إسلام ويب

البكاء من خشية الله [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم البكاء من خشية الله سواء في صلاته أو تلاوته للقرآن أو عند سماع تلاوة غيره، ولهذا فقد حرض أمته على هذه العبادة العظيمة، والتي تميز بها عباد الله المخلصين من النبيين والصديقين والصالحين.

    1.   

    حال النبي صلى الله عليه وسلم مع البكاء من خشية الله

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عميا، وأذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد: معشر الإخوة الكرام! فما زلنا في الحديث عن البكاء من خشية الله.

    الأمر الثالث إخوتي الكرام في هذا الموضوع هو: حال نبينا عليه الصلاة والسلام نحو البكاء من خشية الرحمن، فينبغي أن يكون لنا به أسوة حسنة: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

    بكاء النبي عليه الصلاة والسلام عند قراءة القرآن

    ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرئ عليه القرآن يبكي ودموعه تسيل، وعيناه تذرفان ).

    فقال نبينا عليه الصلاة والسلام لـعبد الله بن مسعود يوماً: ( اقرأ علي القرآن، فقال له عبد الله بن مسعود : أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. يقول: فقرأت عليه سورة النساء حتى وصلت إلى قول الله: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء:41-42]، قال: حسبك. يقول: فنظرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا عيناه تذرفان ).

    وفي رواية: ( فنظرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبكى ).

    وفي رواية: ( فنظرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا دموعه تسيل )، بكى عليه صلوات الله وسلامه وذرفت عيناه بالدموع وسالت الدموع على خديه الشريفين عليه صلوات الله وسلامه.

    هذا كان حاله إذا قرأ عليه القرآن، وكذلك كان حاله إذا قام للصلاة ومناجاة الرحمن.

    بكاء النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة

    ثبت في سنن أبي داود والنسائي وشمائل الترمذي وصحيح ابن حبان وابن خزيمة بسند صحيح عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسمعت لصدره أزيزاً كأزيز المرجل من البكاء ) صدره يغلي ويفور كما تفور القدر عليه صلوات الله وسلامه عندما تغلي.

    وفي رواية أبي داود : ( فسمعت لصوته أزيزاً كصوت الرحاه ) أي: كصوت الطاحون.

    هذا كان حاله عليه صلوات الله وسلامه عندما كان يصلي.

    بكاء النبي عليه الصلاة والسلام خوفاً على أمته

    وكذلك كان حاله عليه صلوات الله وسلامه عندما يتذكر أمته، ويشفق عليها، وعلى ما سيعتريها من نكبات، فيبكي شفقة عليها عليه صلوات الله وسلامه.

    ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى فيما حكاه عن خليله إبراهيم: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم:36].

    وتلا قول الله تعالى فيما حكاه عن نبيه وروحه عيسى -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه-: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118]، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه حتى رؤي بياض إبطيه الشريفين -عليه صلوات الله وسلامه- ثم بكى وقال: اللهم أمتي! اللهم أمتي! فأرسل الله جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: سل محمداً ما الذي يبكيه وهو أعلم بحاله؟ فسأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب بكائه فأخبره، فأخبر الله بذلك فقال الله لجبريل: ارجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم وقل له: إنا سنرضيه في أمته ولا نسوؤه ).

    وقد ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم -والحديث في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وشمائل الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما- في قصة كسوف الشمس: ( لما كسفت وصلى نبينا صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف بدأ يبكي -عليه صلوات الله وسلامه- في سجوده وينفخ، ويقول: رب! ألم تعدني ألا تعذبهم وأنا فيهم، رب! ألم تعدني ألا تعذبهم وهم يستغفرون، ونحن نستغفرك، وما زال يصلي ويبكي عليه صلوات الله وسلامه حتى انجلت الشمس، وعادت إلى حالها عليه صلوات وسلامه ).

    وهكذا كان حاله أيضاً يبكي شفقة على أصحابه، ففي سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عن أمنا عائشة رضي الله عنها: ( أن عثمان بن مظعون لما توفي جاء النبي صلى الله عليه وسلم وكشف عن وجهه وبدأ يقبله، تقول أمنا عائشة : وبكى حتى سالت دموعه على خدي عثمان )، وما قبل نبينا عليه صلوات الله وسلامه أحداً بعد موته إلا هذا الرجل الصالح، وهو أول من دفن بالبقيع رضي الله عنه وأرضاه.

