إسلام ويب

الخوف من سوء الخاتمةللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل قد يعمل طوال حياته بعمل أهل الجنة من الطاعات والقربات، لكنه في آخر حياته ينحرف عن الطريق المستقيم، ويعمل بعمل أهل النار من المعاصي والسيئات فيكون من أهلها، وبعض الناس قد يصاب بالنكسة عند حضور موته وأجله فيموت على ذلك، ولسوء الخاتمة أسباب ينبغي على المؤمن معرفتها حتى لا يقع فيها فيختم له بالسوء والعياذ بالله.

    1.   

    معنى سوء الخاتمة وحقيقته

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطاهرين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فيا معشر الإخوة الكرام! كنا تدارسنا في العام الماضي في محاضرةٍ سابقةٍ موضوعاً جديداً عظيماً، ألا وهو الخوف من الرحمن جل وعلا، والموضوع يرتبط بمقامات الإيمان الثلاثة التي يدور عليها الإيمان، وهي: حب الله جل وعلا، ورجاؤه، والخوف منه، فالخوف والرجاء للمؤمن كالجناحين للطائر، فالقلوب لا تساق إلى طاعة علام الغيوب، ولا تترك العيوب والذنوب إلا بشوقٍ مبهجٍ مقلق، أو بخوفٍ مزعجٍ محرق، وهو الخوف والرجاء.

    وتقدم معنا أن الإنسان ما دام في صحته وعافيته فينبغي أن يغلب الخوف على الرجاء، فإذا وصل إلى حال السياق فينبغي أن يغلب الرجاء على الخوف، والذي أريد أن أتكلم عليه في هذا الوقت أن نتمم ما سبق بعون الله جل وعلا.

    من جملة عناصر بحث المحاضرة السابقة أسباب الخوف من الله جل وعلا، وقلت: إنها تدور على ثلاثة أسباب:

    السبب الأول: إجلال الله جل وعلا وتعظيمه.

    والسبب الثاني: خشية التفريط، ويكون التفريط في الطاعات وفي المعاصي.

    والسبب الثالث: خوف سوء الخاتمة.

    وقد مضى الكلام على السببين الأولين، وبقي الكلام على السبب الثالث وهو خوف سوء الخاتمة، وسنتكلم عليه في هذا الوقت إن شاء الله، وقبل أن أتكلم على خوف سوء الخاتمة أحب أن أبين ما يتعلق بسؤالٍ بل بأسئلةٍ متعددةٍ وجهت حول المحاضرة السابقة من بعض الإخوة الكرام، وحاصلها: أن المؤمن ينبغي أن يعبد الله جل وعلا حباً له، لا طمعاً في جنته، ولا خوفاً من ناره، وإذا لم يخلق الله جل وعلا جنةً ولا ناراً، فينبغي أن يعبد، وأن يحمد، وأن يشكر سبحانه وتعالى، وعلى هذا فكيف يدور الإيمان على المحبة والخوف والرجاء؟ وكيف يكون الرجاء والخوف للمؤمن كالجناحين للطائر؟ وكان الجواب باختصار: أن المعترض وأن مورد هذا السؤال لم يفهم حقيقة الرجاء، ولا حقيقة الخوف، عندما قلنا: إن من أسباب الخوف: إجلال الله جل وعلا وتعظيمه، فالله جل وعلا ينبغي أن يخاف منه، وينبغي على المكلفين أن يخافوا منه خوف إجلالٍ وتعظيمٍ وتوقير، سواءٌ خلق جنةً أو ناراً أو لم يخلق هذا، ولذلك قال ذو النون ، وهو من الأئمة الصالحين: خوف النار عند خوف الفراق كقطرة في بحرٍ لجي. أي: أن المؤمن خوفه يرتبط أصالةً بإجلال الله وتعظيمه، فهو يرجو أن يراه، ويخاف من قطيعته وبعده.

    والذي يرجو الجنة ويخاف من النار، هذا المعنى حاصلٌ فيه أيضاً؛ لأنه عندما يرجو الجنة يرجو رحمة الله جل وعلا ورضوانه، فالجنة رحمة الله يرحم بها من يشاء، ورؤية الله جل وعلا لا تحصل إلا في دار النعيم، والنار هي سخط الله جل وعلا وعذابه وغضبه، يعذب بها من غضب عليه، ولا يحصل البعد عن الله جل وعلا إلا إذا ألقي الإنسان في نار الجحيم، ولو لم يخلق الله جل وعلا جنةً ولا ناراً، لوجب علينا أن نعبده، وأن نعظمه، وأن نحمده، وأن نشكره، وأن نجله، وأن نخاف منه، فهو العظيم سبحانه وتعالى، والأمر كما قال سلفنا:

    هب البعثَ لم تأتنا رسله وجاحمة النار لم تضرم

    أليس من الواجب المستحق حياءُ العباد من المنعم

    فالمؤمن عندما يخاف يخاف من فراق الله جل وعلا، فإذا خاف النار فقد خاف من فراقه، وإذا رجا الجنة فقد رجا وصال الله جل وعلا، هذا فيما يتعلق بموضوع الخوف في إجابة سؤالٍ في المحاضرة الماضية.

    وأما موضوع محاضرتنا في هذا الوقت فهو ما يتعلق بسوء الخاتمة، نسأل الله أن يحسن ختامنا جميعاً.

    المراد بسوء الخاتمة: أن الإنسان إذا وصل لدرجة السياق، واشتد به الكرب، وحلّ عليه النزع، يعتريه الشك أو الجحود، فيكتب له بما يوجب له في النار الخلود، ولهذا أسبابٌ سأبينها إن شاء الله، ومن أعظمها النفاق الأكبر والبدعة، وإذا ركن إلى الدنيا وجعلها معبوده الأول، يختم له بهذا الأمر فيسخط لقاء الله جل وعلا، ويكره فراق ما هو عليه، فيختم له بشكٍ أو جحود، وكم ختم لفقيرٍ من البشر بهذا عندما ابتدعوا في دين الله جل وعلا وانحرفوا، وزاغوا عن صراط الله المستقيم؟! ظهرت حقيقتهم في أول غطاءٍ مع رب العالمين.

    هذا ابن الفارض عمر بن علي المتوفى سنة أربعٍ وثلاثين وستمائة، الذي كان ينعق بالاتحاد ويقول: بحضور الله جل وعلا في مخلوقاته، وأن العبد ربٌ، والرب عبدٌ، عندما احتضر -كما قال الأئمة الثقات الذين شاهدوه في حالة الاحتضار- نظم بيتين من الشعر وهو في تلك الحالة يخبر عن شقوته وعن هلاكه، فقال:

    إن كان منزلتي في الحب عندكم ما قد رأيت فقد ضيعت أيامي

    أمنيةٌ ظفرت نفسي بها زمناً واليوم أحسبها أضغاث أحلام

    أمنيةٌ ظفرت نفسي بها زمناً، كنت أقول: أنا الله، هو كان يقول عن نفسه هذا، واليوم أحسبها أضغاث أحلام، عندما علم سخط الله جل وعلا وكشف له عن حقيقة أمره قال هذا، وقلّ أن يختم لمبتدعٍ بالإيمان، ونسأل الله جل وعلا أن يحفظنا من الزيغ، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا إنه سميعٌ مجيب.

    يقول شيخ الإسلام الإمام ابن حجر عليه رحمة الله في لسان الميزان: وكنت سألت شيخنا شيخ الإسلام الإمام البلقيني عن ابن عربي صاحب فصوص الحكم، وصاحب الفتوحات المكية، سألته عنه فبادرني الجواب: بأنه كافرٌ كافر، فقلت: ما تقول في ابن الفارض ؟ فقال: لا أحب أن أتكلم فيه، فقلت: لم والأمر واحد؟ وقرأت عليه شيئاً من أبيات التائية التي نظمها في السلوك، تائية السلوك، فلما نشدت عليه أبياتاً منها قاطعني وقال: هذا كفرٌ، هذا كفر. ولذلك قال الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله: إن تائية السلوك الذي نظمها ابن الفارض هي أخبث من لحم خنزيرٍ في صينية ذهب، وقد نظم فيها الإلحاد والاتحاد، والقول بوحدة الرب مع المخلوق نظماً رائقاً لا يتفطن له كثيرٌ من الناس.

    وقال الإمام أبو حيان الأندلسي عليه رحمة الله في تفسيره البحر المحيط: ومن بعض اعتقادات النصارى أخذ القول بالحلول ووحدة الوجود بعض من انتسب إلى الإسلام ظاهراً وادعى التصوف، كـالحلاج وابن عربي ، وابن الفارض ، وعد كثيراً من هؤلاء، ثم قال: والله ما ذكرتهم إلا نصحاً للمسلمين، فهم أخبث من اليهود والنصارى، وأخبث من الفلاسفة الذين يقولون: بقدم العالم، ويكذبون الله ورسله.

    فيختم للإنسان في حال السياق بالشك والجحود، فيلقى الله جل وعلا على هذه الحالة فيخلد في نار جهنم، وقد يزين للإنسان في حال السياق الدنيا، ويزين له التعلق بها، إذا سلم من البدعة، كما هو حال أكثر الخلق، ونسأل الله أن يحسن ختامنا، فإذا زينت له الدنيا والتعلق بها لا يخرج حاله في ذلك الوقت عن حالتين: إما أن يسخط لقاء الله أيضاً، فيختم له بما ختم للصنف الأول، وإما أن يتعلق بها ويفزع لفراقها دون أن يسخط لقاء الله، ودون أن يتذمر من لقائه فيختم له بحالةٍ ناقصة، وأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه.

    هذا هو معنى سوء الخاتمة: أن تغلب الوساوس الرديئة على العبد في حال مفارقته الدنيا بشكٍ أو جحود، أو تعلقٍ بالحياة الدنيا، فيختم له بما يوجب له الخلود في نار جهنم، أو بما يوجب له دخولها فترةً إن لم يغفر الله جل وعلا له.

    معنى حديث: (وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع..)

    وهذا الأمر -أعني سوء الخاتمة، ومفارقة هذه الحياة الدنيا على حالةٍ من الحالات- هو الذي طيش قلوب الصديقين، وهو الذي حير أفئدتهم في كل حين؛ لما ثبت عن نبينا الكريم عليه صلوات الله وسلامه، والحديث في الصحيحين عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق، فقال: (إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقيٌ أو سعيد، فوالله الذي لا إله غيره! إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).

