إسلام ويب

الحكمة من عبادة رب العبادللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كما أن الله سبحانه وتعالى غني عن عباده فهو سبحانه غني عن أعمالهم وطاعاتهم، وهو سبحانه إنما تفضل علينا وشرفنا بتكليفنا بعبادته؛ لنسعد في الحياة الدنيا وبعد الممات في الآخرة، ولولا أن من علينا سبحانه ببيان شرائعه لكنا في دركة البهائم العجماوات فله الحمد سبحانه وتعالى.

    1.   

    الحكمة من تكليف الله تعالى عباده بعبادته سبحانه وتعالى

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ورازقهم: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطاهرين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب:70]، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:71]. أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! لا يخفى على عقلاء الأنام أن الله جل وعلا كلفنا وشرفنا بعبادته، وخلقنا من أجل هذه الغاية الجليلة العظيمة: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58]، وهذا الأمر الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة معلوم للمسلمين من دين الإسلام بالضرورة، فالله جل وعلا خلقنا لعبادته، وكلفنا بذلك، ومفهوم العبادة: أن يسير الإنسان جميع شئون حياته في هذه الحياة على حسب شريعة رب الأرض والسماوات: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

    إخوتي الكرام! ولا أريد أن أفيض في تقرير هذا الأمر، وسرد الأدلة عليه، فهو معلوم من دين الإسلام بالضرورة، خلق الله عباده لعبادته، وكلفهم بذلك، وفي ذلك تشريف لهم، إنما الأمر الذي سنتدارسه في هذه الموعظة المباركة إن شاء الله هو: ما الغاية والحكمة من تكليف العباد بعبادة رب العباد؟

    فهذا الأمر جرى فيه خلط من الناس، وما فهموه حق الفهم من قديم، وما حصل فيه من خلط والتباس في هذا الزمن أعظم وأعظم.

    لم كلفنا الله بعبادته؟ ولم أمرنا بتسيير شئون حياتنا على حسب شريعته المطهرة؟

    عباد الله! هذا هو موضوع محاضرتنا وموعظتنا في هذه الليلة المباركة، والسؤال الذي طرحته أجاب عنه أهل السنة الكرام بجواب سديد، أخذوه من نصوص القرآن، ومن أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام، وخلط فيه علماء الكلام بهذيان ونكران، نبين بطلان قولهم بإذن ربنا الرحمن.

    إخوتي الكرام! خلق الله جل وعلا الخلق من غير احتياج منه إليهم، فما تعزز بهم من ذلة، ولا تكثر بخلقهم من قلة، فهم الفقراء إليه سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15]، وكما من الله على عباده بنعمة الخلق والإيجاد أتبع ذلك بنعمة جليلة، عظيمة وهي نعمة الهداية والإرشاد، فكما تفضل عليهم بخلقهم، وإيجادهم من غير استحقاق منهم عليه، ومن غير احتياج منه إليهم، تكرم عليهم جل وعلا بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وليحصلوا السعادة في هذه الدنيا، وعند العزيز الغفور.

    عباد الله! وعليه فالحكمة من تكليفنا بما كلفنا الله به: أراد ربنا أن يوالي إحسانه وفضله، وجوده وامتنانه علينا، فكما تكرم علينا بنعمة الخلق والإيجاد أتبع ذلك بنعمة الهداية والإرشاد، فالمقصود من تكليفنا بعبادته أن نسعد في هذه الحياة، وأن نحصل السعادة بعد الممات، والله جل وعلا غني عن طاعتنا، كما أنه جل وعلا غني عن وجودنا، وقد قررت آيات القرآن الكريم هذا.

    يخبرنا ربنا جل وعلا في سورة الزمر بعد أن ذكر نعمة الإيجاد، أنه لا ينتفع بطاعاتنا، ولا يتضرر بمعاصينا، فنعمة الهداية والإرشاد نفعها حاصل لنا، كما أننا انتفعنا من نعمة الخلق والإيجاد، يقول ربنا جل وعلا: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [الزمر:6]، هذه نعمة الخلق والإيجاد، ثم أتبعها ربنا جل وعلا بنعمة الهداية والإرشاد، وأخبرنا أن نفع ذلك عائد إلينا وعلينا، فقال جل وعلا: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الزمر:7]، سبحانه وتعالى، فبعد أن من علينا بنعمة الخلق والإيجاد أتبع ذلك بنعمة الهداية والإرشاد لنسعد في هذه الحياة وبعد الممات، فنفع ذلك عائد إلينا، ووالله لولا أن الله رحمنا، ولطف بنا وأنعم علينا ببعثة الرسل وإنزال الكتب لكنا في دركة البهائم العجماوات.

    ومن عظيم منة السلام ولطفه بسائر الأنام

    أن أرشد الخلق إلى الوصول مبيناً للحق بالرسول

    عليه صلوات الله وسلامه، وهو لا ينتفع بطاعاتنا كما أنه لا يتضرر بمعاصينا.

    وهذا الأمر الذي أشارت إليه شريعتنا المطهرة وهو مقرر في جميع شرائعنا المباركة، يخبرنا الله جل وعلا في سورة إبراهيم عن كليمه موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، يقول: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [إبراهيم:7-8]، ولذلك كان ربنا جل وعلا يكلم نبينا صلى الله عليه وسلم عندما كان يضيق صدره من كفر الكافرين وعناد المعاندين، فيخبره أنه ما ينبغي أن يتأثر، ولا أن يحزن، ولا أن يضيق صدره، فالله جل وعلا لم يتضرر بكفرهم، والله جل وعلا ما أراد أن يجعل لهم حظاً من السعادة في الدنيا ولا في الآخرة، يقول الله جل وعلا في سورة آل عمران: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران:176-177].

