إسلام ويب

البكاء من خشية الله [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من يتأمل واقعنا اليوم يجد أسباباً كثيرة تدعو للحديث عن موضوع البكاء من خشية الله، منها: فضل هذا العمل وما يترتب عليه، وقسوة قلوبنا وجفاء معاملاتنا، ولو تأملنا آيات القرآن لوجدنا أن هذه الصفة مما يخص بها عباد الله الصالحين.

    1.   

    الأسباب التي توجب الحديث عن البكاء من خشية الله

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عميا، وأذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! إن الحديث الذي سنتدارسه اليوم يدور حول فضيلة البكاء من خشية ربنا الرحمن، وهذا الموضوع كنت ذكرته بشكل مختصر لبعض الإخوة الكرام الذين قدموا في العام الماضي من جامعة أم القرى، وكان الاجتماع بهم بشكل خاص وفي فترة قصيرة، وقد وعدتهم بإكمال الموضوع في محاضرة مناسبة، ولما علم بعض الإخوة الكرام من أهل أبها عن ذلك اللقاء الخاص عتب علي عتباً كثيراً، وقال: ينبغي أن يعاد الموضوع مرة ثانية، فوعدتهم بذلك، وقد يسر الله لنا في هذه الساعة تحقيق ذلك الوعد، ولما طلب الإخوة الكرام المشرفون على هذه المدرسة مني محاضرة وتم الاتفاق على هذا الموضوع جاءتني رسالة من أحد الإخوة من جدة، ولعلها فيها بشارة عظيمة، ولا أعرفه ولا يعرفني شخصياً، ما بيننا إلا التحاب في الله، ونسأل الله أن يجعلنا من المظلين في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

    يقول الأخ المبارك - بعد أن ذكر كلاماً كثيراً- ختم الرسالة برؤيا رآها في نومه، وهذا كان بعد الاتفاق على الموضوع بيومين تماماً، يقول: وجدتك في مجلس وعظ وأنت تذكر الله، فذكَّرتك بهدي السلف الصالح فقطعت المجلس فبكيت أنت وبكيت أنا. أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من الذين يبكون من خشيته؛ إنه أرحم الراحمين.

    إخوتي الكرام! هذا الموضوع سنتدارسه من خمسة أمور:

    الأمر الأول: الأسباب الداعية للحديث عن هذا الموضوع.

    الأمر الثاني: حديث القرآن عن البكاء من خشية الرحمن.

    الأمر الثالث: حال نبينا عليه الصلاة والسلام مع هذه الصفة العظيمة الشأن.

    الأمر الرابع: تحريض نبينا عليه الصلاة والسلام لأمته على البكاء من خشية الله.

    الأمر الخامس: استعراض نماذج طيبة من حياة سلفنا الصالحين تقرر هذا الأمر العظيم.

    أما الأسباب التي توجب البحث في هذا الموضوع فهي كثيرة أبرزها ثلاثة:

    السبب الأول: فضل البكاء من خشية الله

    السبب الأول: لو ألقى المسلم نظرة إلى حياة سلفنا الطيبين لرآهم يولون هذا الأمر -وهو البكاء من خشية رب العالمين- عناية عظيمة، فنوهوا به في مصنفاتهم، فالإمام الترمذي في كتابه الجامع الصحيح المعروف بسنن الترمذي أورد في كتاب الزهد باباً بهذا الخصوص: (باب ما جاء في فضل البكاء من خشية الله).

    وهكذا فعل الإمام المنذري عليه رحمة الله في الترغيب والترهيب في كتاب التوبة والزهد، فأورد باباً في فضل البكاء من خشية الله.

    وهكذا فعل الإمام النووي عليه رحمة الله في كتابه (التبيان في آداب حملة القرآن)، فأورد باباً في فضل البكاء من خشية الله عند تلاوة كلام الله جل وعلا.

    وهذا الأمر مع أن سلفنا الكرام نوهوا به في مصنفاتهم ودونوه في كتبهم فكانوا يتصفون به رضي الله عنهم في حال سرهم وفي حال جهرهم، سواء كانوا فرادى أو مجتمعين.

    روى ابن ماجه في سننه والحاكم في مستدركه وصححه وأقره على ذلك الذهبي والمنذري ، والحديث في صحيح ابن حبان ومعجم الطبراني الكبير، ورواه أبو نعيم في الحلية، والإمام أحمد في كتاب الزهد، والحديث صحيح -كما قلت- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( اشتكى سلمان الفارسي رضي الله عنه فعاده سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وعن سائر الصحابة أجمعين فلما حضر العواد في مجلس سلمان الفارسي بدأ سلمان يبكي، فقال له سعد : ما يبكيك يا أخي؟! أليس قد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! أليس.. أليس؟! وبدأ يعدد عليه مناقبه وفضائله، فقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: والله ما أبكي لواحد من اثنين: ما أبكي دوماً على الدنيا، ولا أبكي زهداً في الآخرة، إنما عهد إلينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عهداً ما أراني إلا قد تعديت. ما العهد يا سلمان رضي الله عنك وأرضاك؟ قال: عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون زاد أحدنا في الدنيا كزاد الراكب، ولا أراني إلا قد تعديت ) وقد أنزلت جميع تركة سلمان الفارسي فما بلغت أربعين درهماً.. ترك ما يقارب العشرين من الدراهم النقد، وأمتعة تقرب من هذا المبلغ، ومع ذلك رضي الله عنه كان يرى نفسه أنه قد تعدى، وكان يبكي من خشية الله جل وعلا، وخشية التفريط في جنبه.