    والحديث إخوتي الكرام! ينبغي أن نفهمه على حسب كرم الرحمن جل وعلا، فهو صاحب الفضل والإحسان، ولجوده، وبره، لا يتخلى عن العبد الصالح في حال سياقه واحتضاره، فهو الذي يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكن الإنسان قد يعمل بعمل أهل الجنة في ظاهره وفيما يبدو للناس، والله العليم بسره، فلا بد من فهم هذا الحديث على هذا المنوال، فالإنسان يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، فإن كان في الحياة مؤمناً صادقاً في إيمانه لقي الله على ذلك، وإن كان في الحياة مؤمناً كاذباً في إيمانه مخادعاً لربه جل وعلا؛ فإنما يخدع نفسه ولا يشعر، وهذا الكلام ما قلته من نفسي، إنما قرره نبينا صلى الله عليه وسلم.

    ففي الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: (التقى النبي صلى الله عليه وسلم والمشركون في غزاةٍ، ورجلٌ من أصحابه أبلى بلاءً حسناً لا يدع شاذةً ولا فاذة إلا تبعها)، رجلٌ من الصحابة لا يترك شاذة رجلاً منفرداً عن المشركين، وهو في طرفٍ إلا لحقه ليضربه، ولا فاذة بمعنى شاذة، وقال المحدثون: أي: لا يترك رجلاً عظيماً ولا صغيراً، قوياً ولا ضعيفاً من المشركين إلا تبعه ليقتله، (لا يترك شاذة ولا فاذة إلا تبعها، فقال الصحابة رضوان الله عليهم: إن فلاناً أجزأ في هذه الغزوة ما لم يجزئه أحدٌ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي لا ينطق عن الهوى: إنه في النار، حتى كاد أن يرتاب بعض السامعين في هذا، فقال رجلٌ من الصحابة: أنا صاحبه دونكم، وأنا أكفيكم إياه، سأبحث عن أمره، وأتفقد أحواله، يقول: فتبعته فكان إذا أسرع أسرع، وإذا وقف وقف)، فانظروا ماذا يعمل هذا الرجل، وما حاله، لتنكشف الحقائق بعد ذلك، وهل يقاتل لإعلاء راية الله أم لشيءٍ آخر؟ النتائج ستظهر هذا، يقول: ( فأصيب بسهمٍ فجرح جراحةً شديدة، فوضع نصل سيفه في الأرض، ثم وضعه ذبابة السيف -أي: رأسه وطرفه المحدد- بين ثدييه، وتحامل على السيف حتى قتل نفسه، يقول الرجل: فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسرعاً وقلت: يا رسول الله! أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: وما ذاك؟ فأخبرته بالقصة أنك عندما أخبرتنا أن الرجل من أهل النار، وقد أبلى بلاءً حسناً، كاد أن يرتاب بعض السامعين فتبعته، وكان من أمره كذا وكذا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة).

    قال الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي عليه رحمة الله في جامع العلوم والحكم: في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس)، إشارةٌ إلى أن هذا الرجل وهذا الصنف في قلبه داخلة سوء، وفي قلبه خبثٌ وفساد طوية، ولكن الناس لا يطلعون على القلوب، لا يطلع عليها إلا علام الغيوب، فإذا جاء الاحتضار ظهر ما في القلب، فإن كان فيه صدقٌ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وإن كان فيه خلاف ذلك ظهر الأثر، قال: فإذا كان فيه داخلة سوءٍ سيظهر هذا في حال الاحتضار، وهكذا الرجل قد يكون صاحب سوءٍ في الظاهر، ولكن عنده انكسار لله جل وعلا، ويخاف من سوء الخاتمة، ويلجأ إلى الله جل وعلا في خلواته والناس لا يطلعون على ذلك، إنما يرون عليه المعاصي الظاهرة، فإذا جاء وقت الاحتضار ظهر ما في قلبه من انكسار لله العزيز الغفار، فختم له بعمل أهل الجنة، وهو في ظاهره من أهل النار، فهذا الأمر لا بد من الانتباه له.

    والله جل وعلا حاشا أن يترك عبده وأن يتخلى عنه في حال احتضاره إذا كان من الصادقين في حال حياته وصحته، فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، فكيف يتخلى عن عبده في تلك اللحظة إذا كان من الصادقين، فينبغي للقلب أن ينكسر لرب العالمين إن كان من المطيعين أو من المتلبسين ببعض المخالفات الظاهرة في بعض الأحايين، فإذا كان في قلبه خلاف هذا، وإصرارٌ على معصية، وعدم انكسار لله، فيظهر هذا عند حال الاحتضار، ويختم له بما يسود وجهه عند العزيز القهار.

    نقل الإمام ابن رجب الحنبلي معلقاً على القصة الماضية عن عبد العزيز بن أبي رواد ، وهو من الأئمة الصالحين، صدوقٌ كما قال الحافظ ابن حجر ، أخرج حديثه أهل السنن الأربعة، روى له البخاري تعليقاً، قال عبد العزيز بن أبي رواد يخبر عن نفسه: حضرت مدمن خمر في حال احتضاره، فلقناه كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، فقال: هو كافرٌ بلا إله إلا الله، وجاء الإمام عبد العزيز بن أبي رواد ليعلق على هذا فيقول: احذروا المعاصي والإصرار عليها؛ فإنها توجب للعبد سوء الخاتمة.

    ومن سنتين جرت حادثةٌ في القصيم، تطايرت أخبارها هنا وهناك، حاصلها: أن رجلاً في حال احتضاره ظهر عليه من الاعتراض على ربه ما ظهر، فجاء بعض أصحابه ممن كان يصلي معه في المسجد -والله أعلم بما في القلوب- وقال: يا عبد الله! هذا المصحف الذي كنت تقرأ فيه، فاتق الله في نفسك! ولقنه كلمة التوحيد، فقال: هو كافرٌ بالمصحف، وبلا إله إلا الله، وختم له على ذلك الحال، ونسأل الله أن يجعل سرنا خيراً من علامتنا، لنثبت في حال احتضارنا.

    انكسار القلب مع المعصية خير لصاحبه من العجب مع الطاعة

    لا بد إذاً من انكسار القلب، فما في القلب سيظهر في حال الاحتضار، ويذكر أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء من أخبار أهل الكتب السابقة: أن الله أوحى إلى داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام فقال: (يا داود ! بشر المذنبين، وأنذر الصديقين)، فكأن نبي الله داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام عجب من ذلك وقال: (يا رب! أبشر المذنبين وأنذر الصديقين؟ قال: نعم، فلا يتعاظمني ذنبٌ أن أغفره)، والإنسان إذا أخطأ وانكسر لله جل وعلا فرحمته واسعة، (وإذا أعجب الصديقون بأعمالهم هانوا، فما وضعت عدلي على أحدٍ إلا هلك)، يا عبد الله! لمَ تعجب بعملك، فمن وجد خيراً فليحمد الله، وما أراد الله جل وعلا من عبادتنا إلا الانكسار والتواضع له سبحانه وتعالى، ما أراد منا بهذه العبادة أن نتعاظم وأن نتعالى عليه وعلى عباده.

    ولذلك كان سلفنا يقولون: لا كبيرة إذا قابلك فضله، ولا صغيرة إذا قابلك عدله. فإذا عاملك الله بالفضل فرحمته واسعة، وإذا عاملك بالعدل وحاسبك هلكت، وكانوا يقولون: انكسار المذنب خيرٌ من صولة المطيع، أي: من عجبه واختياله، ورب معصيةٍ أورثتك ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثتك عزاً واستكباراً.

    ذكر علماؤنا في ترجمة أبان بن أبي عياش عليه رحمة الله، وهو من الأئمة التابعين، وكان من المكثرين عن أنس بن مالك رضي الله عنه في الرواية، وهو مع أنه تابعيٌ متروك الرواية لسوء حفظه، ولاختلاطه، ولتخليطه في الرواية، لكنه من ناحية ديانته رجلٌ مستقيم، كان مالك بن دينار يقول: إن أبان بن أبي عياش طاوس العباد، وكان أيوب السختياني يقول: ما زلنا نعرفه في الخير منذ فترةٍ.

    يقول أبان بن أبي عياش : خرجت من عند أنس بن مالك عندما كان في البصرة رضي الله عنهم أجمعين بعد الظهر، فرأيت جنازةً يحملها أربعة نفرٍ فقط بأجرة حمال، حمالون، فقلت: سبحان الله! رجلٌ مسلمٌ يموت ويمر بسوق البصرة لا يشهده إلا أربعة نفر! والله لأشهدن هذه الجنازة، يقول: فحملت معهم، ثم بعد ذلك لما دفنا الرجل قلت لهؤلاء الأربعة: ما شأنكم؟ فقالوا: استأجرتنا تلك المرأة لدفن هذا الرجل، يقول: فذهبت إليها فقلت: يا أمة الله! ما شأن هذا الرجل؟ قالت: إنه ولدي، وكان مسرفاً في بعض الأحيان، فقال: يا أماه! إذا مت فلقنيني كلمة التوحيد في حال الاحتضار، فإذا قلتها وقضيت حياتي فضعي قدمك على خدي، وقولي: هذا جزاؤه، ولا تخبري أحداً بموتي، فهم يعلمون عصياني ولن يشهدوا جنازتي، ثم إذا دفنت فارفعي يديك إلى الله وقولي: يا رب! إني راضية عن ولدي فارض عنه، سألها أبان بن أبي عياش عن هذا، فلما سألها ضحكت، فقال: ما الذي يضحكك يا أمة الله؟ قالت: والله بعد أن دفن رفعت يدي إلى الله وقلت: يا رب! إني راضية عنه فارض عنه، وفعلت ما أوصاني، فسمعته يناديني: يا أماه! قدمت على ربٍ كريمٍ رحيم، غير غضبان عليّ ولا ساخط.

    انكسار العاصي خيرٌ من صولة المطيع، والتذلل لله جل وعلا مطلوب، والله هو العليم بما في القلوب، فإن كان فيها انكسار فسيظهر هذا في حال مفارقة هذه الدار، وإن كان فيها غير ذلك فنسأل الله العافية من سخطه.