    هذا كان حاله مع أمته يبكي شفقة عليهم ورحمة بهم عليه صلوات الله وسلامه.

    حال النبي عليه الصلاة والسلام مع نفسه وبكائه من خشية الله

    وأما حاله في نفسه فتخبرنا أعلم الناس بحاله زوجه أمنا عائشة رضي الله عنها، ثبت في الصحيحين عنها رضي الله عنها أنها قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى لهواته)، وهي اللحمة الصغيرة التي في آخر الحنك الأعلى، (إنما كان يبتسم).

    سبحان ربي العظيم! هذا حال الزوج مع زوجه، ما رأته ضاحكاً في حياته وأنه قاصداً للضحك بكليته، إنما كان إذا سر من أمر يبتسم عليه صلوات الله وسلامه، وهذه زوجته وهي أخبر الناس بحاله تقول: ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى لهواته، إنما كان يبتسم ) عليه صلوات الله وسلامه.

    وعلى هذا فالأحاديث التي وردت في ضحك نبينا صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، المراد من النواجذ كما قال شراح الحديث: الأنياب والأسنان التي في مقدمة الفم، وليس المراد من النواجذ: الأضراس التي في آخر الفم، فحاشا لنبينا صلى الله عليه وسلم أن يضحك حتى تبدوا أضراسه، فهذا غفلة من قلب المؤمن، وإذا ضحك الإنسان قهقهة فهذا يدل على عظيم غفلته عن ربه سبحانه وتعالى، فلا تكثر الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب.

    هذا كان حال نبينا عليه صلوات الله وسلامه.

    حال الملائكة مع البكاء من خشية الله

    وهذا الحال الذي كان لنبينا عليه صلوات الله وسلامه هو حال الملائكة المقربين.

    ثبت في مسند الإمام أحمد بسند جيد: ( أن نبينا -عليه صلوات الله وسلامه- قال لجبريل ليلة أسري به: يا جبريل! ما لي لا أرى ميكائيل ضاحكاً؟! فقال جبريل -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه-: إن ميكائيل لم يضحك قط منذ أن خلق الله النار)، وميكائيل هو الملك الموكل بالقطر.. ملك عظيم.

    قال الإمام عبد الرحيم بن الحسين الأثري عليه رحمة الله: وهذا المعنى ثبت في حق إسرافيل في كتاب شعب الإيمان للبيهقي ، فورد أنه لم يضحك قط منذ أن خلق الله النار.

    وروي هذا أيضاً في كتاب الخائفين لـابن أبي الدنيا عن جبريل: أنه لم يضحك قط منذ أن خلق الله النار.

    وورد في معجم الطبراني الأوسط بسند صحيح عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( رأيت ليلة أسري بي جبريل فإذا هو كالحلس البالي من خشية الله ).

    وروى ابن شاهين في كتاب الترغيب والترهيب بسند فيه ضعف: ( أن الله لما خلق النار جلس جبريل وميكائيل يبكيان فقال الله لهما: ما الذي يبكيكما؟ فقالا: ربنا لا نأمن مكرك، قال: هكذا فكونا ).

    سبحان ربي العظيم! ملائكة السماء الأطهار، أعظم الملائكة على الإطلاق جبريل الموكل بالوحي، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور، وميكائيل الموكل بالقطر على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه، لم يضحك واحد منهم منذ أن خلق الله النار، وهذا كان وصف الأنبياء الأبرار عليهم صلوات الله وسلامه.

    حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع البكاء من خشية الله

    وقد اشتد حزن أبينا آدم -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه- بعد أن أخرج من الدنيا؛ لأنه عاين بعينه ما عاين، ووالله! لو مات أسفاً وحسرة لما كان ذلك كثيراً.

    ولذلك روي في معجم الطبراني الأوسط، والحلية، وتاريخ دمشق لـابن عساكر عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لو كان يعدل بكاء داود وبكاء أهل الأرض ببكاء آدم لما عدله ).