    سلمان الفارسي ابن الإسلام، سلمان الخير الذي عاش خمسين ومائتين سنة على الراجح، وما اختلفت الأقوال في ذلك، إنما اختلفت في الزيادة على ذلك، وبعد أن قرر الإمام الذهبي هذا، وقال: رأيت الأقوال مجمعة على ذلك. رجع عن قوله وقال: والذي يظهر لي أنه ما جاوز الثمانين. فتعقبه حذام المحدثين الإمام ابن حجر في الإصابة وقال: من لا يعلم هذا، وما ذكر الذهبي مطلباً لقوله، ولعله بناه على أمرين:

    الأمر الأول: أن سلمان شهد الفتوح مع النبي عليه الصلاة والسلام وبعده.

    والثاني: أنه تزوج بعد إسلامه، وبعد وفاة نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وهذان الأمران لا يحصلان إلا لمن فيه جد ونشاط وعزم الشباب.

    قال الحافظ ابن حجر في الإصابة عليه رحمة الله: وما المانع أن يكون ذلك من باب خوارق العادات، وأن الله جل وعلا أكرم سلمان بذلك. ثم نقل عن أبي الشيخ في أخبار أصبهان أن العلماء يقولون: إنه بلغ خمسين وثلاثمائة سنة، وأما خمسين ومائتا سنة فلا يشكون فيها.

    هذا سلمان الفارسي رضي الله عنه كان يقول كما هو ثابت في ترجمته: أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث: أضحكني ثلاث: غافل والله لا يغفل عنه، ومؤمل الدنيا والموت يطلبه، وضاحك ملء فيه ولا يعلم أساخط عليه رب العالمين أم لا. وثلاث أبكينني: فراق الأحبة محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه، وهول المطلع عند معاينة ملك الموت، والوقوف بين يدي الله وما أدري أيؤمر بي إلى جنة أو إلى نار.

    هذا حال سلمان الفارسي إخوتي الكرام، وهذا الأمر كان يتكرر من صحابة نبينا عليه الصلاة والسلام، فروى عمرو بن شبة في ترجمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه زار أبا الدرداء في ليلة من الليالي -رضي الله عنهم أجمعين- فلما جلس إلى أخيه أبي الدرداء قال أبو الدرداء : يا عمر ! أتذكر حديثاً حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليكن زاد أحدكم في الدنيا كزاد الراكب).

    إذا سافر الإنسان من هنا إلى الطائف يتزود قليلاً، ونحن في سفر إلى الآخرة، ولا ندري متى سنرتحل عن هذه الدنيا الفانية.

    فقال أبو الدرداء لـعمر : أتذكر هذا الحديث؟ فقال عمر : نعم. فقال: يا أخي! فماذا فعلنا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! فما زالا يبكيان حتى طلع الفجر.

    أثر البكاء من خشية الله في نفوس طلبة العلم

    إخوتي الكرام! وقد كان طلبة العلم في العصر الأول يخبروننا عن هذا الوصف في شيوخهم، ويخبروننا عن مدى تأثرهم بهذا الوصف أكثر من تأثرهم بالعلم النظري الذي يتلقونه من أفواه المشايخ، ولنترك الحديث لشيخ الإسلام في زمنه الإمام أبو الفرج بن الجوزي ليحدثنا عن هذا الأمر بشكل موجز.

    يقول الإمام ابن الجوزي عليه رحمة الله في كتابه صيد الخاطر، يقول: ما رأيت في مشايخنا أكثر سماعاً للحديث من الشيخ أبي البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي ، ولا أكثر كتابة للحديث، ولا أصبر على الإقراء، ولا أحسن بشراً ولقاء، ولا أكثر دمعة وأكثر بكاءً، وكنت أقرأ عليه الحديث في أيام الصبا وأنا لم أذق بعد طعم العلم، فكان يبكي بكاءً متصلاً، وكنت أقول: إنه لا يبكي إلا لأمر عظيم، فكان بكاؤه يعمل في قلبي، ويبني قواعد الأدب في نفسي، وكان على هيئة مشايخ السلف، وعلى سمت العلماء الذين سمعنا عنهم في النقل، أي: من الورع، والزهد، والخشوع، والإنابة إلى الله، وكان إذا أراد أن يأتي إلى موعظته، يأتي إلى الموعظة من القنطرة القديمة، وما يأتي من القنطرة الجديدة، فسألته عن ذلك؟ فقال: إن القنطرة الجديدة بنيت على دار القاضي ابن معروف عندما نزع القضاء منه، وصودرت أملاكه، وأخذت الدار منه غصباً، ولا يجوز المرور على القنطرة التي بنيت على عركة داره وعلى ساحة داره، هذا مع أن ابن معروف عليه رحمة الله سامح من يمر من ذلك المكان؛ لأنه ما فعل هذا باختياره، وتنازل هذا الرجل عن حقه بالنسبة للعامة.

