجوزي في صفة الصفوة في ترجمة الخليفة المبارك الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه صلى ذات يوم صلاة الفجر بالكوفة، ثم بعد أن صلى وسلم جلس مطرقاً رضي الله عنه، وعليه أثر الكآبة، ثم بعد ذلك قام وقال كلاماً ما أدركته الجمعة التي بعدها حتى لقي الله وطعنه ابن ملجم ، رضي الله عن علي ولعنة الله على الطاعن. والكلام الذي قاله: قال: لقد رأيت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت شيئاً يشبههم -وكأنه يتحسر على فراقهم، ويسأل الله أن يلحق بهم- فما رأيت شيئاً يشبههم، كانوا يصبحون شعثاً غبراً صفراً، بين أعينهم كأمثال ركب المعزى من البكاء، أي: في جباههم النكت السود من خشانة الجلد في حال سجودهم في ظلام الليل، قد باتوا لله سجداً وقياماً، يتلون كتاب الله، يراوحون بين أقدامهم وجباههم، فإذا طلع الفجر ذكروا الله فمادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، والله لكأن القوم باتوا غافلين.

    قال الإمام أبو نعيم ناقل القصة: فما رئي ضاحكاً ولا متبسماً بعد ذلك حتى طعنه ابن ملجم فلحق بربه.

    فرضي الله عنه وأرضاه.

    وكان ابن عباس رضي الله عنهما يصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عندما جاء التابعون وحدث شيء من التغيير عن مسلك الصحابة الأبرار رضي الله عنهم، فيقول: كان الصحابة قلوبهم بالخوف فرحة، وأعينهم باكية، يقولون: كيف نفرح والموت وراءنا، والقبر أمامنا، والقيامة موعدنا، وعلى الصراط مرورنا، والوقوف بين يدي الله مشهدنا؟!

    وعندما أدرك معاذ بن جبل كان ينادي بهم ويقول: يا قوم! والله إن المؤمن لا يسكن باله حتى يترك جسر جهنم وراءه. لا يسكن باله ولا يهدأ خوفه حتى يترك جسر جهنم وراءه، هذا كان حال السلف الأول، ومع ذلك ما حصل شيء من التغيير كما حصل في زمننا، وهذا الحسن البصري من أئمة التابعين، ورد نعته في كتب التراجم أنه كان إذا رئي كأنه أتي به لتضرب عنقه عليه رحمة الله ورضي الله عنه، وكان يقول كما في كتاب الزهد لـابن المبارك وللإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله، يقول: يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن الوقوف بين يدي الله مشهده، أن يطول حزنه في الدنيا.

    ومر بفتى يضحك، فسأله الحسن وقال: يا فتى! هل جزت الصراط؟ قال: لا، قال: هل جاءك كتاب من الله بالبراءة من النار؟ قال: لا، قال: فعلام الضحك؟ إذا لم تجز الصراط وما تركته وراءك، ثم بعد ذلك ما جاءتك براءة من النار، فعلام الضحك والاسترسال في الغفلة؟ فما ضحك الفتى بعد ذلك أبداً.

    وهكذا كان حالهم جميعاً رضوان الله تعالى عليهم، ففي كتاب الزهد أيضاً للإمامين ابن المبارك والإمام أحمد ، وحلية الأولياء في ترجمة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، تقول زوجه فاطمة : قد يكون في الرجال من هو أكثر صلاة وصياماً من عمر ، أما أنه يوجد من هو أكثر خوفاً وفرقاً من الله منه فلا، كان إذا صلى العشاء الآخرة في المسجد جاء إلى مصلاه في بيته، ثم تهجد وبدأ يبكي حتى تغلبه عيناه، فإذا صحا بعد ذلك بدأ يبكي حتى يطلع الفجر. هذا هو أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه.

    ولما جاءه يزيد الرقاشي قال: عظني، قال: يا عمر! لست بأول خليفة تموت، قال: زدني، قال: ليس بينك وبين أبيك من أبٍ إلا وهو ميت، قال: زدني، قال: ليس بين الجنة والنار منزل، فانظر في أيهما أنت. وتقول مولاته عندما كانت تتهجد وغلبها النوم، ثم استيقظت وهي فرحة، فجاءت لـعمر بن عبد العزيز وهو يتهجد وعليهم جميعاً رحمة الله، فقالت: يا سيدي! رأيت أن القيامة قامت، وأن جهنم حضرت ووضع الصراط على متنها، وبدأ الناس يمرون، فجاء عبد الملك بن مروان ، فوالله! ما هو إلا يسيراً حتى انكفأ به الصراط، فهو يهوي في نار جهنم، ثم جيء بابنه الوليد ، فما هو إلا يسيراً حتى انكفأ به الصراط، فهو يهوي في نار جهنم، فقال عمر: هاه! قالت: ثم جيء بـسليمان بن عبد الملك فما هو إلا يسيراً حتى انكفأ به الصراط، فهو يهوي في نار جهنم، قال: هاه! قالت: ثم جيء بك، فلما قالت له: ثم جيء بك؛ بدأ يبكي ويشحط برجليه كما يشحط المذبوح، وهي تقول له: والله يا أمير المؤمنين لقد نجوت.

    هذا هو حال سلفنا رضوان الله تعالى عليهم، وقد بلغ الخوف بهم مبلغاً عظيماً.

    وهذا السري السقطي من أئمة الصلاح والهدى، وهو خال الإمام الجنيد ، بلغ به الخوف من ربه حالة عظيمة، كان يقول: والله إني لأنظر إلى وجهي كل يومٍ في المرآة مرات، لمَ تنظر يا عبد الله؟ قال: مخافة أن يكون وجهي قد اسود.

    وقد بلغ بالتابعين ما هو أعظم من هذا، فهذا عطاء السلمي كان يخبر: أنه يستيقظ في الليل مرات ليتفقد جسمه خشية أن يكون الله مسخه قرداً أو خنزيراً، هذا حال التابعين، وأما حالنا فكما قال الله: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59].

    عباد الله! والله إن حالتنا لا تدل على الخوف من رب العالمين سبحانه وتعالى.

    نسال الله تعالى أن يرزقنا الخوف منه وخشيته في السر والعلن.. إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.