    1.   

    أسباب سوء الخاتمة

    عباد الله! هذا ما يتعلق بمعنى سوء الخاتمة، بعد هذا إن قيل لنا: ما الأسباب التي تفضي لسوء الخاتمة؟ قلنا: أسباب سوء الخاتمة تدور على سببين:

    السبب الأول باتفاق سلفنا: الأمن على الإيمان من الاختلاط والذهاب، فما أحدٌ أمن على إيمانه أن يسلبه إلا سلب.

    الأمر الثاني: الاغترار بالحالة الحاضرة، والعجب بما يصدر عن الإنسان من طاعات قاصرة، والغفلة عما فيه من بليات توجب له سوء الخاتمة عند الممات، ومرد ذلك لثلاث بليات: أولها: النفاق، وثانيها: البدع، وثالثها: التعلق بالدنيا، وعلى هذا فأسباب سوء الخاتمة تدور على هذه الأمور الأربعة: الأمن على الإيمان من الذهاب والاختلاط، والنفاق، والبدعة، والتعلق في الدنيا، وكان في ظني أن أجمل الحديث على هذه الأربعة في هذه الساعة المباركة، ولكن رأيت الأمر طال، فسأقتصر في الكلام على الأمرين الأولين فقط: على الأمن على الإيمان من الاختطاف، وعلى النفاق، وأرجئ الكلام على البدعة، وعلى التعلق بالدنيا، وعلى ما يتبع ذلك من مسألةٍ عظيمةٍ وهي حكم الاستثناء في الإيمان، وهي أن يقول المؤمن: أنا مؤمنٌ إن شاء الله، ولما استحب سلفنا تعليق الإيمان على المشيئة، سيأتي الكلام على هذا في محاضرةٍ ثانيةٍ إن شاء الله.

    من أسباب سوء الخاتمة: أمن الإنسان على إيمانه أن يسلب منه حال احتضاره

    الأمر الأول: من أسباب سوء الخاتمة: الأمن على الإيمان من الاستلاب والفقدان والضياع والذهاب، ومن هذا حاله فهو آمنٌ على إيمانه، وكأنه جازمٌ بأنه سيلقى الله بذلك، أي: جازمٌ بدخول الجنة، وليس هو ممن يرجو الله جل وعلا في تثبيت الإيمان، ولا ممن يخاف فقدانه في تلك الساعة العصيبة الرهيبة.

    روى الإمام أبو بكر الفريابي عليه رحمة الله في كتابه صفة النفاق وذم المنافقين عن بعض السلف قال: ما على الذنوب أبكي، أو من الذنوب أخاف، والله إن الذنوب عندي لأهون من هذه، وأخذ قطعة عودٍ من الأرض وأشار إليها، إنما أخاف على إيماني أن يذهب، وكان عليه رحمة الله يقول: بكينا على الذنوب زماناً، والآن نبكي على الإسلام. كنا نخاف من الذنوب ونبكي وقوعنا فيها، والآن نخشى أن يذهب منا إسلامنا.

    وهذا الأمر يقرره أمران، لماذا يسلب الإيمان من الإنسان إذا أمن على إيمانه؟ ما هو السر في هذا؟ وما الأمر؟ يوضح هذا أمران:

    شدة سكرات الموت وكرباته وذهول الإنسان عند ذلك تؤدي إلى سلب إيمانه عند احتضاره

    الأمر الأول: شدة سكرات الموت، وعظم الكرب الذي يحل بالإنسان في ذلك الوقت، فهو يذهل الحليم، ويجعل القوي الشجاع في حكم المصروع المخدر في ذلك الحين، ولا يحصل التثبيت عند ذلك إلا لمن قلبه سليمٌ مستقيم راجٍ خائف من رب العالمين، شدة الموت وسكراته أعظم كربٍ يمر على الإنسان منذ أن خلقه الله.

    روى الإمام أحمد في مسنده بسندٍ رجاله موثقون عن أنس بن مالك رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لم يلق ابن آدم شيئاً قد خلقه الله أشد عليه من الموت، ثم إن الموت لأهون مما بعده)، ومن تأمل ما نزل بالصالحين من الشدة والكرب في حال لقائهم لرب العالمين، ومفارقتهم هذه الدار، أخذ من ذلك عبرةً في بيان شدة الموت، وفي بيان كرباته.

    روى الإمام البخاري عن أمنا عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: (إن من نعم الله عليّ أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي بين سحري ونحري) أي: في حجرها بين رئتها ورقبتها، وكانت تسند نبينا صلى الله عليه وسلم في حال احتضاره وسياقه، (إن من نعم الله عليّ أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي بين سحري ونحري، وجمع الله بين ريقي وريقه في آخر فراقه لهذه الدنيا، عندما كنت أسنده دخل عبد الرحمن بن أبي بكر -أخو عائشة رضي الله عنهم أجمعين- وبيده سواك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه السواك، فبدأ ينظر إلى يد عبد الرحمن بن أبي بكر ، فقلت: أحضره لك؟ فأشار برأسه عليه صلوات الله وسلامه -وقد نزل عليه من الكرب ما عقد لسانه عن الكلام- فأشار برأسه: أن نعم، فأخذت السواك له، فأخذه فأمره على أسنانه فاشتد عليه، عليه صلوات الله وسلامه ليبسه وخشونته، فقلت: ألينه لك؟ فقال: نعم، فمضغته بفمي، فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر خروجه من الدنيا، ثم أعطيته السواك فاستاك وأمره على أسنانه عليه صلوات الله وسلامه، وكان بين يديه ركوة -قدحٍ- من ماء، فكان يدخل يده في الماء ويمسح جبهته عليه صلوات الله وسلامه، ويقول: إن للموت لسكرات، اللهم أعني على سكرات الموت)، وهو خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه، إنها سكرات تجعل الإنسان في حكم السكران، في غيبوبةٍ مصروعاً مخدراً.

    وكانت تقول كما في صحيح البخاري أيضاً: (إن نبي الله صلى الله عليه وسلم توفي بين حاقنتي وذاقنتي -أي: بين أسفل بطني ورقبتي، أي: في حضنها- وكان يضع يده في قدح الماء ويمسح وجهه ويقول: اللهم خفف عني سكرات الموت، فكانت تقول: فلا أكره شدة الموت لأحدٍ بعد الذي رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    وفي روايةٍ للترمذي عنها أنها قالت رضي الله عنها: (ما أغبط أحداً بهون الموت بعد الذي رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم). فإذا نزل بك ذلك الكرب الذي يذهلك فكيف سيكون حالك؟!

    روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: (لما ثقل بالنبي صلى الله عليه وسلم الموت جعل يتغشاه الكرب -أي: يتلبسه ويذهبه عن صحوته وعن الانتباه واليقظة- فقالت فاطمة رضي الله عنها: وا كرب أبتاه! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم، حتى توفي عليه صلوات الله وسلامه، فقالت فاطمة رضي الله عنها: أجاب رباً دعاه، يا أبتاه! إلى جبريل ينعاه، يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه، فلما دفن الصحابة الكرام نبينا عليه الصلاة والسلام قالت فاطمة لـأنس : يا أنس ! أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟ فسكت أنس ولم يرد الجواب )، ولسان حاله يقول: والله يا فاطمة ! لهو قرة عيني، ما طابت لنا أنفسنا، ولكنا قهرناها امتثالاً لأمر الحبيب كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]. هذا حال نبينا صلى الله عليه وسلم في حال السياق، يسأل الله أن يخفف عنه سكرات الموت، فكيف سيكون حالنا؟! يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27]، اللهم إنا نحتسب عندك نبينا صلى الله عليه وسلم، ففقدانه أعظم المصائب التي نزلت علينا، فاكتب لنا الأجر بذلك يا أرحم الراحمين، واجمع بيننا وبينه في دار النعيم في جنات النعيم إنك أرحم الراحمين، وأنت خير المسئولين، هذه هي شدة الموت التي ستنزل بالإنسان.

    روى ابن أبي الدنيا عن الحسن البصري مرسلاً بسندٍ رجاله ثقات: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الموت وغصته، ثم قال: وقدر ثلاثمائة ضربةٍ بالسيف)، سبحان الله! قدر ثلاثمائة ضربةٍ بالسيف! وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يلق ابن آدم شيئاً قط خلقه الله أشد عليه من الموت).

    كيف يدرك الإنسان شدة سكرات الموت وكرباته

    عباد الله! قال علماؤنا: ولا يعلم الإنسان بغصة الموت، ولا يدرك شدته، ولا يحيط بكرباته، إلا إذا حلت عليه ونزلت به، وأما إذا لم ينزل الموت به فما عنده إلا العلم النظري، وعليه أن يعتبر بأمرين ليعلم حال الموت الذي سيحل به عما قريب، فعسى الله جل وعلا أن يثبت الإيمان في قلبه في ذلك الوقت:

    الأمر الأول: القياس على الحال الحاضرة، يقول علماؤنا: إذا جرحت يد الإنسان يتألم؛ لأن الروح تسري في جميع ذرات الجسم، فيتألم بمقدار دوران الروح في عضوه الذي جرح، فإذا جرح جرحاً عظيماً ازداد التألم لمزيد تعلق الروح بتلك البقعة الكبيرة، فإذا أحرقت يده ازداد الألم أكثر وأكثر؛ لأنه في حالة الاحتراق يعم العذاب لجميع ذرات الجسم الداخلة والخارجة، والروح تتعلق بكل ذرةٍ فيعظم الألم، فيشتد ألمك بمقدار سريان الروح فيك، وقد يحترق الإنسان أو يضرب ضربةً واحدةً فيصعق ويذهل ويصبح مصروعاً، مع أن الروح تجري في جميع أعضائه، وما ضربت جميع الأعضاء، إنما عضو منه، أما في حالة الاحتضار فالذي يطالب أصالةً هو الروح، يطاردها ملك الموت ليخرجها من كل ذرةٍ من ذرات الجسم، ولذلك في حال اليقظة إذا ضرب الإنسان يصيح؛ لأن قلبه حي، وأما في حال الاحتضار فالمطالب هو الروح وقلبه مخمور، وقد اعتقل لسانه عن الكلام، ووالله لو كان عنده شيءٌ من النشاط والقوة كما هو في حال اليقظة، وفي حال الصحة؛ لصاح صياحاً تندك منه جدران الحجرة التي هو فيها، ثلاثمائة ضربةٍ بالسيف تنزل عليه.