    وكان يقول أيضاً -أي: الإمام ابن الجوزي - عليه رحمة الله: ولقيت الإمام أبا منصور موهوب بن أحمد الجواليقي ، فكان كثير الصمت، سريع الدمعة، عظيم الفكرة، محققاً، لا يقول الشيء إلا بعد تثبت وتأكد، فانتفعت بهذين -بالشيخ أبي البركات الأنماطي ، وأبي منصور الجواليقي - ما لم أستفد من غيرهما، فعلمت أن الدليل بالفعل أرشد إلى الدليل بالقول. فرحمة الله على علمائي عندما قالوا: اصحب من ينهضك حاله، ويدلك على الله مقاله، ولا خير في عالم يدل كلامه على الله، وينفر عمله عن الناس.

    قال: فعلمت أن الدليل بالفعل أرشد وأقوى من الدليل بالقول، فالله الله في العلم بالعمل؛ فإنه الأصل الأكبر، والمسكين من ضيع حياته في علم لم يعمل به، فشغلته لذات الدنيا عن خيرات الآخرة، وقدم على الله مفلساً مع قوة الحجة عليه.

    الإمام ابن الجوزي عليه رحمة الله المتوفى سنة (597هـ) للهجرة لقي شيوخاً كثيرين زادوا على المائة، يخبرنا هو بنفسه أنه ما انتفع بأحد كما انتفع بهذين الرجلين المباركين: أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي المتوفى سنة (538هـ)، وأبو منصور موهوب بن أحمد الجواليقي المتوفى سنة (540هـ).

    إخوتي الكرام! هذا هو أثر البكاء من خشية الرحمن في نفوس طلبة العلم، وكنت ذكرت قصة طريفة عظيمة في محاضرة سابقة رويت في ترجمة الإمام مالك عليه رحمة الله، وكان يخبر أن أيوب السختياني حج حجتين فما كتب عنه ولا روى شيئاً، وما كان يتهمه، إنما ما كان يرى عليه بهجة العلم ونور العلم، فلما حج حجته الأخيرة، وجلس أيوب في فناء زمزم، كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يبكي حتى يرحمه الإمام مالك ، فكتب عنه بعد ذلك وروى.

    تنبيه: خطر السفر للدراسة في بلاد الكفر واستقدام الخادمات الكافرات

    إخوتي الكرام! كنت قد علقت على هذه الحادثة في المحاضرة السابقة لأمر أذكره على وجه الاختصار، وأبين ما ترتب عليه:

    والأمر الذي علقت به والذي حذرت شبابنا وجيلنا المسلم منه هو الذهاب إلى بلاد الكفر والإلحاد لتلقي العلم، ونيل الشهادات الرفيعة من الكفار والنصارى واليهود الذين غضب عليهم ربنا سبحانه وتعالى.

    وبعض الإخوة اتصل بي وقال لي: إنك قسوت علينا في الكلام في تلك المحاضرة، ونحن كنا نتمسك بشريعة الله المطهرة، وما جرى منا شيء. فقلت له: أخبرني من الذي يحل لك أن تجلس بين النساء الفاجرات وحالتهن لا تخفى؟ من الذي يحل لك ذلك؟

    واشترك بعد ذلك في الحديث بعض الإخوة الذين ذهبوا إلى تلك البلاد وعادوا، فقال: نحن لو خسرنا بالمائة عشرة، وليس بالمائة تسعين -كما أقول أنا- لو خسرنا نحن بالمائة عشرة فقط، وهذا الخسران ثابت على أقل تقدير، فنحن الخاسرون في جميع الجهات؛ لأننا نزج بأبنائنا المسلمين في هذه المعمعات فإذا كفر من كل مائة عشرة، وزاد هو على هذا فقال: هؤلاء العشرة أيضاً عندما يعودون إلى بلادنا يوضعون في المراكز الحساسة، فيفسدون البلاد ويدمرون العباد.

    فكأن الرجل ظن أنه إذا أعفى لحيته وما تعاطى دور العهر والزور أنه يباح له أن يجلس بين النساء الفاجرات الكافرات، وأنه يباح له أن يدرسه القسس والبابوات.

    سبحان ربي العظيم! الرجل هنا وهو متمسك -كما قلت سابقاً- ولا أزكيه على الله، إنما يكون التمسك في بيان ما ينبغي أن يوضع نحوه باحتياط؛ لأن التمسك صار كأنه شيء ظاهر دون مراعاة حرمات الله وحدوده بعد ذلك. وهذا يذكرني بأمرٍ ثانٍ كنت ذكرته وحذرت منه في بعض المحاضرات، عن موضوع الشغالات اللواتي أفسدن بيوت المسلمين والمسلمات، فقال لي بعض الناس: إن تحريم استقدام الشغالات ليس متفقاً عليه بين الفقهاء، سبحان ربي العظيم! ونعوذ بالله من فقه يجرنا إلى فسق، إذا كان أئمتنا يقررون أن من شروط وجوب الحج على المرأة وجود المحرم، وقد ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن المرأة إذا لم تجد محرماً فالحج ليس مفروضاً عليها وإن كانت غنية وجميع شرائط الحج موجودة. وانفرد الشافعية والمالكية فقالوا: إذا وجدت نساء ثقات، وكان الطريق آمناً فيجوز للمرأة أن تخرج لحجة الإسلام.. لحجة الفريضة فقط، وما عدا هذا فيحرم عليها أن تخرج بغير محرم.