    والأثر قال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله ثقات. ولكن في الإسناد أحمد بن بشر الهمداني وهو مجهول، والأثر رجح الإمام السيوطي في كتابه جمع الجوامع نقلاً عن ابن عدي وغيره من المحدثين أنه موقوف على سليمان بن بريدة ، وليس هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والعلم عند الله، فإذا كان هذا الكلام هو من كلام العبد الصالح سليمان بن بريدة التابعي، يقول: لو أن بكاء داود ، وبكاء أهل الأرض يعدل ببكاء آدم لما عدله، هذا حزن الأنبياء وبكاؤهم عليهم صلوات الله وسلامه.

    1.   

    تحريض النبي عليه الصلاة والسلام لأمته على البكاء من خشية الله

    إخوتي الكرام! لقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يحرضنا على البكاء من خشية الرحمن، ويحثنا على ذلك، ففي مسند الإمام أحمد ، وسنن الترمذي ، وابن ماجه ، والمستدرك بسند صحيح على شرط الشيخين عن أبي ذر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها أربع أصابع إلا وفيها ملك واضع جبهته ساجداً لله، والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون ) تصيحون وتبكون وتصرخون ( ولوددت أني كنت شجرة تعضد )، وهنا من كلام نبينا عليه الصلاة والسلام حسبما رجحه الإمام أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي، وهذا هو الوارد في الروايات المتقدمة باستثناء رواية الإمام أحمد ، فذكر أن هذا الكلام: ( ولوددت أني كنت شجرة تعضد ) من كلام أبي ذر رضي الله عنه، ولعل الجملة صدرت من نبينا عليه صلوات الله وسلامه ومن أبي ذر : (ولوددت أني كنت شجرة تعضد)، ليخبرنا عن عظيم خوفه وإشفاقه من ربه عليه صلوات الله وسلامه.

    ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ) وهذه الجملة متواترة عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه، ثبتت في الصحيحين من حديث أمنا عائشة ، وثبتت في الصحيحين من حديث أنس ، وثبتت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ، وثبتت في المستدرك من حديث أبي الدرداء ، وثبتت في معجم الطبراني الكبير والأوسط من حديث ابن مسعود ، وثبتت فيهما أيضاً من حديث عبد الله بن أم مكتوم ، وثبتت في معجم الطبراني والبزار من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً).

    وكان عليه صلوات الله وسلامه يحثنا على البكاء من خشية الله، ويخبرنا عن عظيم الأجر الذي نحصله من جراء ذلك، فقد ثبت في سنن الترمذي وغيره بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( عينان لا تمسهما النار: عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله ).

    وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي والمستدرك بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يلج النار أحدٌ بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ).

    وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه قال: ( قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك ).

    وورد في معجم الطبراني الأوسط والصغير بسند حسن عن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته ).

    1.   

    نماذج من أحوال السلف مع البكاء من خشية الله

    إخوتي الكرام! وأما الأمر الأخير -وهو خامس الأمور- حول حال سلفنا الكرام نحو البكاء من خشية الرحمن، وسأستعرض بعض نماذج من أحوال الصحابة الكرام، ومن أحوال التابعين لهم بإحسان.

    حال أبي بكر الصديق مع البكاء من خشية الله

    وأبدأ بخير هذه الأمة وأفضلهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم: صديق هذه الأمة أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.

    ثبت في الصحيحين وغيرهما في قصة مرض نبينا صلى الله عليه وسلم مرض الوفاة، وأنه لما اشتد به وجعه عليه صلوات الله وسلامه وفداه نفسي قال: ( مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت أمنا عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إن أبا بكر رجل أسيف ) أي: رقيق القلب. كما ورد هذا في رواية أخرى في الصحيح: ( إنه رقيق القلب لا يملك دمعه ) فإذا قام يصلي يكثر من البكاء بحيث لا يفهم من وراءه في بعض الأحيان قراءته.

    وكانت تقصد من وراء هذا رضي الله عنها أن يخلف النبي صلى الله عليه وسلم فينظر الصحابة إليه نظرة ليس فيها ارتياح، فسد مكاناً لا يسده أحد على الإطلاق لما له من المنزلة في قلوبهم رضي الله عنهم وأرضاهم، حيث أن من يأتي بعد النبي عليه الصلاة والسلام سيسد مكان النبي عليه الصلاة والسلام.