    إخوتي الكرام! وهذا الأمر الذي أشارت إليه آيات القرآن قرره نبينا عليه الصلاة والسلام في أحاديثه الكثيرة الحسان، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: (إن الله جل وعلا قال: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ) ، اللهم اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، ( يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تخطئون في الليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم ) ، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أعلنا وما أسررنا، وما أنت أعلم به منا بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين!

    ( يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني )، لن ينتفع بطاعاتنا ولا يتضرر بمعاصينا، ونفع ذلك عائد إلينا.

    ( يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً ) سبحانه وتعالى هو الغني، لو قدر أن جميع العباد كانوا على قلب محمد عليه الصلاة والسلام وفي طهارته وفي فضيلته لما انتفع الله جل وعلا بشيء من ذلك، ولما زاد في ملكه شيء، ( يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً ) سبحانه وتعالى ( يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) .

    عباد الله! فكما أن الله غني عن وجودنا فهو غني عن أعمالنا وطاعاتنا، وهو إنما تفضل علينا بتكليفنا بعبادته لنسعد في هذه الحياة وبعد الممات، ولولا أن الله من علينا ببعثة الرسل وإنزال الكتب لكنا في دركة البهائم، فالله غني عنا وعن عبادتنا، وكلفنا بهذه العبادات لنسعد في الدنيا وفي الآخرة.

    ثبت في مسند الإمام أحمد والكتب الستة من حديث أنس وأبي هريرة رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك شيخاً كبيراً يمشي بين ابنين يتوكأ عليهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:( ما شأن هذا؟ فقال ابناه: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إنه نذر أن يحج ماشياً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أيها الشيخ! إن الله غني عنك وعن نذرك ) ، أي: إذا كان المشي يكلفك وأنت في هذا السن، وقد وصلت للشيخوخة، وفي حال إعياء وتعب، فلا داعي لهذا الجهد ولا لهذا النصب، إن الله غني عنك وعن نذرك.

    وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه: ( أن أخته نذرت أن تحج ماشية إلى بيت الله الحرام، وأمرته أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: لتركب )، والمشي إلى بيت الله طاعة، فإذا كان يشق عليها فلتركب، وإذا نذرت ذلك فلتتحلل من نذرها بهدي تقربه إلى ربها جل وعلا، كما ثبت في سنن أبي داود رضي الله عنه زيادة: ( لتركب ولتهد هدياً ) ، أي: لتقدم شيئاً تتحلل به من نذرها، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    وقد اتفق جمهور الفقهاء على أن الإنسان إذا نذر أن يحج ماشياً وصعب عليه فليركب وليقدم هدياً شاة لله جل وعلا يدفعها صدقة للفقراء والمساكين.

    وذهب بعض السلف كعبد الله بن الزبير وغيره رضي الله عنهم أجمعين أنه إذا نذر أن يحج ماشياً وصعب عليه، فالله غني عنه وعن نذره، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وليحج ماشياً، وليحج راكباً ولا شيء عليه.

    1.   

    أوجه طيب ورغد حياة المسلم في الحياة الدنيا على حياة الكافر

    عباد الله! الله جل وعلا كلفنا بهذه الشريعة لنسعد في العاجل وفي الآجل، وقد أخبرنا جل وعلا أن من أخذ بشريعته وعكف على عبادته والتزم بهديه حصل السعادة الآمنة الطيبة المطمئنة في الدنيا، وما له من السعادة عند الله أعظم وأعظم، والعكس بالعكس، والجزاء من جنس العمل، فمن أعرض عن عبادته في هذه الحياة شقي فيها، وتخبط كما تتخبط البهائم العجماوات، وما له عند الله أشنع وأشنع، فله العذاب الأليم في أسفل الدركات.

    وقد قررت آيات القرآن الكريم هذا، يقول الله جل وعلا في سورة النحل: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، وهذه الحياة الطيبة التي يحصلها من عمل صالحاً ابتغاء وجه الله شاملة للحياة المطمئنة الهادئة الحسنة في الدور الثلاثة التي يمر الإنسان فيها، في دار الدنيا، وفي دار البرزخ، وفي دار الآخرة، أما في الآخرة فهو في جنة النعيم، في عليين، في جوار رب العالمين، وهناك حياة دائمة لا موت فيها، وصحة كاملة لا مرض يعتريها، وغنى لا يشوبه فقر ولا حاجة، حياة طيبة يحصلها في الآخرة، ويحصل حياة طيبة في البرزخ التي هي أول منزل من منازل الآخرة، وشتان شتان بين من يكون قبره روضة من رياض الجنة، وبين من يكون قبره حفرة من حفر النار، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97].

    ويحصل حياة طيبة أيضاً في هذه الحياة الدنيا، حيث يكتسب قلبه القناعة والرضا، ويبتهج بلذة الطاعة، فحصل الحياة الطيبة في الحياة، وفي البرزخ وبعد الممات في الدور الثلاثة التي يمر فيها.

    ذكر الإمام الرازي عليه رحمة الله في تفسيره، ونقل هذا عنه الألوسي وأقره: أن حياة المؤمن في هذه الحياة، في العاجل في الدنيا أطيب وأحسن وأرغد وألذ من حياة الكفار من وجوه خمسة، وأنا أزيد إليها وجهاً سادساً، فتصبح حياة المؤمنين ألذ من حياة الكافرين من ستة أوجه:

    الوجه الأول: المؤمن يعلم أن رزقه في هذه الحياة قدره رب الأرض والسماوات، فلا يزيد ولا ينقص.