    سبحان الله! وهذا الرجل يقول: إن هذا الأمر ليس متفقاً عليه في الفقه، ومن الذي يخالف في هذا من أئمتنا الفقهاء يا عبد الله؟! ولا سيما في وقت -أيها الإخوة الكرام- صارت الواضحات والجليات والبينات فيه عندنا من الأمور الخفيات، وعندما يتكلم الإنسان في مثل هذه الأمور، يقال: كيف تنكر هذا والعمل على هذا؟ وهل صار العمل شرعاً متبعاً؟! وهل عادى الرسل الكرام عليهم -صلوات الله وسلامه- في كل زمن إلا الأعراف والعادات؟!

    عباد الله! هذا هو أثر البكاء في حال سلفنا، وهذا هو أثر البكاء في حال التلاميذ عندما يتصف بذلك الشيوخ، وقد كان التلاميذ يتلقون هذا الوصف من شيوخهم، فكان الشيوخ يبكون في حلقات العلم، وطلبة العلم يبكون في حلقات العلم.

    حال عتبة الغلام مع البكاء من خشية الله

    ذكر أئمتنا في ترجمة عتبة الغلام ، وسمي بالغلام لأنه كان نشيطاً في طاعة الرحمن، ذكروا أنه بكى في مجلس شيخه الإمام عبد الواحد بن زيد تسع سنين، فكان عبد الواحد إذا بدأ في موعظته يبدأ عتبة الغلام بالبكاء حتى ينتهي هذا الإمام، فقيل لهذا الشيخ المبارك عبد الواحد بن زيد : لو منعته من البكاء فإنه يشوش علينا؟ فقال: سبحان الله! يبكي من خشية الله وأمنعه أنا، بئس إذاً واعظ القوم أنا.

    عتبة الغلام سأل ربه ثلاثة أمور -كما في مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله- سأل الله أن يرزقه دمعاً غزيراً، وصوتاً حسناً، ورزقاً من حيث لا يحتسب، فكان دمعه لا يجف، كل من نظر إلى وجهه يرى قطرات الدموع تسيل من عينيه عليه رحمة الله، ورزقه الله صوتاً حسناً، فكان إذا قرأ القرآن بكى وأبكى، وكان يأتي بيته فيصيب رزقه ولا يعلم من أين حصل عليه عتبة الغلام عليه رحمة الله نزل ضيفاً على بعض إخوانه فقام يصلي ويبكي حتى الصباح، فقال له صاحب البيت: ما الذي أبكاك يا عتبة؟ قال: ذكرت انصراف الناس يوم القيامة فريق في الجنة وفريق في السعير.

    عتبة الغلام كان يقول: كابدت العبادة عشرين سنة، وتلذذت بها عشرين سنة.

    ولما نعته الإمام الذهبي وترجم له في سير أعلام النبلاء قال: الزاهد الخاشع الخائف، كان يشبه حزنه بحزن الحسن البصري عليه رحمة الله.

    عتبة الغلام -كما في مجموع الفتاوى- أصيب في آخر حياته بالفالج.. بالشلل، فسأل ربه أن يطلق أعضاءه عند الوضوء وعند الصلاة، فإذا دخل وقت الصلاة عاد سليماً وتوضأ وصلى، فإذا انتهى من صلاته عاد الفالج إليه.

    وإياك أن تقول يا عبد الله! لم ما سأل ربه الشفاء الكامل؟! فسلم حال الرجل إليه، فهو أدرى بحاله وبما يقربه إلى ربه جل وعلا.

    طلب وأراد بقاء البلاء لينال عظيم الأجر عند رب الأرض والسماء، ولكن بما أن هذا يؤخره عن عبادة مفروضة يتلذذ بها في مناجاة الله، فسأل الله رفع ذلك عنه في هذا الوقت، فأجاب الله دعاءه والله على كل شيء قدير.

    إخوتي الكرام! هذا حال سلفنا الكرام عليهم رحمة الله.

    السبب الثاني: قسوة قلوبنا وجفاء معاملتنا مع الله وعباده

    والسبب الثاني الداعي للحديث عن البكاء من خشية الله: أن من ألقى نظرة في حياتنا يرى ما يفطر الأكباد، فأحوالنا ومعاملتنا في هذا الوقت تنقسم إلى قسمين: إما معاملة مع الرب، وإما معاملة مع العبد.

    وأما معاملتنا مع الله فيندى لها جبين الإنسان، مقامات الإيمان فرطنا فيها على التمام، الحب للرحمن، والخوف منه، والرجاء له.. كل ذلك فرطنا فيه، فمن أحب الله جل وعلا يبكي شوقاً لرؤيته، ويبكي شوقاً للقائه، ومن خاف من الله جل وعلا يبكي خوفاً من ذنوبه وعيوبه التي تبعده عن ربه، ومن رجا الله يبكي لحصول مطلوبة.