    ومن رحمة الله جل وعلا أنه عقد لسانه عن الكلام في حال الاحتضار؛ لأنه لو صاح لما أمكن لإنسانٍ أن يشهد جنازته، وأن يقف عند ميتٍ في حال احتضاره وفي حال موته، ولو كان الميت تساعده رجلاه على المشي فما رأينا ميتاً يموت بيننا، بل سوف يشرد إلى أعالي الجبال، وإلى الفيافي والقفار، ولكنه في حال المخدر، ونزل عليه من الكرب ما جعل جسمه الظاهري في حالة تعبير، في حالة صرع، والروح هي المطالبة، فقس الغائب على الشاهد، واعلم حالك يا عبد الله إذا جرحت تتألم؛ لأن الروح تسري في هذا العضو الذي جرحت فيه، فكيف إذا مت إذا احتضرت الروح ستطالب وتخرج من جميع ذرات الجسم.

    فمن تأمل حال الميت يرى أنه عندما تخرج الروح من رجليه فتبرد رجلاه، ثم إلى ساقيه، ثم إلى فخذيه، والملك يطارد الروح من كل ذرة حتى تخرج بعد ذلك من طرفه الأعلى من فمه، ثم بعد ذلك يقال: مات: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ [الواقعة:83-85].

    فتأمل حالك -يا عبد الله- في ذلك الوقت الذي أنت فيه مصروع كيف سيكون حالك؟ إن كان في قلبك شيءٌ من الشوائب والعفن والكدر فالويل لك، فالويل لك في تلك الساعة، أنت في حكم المصروع وسيظهر عليك هذا، والقلب يتطلب في ذلك الوقت كيف سيكون حاله؟!

    الأمر الثاني: أن يستدل الإنسان على شدة الموت بأحوال المحتضرين، ينظر إلى حالهم فيرى عجباً.

    روى ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة أربعٍ وسبعين للهجرة في ترجمة بشر بن مروان ، وهو أخو الخليفة عبد الملك بن مروان ، وكان عبد الملك قد ولاه على العراقين على البصرة وعلى الكوفة، يقول ابن كثير : لما احتضر بدأ يتململ ويلتوى ويصيح، وهو أمير العراقين، ثم قال: يا ليتني كنت راعياً أرعى الغنم في البادية، ولم ألِ من أمر المسلمين شيئاً، ولقد نزل عليّ ما لا تعرفون، فلما بلغ كلامه لـأبي حازم ولـسعيد بن المسيب قالا: الحمد لله الذي جعلهم يفرون في الموت إلينا، ولا نفر إليهم، والله إنا لنرى في الملوك والأمراء عبراً.

    ويقول الحسن البصري : دخلت عليه وهو جالسٌ في قصر الإمارة على الكرسي، فنزل منه وبدأ يصيح في صحن الدار، والأطباء حوله، ولكن كل تميمةٍ لا تنفع في هذا الوقت، ثم بعد ذلك فارق حياته، فتأمل يا عبد الله! أحوال المحتضرين، فسينزل بك ذلك الحال عما قريب، ونسأل الله اللطف وحسن الخاتمة.

    حضور الشيطان وأعوانه عند العبد المؤمن حال احتضاره ليردوه عن دينه

    الأمر الثاني: الذي يبين لنا حال الإنسان في الموت، وأنه إذا أمن على إيمانه أن يسلب فقد يسلب منه: أنه في حال شدة الموت، وفي حال كرباته، وفي حال اشتداد السياق، في تلك الحالة تعظم عليه مصيبةٌ أخرى، يجتمع شياطين الجن حوله بقيادة اللعين إبليس، ويقوم فيهم خطيباً ويقول: دونكم هذا! إن فاتكم فلن تدركوه، سبحان الله! العبد في منتهى الضعف في ذلك الوقت، واجتمعت عليه القوى العظيمة الشريرة، كيف سيكون حاله؟! يا عبد الله! إذا كنت في حال عقلك وتمام رشدك يغلبك الشيطان في حال صحتك، فإذا كنت في حال الاحتضار وكأنك تضرب بثلاثمائة ضربةٍ بالسيف، ويحيط بك الشياطين، فكيف سيكون حالك؟ فلا بد من صدقٍ في حال اليقظة وفي حال الحياة مع الله جل وعلا، وانكسارٍ له ليثبت إيمانك في تلك الساعة، وإلا والله لو تخلى الله عنك في تلك اللحظة طرفة عين لهلكت، فأنت ضعيفٌ مخمور، واجتمعت عليك قوى الشر بأسرها لتغويك في تلك الساعة، ولولا لطف الله بتثبيت المؤمنين لحصل ما لا يخطر ببال أحدٍ من العالمين في ذلك الحين، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [إبراهيم:27]، القلب ما سمي قلباً إلا لأنه يتقلب، فأنت في حالة صرع وفي حالة كرب، وقد اجتمعت عليك قوى الشر، ويدخل عليك الشيطان في تلك اللحظة من مداخل لا يدخل عليك منها الآن، فكيف سيكون حالك يا عبد الله؟ فكيف إذاً تجزم بأنك ستلقى الله على الإيمان، ولا تخاف من سوء الخاتمة، ولا تسأل الله التثبيت؟! هذا لا يصلح أن يكون في حال المؤمنين أبداً، ينبغي أن يكون حالهم كما قال الله: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8].

    وينبغي أن يكون حالهم كما قال وعلمنا أن نقول في كل ركعة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، فنحن في حاجةٍ لهداية رب العالمين في كل حين، فالقلب في ذلك الوقت يتقلب، والتثبيت من الرب سبحانه وتعالى.

    روى الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في المستدرك بسندٍ صحيح على شرط البخاري ، وأقره الذهبي ، والحديث رواه ابن أبي عاصم في السنة، والطبراني في معجمه الكبير بسندٍ رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لقلب ابن آدم أشد تقلباً من القدر إذا استجمعت غلياناً)، إذا تم غليان الماء الذي في القدر كيف يكون تقلبه؟ في كل ثانيةٍ وفي كل لحظة يتقلب، وهكذا القلب يتقلب، فكيف سيكون حالك في تلك الساعة؟! في حال كرب، ويحيط بك الشياطين، فكيف سيكون القلب في ذلك الحين؟! ولذلك كان أكثر دعاء نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه: (يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك).

    روى الإمام الترمذي بسندٍ حسنٍ عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو: يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك).

    وروى الترمذي أيضاً بسندٍ حسنٍ عن شهر بن حوشب : (أنه دخل على أمنا أم سلمة رضي الله عنها، فقال لها: ما أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك؟ فقالت: كان أكثر دعائه إذا كان عندي: يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك)، فكيف تأمن على إيمانك؟!

    وفي سنن ابن ماجه بسندٍ حسنٍ أيضاً عن النواس بن سمعان : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: يا مثبت القلوب! ثبت قلوبنا على دينك).

    وفي صحيح مسلمٍ عن عبد الله بن عمرو بن العاص : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم مصرف القلوب! صرف قلوبنا لطاعتك).

    فيا عبد الله! ينبغي أن تتأمل هذا، فأنت تعلم أنك في كربٍ عظيمٍ في تلك الساعة، ويحيط بك الشياطين، فإن كنت في حال صحتك وعافيتك وفي حياتك من المستقيمين، فحاشا أن يتخلى عنك رب العالمين في ذلك الحين، وإن كنت من المفرطين فأنت وذاك.

    أحسنت ظنك بالأيام إذ حَسُنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر

    وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر

    فمن أمن على إيمانه أن يسلبه سلبه في تلك اللحظة؛ لأنه من الذين يأمنون مكر الله، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.

    ومن الذين يعولون على أمرهم وعلى قوتهم، ويتركون التعويل على رحمة ربهم سبحانه وتعالى؟!

    من أسباب سوء الخاتمة: النفاق

    السبب الثاني من أسباب سوء الخاتمة: النفاق.

    وحقيقة النفاق كما قال أئمتنا: اختلاف السريرة والعلن، اختلاف المدخل والمخرج، اختلاف القول مع العمل، فإذا ظهر الاختلاف والتباين فالإنسان منافق، وإذا كان من المنافقين المخادعين فكيف سيكون حاله في ذلك الحين؟ قال يزيد بن الحارث عليه رحمة الله: إذا استوى ظاهر المؤمن وباطنه فهذا هو النصف. هذا هو الإنصاف والعدل، وإذا كان الباطن خيراً من الظاهر -كما هو حال سلفنا- فهذا هو الأفضل، وإذا كان الظاهر خيراً من الباطن -كما هو حالنا- فهذا هو الجور.

    وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن الناس قد أحسنوا كلهم في القول، فمن وافق فعله قوله فقد أحسن وأصاب حظه، ومن خالف فعله قوله فإنما يوبخ نفسه. وحضر جماعةٌ في مجلس واقد بن الحارث ، وهو من الصحابة الأبرار رضوان الله عليهم جميعاً، كما روى هذا أبو عمرو قيس بن رافع ، وهو من أئمة التابعين، قال: كنا عند واقد بن الحارث وفي المجلس ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين وغيره، فتكلموا، فقالوا لـواقد : ما لك ساكتٌ لا تتكلم؟ فقال: أرى القول قول خائف، وأرى الفعل فعل آمن. سبحان الله! يقول هذا للصحابة ولخيار التابعين: إذا نظرنا إلى قولكم فهو قول من يخاف الله، وإذا نظرنا إلى فعلكم فهو فعل من يأمن مكر الله، وهذا هو النفاق، فماذا أتكلم؟ القول قول خائف، والفعل فعل آمن، هذا النفاق الذي إذا اتصف به الإنسان يختم له بسوءٍ في حال مفارقته دار الامتحان.

    حقيقة النفاق: الاختلاف بين الظاهر والباطن، وليس النفاق هو الكذب في القول فقط؛ ولذلك قال علماؤنا: لا بد من الصدق في ستة أمور، إذا انصرف الإنسان عن واحدٍ منها فهو دجالٌ مغرور صاحب نفاقٍ وزور، فلنستعرض هذه الأمور الستة لنرى مقدار الصدق الذي حصلوه في واحدٍ منها، ومقدار النفاق والمخالفة الذي تلبسناه فيها كلها أو في بعضها.