    الوجه الثاني: المؤمن يعلم أن ما قدر له سيأتيه، فيحصل بهذا القناعة والرضا التام.

    الوجه الثالث: المؤمن يعلم طبيعة الحياة وما فيها من نكد وبليات، ولذلك عندما يصاب بشيء من الآفات يعلم أن ما أصابه هو طبيعة هذه الحياة.

    طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذار والأكدار

    ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار

    الوجه الرابع: من عرف أن ما يحصل من بلايا ومحن وشدائد ونكبات مقدر لا يجزع عندما يصاب بشيء من ذلك، ثم هو مع عدم الجزع مغمور بالسعادة والرضا عن الله جل وعلا، والسعادة والسرور في حياته؛ لأنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإلى هذه الوجوه الثلاثة أشار نبينا صلى الله عليه وسلم، فيما رواه عنه الإمام أحمد في مسنده، والإمام مسلم في صحيحه عن صهيب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ) .

    الوجه الخامس: المؤمن يعلم أن لذائذ الدنيا خسيسة، ولا نعيم إلا نعيم الآخرة، اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، ولذلك لا يبالي بها، ولا يحزن على فقدها مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:22-23]، وإذا كان هذا حال الدنيا فلا يعانقها الإنسان معانقة العشاق، وهو يعلم أنه سيرتحل منها ولا بد من الفراق، ونسأل الله أن يجعل الآخرة دارنا، وأن لا يجعل الدنيا حظنا؛ إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، فهي دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له.

    وأضيف وجهاً سادساً إلى هذه الوجوه الخمسة فأقول: إنه لا يشعر أحداً في هذه الحياة بالسعادة والطمأنينة والراحة والحرية والكرامة إلا إذا كان مؤمناً بالله، فكل من انحرف عن شرع الله العظيم فهو مهين، وكل من أعرض عن شرع العلي الجليل فهو حقير، فلا سعادة ولا حرية ولا كرامة للإنسان في هذه الحياة إلا إذا كان مؤمناً برب الأرض والسماوات، فيصون وجهه عن الابتذال لغير ربه جل وعلا، ولا يخنع هذا الوجه ولا يذل إلا لخالقه سبحانه وتعالى، ويذوق حلاوة للإيمان عندما يؤمن بالله حق الإيمان، وتتضاءل بجانب هذه الحلاوة جميع لذائذ الدنيا مهما عظمت، وإلى هذا أشار نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه أيضاً، عن العباس رضي الله عنه عن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً )، هذه الحلاوة يحصلها ويبتهج قلبه، من وجدت فيه هذه الأمور: أن يرضى بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، رضي بالشيء إذا قنع به فلم يطلب سواه، فلا رب له إلا الله، ولا يسأل ولا يعبد ولا يتوكل إلا على الله جل وعلا، ولا يلتزم بشريعة غير شريعة الإسلام، ولا يتبع إلا محمداً عليه الصلاة والسلام.

    وثبت في الصحيحين وغيرهما عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ) ، فهذه الحلاوة لا يحصلها إلا المؤمن، وهذه الراحة وهذه البهجة لا يحصلها إلا المؤمن الذي أفرد ربه بالعبادة، ونبيه صلى الله عليه وسلم بالمتابعة، أفرد الله جل وعلا بالعبادة والتعظيم، وأفرد رسوله صلى الله عليه وسلم بالمتابعة والتسليم، فيذوق حلاوة تتلاشى بجانبها سائر الحلاوات، وبذلك يحصل للإنسان عزة وكرامة ورفعة قدر، فلا يريق ماء وجهه، ولا يتذلل لغير ربه جل وعلا.

    1.   

    مذاهب أئمة الإسلام في سؤال المسلم حاجته الضرورية من غير الله

    إخوتي الكرام! وانطلاقاً من هذا المفهوم اتفق أئمة الإسلام أنه يحرم سؤال غير الله جل وعلا من غير ضرورة بالإجماع.

    لا يجوز أن تسأل غير الله جل وعلا شيئاً إذا لم تكن مضطراً ومحتاجاً، فإذا اضطر الإنسان واحتاج إلى رغيف خبز، وإلى كوز من الماء، فهل له أن يسأل أم لا؟

    اتفق أئمة الإسلام على جواز السؤال عند الاضطرار، لكنهم اختلفوا في أمر لا يعلمه إلا من أفرد الله بالعبادة، لا يعلمه إلا من سأل الله ولم يسأل أحداً غيره، اختلفوا بعد ذلك هل الأولى السؤال، وأن يسأل الإنسان رغيف الخبز من صديقه وجاره، أو أن يصبر حتى يموت فهو أولى له على قولين معتبرين، والذي ذهب إليه سفيان الثوري وبعض أئمة السلف: أن السؤال أولى عند الاضطرار من الصبر حتى الموت، والذي ذهب إليه الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله وقرره الإمام ابن القيم عليهم جميعاً رحمة الله: أن ترك السؤال أولى، وإذا صبر الإنسان حتى يموت، فهذا أعظم لأجره وأفضل له عند ربه جل وعلا من أن يسأل جاره رغيفاً من الخبز أو كوزاً من الماء؛ لأن الإنسان عندما يسأل مخلوقاً غيره فقد وقع في ثلاثة أنواع من الظلم: اعتدى على حق الرب جل وعلا، واعتدى على حق العباد، واعتدى على حق نفسه، فعندما سأل غير الله لوث توحيده، فصرف هذا السؤال الذي ينبغي أن يصرف إلى الله وأن يعظم به الخالق صرفه إلى مخلوق، وأراق ماء وجهه لغير ربه جل وعلا، وهذا لا ينبغي، والتذلل لله رفعة لك، عندما تتذلل لربك ففي هذا رفعة لقدرك، وعندما تتذلل لمخلوق مثلك فقد اعتديت على حق الله جل وعلا.