    المحب يبكي، والخائف يبكي، والراجي يبكي، ومقامات الإيمان تقوم على هذه الأركان الثلاثة: حب، وخوف، ورجاء، ولما انسلخنا منها فما أحببنا الله، ولا خفنا منه، ولا رجيناه، ذهب منا البكاء من خشيته، وهذا من علامة خذلاننا وسخط الله علينا.

    قال أبو سليمان الداراني -كما ذكر هذا الإمام ابن كثير في ترجمته في البداية والنهاية-: لكل شيء علم، وعلم الخذلان: ترك البكاء من خشية الرحمن، إذا خذل الله العبد وغضب عليه سقط من عينه وسلبه هذه الخصلة المباركة، وأصيب بقسوة القلب وجمود العين.

    المحب يبكي شوقاً لمحبوبه، والخائف يبكي من خشية فراقه، والراجي يبكي لحصول مطلوبه، فإذا أحببت الله فينبغي أن تبكي، وإذا خفت منه ينبغي أن تبكي، وإذا رجوته ينبغي أن تبكي، وعلى هذه المقامات يدور الإيمان، وإلى هذه الأمور الثلاثة أشار نبينا عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في طاعة ربه، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بيمينه فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).

    ذكر الله وأحبه واشتاق لرؤيته ففاضت عيناه بالبكاء..

    ذكر الله خالياً وخاف منه وما فرط في حقه ففاضت عيناه بالبكاء..

    ذكر الله ورجا رحمته وحصول مطلوبه ففاضت عيناه بالبكاء..

    فإذا اتصف الإنسان بهذا فهو سعيد، وإلا فهو مخذول.

    إخواني: ويترتب على هذا الأمر -وهو حصول مقامات الإيمان- أمور إذا وجدت مقامات الإيمان في الإنسان ينبغي أن توجد تلك الأمور، وإذا فقدت مقامات الإيمان فقد ما يترتب عليها، إذا حصل فيك الحب والخوف والرجاء، فينبغي أن يحصل البكاء، وإذا حصل هذا فينبغي أن تتلذذ عند فعلك للطاعة، وأن تحزن وأن تضيق عليك الأرض بما رحبت إذا فاتت منك الطاعة، ومن لم يتلذذ بطاعة الله ولم تضق عليه الأرض بما رحبت لتفريطه في طاعة الله فليعلم أنه بعيد عن مقامات الإيمان، ولذلك كان سلفنا الكرام يفرحون إذا حصلوا الطاعات، وهذا الفرح يتبعه بكاء من اللذة التي حصلت لهم.

    روى الإمام أحمد في مسنده بسند رجاله ثقات عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قلَّ ليلة تأتي إلا وأنا أرى فيها خليلي محمداً صلى الله عليه وسلم. وأنس يقول ذلك وعيناه تذرفان بالدموع فرحاً وابتهاجاً مما حصل له من هذه الطاعة وهذا المقام العظيم.

    وثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي بن كعب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة:1]، فقال أبي بن كعب: آلله سماني لك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، الله سماك لي. فبكى أبي ).

    وفي رواية: ( فقال أبي : آلله سماني لك وقد ذكرت عند رب العالمين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. فجعل أبي يبكي ).

    وفي رواية: ( فذرفت عيناه بالدموع. فقيل لـأبي : وهل فرحت بذلك؟ قال: وما يمنعني والله يقول: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] ).

    وهذا أعظم فضل ورحمة من الله أن يذكر هذا العبد عند الله سبحانه وتعالى، وأن يأمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بقراءة هذه السورة على هذا العبد الصالح، فإذا حصلت هذه المقامات يظهر أثرها الفرح ويتبعه بكاء.

    وإذا حصلت هذه المقامات، وضاع من الإنسان شيء من الطاعات لتفريطه ونسيانه وتقصيره تضيق عليه الأرض بما رحبت، ويحزن ويبكي، ومن لم يفرح بطاعته ويبكي فرحاً بذلك، ويحزن على معصيته وعلى ما فاته من طاعة ربه ويبكي حسرة على ذلك فليعلم أنه ليس معه من مقامات الإيمان شيء، فالإنسان ينبغي أن يحزن إذا فاته شيء من الطاعات إذا اتصف بمقامات الإيمان.

    ثبت في الصحيحين في قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك: كعب بن مالك رضي الله عنه وصاحباه ولم يشهد كعب موقعة بدر، إنما شهد ما هو أعظم منها على حد تعبيره رضي الله عنه بيعة العقبة، وإن كانت موقعة بدر هي.

    ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية شهدا موقعة بدر، صحابة أبرار ثلاثة: كعب بن مالك ، هلال بن أمية ، مرارة بن الربيع ، فاتهم شهود غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن استنفرهم وشدد عليهم في الخروج عليه صلوات الله وسلامه، فلما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من الغزوة واعتذر له المنافقون وكذبوا، قبل صلى الله عليه وسلم ظاهرهم ووكل سرائرهم إلى ربهم.