    هذا كان حاله رضي الله عنه.. أسيف، رقيق القلب، لا يملك دمعه، فصلى بهم بعد ذلك رضي الله عنه وأرضاه عندما ألح النبي صلى الله عليه وسلم وعزم عليهم بذلك.

    وثبت في مستدرك الحاكم ومسند البزار بسند جيد كما قال الإمام العراقي عليه رحمة الله عن زيد بن أرقم : ( أن أبا بكر رضي الله عنه استسقى في يوم من الأيام فقدم له قدح من عسل مشوب بالماء، فلما رفعه إلى فيه بكى وبكى حتى أبكى من حوله، فسكتوا وما سكت رضي الله عنهم أجمعين. ثم ازداد بكاؤه رضي الله عنه فبكى من حوله، فسكتوا بعد ذلك وسكت، فقالوا: يا أبا بكر ! ما الذي أبكاك؟ يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وليس معنا أحد، وهو يقول بيده: إليك عني! إليك عني. فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! من تخاطب، وليس هاهنا أحد؟ قال: هذه الدنيا تمثلت لي، فقلت لها: إليك عني! إليك عني. فقالت: إن نجوت مني فلن ينجو مني من بعدك. هذا الذي أبكاني ).

    وكان هذا يتكرر من الصحابة الكرام، ففي صحيح البخاري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان صائماً، فدعا بفطوره، فلما وضع أمامه وغربت الشمس، فنظر إلى الطعام، قال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، وكان عليه بردة إذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، وقتل أخي حمزة وهو خير مني، أخشى أن تكون طيباتنا قد عجلت لنا، ارفعوا عني الطعام، فما ذاق منه شيئاً رضي الله عنه وأرضاه. هذا كان حال سلفنا رضي الله عنهم.

    ولذلك كان أبو بكر رضي الله عنه يقول: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا. أي: تكلفوا البكاء واقصدوه، فعسى الله جل وعلا أن يرحمكم فهو أرحم الراحمين.

    وهذا المعنى ورد عن نبينا صلى الله عليه وسلم في سنن ابن ماجه بسند جيد بشواهده، وقد حكم على سنده بأنه جيد الإمام العراقي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقرءوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا)، تكلفوا ذلك ليكون ذلك لكم خلقاً وطبعاً.

    وورد في ترجمة العبد الصالح صالح المري أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا فقرأت عليه القرآن فقال: يا صالح ! هذا القرآن فأين البكاء؟

    حال عمر بن الخطاب مع البكاء من خشية الله

    وأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فالثابت في ترجمته أنه كان يصلي بالمسلمين أيام خلافته، ويقرأ في صلاة العشاء وفي صلاة الفجر سورة يوسف، وكان يكثر من قراءة هذه السورة في هاتين الصلاتين كما قال الإمام النووي في التبيان، فكان إذا قرأ سورة يوسف يسمع الناس نشيجه من وراء الصفوف، وهو خليفة المسلمين عمر بن الخطاب فاروق هذه الأمة رضي الله عنه وأرضاه.

    وكان -كما في الحلية- في وجهه خطان أسودان من كثرة البكاء.

    وثبت في مستدرك الحاكم : أنه لما حج وضع شفتيه على الحجر الأسود، ثم قبله وبدأ يبكي، هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    وكان إذا لم يحضره بكاء يسأل عن سبب ما يحصل ليتكلف البكاء وليبكي، كما يحصل البكاء ممن يراه يبكي، ففي صحيح مسلم وغيره في موقعة بدر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبعد أن انتهت الموقعة وتم ما فيها يقول عمر : ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني من انتصاره من غزوة بدر، فإذا هو جالس مع صاحبه أبي بكر يبكيان، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! فداك أبي وأمي، أخبرني ما الذي يبكيكما، فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة )، لأنهم اختاروا المغانم عندما أسر من أسر من المشركين رضي الله عنهم أجمعين.

    هكذا كان حال هذا العبد الصالح عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.