    الأمر الثاني: ظلمت العباد؛ لأن العباد يكرهون من ينازعهم في محبوباتهم، وهذه الحوائج والمال عند الناس محبوبة إليهم، فأنت عندما تطلب هذا منهم فقد أضجرتهم وآذيتهم، وهم بين بليتين، إن أعطوك فقدوا محبوباً، وإذا لم يعطوك فقد وقعوا في إحراج المنع والتعيير بالبخل، وفي كل من الحالتين ظلم منك لهم، فدع ظلم العباد وأنزل حاجاتك برب العباد، فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه.

    وفي ذلك ظلم لنفسك أيضاً، هذه النفس عزيزة فلا يجوز للإنسان أن يتذلل إلا لله، أما أن يسأل مخلوقاً مثله أميراً أو عميداً أو وزيراً فهذا لا ينبغي ولا يجوز، ولا يليق بكرامتك أيها المؤمن، فأنت عبد لعظيم، أنت عبد لرب العالمين، لا يجوز إذا كنت عبداً لله أن تتذلل لغيره، ولا يجوز أن تمتهن هذه النفس، فهذه النفس عزيزة: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8]، ولربما سألت من هو أنزل منك، وأنت أعز منه، ولربما سألت صعلوكاً لا يساوي درهمين، ففي ذلك ظلم لنفسك، وفي ذلك ظلم لرب العباد، وفي ذلك أيضاً ظلم للعباد، واعتداء على حقهم، فاصبر حتى تموت فهو أولى من أن تسأل غير الله جل وعلا.

    فالإنسان عندما يؤمن بالله جل وعلا يذوق طعم الإنسانية.. يذوق حلاوة العبودية عندما يتلذذ بذكر رب البرية سبحانه وتعالى ويفرده بالعبادة والتعظيم، قال الله تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، إيه والله، ما طابت الدنيا إلا بمعرفة الله ومحبته وذكره والأنس به، وما طابت الجنة إلا برؤيته ومشاهدته، ورحمة الله على الإمام ابن تيمية عندما كان يقول: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. قيل له: وما جنة الدنيا؟ قال: معرفة الله ومحبته، والأنس بذكره، وتعلق القلوب به أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    1.   

    حال من عبد الله واتبع أمره في الحياة الدنيا

    عباد الله! هذا وصف من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى، هذا وصف من عبد الله، هذا يحصله من التزم بشريعة الله جل وعلا، وإذا أعرض عن ذلك حصل الشقاء العاجل والآجل، يقول الله جل وعلا: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123]، لا يضل في الدنيا ولا يشقى ولا يهلك، ولا يخسر في الآخرة، قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:124-126]، صورتان متقابلتان، أقبل على هدى الرحمن وعمل به فلا يضل في الدنيا، وهو على هداية وسعادة ونور وضياء، وله عند الله ما هو أعظم، ولا يشقى في النار، إنما ينعم في الجنة مع الأبرار.

    ثبت في المستدرك وغيره بسند صحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا وأن لا يشقى في الآخرة، ثم قرأ قول الله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:123-124]، أي: له حياة صعبة قاسية نكدة شديدة، وله عند الله أفضع وأشنع، ويحشر يوم القيامة أعمى.

    1.   

    حال من أعرض عن عبادة الله في الحياة الدنيا

    عباد الله! كل من أعرض عن عبادة الكريم فهو مهين، وإذا لم يتذلل لرب العالمين فسيتذلل للمخلوقين.

    إخوتي الكرام! انظروا أحوال الناس في هذه الأيام عندما تركوا عبادة الرحمن، كيف عبد بعضهم بعضاً، وتذلل بعضهم لبعض، وأسرتهم شهواتهم وحاجاتهم، وأذكر لكم قصة تفري الأكباد عن أهل بلاد الشام الذين يقول فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم كما في المسند وسنن الترمذي بسند حسن صحيح: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم) ، وأهل الشام في هذه الأيام أخبث من الشيطان إلا ما رحم ربك، أهل الشام أعرضوا عن عبادة الله، وتركوا لا أقول الصلاة في المساجد، بل تركوا الصلاة رأساً، ولا يركع واحد منهم لله ركعة إلا ما رحم ربك، لن يتركهم الله فإن لهم معيشة ضنكاً.

    تدرون إخوتي الكرام بم عاقب الله أهل الشام هذه الأيام؟ عاقبهم بعقوبات كثيرة سأذكر عقوبة بسيطة لننظر كيف عندما ترك الناس الصلاة في جماعة في الفجر والتهجد لله ابتلاهم بالتذلل لحاجات رخيصة خسيسة، فأهل الشام في هذه الأيام عندما يأتي الوايت والسيارة الكبيرة التي تملأ البنزين، تأتي في الساعة العاشرة أو الحادية عشرة أو الثانية عشرة ليلاً إلى حي من الأحياء ليأخذوا منه المازوت -الديزل- ليوقدوه في المدافئ ليتدفئوا، فيصطفون من الساعة الثانية عشرة حتى طلوع الشمس!! إي والله، أبى الله إلا أن يذل من عصاه!

    عندما تقول لهم: صلوا صلاة الفجر في جماعة واعبدوا الله، يقولون: دعنا من هذا.