    هؤلاء الثلاثة أخبروا بحقيقة الأمر، وأنهم ما تأخروا لعذر إنما تقصيراً وتفريطاً، فهجرهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر المسلمين بهجرهم.

    طاعة عظيمة فاتتهم، ومنقبة شريفة ضيعوها في هذا الوقت؛ ليهجرهم خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه، ويهجرهم إخوانهم الصالحون.

    يقول كعب : أما صاحباي هلال بن أمية ومرارة بن الربيع فجلسا في بيوتهما يبكيان، وما خرجا للقاء أحد ولا لمشاهدته.

    يقول: وأما أنا فكنت أجلد الثلاثة، فكنت أدور على الناس فأسلم عليهم فلا يردون علي السلام. يقول: فلما ضاق كربي تسلقت جدار ابن عمي أبو طلحة وقلت: أنشدك بالله! هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فسكت وما أجابني، فأعدت عليه الثانية فسكت وما أجابني، ثم أعدت عليه الثالثة فقال: الله ورسوله أعلم. فضاقت عليه الأرض بما رحبت، وضاقت عليه نفسه، وكثر بكاؤه وعويله والتجاؤه إلى ربه، فكان يذهب إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ويصلي ويسارق النبي صلى الله عليه وسلم النظر، فإذا نظر كعب بن مالك إلى النبي عليه الصلاة والسلام صرف النبي عليه الصلاة والسلام عن كعب ، وإذا أقبل كعب إلى صلاته نظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه، وظلت الحالة على هذا أربعين يوماً.

    ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى هؤلاء الثلاثة رسولاً يأمرهم بأن يعتزلوا نساءهم، فقال كعب بن مالك : أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: لا، إنما أعتزلها. يقول كعب رضي الله عنه: فجاءت امرأة هلال إلى النبي عليه الصلاة والسلام تستأذنه في خدمته؛ لأنه رجل كبير، فقال: لا بأس، بشرط ألا يقربك، قالت: والله يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما به إلى النساء حاجة، ولا زال يبكي منذ أن نزل ما به حتى الآن، هذا ليس عنده وقت لمعاشرة النساء في هذا الوقت، فقيل لـكعب : لو كلمت النبي صلى الله عليه وسلم لتبقى زوجتك عندك؟ فقال: أنا شاب، وما أدري إذا كلمت النبي صلى الله عليه وسلم بما يرد علي. ثم قال لزوجه: اذهبي إلى أهلك حتى يقضي الله في ذلك.

    يقول: حتى مضى على هذا خمسين ليلة، وكنت على سطح بيتي، فضاقت علي الأرض بما رحبت، وضاقت علي نفسي، فأنزل الله توبتنا، وجاء المبشرون يبشرونني بذلك: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة:118].

    يقول: فلما جاء كعب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( أبشر بخير يوم طلعت عليك فيه الشمس منذ ولدتك أمك ).

    هذا حال الإنسان عندما تصيبه مصيبة، ينبغي أن يحزن، وينبغي أن يتقطع قلبه.

    ورحمة الله على الإمام أبي سليمان الداراني عندما يقول: لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على تفويت ما مضى من عمره في غير طاعة، لكان خليقاً أن يحزنه ذلك إلى الممات، فكيف فيمن يستقدم ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله.

    إخوتي الكرام! إذا فقد الإنسان مقامات الإيمان لا يتلذذ بطاعة، ولا يحزن على فقدها، ولا يبكي لا لوجودها ولا لعدمها، ويصبح حاله كما روى الإمام الدارمي في سننه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: ( سيبلى القرآن في صدور أقوام فيتهافت كما يتهافت الثوب، يقرؤونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم كلها طمع، لا يخالطها خوف، إن قصروا قالوا: سنبلغ، وإن أساءوا قالوا: سيغفر لنا إنا لا نشرك بالله شيئاً ).

    وكأنه يتحدث عن حالنا رضي الله عنه، هذا حالنا مع ربنا، يندى له جبيننا.

    وأما حالنا مع بعضنا فلا يقل شناعة عن ذلك، فمن بيننا وبينه صلة أو اتصال ونرجوه ونخافه إذا كان مسئولاً عنا، أو بيننا وبينه مودة فالأسلوب فيما بيننا وبينه المداهنة والنفاق، والمخادعة، والكلام الذي لا يصدر من القلوب، وأما إذا لم يكن بيننا وبين غيرنا صلة وإن كان صالحاً تقياً فليس له إلا الغلظة وإلا العبوس.

    وقد وصل الحال ببعض السفهاء أنه يغلظ على أهل القرآن، ويخنع ويذل أمام من يحاربون الرحمن ولا يصلون، ذاك مسئول عنه تراه يترقرق له ويتواضع وهو لا يصلي، وهذا ينتسب إلى الله، ولكن تعظيم الله في القلوب ضاع، ولذلك يهان لأنه ينتسب إلى الله، وأما ذاك فينسب إلى منصب فيعظم من أجل ذلك المنصب.

    هذا حالنا.. نفاق مع من يحبه، وعداوة لمن ليس بيننا وبينه صلة، كما أننا فرطنا في حق الله، والواجب علينا النصح والتناصح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.