    حال عثمان بن عفان مع البكاء من خشية الله

    وأما عثمان بن عفان فكان يسير على هذا المسلك رضي الله عنه وأرضاه، ففي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه بسند حسن عن هانئ مولى عثمان رضي الله عنه قال: كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبرٍ يبكي حتى تخضل لحيته من البكاء، وكان يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه).

    ويقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أعظم ).

    حال علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع البكاء من خشية الله

    وأما حال الخليفة الرابع الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فالثابت في ترجمته كما في الحلية وغير ذلك: أنه لما رأى في آخر حياته أن الأمور تغيرت، وأن القلوب تناكرت، وحصل ما أشار إليه نبينا عليه صلوات الله وسلامه، (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً)، صلى صلاة الفجر وجلس حزيناً مطرقاً، فلما طلعت الشمس، قبض على لحيته وبدأ يبكي، وقال: لقد رأيت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت شيئاً يشبههم، كانوا يصبحون شعثاً غبراً صفراً بين أعينهم كأمثال ركب المعزى قد باتوا لله سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا طلع الفجر ذكروا الله، فمادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهطلت أعينهم بالدموع، والله! لكأن القوم باتوا غافلين، وما رؤي رضي الله عنه بعد ذلك متبسماً حتى لحق بربه.

    حال الصحابة الكرام مع البكاء من خشية الله

    وهذا كان حال الصحابة أجمعين رضوان الله تعالى عليهم، ففي سنن الترمذي ، وأبي داود ، وابن ماجه ، والدارمي بسند صحيح عن معاذ بن جبل قال: ( وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب )، هذا كان حالهم في خلال مجالسهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ( فقلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمر عبدٌ حبشي، فإنه من يعش منكم فيسرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضو عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ).

    وهذا الوصف كان ثابتاً لكل فرد منهم رضي الله عنهم، ومن استقرأ أحوال الصحابة الكرام لاح له ذلك ورأى ذلك وعلمه علم اليقين.

    ففي ترجمة عبد الله بن مسعود كما روى وكيع في كتاب الزهد عن زيد بن وهب أنه قال: رأيت عبد الله بن مسعود بكى بكاء شديداً حتى قال بكفه من دموعه هكذا، وحتى بل الحصى من دموعه.

    ومن تأمل حال ابن عباس رضي الله عنهما رأى فيه هذا الوصف، فالثابت في ترجمته أنه كان في وجهه مثل الشراك البالي من البكاء.

    وثبت في الصحيحين أنه كان يبكي حتى يبل الحصى من دموعه.

    وهكذا كان ابن عمر رضي الله عنهما، ففي كتاب الزهد للبيهقي وسنن الدارمي بسند صحيح: كان ابن عمر ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلا بكى.

    وزاد الإمام البيهقي في كتاب الزهد: ولا مر على ربعهم إلا غمض عينيه، إذا مر بحجر النبي عليه الصلاة والسلام لا يستطيع أن ينظر إليها حزناً، وما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلا بكى، وكان يقول: والله لأن أبكي وتسيل دموعي على خدي أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار.

    عبد الله بن عمر رضي الله عنه، قال الحافظ في الإصابة: وثبت عنه بسند جيد أنه ما قرأ قول الله: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكير منهم فاسقون [الحديد:16]، إلا بكى.

    وهكذا كان حال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عن الصحابة أجمعين، ففي المستدرك بسند صحيح عن ابن أبي مليكة قال: جلسنا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص وهو في فناء الكعبة، فقال: لو تعلمون العلم لبكاه أحدكم حتى ينقطع صوته، ولصلى حتى ينكسر ظهره، هكذا كان حال الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

    نماذج من أحوال التابعين مع البكاء من خشية الله

    ولو أردنا بعد ذلك أن ننظر لحال التابعين، نرى أن هذا الوصف كان فيهم أيضاً رضي الله عنهم أجمعين، فالثابت في ترجمة العبد الصالح محمد بن سيرين ونعته الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء بـشيخ الإسلام ، وأخرج حديثه أهل الكتب الستة.

    يقول الإمام النووي في التبيان: كان جيرانه يسمعون بكاءه في جوف الليل.