    لن يترككم الله جل وعلا، المعيشة الضنك تلازمكم من الساعة الثانية عشرة إلى الساعة السابعة والثامنة بعد طلوع الشمس، ويتزاحمون في صف رجالاً ونساءً يتصايحون ليملأ تنكة من المازوت.. من الديزل ليوقده وليتدفأ عليه، ويأخذ أيضاً ساعتين أو أكثر في السرة ليحصل ربطتين من الخبز بمقدار اثنين كيلو أو ثلاثة.

    نعم من أعرض عن عبادة الله ابتلاه الله بالبلايا في الحياة، وما له عند الله أعظم وأعظم، فإن له معيشة ضنكاً، أعرضت عن التهجد لله، وعن الصلاة له في جماعة فنجعلك تتهجد لشهواتك الخسيسة الرخيصة، وبعد ذلك تقف في هذا البرد والزمهرير، وكل واحد يسب الآخر ويلعنه، ويتلاعنون أيضاً يوم القيامة عندما يلقون في نار جهنم، ويتبرأ بعضهم من بعض.

    أبى الله إلا أن يذل من عصاه: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:124].

    عباد الله! من أعرض عن عبادة الله، والالتزام بهديه ابتلاه الله بثلاثة أمور في هذه الحياة لا تفارقه طرفة عين هم لازم، وتعب دائم، وحسرة لا تنقطع، كل من أعرض عن عبادة الله يحصل هذه الأمور في هذه الحياة، ولو كان عنده من الذهب ما يملأ البيوت، فهو في هم لازم، وتعب دائم، ويشقى في تحصيل عرض الدنيا وشهواتها كما تشقى الوحوش في البرية، وحسرة لا تنقضي على الشهوات التي لا يستطيع أن يحصلها، وشتان شتان بين الحياة الطيبة وبين هذه الأمور.

    1.   

    حال المحب لله وفي الله والمحب لغير الله في الحياة الدنيا

    عباد الله! إذا أحب الإنسان ربه وأحب في ربه، أحب الله وأحب لله ذاق حلاوة الإيمان، وإذا أحب لأجل شهوات رخيصة عذبه الله بمحبوبه في الدنيا، وما له عند الله أعظم وأعظم، ورحمة الله على الإمام ابن القيم عندما يكرر هذا البيت في كثير من كتبه في الجواب الكافي وغيره، فيقول:

    أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفِ

    ويكرر أيضاً قوله:

    وما في الأرض أشقى من محب ...........

    إذا لم تكن محبته في الله، ولم تكن محبته لله.

    وما في الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذاق

    تراه باكياً في كل حين مخافة فرقة أو لاشتياق

    فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ويبكي إن دنوا حذر الفراق

    فتسخن عينه عند التلاقي وتسخن عينه عند الفراق

    فشتان بين من يحب الرحمن وبين من يحب فيه، وبين من يحب لأجل شهوات رخيصة، فسيبتليه الله بهم لازم، وتعب دائم، وحسرة لا تنقضي.

    1.   

    بيان ما يحصله المؤمن والكافر بعد الممات

    هذا ما يحصله المؤمن في هذه الحياة، وما يحصله من أعرض عن الإيمان في هذه الحياة، وأما ما يحصله الطرفان والصنفان بعد الممات فأعظم وأعظم، يقول ربنا جل وعلا: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ [الروم:14-16]، فشتان شتان بين الصنفين، من كان في روضة يحبر، ومن كان في حفر النار يعذب ويشقى، (فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ)، و(أولئك في العذاب محضرون) يقاسون أنواع البلايا.

    ويقول الله جل وعلا: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ [الانفطار:13-16]، ويقول جل وعلا في سورة المطففين: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:7-14].

    وما لهم من العذاب المعنوي: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]، حصلوا العذابين، قاسوا حر النار، وأليم العذاب فيها، ومنعهم ربنا جل وعلا من التلذذ برؤية وجهه الكريم، كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:15-28].

    فشتان شتان ما بين هاتين الصورتين، وما بين هاتين الحالتين، وقد أخبرنا الله جل وعلا عن يوم القيامة بأنه يوم التغابن، يقع فيه غبن لا يعدله غبن على الإطلاق، ففريق في الدرجات، وفريق في الدركات، يقول جل وعلا: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن:9]، أعظم غبن يقع في ذلك اليوم: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التغابن:9]، هذا في الدرجات، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التغابن:10]، هذا في الدركات. فهذا يوم التغابن فريق في الجنة وفريق في السعير.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيصبغ في النار صبغة -يغمس فيها غمسة واحدة- ثم يقول الله له: هل رأيت خيراً؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا يا رب ).

    سبحان ربي العظيم! أنعم أهل الدنيا على الإطلاق سبغ في النار سبغة، وغمس فيها غمسة واحدة، ثم ناداه الله: هل رأيت خيراً؟ هل مر بك نعيم قط؟ فقال: لا يا رب!!

    قال: ( ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة، فيقول الله له: هل رأيت بؤساً؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا يا رب، ما رأيت بؤساً ولا مر بي شدة قط ). هذا أشد أهل الدنيا بؤساً، وذاك أرغد وأنعم أهل الدنيا، ذاك غمس في النار غمسةً فنسي ما كان فيه من نعيم زائل لا وزن له عند رب العالمين، وهذا كان في حالة كرب وضيق في الظاهر، لكن قلبه مع ربه جل وعلا في الحياة، فله عالي الدرجات يوم القيامة، فيسبغ في الجنة سبغة فينسى ما مر عليه من شدائد ومحن وكروب كانت تعتري ظاهره في هذه الحياة.