    من فقد الصدق في القول خشي عليه من سوء الخاتمة

    الأول: الصدق في القول، وذلك أن يتكلم الإنسان بما يصادق الواقع، وألا يخبر بخلاف الحقيقة، فإذا أخبر بخلاف ذلك فهو كذاب، وهذا هو الغالب في معنى الصدق عند الناس، وخلافه يقال له: كذبٌ وهو نفاق.

    وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاثٌ: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان).

    وفي الصحيحين أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربعٌ من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلةٌ منهن كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر).

    فالصدق في القول: أن يخبر الإنسان بما هو مطابقٌ لقوله، هذا هو الأشهر في معنى الصدق، ويدخل في هذا معنى لطيف أشار إليه أئمتنا أكثرنا في غفلةٍ عنه، يقولون: من الصدق مطابقة القول للألفاظ، والإنسان يخبر عنه بالحقيقة بالألفاظ التي يناجي بها ربه، فإذا كان حاله لا يطابق تلك الألفاظ فهو كذاب، يقولون: إذا أراد الإنسان أن يصلي وقال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، فإذا كان في قلبه متجهاً لرب العالمين فهو صادق، وإلا فهو كذاب، فليس الكذاب من يحدث بالكلام الكذب بين الناس فقط، بل الألفاظ الذي يخاطب بها الإنسان ربه أيضاً يحصل فيها الصدق والكذب، فإذا كنت متصفاً بحقيقة ذلك فأخبرت عن أمرٍ واقعٍ فأنت صادق، وإلا فأنت كذاب.

    وكان بعض إخواننا يقول لي: إن المسلم يفتتح يومه مع ربه بالكذب، قلت: سبحان الله! قال: نعم، عندما يقوم إلى الصلاة ويقول: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض، ويثني عليه بعد ذلك بآياته، وهو في غفلةٍ عنها، ولا يتحقق بمعنى ذلك، أليس هذا من الكذب؟ قلت: بلى، يفتتح أحدنا يومه بالنفاق، بالإخبار بخلاف الحقيقة، فإذا قلت: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض وقلبك في كل وادٍ يهيم فأنت من المنافقين، والله يعرض عنك في حال صلاتك؛ لأنك أعرضت عنه، قلت: وجهت وجهي، وقلبك غافل.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي وصحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم بسندٍ صحيحٍ أقره عليه الذهبي عن أبي ذر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف الله عنه)، فإذا قال بعد ذلك: وجهت وجهي، فهو كذب.

    وفي مسند أبي يعلى بسندٍ ضعيفٍ يتقوى بشواهد كثيرة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قام العبد إلى صلاته أقبل الله عليه بوجهه، فإذا التفت يقول: إلى خيرٍ مني؟)، إلى من تلتفت يا عبد الله؟ تلتفت بوجهك إلى خيرٍ مني، وبقلبك إلى خيرٍ مني؟! ولذلك قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في الوابل الصيب: وردت الآثار: (أن الله جل وعلا يقول للملائكة إذا قام العبد يصلي: ارفعوا الحجب بيني وبين عبدي، فإذا التفت قال الله جل وعلا: أرخوها)، هذا عبدٌ كذاب، أعيدوا الحجب بيني وبينه.

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن العبد يصلي الصلاة وما يكتب له منها إلا العشر، ففي سنن أبي داود والنسائي وصحيح ابن حبان وغير ذلك بسندٍ صحيحٍ عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل لينصرف من صلاته ولا يكتب له إلا عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها حتى قال: نصفها)، وما ورد في الحديث: كلها، إنما غاية ما ورد أنه يكتب له نصفها، فقد يكتب له العشر، أو التسع، وبعد ذلك قد يكتب له النصف، أما الكل فهذا لمن يحصل؟ ولذلك قال الله جل وعلا للنبي عليه الصلاة والسلام في سورة الإسراء: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ [الإسراء:79]، وأصح القولين في معنى الآية كما قال الإمام النحاس ، قال: وعلى هذا جميع المفسرين، وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ [الإسراء:79]، أي: أن قيام الليل نافلةٌ في حقك وتطوع في حقك فقط؛ لأنك أنت تؤدي الفرائض على الوجه المطلوب، فقر بعينك في الصلاة، والله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأما غيرك فقيام الليل في حقه لا يكتب له تطوعاً، إنما يقع جبراً للخلل والنقص الذي يقع في الفرائض، وإذا جبرت نوافلنا فرائضنا فهنيئاً لنا.

    إذاً يا عبد الله! إذا أردت أن تصلي ينبغي أن تصدق في ألفاظك، فإذا قلت: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، تحقق بهذه المعاني لئلا تكون من المنافقين المخادعين، هذا الأمر الأول.

    من فقد الصدق في النية خشي عليه من سوء الخاتمة

    الأمر الثاني: الصدق في النية، أن يكون غرضك من جميع حركاتك وسكناتك إرضاء ربك جل وعلا، فإذا عملت عملاً لغير الله والله هو المطلع على النوايا، فأنت مراءٍ وأنت منافق، وكيف إذاً سيختم لك في حال احتضارك؟! فلا بد إذاً من تصحيح النية.

    ثبت في صحيح ابن حبان وسنن أبي داود ، وسنن ابن ماجه ، ومسند الإمام أحمد ، ومستدرك الحاكم بسندٍ صحيحٍ على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)، يعني: ريحها، سبحان الله! يقوم بأفضل الأعمال، التي من عملها فهو من ورثة النبي صلى الله عليه وسلم وهو تحصيل العلم، ولكن نيته لما فسدت لا يشم رائحة الجنة.

    وقال صلى الله عليه وسلم قال: (أول من يقضى عليه من الناس يوم القيامة ثلاثة: رجلٌ استشهد في سبيل الله، يؤتى به فيعرفه الله جل وعلا نعمه، فيعترف بها ويقر، فيقول الله له: ماذا عملت بها؟ فيقول: يا رب! قاتلت في سبيلك حتى قتلت، فيقول: كذبت، إنما قاتلت ليقال: فلان جريء وقد قيل، ثم يأمر الله الملائكة أن تأخذه فتطرحه على وجهه في نار جهنم، ويؤتى بالرجل الثاني وهو الذي تعلم العلم وقرأ القرآن، ويعرفه الله نعمه فيعترف بها ويقر، فيقول: ماذا عملت؟ فيقول: يا رب! قرأت القرآن، وتعلمت العلم، وعلمته الناس، وأقرأت القرآن، فيقول: كذبت، إنما قرأت وعلمت ليقال: فلان قارئ وقد قيل، ثم يأمر الله الملائكة أن تأخذه فتطرحه على يده في نار جهنم، ثم يؤتى بالرجل الثالث وهو المتصدق، فيعرفه الله نعمه عليه فيعترف بها ويقر، وأن الله قد وسع عليه وأعطاه من أصناف المال، فيقول: ماذا عملت بها؟ فيقول: يا رب! ما تركت من سبيلٍ تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت آناء الليل وأطراف النهار، فيقول: كذبت، إنما تصدقت ليقال: فلانٌ جواد وقد قيل، ثم يأمر الله الملائكة أن تأخذه فتطرحه على وجهه في نار جهنم).

    ثبت في سنن الترمذي وصحيح ابن خزيمة وغيرهما في لفظ الحديث: أن هؤلاء الثلاثة هم أول من تسعر بهم النار من الخلق يوم القيامة، وكان الحديث إذا روي أمام معاوية رضي الله عنه يغشى عليه من شدة هوله، ثم بعد ذلك إذا استيقظ يبكي بكاءً شديداً، ويقول: قد فعل هذا بهؤلاء فكيف ببقية الناس؟! ثم يقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16].

    الشاهد في الحديث: أن الله يعرفه نعمه عليه فيعترف فيقول: ماذا عملت؟ فيقول: قاتلت وعلمت وتصدقت، فيقول الله له: كذبت، وكذبه ذلك ليس في فعله، إنما كذبه في نيته، فإذا فسدت النية فالإنسان كذاب، وهو من المنافقين، وإذا ما أراد بعمله وجه رب العالمين فهو من المخادعين، وهذا من أسباب سوء الخاتمة.

    من فقد الصدق في العزم خشي عليه من سوء الخاتمة

    الأمر الثالث: الصدق في العزم، إذا عزم الإنسان على طاعةٍ فينبغي أن يكون هذا العزم عزماً أكيداً، فهذا من علامات الصدق فيه، ولذلك قال عمر رضي الله عنه وأرضاه مخبراً عن حقيقة عدله في أمرٍ من الأمور: والله لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إليّ من ألي على قومٍ فيهم أبو بكر . عزمٌ أكيد، فإذا عزمت على طاعةٍ وما استطعت فعلها فينبغي أن يكون هذا العزم عزماً أكيداً لتكون صادقاً فيه، وإذا لم تصدق في عزمك فأنت إذاً من المنافقين، من الكذابين في ذلك، والإنسان إذا عزم على أمرٍ وبلغ مرتبة الفعل فيه، فإنه يكتب عليه في الخير والشر، ولذلك قال علماؤنا: ما يدور في النفس من قصد الفعل وإرادة العمل به لا يخرج عن خمسة أحوال: هاجسٌ، وخاطرٌ، وحديث النفس، وهمٌ، وعزم.

    أما الهاجس والخاطر فلا يكتبان لا في الخير ولا في الشر، وأما حديث النفس والهم فيكتبان في الخير ولا يكتبان في الشر، وأما العزم فيكتب في الخير وفي الشر وإن لم يفعل.

    أما الهاجس فهو إذا خطر الأمر ببالك خطوراً ثم زال دون أن يبقى في الذهن، وأما الخاطر فحبس في ذهنك وجال شيئاً يسيراً ثم زال وما حدثت به نفسك، وما بدأت تفكر فيه، فليس لك فيه خير ولا في شر.

    وأما حديث النفس فهو إذا فكرت في أمرٍ وأردت فعله وحدثت به نفسك، ولم يصل الأمر إلى ترجيح الفعل على الترك، فيكتب لك في الحسنات ولا يكتب في السيئات كرمٌ من الله وفضل.