    محمد بن سيرين الجيران يسمعون بكاءه في جوف الليل، لا يسمعون من تلك الدار مزامير، ولا لهواً، ولا ضحكاً، ولا بلاءً، إذا قام في جوف الليل ليصلي يبكي حتى يسمع جيرانه بكاءه.

    محمد بن سيرين كان إذا رؤي وجهه ذكر الله رب العالمين سبحانه وتعالى.

    ولو انتقلنا إلى رجل آخر الخليفة بحق كما قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة العبد الصالح الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز .

    تقول زوجه فاطمة رضي الله عنه وعن زوجه: قد يوجد في الرعية من هو أكثر صلاة وصياماً من عمر ، ولكن لا يوجد في الرعية من هو أكثر خوفاً وبكاءً منه، خليفة المسلمين وإمامهم كان إذا صلى العشاء الآخرة، وجاء إلى بيته ألقى بنفسه في محرابه، فلا يزال يبكي حتى يطلع الفجر.

    عمر بن عبد العزيز والثابت في ترجمته رضي الله عنه: أنه في بعض الليالي اشتد عليه البكاء، وهو خليفة، فبكى أهل البيت لبكائه، ولا يعلمون ما الذي حدث؟ فسمع الجيران ذلك فبكوا لبكاء أهل عمر بن عبد العزيز ، وصار الصياح من بيته ومن بيوت جيرانه في ظلام الليل -هذا كان حال سلفنا- فلما سري عنهم، وعادوا إلى صحوهم، قالوا لـعمر : ما الذي أبكاك يا خليفة المسلمين؟ قال: ذكرت انصراف الناس يوم القيامة إلى فريق في الجنة وفريق في السعير.

    إمام المسلمين يفكر في ليله إلى أي مقعد سيكون؟ وإلى أي دار سيصير؟ إلى جنة أو إلى السعير؟

    لا خير في الأمة إذا لم يكن فيها أمثال هذا العبد الصالح، يبكي فيبكي أهله لبكائه، فيبكي الجيران لبكاء أهل عمر بن عبد العزيز .

    وهذا الخلق كان أيضاً في أئمتنا في زمن التابعين، فهذا محمد بن المنكدر أخرج حديثه أهل الكتب الستة، ونعته الذهبي أيضاً بأنه شيخ الإسلام، اشتد عليه البكاء في ليلة من الليالي فسأله أهله عن سبب ذلك وألحوا عليه فاستعجم لسانه من كثرة البكاء، فذهبوا إلى صاحبه وخليله أبي حازم سلمة بن دينار وقالوا: انظر ما الذي اعترى أخاك محمد بن المنكدر ؟ فجاء إليه وقد خف عن محمد بن المنكدر البكاء، فقال: ما الذي أبكاك يا أخي؟! قال: قرأت قول الله تعالى: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47]، نسألك العافية يا أرحم الراحمين، وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].. يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:9]، فاشتد البكاء على أبي حازم ، وعاد محمد بن المنكدر إلى بكائه، فقال له أهله: أتينا بك لتخفف عنه فزدته بكاءً: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].

    ولما احتضر هذا العبد الصالح بدأ يكرر هذه الآية ويبكي: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].

    وممن كان فيه هذا الوصف وهو عابد صالح رضي الله عنه: الربيع بن خثيم .

    يقول نصير بن زعلوقنصير بن زعلوق صدوق من رجال ابن ماجه في سننه- قال: بت ليلة عند الربيع بن خثيم ، فأحيا ليلته بالبكاء، وما علمت لأي شيء يبكي، ففي الصباح قلت له: ما الذي أبكاك؟ قال: تلوت قول الله جل وعلا: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:21]، فكان يقرأ هذه الآية ويبكي رضي الله عنه وأرضاه.

    والربيع بن خثيم قال له عبد الله بن مسعود : والله! لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسر بك ولأحبك، وكان إذا رآه يقرأ قول الله: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [الحج:34].

    قال الإمام الذهبي : وهذه منقبة عظيمة لهذا الإمام أنه يقول له: لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسر بك وأحبك.

    وقد قالت ابنة الربيع بن خثيم يوماً لوالدها: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26]، قالت له: يا أبت! الناس ينامون فمالك لا تنام؟ فقال: يا بنيتي! إن ذكرت جهنم طار نومي.