    إخوتي الكرام! فالله جل وعلا كلفنا بعبادته لنحصل السعادة في العاجل والآجل، هذا هو المقصود من تكليفنا بهذه العبادة المطهرة، وهذا الأمر هو الذي قرره أهل السنة الكرام، ودلت عليه آيات القرآن وأحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام، وخالف أهل المتكلمون وأهل الهذيان فقالوا: التكليف مأخوذ من الكلفة والمشقة، وإنما كلفنا الله جل وعلا بهذه الشريعة لثلاثة أمور:

    الأمر الأول: لمجرد الابتلاء والامتحان. أي: ليتميز المطيع من العاص، والشقي من التقي فقط، لا ليعود هذا التكليف علينا بنفع في العاجل والآجل، نعوذ بالله من هذا الكلام، وهذا كان بعض الناس في هذا العصر يدندن به ويقول: الغرض من تكليف الله لنا بعبادته مجرد ابتلاء وامتحان، فأقول: أخطأت أيها الإنسان، كلفنا الله بعبادته ليسعدنا في الدنيا، كما تفضل علينا بنعمة الخلق والإيجاد أتبع ذلك بنعمة الهداية والإرشاد، لئلا يضل هذا المخلوق في هذه الحياة، وليحصل السعادة في الدنيا وبعد الممات.

    نعم يحصل في تكليف الله ابتلاء وامتحان، وتمييز للمطيع من العاصي، ولكن ليس هذا المقصود، وليس هذا الغاية من تكليف الله لنا بشريعته، فالغاية الأساسية أن نسعد، وأن نتنعم بشريعة الله في الدنيا وفي الآخرة.

    الأمر الثاني: قال فريق آخر: إن الله كلفنا ليثيبنا على هذه العبادات وهذه الطاعات، وليعوضنا عليها بالثواب كما نعطي سلعة ونأخذ ثمنها، وهذا باطل.

    الأمر الثالث: قال فريق ثالث: كلفنا الله بشريعة الله لترتاض نفوسنا وترتفع عن درجة البهائم.

    والأقوال الثلاثة باطلة، ولا يعني أن التكليف بشريعة الله جل وعلا ينافي هذه الأمور، لا، ولكن هناك فرق بين الغرض الأساسي من تكليف الله لنا بشريعته، وبين ما يلازم ذلك التكليف، ولأوضح لكم هذا الأمر إخوتي الكرام! أذكر لكم مثالاً حسياً: الإنسان عندما يأكل الطعام اللذيذ الطيب، ويشرب الماء الهنيء المريء، يأكل الطعام ويشرب الماء ليتلذذ ويبتهج، وليحفظ صحته، وليدفع عن نفسه الآفات، هذا هو المقصود له أصالة، ويلزم من أكله للطعام وشربه للماء أن يذهب إلى الحمام، فهل هناك أحد يأكل لأجل أن يذهب للحمام؟ غايته من أكله الذهاب للحمام؟ هذا لا يفعله أحد من الأنام، فالغاية من الأكل أن يتلذذ بهذه الطيبات، وأن يحفظ صحته من البلايا والآفات، ولزم من ذلك ذهابه إلى الحمام. نقول: هذا من لوازم ذلك الأمر، وليس هو المقصود أصالة.

    ونحن نقول: المقصود أصالة من تكليفنا بشريعة ربنا وعبادته أن نسعد في الدنيا وفي الآخرة، ولزم من ذلك حصول ابتلاء وامتحان يتميز به المؤمن من الكافر، والتقي من الشقي، ولزم من ذلك حصول الثواب لمن يفعل الطاعات، والعقاب لمن يعرض عنها، وترتب على هذا ولزم منه أن الإنسان بهذه الشريعة ارتفع عن درجة الحيوان البهيم، فهذه من لوازم التكليف، وليست هي الغاية من التكليف، فالغاية من التكليف أصالة أن نسعد في الدنيا، وأن نسعد في الآخرة.

    1.   

    العلة في احتياج المخلوقات لربها.. بين أهل الإيمان وأهل الكلام والفلسفة

    إخوتي الكرام! وكما غلط المتكلمون والفلاسفة في الغاية والعلة من تكليفنا بشريعة الله المطهرة، غلطوا أيضاً غلطاً فضيعاً منكراً في علة احتياج العالم بأسره إلى ربه جل وعلا، فذكروا قولين هما علامة ولوازم ما ذكره أهل السنة في علة احتياج العالم إلى الخالق، وليس ما ذكره الفلاسفة والمتكلمون هو العلة، فالعلة في احتياج المخلوقات بأسرها إلى خالقها أن كل من عدا الله فقير بذاته، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فهو محتاج إلى الغني في جميع مراحل حياته.

    وأما الفلاسفة فقالوا: العلة في احتياج المخلوقات بأسرها إلى ربها أن من عدا الله ممكن حدوثه وممكن عدمه، ممكن حياته وممكن موته، فالذي رجح أحد الأمرين على الآخر هذا إله عظيم، فالمخلوقات محتاجة إلى الله لوجود وصف الإمكان فيها.

    وقال المتكلمون: من عدا الله محتاج إلى الله؛ لأنه حادث، فالذي رجح وجوده على عدمه هو الله، فمن عدا الله مخلوق فهو محتاج لخالقه.