    ولذلك ثبت في معجم الطبراني الأوسط بسند صحيح عن أبي مدينة رضي الله عنه -وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- أن الرجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانا إذا التقيا لا يفترقان حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].

    وكان سلفنا يحب بعضهم بعضاً لله، ويجلسون مع بعضهم للبكاء من خشية الله، وهذا ذهب في هذه الأيام، وأسأل الله جل وعلا أن يطهر قلوبنا لنعود لحياة سلفنا الكرام.

    ثبت في ترجمة العبد الصالح محمد بن سوقة ، وهو من رجال الكتب الستة مجمع على عدالته وإمامته وتوثيقه، وناهيك بذلك أن الإمام الثوري كان من تلاميذه، وكان إذا حدث عنه يقول: حدثني الرضا خير أهل الكوفة، وكان الثوري يقول عن هذا الرجل: إنه لا يحسن أن يعصي الله.

    كان محمد بن سوقة يبحث في يوم الجمعة عن أخ له في الله وهو ضرار بن أمية، روى له البخاري في الأدب، والإمام مسلم في صحيحه، وقال ابن عبد البر : أجمعوا أنه على أنه ثقة ثبت.

    كان محمد بن سوقة يبحث عن ضرار بن أمية كل يوم جمعة، فإذا التقى أحدهما بالآخر جلسا يبكيان هذه مجالس سلفنا الكرام إذا التقى أحدهما بالآخر جلسا يبكيان.

    السبب الثالث: النصيحة للمسلمين والحث على البكاء من خشية رب العالمين

    والسبب الثالث الداعي للحديث عن هذا الموضوع أنه لما كانت حال سلفنا ما أشرت إليه، وحالنا ما لا يخفى عليكم حسب ما ذكرت، أردت أن أنصح نفسي وأنصحكم قياماً بحق الله جل وعلا علينا، فالدين النصيحة لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم، أردت أن أذكر نفسي وإياكم بهذا الأمر، وقد كان الله جل وعلا يعاتب الصحابة ويذكرهم ما بين الحين والحين.

    ثبت في صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا ربنا بقوله: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16] إلا أربع سنين، بعد أن أسلمنا عاتبنا الله بعد إسلامنا بأربع سنين؛ لأنه حصل في قلوبنا شيء من القسوة وشيء من الجمود الذي لم يكن في العصر الأول والعهد الأول وفي حال إسلامنا، فالقلوب طرية والأعين تبكي من خشية رب البرية، فماذا حدث؟ بعد إسلامنا بأربع سنين عاتبنا ربنا سبحانه وتعالى، فلذلك أردت -كما قلت- أن أذكر نفسي وأن أذكركم بهذا، وعسى الله جل وعلا أن ينفع بهذه الموعظة واحداً، وعسى أن ينفعنا بها جميعاً، فإذا نفع بنا واحداً فعساه أن يهبنا له فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    روى أئمتنا في ترجمة منصور بن عمار أنه رؤي بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قال الله لي: يا منصور ! أتدري لم غفرت لك؟ فقلت: يا ربي رحمتك واسعة. فقال: لأنك وعظت في يوم من الأيام وبكى عبدٌ من عبادي من خشيتي لم يبكني قط، فغفرت لك، ووهبتك له، ورحمة الله جل وعلا واسعة، وهو أرحم الراحمين.

    1.   

    حديث القرآن عن البكاء من خشية الله

    وأما الأمر الثاني هو: حديث القرآن عن البكاء من خشية الرحمن.

    ذكر الله جل وعلا في كتابه في آيات متعددة أن هذه الصفة توجد في عباد الله الطيبين المقربين المؤمنين المخلصين، فذكرهم الله جل وعلا بهذا الوصف في السور المكية ليربي القلوب على هذا الوصف العظيم من أول الأمر، يقول الله جل وعلا في سورة مريم بعد أن ذكر عدداً من عباده المقربين، فذكر نبي الله زكريا ، وذكر نبي الله يحيى، وذكر الصديقة مريم ونبي الله عيسى، وذكر نبي الله إبراهيم وإسماعيل، وإدريس، وذكر عدداً من الأنبياء المقربين عليهم وعلى نبينا صلوات الله وسلامه، ثم قال: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم:58]، هذا كان وصفهم، أنهم عندما يسمعون آيات الله، وعندما يوعظون يسجدون لله رب العالمين، وله يبكون، خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا وسورة مريم مكية بالاتفاق.

    وقال الله جل وعلا في سورة الإسراء، وهي مكية أيضاً بالاتفاق في آخر السورة: وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا * قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:107- 109]، إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ [الإسراء:107]. وفي مرجع الضمير في قوله: (من قبله) وفي تفسيره قولان:

    القول الأول: يعود إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، وإلى هذا القول مال الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من أئمة التابعين، فقال: إن الذين أوتوا العلم قبل النبي عليه الصلاة والسلام من الأنبياء الكرام، كان إذا يتلى عليهم ما نزل عليهم في زمنهم يخرون للأذقان سجداً يبكون ويزيدهم خشوعاً.