    وأما الهم فإذا رجحت الفعل على الترك دون عزمٍ وجزم فيكتب في الحسنات ولا يكتب في السيئات، وأما العزم الأكيد إذا صممت على أمرٍ فيكتب في الخير وفي الشر؛ لأنك عازمٌ عليه بحيث لو لم يحل بينك وبين فعلك مانعٌ خارجيٌ لوقع الفعل، ولذلك قال أئمتنا:

    مراتب القصد خمس هاجسٌ ذكروا فخاطرٌ فحديث النفس فاستمعا

    يليه همٌ فعزمٌ كلها رفعت سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا

    أي: العزم فيكتب على الإنسان حتى في السيئات.

    وقد ثبت في الصحيحين عن أبي بكرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً -أي: عازماً عزماً أكيداً- على قتل صاحبه).

    والله يقول في محكم كتابه في سورة النور: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا [النور:19]، أي: يتمنون ذلك تمنياً جازماً، لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19].

    فإذا عزم الإنسان على أمر خير فينبغي أن يجزم به ليكتب له أجره، وليكون في عزمه من الصادقين.

    العجز عن الوفاء بالعزم يخشى معه من سوء الخاتمة

    الأمر الرابع: الوفاء بالعزم، فإذا عزمت على أمرٍ وتيسر فعله فافعله لتحقق صدقك، فالإنسان قد تصدق نفسه بالعزم على أمرٍ من الأمور، ثم إذا حصل عنده جاءه الكسل وزين له الشيطان ترك العمل، فمن علامة صدقك: أن تنفذ ما عزمت عليه إذا تيسر لك فعله.

    ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: غاب عمي أنس بن النضر عن موقعة بدر، فقال: أول قتالٍ كان بين المشركين والمسلمين غبت عنه، لئن أشهدني الله قتالاً آخر ليرين الله ما أصنع! عزم عزماً أكيداً على بذل الجهد في موقعةٍ أخرى، فلما كان يوم أُحدٍ خرج رضي الله عنه للقتال، فلقيه سعد بن معاذ ، فقال أنس بن النضر : واهاً لريح الجنة! والله يا سعد ! إني لأجد ريح الجنة دون أُحد، يقول سعد : فتبعته فما استطعت أن أفعل فعله، فلما دارت المعركة بذل ما يحقق به عزمه بعد ذلك، ويفي بوعده، يقول: فلما استشهد رضي الله عنه وجدوا فيه بضعاً وثمانين ما بين ضربةٍ بسيفٍ أو طعنه برمحٍ، فما عرفته إلا أخته ببنانه، فأنزل الله جل وعلا: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب:23].

    فإذا عزمت فأوف بعزمك إذا تحقق لك الفعل، وإذا لم تف فاسمع قول الله جل وعلا في سورة الفاضحة في سورة التوبة في سورة براءة: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [التوبة:75-78].

    ثبت في المسند عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: (كان الرجل إذا تكلم بالكلمة الواحدة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقاً حتى موته -أي: حتى يموت يلازمه النفاق- والله إني لأسمعها من أحدكم في المجلس الواحد أربع مرات) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:77]، عزموا ثم لم يفوا بعزمهم.

    وعند هذه الآية أحب أن أنبه إلى أنه: ما شاع بين كثيرٍ من الناس أن هذه الآية نازلة في ثعلبة بن حاطب الأنصاري ، وأنه جاء بعد ذلك بالزكاة للنبي صلى الله عليه وسلم ولـأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين، فلم يقبلوا ذلك منه، ومات على نفاقه، هذا السبب لا يصح بحال، فمن ناحية الإسناد الرواية مردودة، ثم بعد ذلك ثعلبة بن حاطب من أهل بدر، والله قد قال لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، ثم بعد ذلك هذه القصة تخالف المعلوم من الدين بالضرورة، وهو أن الله جل وعلا يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، أو تطلع الشمس من مغربها، ثم بعد ذلك هذه القصة الواقع التاريخي يردها ويبين كذبها؛ لأن فرضية الزكاة كانت في السنة الثانية للهجرة، وسورة التوبة من أواخر ما نزل من القرآن الكريم، ثم هذه القصة أثبتت أمراً في الشرع لا نضير له، فلم تجعل هذا الرجل من المؤمنين ولا من الكافرين، ما عومل بمعاملة المؤمنين فأخذت منه الزكاة، ولا بمعاملة الكافرين فضربت عنقه، وهذا لا نضير له في الشرع، وبسط الكلام عليها يأتي إن شاء الله في وقتٍ آخر، إنما الآية نزلت في منافقين لم تعلم أعيانهم كما هو الحال في آيات كثيرة في سورة التوبة: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ [التوبة:58]، وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ [التوبة:101]، وهذا كذلك: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ [التوبة:75]، فهم منافقون لم تعلم أعيانهم.

    وفي تفسير الطبري عن سعيد بن سليمان في تفسير هذه الآية قال: هو شيءٌ نووه في أنفسهم وما أظهروه بألسنتهم، وما يعرف إذاً من الذي نوى، ألم تسمعوا قول الله: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [التوبة:78]، فلا بد إذاً من الوفاء بالعزم، وهو الأمر الرابع.

    عدم مطابقة العمل الذي يقوم به الإنسان لحاله وواقعه يجعله منافقاً يخشى عليه من سوء الخاتمة

    الأمر الخامس: أن يضبط الإنسان في أعماله التي يقوم بها، وذلك بمطابقة العمل لحاله، فإذا قام بعملٍ فينبغي أن يكون هذا العمل مطابقاً لحاله، فإذا طابق الحال فهو صادقٌ، وإلا فهو منافق، فإذا قام الإنسان ليصلي وأطرق الرأس وقلبه في وادٍ يهيم، فهذا خشوع المنافقين، وإذا مشى وأطرق الرأس كحال المتواضعين وهو يحب التكبر، فهذا من الجبارين وهو من المنافقين، فلا بد إذاً من موافقة الظاهر لحال الإنسان، فإذا قمت بين يدي الرحمن وسكن ظاهرك فينبغي أن يخشع قلبك، وإلا فالعمل يخالف الحال، وهذا هو النفاق، وهذا الأمر قلّ من يسلم منه.

    ثبت في سنن الترمذي بسندٍ حسن، وسنن ابن ماجه ومسند الإمام أحمد ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء ثم قال: سبحان الله! هذا أوانٌ يختلس فيه العلم)، أي: يذهب فيه العلم، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم لما نظر إلى السماء أوحي إليه باقتراب أجله، وإذا ذهب النبي صلى الله عليه وسلم سينقطع الوحي، وسيحصل بعد ذلك العفن والكدر، فقال زياد بن لبيد الأنصاري : (يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! كيف يختلس العلم وقد قرأنا القرآن؟! والله لنقرأنه ولنقرئنه أولادنا ونساءنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثكلتك أمك)، يقصد بالكلمة عند العرب التعجب كيف خفي عليك هذا يا زياد ؟! (ثكلتك أمك! إن كنت لأعدك من فقهاء المدينة، إن التوراة والإنجيل بيد أهل الكتاب، فهل أغنت عنهم شيئاً؟)، التوراة عندهم، ولكن لا يعملون بها، وإذا كنتم تقرءون القرآن بظاهركم ولكن لا يطابق ما هو في قلوبكم، فهذا ليس هو العلم، وهذا هو النفاق، وهذا هو الذي سيرفع، لعله رفع من الصدر الأول، ونسأل الله حسن الخاتمة.

    يقول جبير بن نفير الراوي عن أبي الدرداء : فلقيت عبادة بن الصامت رضي الله عنهم أجمعين، فقلت له: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء ؟ فحدثته بالحديث، فقال: صدق أبو الدرداء رضي الله عنه، وهذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ألا أخبرك بأول ما يرفع في هذه الأمة؟ قلت: بلى، قال: أول ما يرفع الخشوع، حتى إنك إذا دخلت إلى مسجد القوم لا ترى فيهم رجلاً خاشعاً، وهذا هو النفاق، يصلي ولكن قلبه لا يوافق ظاهره، فهو منافق، ولذلك ورد في المستدرك في كتاب الفتن في الجزء الرابع صفحة اثنتين وأربعين وأربعمائة، والأثر رواه أبو بكر الفريابي في كتابه صفة النفاق وذم المنافقين عن عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفاً عليه، وله حكم الرفع أنه قال: (يأتي على الناس زمانٌ يجتمعون فيه في المساجد ليس فيهم مؤمن)، وعبادة يقول: (إنك تدخل إلى مسجد القوم فلا ترى فيهم رجلاً خاشعاً)، الكل منافقون، وهذا يحقق لنا القصة التي تقدمت معنا -إخوتي الكرام- حفر ألف قبرٍ فوجدهم محولين عن القبلة، وهنا كذلك: (يأتي على الناس زمانٌ يجتمعون فيه في المساجد ليس فيهم مؤمن)، قال الحاكم : إسناده صحيح، ورواته ثقاتٌ على شرط الشيخين، وأقره الذهبي . ليس فيهم مؤمن، وليس فيهم رجلٌ خاشع، فإذا ما وافق ما في باطنك لحالك فهذا هو النفاق.

    ولذلك ثبت في سنن الترمذي وغيره بسندٍ حسنٍ عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد قال الناس -أي: قالوا: ربنا الله- ثم كفر أكثرهم)، والحديث روي بسندٍ حسنٍ في سنن الترمذي : (قد قال الناس ثم كفر أكثرهم، فمن قالها حتى مات عليها فهو ممن استقام).

    إذاً: لابد من الصدق في الأعمال، وهذا من أرفع مقامات الصدق، وخلاف هذا من أشنع مقامات ودركات النفاق، فإذا كنت تصلي فينبغي أن يوافق الظاهر الباطن، مع أنك هنا لا تقصد الرياء، أما لو كانت النية لغير وجه الله فقد تقدم الكلام على هذا في الحالة الثانية، أنت هنا لا تقصد الرياء، إنما إذا كان حالك حال المصلي، وقلبك قلب لاعبٍ غافل، فهذا هو النفاق.