    ونحن نقول للفلاسفة والمتكلمين: العلة في احتياج العالمين إلى أرحم الراحمين: أن من عدا الله فقير، والفقير محتاج للغني، والإمكان من لوازم الفقر، والحدوث من لوازم الفقر، فمن كان فقيراً فهو ممكن ليس بواجب الوجود، ومن كان فقيراً فهو مخلوق وليس بخالق، فالحدوث والإمكان أمارتان وعلامتان على الفقر، والعلة الحقيقية في احتياج العالم إلى موجده أن من عدا الله فقير، والله جل وعلا هو الغني: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15].

    يقول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في مدارج السالكين (1/525): أرسل إليّ الإمام ابن تيمية شيخ الإسلام عليه رحمة الله قاعدة من التفسير في أيامه الأخيرة، عندما كان في السجن وما خرج منه إلا للقاء ربه، نسأل الله أن يجعله في عليين، وأن يجعل قبره روضة من جنات النعيم إنه أرحم الراحمين.

    يقول: أرسل لي قاعدة من التفسير، وعلى ظهرها بعض أبيات من الشعر هي خير وأحسن وأصدق ما قيل في بيان حقيقة المخلوق، وحقيقة الخالق، وفي بيان الصلة بين المخلوق وبين الخالق.

    يقول هذا الإمام في هذه الأبيات التي كتبها على ظهر القاعدة التفسيرية، وهي إحدى عشرة بيتاً، يقول فيها.

    أنا الفقير إلى رب البريات أنا المسيكين في مجموع حالاتي

    أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي والخير إن يأتنا من عنده ياتي

    لا أستطيع لنفسي جلب منفعة ولا عن النفس لي دفع المضرات

    وليس لي دونه مولى يدبرني ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتي

    إلا بإذن من الرحمن خالقنا إلى الشفيع كما قد جاء في الآيات

    ولا ظهير له كي يستعين به كما يكون لأرباب الولايات

    والفقر لي وصف ذات لازم أبداً كما الغنى أبداً وصف له ذاتي

    وهذه الحال حال الخلق أجمعهم وكلهم عنده عبد له آت

    فمن بغى مطلباً من غير خالقه فهو الظلوم الجهول المشرك العاتي

    والحمد لله ملء الكون أجمعه ما كان منه وما من بعد قد يأتي

    والفقر لي وصف ذات لازم أبداً كما الغنى أبداً وصف له ذاتي

    هذا أصدق بيت قيل في بيان حقيقة المخلوق وحقيقة الخالق، وأصدق وصف لمن عدا الله أنه فقير، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وجد بغير اختياره، وسيخرج من الدنيا بغير اختياره، وأصدق وصف في ربنا أنه غني عما عداه، غني بنفسه عن غيره سبحانه وتعالى.

    والفقر لي وصف ذات لازم أبداً كما الغنى أبداً وصف له ذاتي

    ورحمة الله على من قال:

    الله قل وذر الوجود وما حوى إن كنت مرتاداً بلوغ كمال

    فالكل دون الله إن حققته عدم على التفصيل والإجمال

    واعلم بأنك والعوالم كلها لولاه في محو وفي اضمحلال

    من لا وجود لذاته من ذاته فوجوده لولاه عين محال

    والعارفون بربهم لم يشهدوا شيئاً سوى المتكبر المتعال

    ورأوا سواه على الحقيقة هالكاً في الحال والماضي والاستقبال

    كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88]، فالعلة في تكليف الله لنا بعبادته ليسعدنا ربنا جل وعلا في هذه الحياة، وبعد الممات، والعلة في احتياج العالم بأسره إلى ربه جل وعلا أن من عدا الله فقير، والله هو الغني الحميد.

    عباد الله! وهذه الشريعة التي أكرمنا الله بها، وأمرنا أن نسير جميع شئون حياتنا على حسب نهجها، بها نسعد، وبها تستقر الحياة، فالله جل وعلا نظم بهذه الشريعة علاقتنا بأنفسنا، ونظم جل وعلا بهذه الشريعة علاقتنا بغيرنا، ونظم بهذه الشريعة علاقتنا بربنا جل وعلا، فإذا أخذ الناس بهذه الشريعة سعدوا واستقروا واطمأنوا في الدنيا، وما لهم عند الله أعظم وأعظم، وإذا أعرضوا عنها تخبطوا وشقوا في هذه الحياة، وما لهم عند الله من العذاب أفضع وأفضع، فلا تصلح الحياة بغير شريعة رب الأرض والسماوات.

    إذا الإسلام ضاع فلا أمان ولا حياة لمن لم يحي دينا

    ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا

    إخوتي الكرام! وعند هذا الأمر سأنبه على أمر خطير صار له في هذا الوقت شر مستطير، وأصبحت شريعة ربنا الجليل تحارب من قبل السفهاء الذين يسمون أنفسهم بأنهم حكماء، شريعة الله المطهرة التي أنزلها الله وكلفنا بها لنسعد في الدنيا والآخرة صار يكر عليها ما بين الحين والحين في هذا الوقت علماء العقل، علماء النفس، زنادقة البشرية، وحثالة المخلوقات، صارت شريعة الله المطهرة كلأ مباحاً لهؤلاء السوائم.

    يقول بعض الأساتذة الضلال الذي يتبجح بهذا العلم -علم النفس- في محاربة شريعة الله جل وعلا، يقول في بداية محاضراته عند بيان موضوعات العلوم، يقول: إن علم الدين يبحث في السلوك الديني في الحلال والحرام، وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32] حرام، وعلم الإدارة يبحث في السلوك الإداري، وعلم اللغة يبحث في السلوك اللغوي، وعلم النفس يبحث في السلوك بوصفه سلوكاً، وعلى هذا انتبهوا إخوتي الكرام للكفر الذي يستحي منه الشيطان، يقول: وعلى هذا فعلم النفس أدق وأشمل وأعم من علم الدين. سبحان ربي العظيم!