    واعجباً للجنة نام طالبها، واعجباً للنار نام هاربها!!

    وكان من كثرة بكائه تقول له أمه: يا بني! لعلك قتلت نفساً حتى أنك تبكي هذا البكاء، فإذا قتلت نفساً فأخبرنا حتى نسترضي أهل القتيل وأهل المقتول، فإذا علموا بحزنك وبكائك عفوا عنك، قال: نعم. يا والدتي! قتلت نفسي، وينبغي أن أبكي حتى يرضى ربي عني: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا [التوبة:82].

    إخوتي الكرام! والبكاء من صفاء القلوب، وليس البكاء من كثرة الذنوب والعيوب، ورحمة الله على الإمام الشاطبي عندما يقول:

    وهذا زمان الصبر من لك بالتي كقبض على جمر فتنجو من البلا

    ولو أن عيناً ساعدت لتوكست سحائبها بالدمع ديماً وهطلا

    ولكنها عن قسوة القلب قحطها فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا

    يقول الإمام الأعمش كما في الحلية: مر الربيع بن خثيم بالحدادين، فلما رآهم ينفخون النار بالكير بكى، فمررت بالحدادين لأبكي فما استطعت أن أبكي.

    البكاء من صفاء القلوب لا من كثرة الذنوب والعيوب، وإذا طهرت القلوب بكت الأعين من خشية علام الغيوب.

    الربيع بن خثيم رضي الله عنه أرسل الناس في زمنه إليه امرأة، وقالوا لها: إذا راودتيه وأوقعتيه فيما حرم الله لك ألف دينار، فلما جاءت إليه وكشفت عن وجهها قال: يا أمة الله! كيف بك إذا نزلت الحمى بجسمك فغيرت لونك وبهجتك؟ يا أمة الله! كيف بك إذا جاءك ملك الموت من رب العالمين فقطع منك الوتين؟ يا أمة الله! كيف بك إذا وضعت في قبرك، فجاءك منكر ونكير يسألانك؟! فولت رضي الله عنها باكية وتابت مما عزمت عليه، وما لقيت ربها إلا وكأنها جذع محترق من كثرة البكاء وخشية الله سبحانه وتعالى.

    إخوتي الكرام! هذا الوصف ينبغي أن نحافظ عليه، واعلم أخي المؤمن! أنه لك وصفان في هذه الحياة الدنيا، هنيئاً لك إذا اتصفت بهما:

    الأول: البكاء عند ولادتك، وفي حال حياتك، كل مولود إذا ولد يبكي؛ لأنه خرج من المكان الذي ألفه إلى مكان لم يألفه، ولأنه طعن الشيطان في جنبه، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل بني آدم يطعنه الشيطان بجنبه )، وفي رواية: ( في جنبيه بأصبعه حين يولد إلا عيسى بن مريم)، على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه ( ذهب الشيطان ليطعن فطعن في الحجاب ) أي: طعن في الغشاء الذي يحيط بعيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، أو طعن فيما يلف به المولود من لباس وثياب، فأراد الشيطان أن يطعن في جنبي هذا النبي الصالح على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه فطعن في الحجاب في الغشاء الذي يحيط به عندما انفصل من بطن أمه، أو في الثياب الذي يلف بها المولود، وما عدا هذا فكل بني آدم طعنه الشيطان في جنبه أو في جنبيه.

    يا ابن آدم! خرجت من بطن أمك باكياً فلازم هذه الصفة حتى خروجك من الدنيا.

    والصفة الثانية: الضحك، هنيئاً لك إذا اتصفت بها عند موتك.. هنيئاً لك إذا بكيت عند ولادتك وفي حياتك، وضحكت عند مماتك، وشقاءً ثم شقاءً لك إذا ضحكت في حياتك وبكيت عند مماتك.

    يا ابن آدم! إذا ولدت أنت تبكي، ومن حولك يضحك، فاستعد اليوم لتضحك فيه وهم يبكون.

    ولدتك أمك يا ابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا

    فاجهد لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا

    أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء، وذكره الذي ملأ به عرشه أن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.