    من فقد الصدق في جميع مقامات الدين خشي عليه من سوء الخاتمة

    الأمر السادس وهو آخر الأمور: الصدق في مقامات الدين، فإذا ادعيت تلك المقامات فينبغي أن تتحقق فيها، فإذا تحققت فأنت صادق، وإلا فأنت منافق، إذا قلت: أنا مؤمن، فهذا الإيمان له برهان، إذا وجد البرهان فيك فأنت مؤمنٌ وإلا فأنت منافق، فالإيمان تصديقٌ بالجنان، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان، كما قال ربنا الرحمن: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:2-4].

    وقال جل وعلا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15].

    وقال الله جل وعلا: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177]. فهل تحقق فيك ذلك؟ إذا تحقق فأنت في دعواك الإيمان صادق، وإلا فأنت كاذب، فلابد من التحقق من الصدق في مقامات الإيمان، فإذا تحقق فيك هذا فأنت من الصادقين، وإلا فأنت من المنافقين.

    فضل الصدق ومنزلته من الدين

    خلاصة الكلام كما قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في مدارج السالكين: إن منزلة الصدق ميزت أهل النفاق من أهل الإيمان، وفرقت بين أهل الجنان وأهل النيران، قال الله تعالى: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:24]، فالإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب.

    ثبت في مسند البزار ومسند أبي يعلى بسندٍ صحيح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يطبع المؤمن على كل خصلةٍ غير الخيانة والكذب)، فمن كذب في واحدٍ من تلك المقامات الست فهو من المنافقين، فكيف سيكون حاله عندما يفارق هذه الدار ويلقى رب العالمين؟! لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:24].

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا التزم بالصدق فهو خيرٌ له في العاجل والآجل، وإذا انحرف عن ذلك فهو شرٌ له في العاجل والآجل، ففي الصحيحين من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا، أو قال: حتى يفترقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما).

    قال الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله في شرح هذا الحديث: في هذا إشارةٌ إلى أن نعمة الدنيا وبركتها لا تتم إلا بالصدق، وإذا دخل الكذب في الدنيا أذهبها وأتلفها ورفعت البركة منها، (فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما)، هذا في العاجل، أما في الآجل فالله جل وعلا يقول: هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة:119]، ويقول جل وعلا: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:33-34].

    وصفوة الكلام في الصدق: أن الصدق هو فريضة الله الدائمة، من لم يتحلَّ به ويتصف به في كل حركةٍ من حركاته، وسكنةٍ من سكناته، لم يقبل الله منه الفرض المؤقت، فالصدق فريضة الله الدائمة، ولا يقبل الله الفرض المؤقت إذا لم تصاحبه الفريضة الدائمة، فالصلاة بلا صدقٍ يضرب بها وجه صاحبها، والعلم بلا صدقٍ وبالٌ على صاحبه، والجهاد بلا صدقٍ خسار على الإنسان، فهو فريضة الله الدائمة التي لا ينفك عنها المؤمن في حينٍ من الأحايين، ولذلك أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يسأله أن يجعل الله مدخله ومخرجه مدخل صدقٍ ومخرج صدق، فقال جل وعلا: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [الإسراء:80]، المدخل يكون صدقاً إذا كان لله، وبالله، ولأجل الله، وعلى حسب شريعة الله، وهكذا المخرج يكون صدقاً إذا كان كذلك، وكل داخلٍ إما أن يدخل بصدقٍ أو بنفاق، وكل خارجٍ إما أن يخرج بصدقٍ أو بنفاق.

    وقد أمرنا الله جل وعلا أن نتأسى بخليله إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والتسليم، وأن نسأله أن يجعل لنا لسان صدقٍ لا لسان كذبٍ وزور: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ [الشعراء:84]، ولنا به أسوةٌ حسنة، ولسان الصدق هو أن يثنى عليك بما فيك، ولا يثنى عليك بما ليس فيك، وقد أخبرنا الله جل وعلا أن المؤمنين لهم عند ربهم قدم صدق، حياتهم كلها في الصدق، وفي أول سورة يونس: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يونس:2]، (قدم صدقٍ)، قال الإمام ابن القيم : فسرت بثلاثة أمورٍ متلازمة: أولها: الجنة، وثانيها: الأعمال الصالحة التي يقدمونها لرب العالمين، ويثابون عليها عند أحكم الحاكمين، وثالثها: محبة النبي الأمين عليه صلوات الله وسلامه.

    قال الإمام ابن القيم : وحقيقة القدم ما يقدمون عليه وما يقدمونه، وهم قدموا الأعمال الصالحة، ورأس ذلك حب النبي صلى الله عليه وسلم، ويقدمون على جنة النعيم، وقد أخبرنا الله جل وعلا أن المؤمنين عند الله في مقعد صدق، فقال جل وعلا في آخر سورة القمر: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55].

    وذكر ربنا جل وعلا لفظ المقعد بالإشارة إلى أن جلوسهم لا يزول، بخلاف المجلس كهذا فيزول وينقطع، إنما هذا بقاءٌ مع لبث ودوام لا يزول، بخلاف المجلس، فالإنسان يجلس فيه لينتقل، ولذلك قال الله: إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ [المجادلة:11]، فلم تتخذ للاستيطان والدوام، إنما يجلس فيها الإنسان وينتقل بعد ذلك، وحاله في الجنة ليس كهذا فهي إقامةٌ دائمة: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55].

    1.   

    خوف السلف من النفاق وتحذيرهم منه

    حياة المؤمنين كلها تدور حول الصدق، ولذلك اشتد خوف سلفنا من النفاق؛ لأنه إذا لم يتصف بالصدق في هذه الأمور المتقدمة ففيه شائبةٌ من شائبة النفاق، فكيف سيلقى بعد ذلك الكريم الخلاق؟

    وفي أصح الكتب بعد كتاب الله بوب الإمام البخاري باباً يشير به إلى هذا في كتاب الإيمان، فقال: بابٌ في خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، وما يحذر من الإصرار على النفاق والمعصية من غير استغفار، ثم أورد ثلاثة آثارٍ عن سلفنا معلق:

    الأول: عن إبراهيم التيمي ، وهو إمام التابعين وواعظهم ومعلمهم، قال: ما عرضت قولي على فعلي إلا خشيت أن أكون مُكَذِّباً، وروي: مُكَذَّباً، (مكذِّباً)، أي: خشيت أن أكون مكذباً بما أقول، فإذا لم يوافق فعلي قولي فأنا إذاً كذاب، و(مُكَذَّباً) أي: ينسبني إلى الكذب من رآني أتكلم بالحق وعملي يخالف هذا.

    والأثر وصله البخاري في تاريخه وغيره أيضاً.

    والأثر الثاني: رواه عن ابن أبي مليكة وهو من أئمة التابعين أيضاً، قال: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ما فيهم واحدٌ يقول: إن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل، كلهم يخاف النفاق على نفسه.

    والأثر الثالث: رواه عن الحسن البصري أنه قال: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق. أي: ما خاف النفاق، وقد وهم الإمام النووي عليه رحمة الله في هذا الأثر، فقال: أي: ما خاف الله إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق. وهذا وإن كان صحيحاً فليس هو مرادٌ من كلام الحسن البصري عليه رحمة الله، إنما يقصد: ما خاف النفاق إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق، وهو المطابق لترجمة الباب، والأثر روي موصولاً مسنداً إلى الحسن البصري في كتاب صفة النفاق وذم المنافقين لـأبي بكر الفريابي عليه رحمة الله أنه كان يقول: والله ما على ظهر الأرض من مؤمنٍ فيما مضى ولا فيما يأتي إلا وهو يخاف النفاق على نفسه، وما على ظهر الأرض منافقٌ فيما مضى وفيما يأتي إلا وهو آمنٌ من النفاق. فالكلام إذاً في النفاق، والبخاري عليه رحمة الله علقه أيضاً بصيغة التمريض فقال: ويروى؛ لأنه تصرف فيه في المعنى، وهذا عند المحدثين مختلفٌ في جوازه، لذلك ساقه بصيغة التمريض، كما بين هذا الإمام ابن حجر فيما نقله عن شيخه الحافظ العراقي عليهم جميعاً رحمة الله تعالى.

    وكان سلفنا عليهم رحمة الله يحذرون من النفاق أشد الحذر، روى ابن أبي إسحاق بلاغاً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه كان يسأل حذيفة بن اليمان صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم في الفتن والمنافقين، فيقول: أسألك بالله! هل سماني النبي صلى الله عليه وسلم من المنافقين؟ سبحان الله! هو من المبشرين بالجنة، وفي الصحيحين وغيرهما: ( إذا سلك عمر فجاً سلك الشيطان فجاً غيره )، ومع ذلك يسأل حذيفة : هل سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين؟ فيقول حذيفة : لا، ولا أؤمن أحداً بعدك.

    وفي مسند البزار بسندٍ صحيح عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: (أنه دخل على أمنا أم سلمة رضي الله عنها فقال لها: إني أكثر قريشٍ مالاً، وإني أخشى أن يهلكني مالي، فقالت: تصدق، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه، فخرج عبد الرحمن بن عوف وهو متقطعٌ قلبه من الخوف، فالتقى بـعمر وأخبره بالأثر، فدخل على أمنا أم سلمة فقال: أسألك بالله! هل أنا منهم؟ فقالت: لا، ولا أبرئ أحداً بعدك)، ولذلك لما قيل للحسن البصري عليه رحمة الله: يزعمون أن لا نفاق في هذا الزمان؟ فقال الحسن : والله لو أعلم أني بريءٌ من النفاق لكان أحب إليّ من ملء الأرض ذهباً، وكان يقول: والله لو كان للمنافقين أذناب لما استطعتم أن تمشوا في الطرقات.

    زمانٌ كل حبٍ فيه خبٌ وطعم الخل خَلٌ لو يذاق

    لهم سوقٌ بضاعته نفاقٌ فنافق فالنفاق له نَفَاق

    لو كان للمنافقين أذناب لما استطعتم أن تمشوا في الطرقات، فكيف سيكون حالهم عند الاحتضار؟ عند لقاء رب الأرض والسموات؟ كيف سيكون حالهم؟ وهذا الأمر هو الذي كان سلفنا يحذرونه أشد الحذر.

    وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن النفاق يتلبس به من هم في الظاهر خيار هذه الأمة، ففي مسند الإمام أحمد وغيره بسندٍ صحيح عن عبد الله بن عمرو وعقبة بن عامر رضي الله عنهم أجمعين قالا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها)، أي: علماؤها، وقد تقدم أنه إذا خالف القول الفعل فصاحبه منافق، (أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها)، أسأل الله ألا نكون منهم، وألا يجعلنا ممن يؤيد الله به الدين وليس له خلاقٌ عند أحكم الحاكمين.

    وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)، والله إنه ليفطر القلب، ومن هو إلا نحن، وبأي شيءٍ سيختم لنا؟!

    وفي المسند بسندٍ صحيح: (إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوامٍ لا خلاق لهم)، فمن الذي يبرأ من النفاق؟ وإذا اتصف الإنسان بالنفاق فكيف سيكون حاله عند الفراق؟

    1.   

    أقسام النفاق وحكم كل قسم

    وصفوة الكلام في النفاق وهو آخر الكلام: أن النفاق ينقسم إلى قسمين:

    النفاق الأكبر المخرج من الملة

    نفاقٌ مخرجٌ من الملة، إذا اتصف الإنسان به فهو في الدرك الأسفل من النار، وسيختم له بما يوجب له الخلود في النار، وضابطه: أن يظهر الإيمان ويبطن خلاف ما يظهره من إيمان، ويلتحق بهذا كل ما يشعر الاتصاف به من أوصاف أهل الخسران المنافية لأصل الإيمان، والنفاق الذي يخرج من الملة يمكن أن يجمع في أربعة أمور، فلنحاول أن نسلم منها لننجو من الخلود في نار جهنم.

    الأمر الأول من النفاق الأكبر الموجب لصاحبه سوء الخاتمة قطعاً إذا لم يتب: أن لا يرى وجوب تصديق النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبر، ولا طاعته فيما أمر، ولا وجوب الانتهاء عما عنه نهى وزجر وحذر، فإذا كان يرى أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم ككلام غيره، فهو يؤمن به، ولكن سيعرض كلامه على عقله القاصر، وعلى ذهنه الفاتر، وأما كلام النبي صلى الله عليه وسلم فليست له عنده منزلة، إذا كان كذلك فهذا من المنافقين النفاق الأكبر، والله جل وعلا شهد بهذا في آياتٍ كثيرة، وأن من سلك هذا فله حكم المرتد: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ [محمد:26]، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ [النور:48]، فإن كان لا يرى وجوب تصديق النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبر، ولا وجوب طاعته فيما أمر، ولا وجوب الانتهاء عما عنه زجر، فهذا منافقٌ النفاق الأكبر.

    الأمر الثاني الذي يحصل به النفاق الأكبر: أن يحصل في قلبه المسرة والفرح والاستبشار بانخفاض الدين، وإضلال المسلمين، فإذا كان يفرح بهذا فليعلم أنه عند الله من أخبث المنافقين، إذا كان يسر بخذلان الدين، وبإذلال المسلمين، فهذا من النفاق الأكبر، الموجب لصاحبه الخلود في النار.

    الأمر الثالث الموجب لصاحبه النفاق الأكبر والخلود في النار: أن يظهر الفرح والسرور بانتصار الكافرين، وظهور كلمة المشركين، فإذا كان يحزن لظهور المؤمنين، ويفرح بظهور الكافرين، فهذا من النفاق الأكبر.

    الأمر الرابع: أن يستحسن غير شرع رب العالمين، كما تلبس به كثيرٌ من المكلفين في هذا الحين، يستحسن غير شرع رب العالمين، كأن يستحسن الوطنية ونحوها، فهو منافقٌ النفاق الأكبر وهو من المخلدين في النار، أو يستحسن الدعوة إلى القومية العربية، فهو منافقٌ النفاق الأكبر وهو مخلدٌ في النار، أو يستحسن الانضمام إلى الأحزاب البعثية أو إلى غيرها مما تعج بها الأرض في هذه الأيام فهو منافقٌ النفاق الأكبر، وهذا يوجب لصاحبه الخلود في النار، أو يستحسن ما عند النصارى كما يقول بعض طواغيت الأرض: لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة، والله إذا لم يكن هذا هو النفاق الأكبر المخرج من الملة، والموجب لصاحبه الخلود في النار، فلا نفاق على ظهر الأرض، يستحسن غير شرع الله، ومن سلم من هذا فليحمد الله.

    وأقول بصراحة: والله ما يسلم من هذا إلا القليل، الأفكار الخبيثة التي يستحسنها الناس في هذه الأيام، وأخرجتهم عند دين الرحمن وهم لا يشعرون، من الذي يكفر الآن بالوطنية ويبين أنها نظام الكفر؟ وأما الذي يدعو إليها فهو خارجٌ عن حظيرة الإيمان، وهو من المخلدين في النار، وإذا لم يدع إليها فهو منافقٌ النفاق الأكبر، أفكار تعج بها الأرض، وعبث عليها طواغيت الأرض وأرادوا أن يضعوها شرعاً، وأنها شرع منزل ليمحو ويزيل نور الله، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة:32]، وأسأل الله أن يطهر الأرض من رجسهم إنه على كل شيءٍ قدير.

    فمن اتصف بواحدٍ من هذه الأمور الأربعة فهو منافقٌ النفاق الأكبر، وهو خارجٌ من الملة، وإن صام وصلى وحج واعتمر فهو منافق النفاق الأكبر، وقد كان المنافقون مع النبي عليه الصلاة والسلام يصلون، والله يقول في حقهم: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:80]، فمن استحسن غير شرع الله فهو منافقٌ النفاق الأكبر، يقول الله في محكم كتابه: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف:26]، قرأ ابن عامر من العشرة: (ولا تشرك في حكمه أحداً)، ومن حكم غير شرع الله، أو استحسن غير هدي الله فهو منافقٌ النفاق الأكبر، الذي يوجب له الخلود في النار، وستظهر حقيقته عندما ينتقل من هذه الدار، هذا هو النفاق الأكبر، أسأل الله لنا السلامة منه جميعاً.

    النفاق الأصغر

    النوع الثاني: هو النفاق الأصغر، الذي هو نفاق العمل، ثبت في سنن الترمذي في كتاب الإيمان في باب علامة المنافق، قال الترمذي : وروي عن الحسن : النفاق نفاقان: نفاق العمل، ونفاق التكذيب. نفاق التكذيب تقدم وهو مخرجٌ من الملة ومحله القلب، وأما النفاق العملي فهو الذي يقع في الجوارح دون أن يستحسن في قلبه غير شرع الله، ودون أن يعتقد بقلبه أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يصدق فيما أخبر، ولا يطاع فيما أمر، كما تقدم معنا، لا يكون هذا في قلبه، إنما يقع عمل في جوارحه، فهذا نفاق العمل، نفاق المعصية لا يخرج من الملة.

    والنفاق الأصغر أيضاً يدور بين أمورٍ أربعة:

    الأمر الأول: أن يريد بعمله غير وجه الله، فهو منافقٌ النفاق الأكبر، وهو مراءٍ، كما تقدم معنا، فهذا أيضاً فهو منافقٌ النفاق الأصغر نفاق العمل وهو مراءٍ، إذا كان يريد بالعمل غير وجه الله، حظاً من حظوظ الدنيا، وهذا لا يكون فيه تلبيس في زمانه، إنما يركن إلى الدنيا ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فهو صاحب عصيانٍ عظيم، ولكن لا يخرج من شرع رب العالمين بهذا.

    الأمر الثاني: أن يطلب العلم بالله جل وعلا من غير خبره.

    الأمر الثالث: أن يقوم بالعمل لله جل وعلا من غير أمره.

    وقد وقع في هذين الصنفين المبتدعة من المتكلمين والمتنطعين في العبادة، فالمتكلمون في طلب العلم بالله عن طريق الأقيسة الكلامية وما شاكل هذا، هذا من النفاق، وهذا من الخروج عن شرع الكريم الخلاق سبحانه وتعالى، كذلك المبتدعون الذين ابتدعوا عبادات ما أنزل الله بها من سلطان، وعبدوا الله بغير أمره، وبغير ما شرع، فهذا أيضاً من النفاق، وهو نفاق العمل، ونفاق المعصية، من النفاق الأصغر، أن يطلب العلم بالله من غير وحيه، ومن غير طريقه، أو أن يعمل لله بغير أمره، كما قرر هذا الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله، فهذا من النفاق الأصغر.

    الأمر الرابع من النفاق الأصغر: ما ورد في مجموع الأحاديث: من أنه إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وأن يقوم بأعماله بخلاف ما أخبر به، أيضاً منافقٌ النفاق الأصغر.

    فهذا لا يخرج من الإيمان، لكنه في حال الاحتضار بين أمرين: قد يتزعزع إيمانه لما فيه من خبثٍ وفساد، فيختم له بشكٍ أو جحود، فيكون من المخلدين في نار الجحيم.

    والحال الثاني: قد لا يتزعزع إيمانه، إنما تعتريه الشبه، ويحب البقاء في الدنيا، ولا يموت وهو قرير العين بلقاء رب العالمين، فيلقى الله على معصية، فأمره مفوضٌ إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء غفر له.

    وعليه: فالنفاق من أسباب سوء الخاتمة، ولا يسلم منه أحد، ولذلك كان مطرف بن عبد الله بن الشخير من أئمة التابعين يقول: والله إني لا أعجب ممن هلك كيف هلك؟ فالهلكى كثيرون، إنما أعجب ممن نجا كيف نجا، والله يقول في محكم كتابه: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116]، فهم أئمة ضلال، ودعاة هدمٍ وإفساد، أكثر أهل الأرض أئمة ضلال، فكم عدد الضالين بسببهم؟

    اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تختم لنا بما يرضيك عنا يا رب العالمين، اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وحصن فروجنا من الزنا، واحفظ أعيننا من الخيانة، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اجعل سرنا خيراً من علانيتنا، واجعل علانيتنا صالحةً يا أرحم الراحمين، اللهم اهدنا وزدنا وعافنا واعف عنا، وإلى سواك ربنا لا تكلنا، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم إنا نسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك اللهم مرافقة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم في ديار الخلد، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير ساعاتنا ساعة نلقاك وأنت راضٍ عنا، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.