    صار الكفر البواح، والشرك الصراح يقرر في معاقلنا، وإن أهل هذه البلاد والثلة الطيبة منهم المتقدمون ما برزوا في هذه الحياة إلا بعد أن أخذوا بعلوم ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وبسلفنا الصالح، فما بالهم في هذه الأيام يأخذون بالعلوم الغوية! بآراء أساتذة علم النفس.

    علم النفس أعم وأشمل وأدق من علم الدين يا صعلوك؟!

    إن علم الدين شامل لأمور خمسة: شامل للعقائد، والعبادات، وشامل للأخلاق والآداب، وشامل للمعاملات، وشامل للعقوبات، فلا يشذ شيء في هذه الحياة عن هذه الأمور، لا يشذ شيء، ولا يوجد شيء في هذه الحياة إلا وله حكم في شريعة رب الأرض والسماوات، عقائد، عبادات، معاملات، آداب، عقوبات.

    فنريد أن نقول لك: إن علم التوحيد على جلالة قدره فرع من علم الدين، وإن علم التفسير على رفعة شأنه فرع من علم الدين، وإن علم الفقه مع علو مكانته فرع من علم الدين، فما هو علم النفس؟ هل هناك إله آخر أعظم من الحي القيوم شرع لكم هذه العلوم حتى جئتم تهاجمون بها علم الدين وتقولون: إن علم النفس أعم وأشمل وأدق من علم الدين.

    ما هذا العلم يا هزيل؟ ما هذا العلم يا هبيل الذي تطنطن به في المحاضرات، وتقول: إن علم النفس أعم وأدق وأشمل من علم الدين! سبحان ربي العظيم، أنزل الله علينا هذه الشريعة لنسعد بها في الدنيا والآخرة، ولتحسن صلتنا بأنفسنا، فلا يجوز أن نتصرف بأنفسنا إلا على حسب شرع ربنا، ولا يجوز أن نتعامل مع غيرنا إلا على حسب شرع ربنا، ولا يجوز أن نتعامل مع ربنا إلا على حسب شرع ربنا، فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93].

    أي علم نفس الذي هو أدق وأشمل من علم الدين؟ وأنا أقول لهذا الضليل أقول له: إن علم النفس إذا كان مأخوذاً من شريعة الله فهو فرع منه، وإذا لم يكن لعلم النفس صلة بشريعة الله فلعنات الله عليك وعلى علمك. نعوذ بالله من هذا الكفر المبين!!

    إخوتي الكرام! فوالله ما تزيدني الأيام إلا بصيرة بأن المقصود من هذا العلم ما قاله العبد الصالح الشيخ محمد محمد حسين في كتابه: (حصوننا مهددة من داخلها): إن وظيفة علم النفس في هذه الأيام تبرير الجرائم، وتجفيف الفضائل، والقضاء على ما أجمع عليه رسل الله الكرام. سبحان ربي العظيم! أنزل الله علينا شريعة كاملة هدانا بها وأخرجنا من الظلمات إلى النور، يقال عن شريعتنا إن علم النفس وأعم وأشمل منها؟! سبحان ربي العظيم!

    إخوتي الكرام! اتقوا الله في أنفسكم، واعلموا ماذا يراد بكم وبدينكم في هذه الأيام، اتقوا الله في أنفسكم، أنزل الله جل وعلا علينا هذه الشريعة لنسعد في هذه الحياة، ووالله لا يذوق الإنسان طعم الإنسانية ولا طعم الحياة إلا إذا عرف رب الأرض والسماوات، وحكم شريعة الله جل وعلا في جميع شئون حياته، وإذا أعرض عن ذلك فسيتخبط في هذه الحياة، وما له من الشقاء والبلاء والعذاب أعظم عند رب الأرض والسماوات.

    يقول هذا الصعلوك في تبرير كلامه بأن علم النفس أدق وأشمل وأعم من علم الدين، يقول لأمرين: الأمر الأول: أن علم النفس يبحث في السلوك عن طريق لماذا، وعن طريق الكيف، أي: لماذا يتجه سلوكك نحو هذا؟ وكيف يتجه؟ أو لماذا لا ينبغي أن يكون السلوك على هذه الشاكلة؟ وكيف تبتعد عن هذا السلوك؟

    سبحان ربي العظيم! تتفلسف بكلام فارغ، كأن هذا لا يوجد في شريعة رب العالمين، عندما نهانا الله عن الزنا، أما ذكر الأسباب التي من أجلها نهى عن الزنا، إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32]، وبين لنا الطريق الذي به نبتعد عن الزنا، فأمرنا بغض البصر وحفظ الفرج، وشرع لنا النكاح الحلال، بين لنا السبب من هذا السلوك الشاذ، وبين لنا كيف نبتعد عنه، هذا مقرر في شريعة الله المطهرة.

    وإنني أريد أن أقول لهذا ولأمثاله: ما دخلك في علم الدين وأنت تخرجت من جامعات الملعونين؟! لو قلت: إن علم النفس يبحث في كذا لكانت البلية أخف، أما أن تأتي لتبحث في علم الدين وأنت لا تعرف قراءة الفاتحة، وأقول: لا تعرف أحكام الاستنجاء، فما دخلك بشريعة رب الأرض والسماء لتتهجم عليها في معاقل المسلمين؟!

    إخوتي الكرام! أنزل الله علينا هذه الشريعة لنحكمها في جميع شئون حياتنا، وبها نسعد في الدنيا وعند ربنا، أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه؛ إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.