    والقول الثاني: أنه يرجع إلى القرآن، إن الذين أوتوا العلم قبل القرآن من طلاب الحق وأهل الكتاب في الزمن القديم من يهود ونصارى إذا تتلى عليهم آيات القرآن عند بعثة النبي عليه الصلاة والسلام يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:107-109]، والآية مكية، وتبشر بإيمان المتقين من أهل الكتاب بعد ذلك، وقد حصل هذا عندما جاء وفد نجران إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، وعندما أسلم النجاشي وغيره من أهل الكتاب إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا [الإسراء:107] يبكون وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا [الإسراء:108] ، وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:109].

    ولذلك قال الإمام عبد الأعلى التيمي في تفسير هذه الآية منوهاً بوصف أهل العلم: من أوتي من العلم ما لا يبكيه لم يؤت علماً، لأن الله نعت العلماء بالبكاء من خشية رب الأرض والسماء. قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:107-109].

    وقد أنكر الله في كتابه غاية الإنكار، واستنكر أعظم استنكار على من سمع آيات العزيز الغفار سبحانه وتعالى ولم يبك، يقول سبحانه وتعالى في سورة النجم، وهي مكية باتفاق: أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:59-62].

    وروى وكيع في كتاب الزهد عن الحسن البصري عليه رحمة الله أنه قال بعد أن ذكر هذه الآية: ليس الأمر في هذه الحياة إلا لمن بكى، أي: أمر المتقين، والهداية التامة، والخشوع من آيات رب العالمين: أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:59-62].

    وأخبرنا الله جل وعلا عن الأمم السابقة منكراً عليهم كما أنكر على هذه الأمة عدم بكائهم عند سماع آيات ربهم، يقول الله جل وعلا: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ * وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:46-48]، كانوا يقابلون آيات الله بالضحك بدل البكاء، وإذا كان المقربون يبكون عند سماع آيات الله من خشية الله، وهؤلاء يضحكون ويستهزئون فشتان شتان بين الصنفين عند الله جل وعلا.

    ولذلك أخبرنا ربنا جل وعلا عن حقارة من لم يبك عند سماع آيات الله، كما أخبرنا عن رفعة شأن من بكى عند سماع آيات الله، يقول الله جل وعلا في سورة المطففين: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين:29-31]، إما من الفكاهة، يتفكهون بأعراض المؤمنين ويستهزئون بهم ويسخرون، وإما من الفاكهة كما مال إلى ذلك الإمام ابن كثير ، وجدوا في بيوتهم الفاكهة وأنواع الملذات، فهم في بطر وفي أشر مع استهزائهم بالمؤمنين إذا مروا بهم، إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين:29-31].

    يخبرنا الله جل وعلا بعد ذلك أن هذا الوصف لهؤلاء المجرمين سيقابل بوصف آخر لهم، وسيقابل بعد ذلك بوصف بحق من ضحكوا منهم، يقول الله جل وعلا: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين:34-36]؟ نعم، جوزوا أتم جزاء وأكمله: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].

    ضحكوا هنا فبكوا هناك، والمؤمنون بكوا هنا فضحكوا هناك، ولا يجمع الله على عبدٍ من عبيده بلاءين، ولا يجمع عليه خوفين، فمن خاف هنا أمن هناك، ومن بكى هنا ضحك هناك، ومن أمن هنا خاف هناك، فمن ضحك هنا بكى هناك، والجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحداً.

    ويقرر الله هذا المعنى في سورة المؤمنون فيقول سبحانه وتعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ [المؤمنون:101-110].

    فما الجزاء بعد ذلك يا رب لمن ضحك منهم في هذه الحياة الدنيا؟ قال الله: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [المؤمنون:111].

    ويخبرنا الله جل وعلا عمن كان يضحك في هذه الدنيا وهو أشر بطر مسرور، فيقول الله جل وعلا في الانشقاق: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق:10-13]، كان يضحك ويلعب.

    إخوتي الكرام! لابد من المقارنة بين هذا الوصف ووصف أهل الجنة، هذا كان في أهله مسروراً ويأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، وأما أهل الجنة فيقولون في الجنة: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26].

    فلينظر كل واحد منا لنفسه كيف حاله مع أهله، هل هو لعاب مضحاك مسرور أشر بطر؟ فإن كان هذا حاله فليعلم علم اليقين أنه من أهل سجين، وأنه سيأخذ كتابه بشماله ومن وراء ظهره.

    وإن كان في أهله خائفاً وجل، فليهنئ نفسه وليرجو ربه: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:26-28].

    لما كان هؤلاء في سرور وفي ضحك وفي بطر في هذه الحياة الدنيا أبكاهم الله جل وعلا في الآخرة، والجزاء من جنس العمل.

    والعكس بالعكس، لما كان المؤمنون في هذه الحياة الدنيا في بكاء وخشية من الله أضحكهم الله في الآخرة وآمنهم، يقول الله جل وعلا في حق المتقين وما يحصل لهم يوم الدين: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ [عبس:38-39]. اللهم اجعلنا ممن هذا وصفه عندك يا أرحم الراحمين.

    روى أئمتنا كما ذكر هذا الإمام أبي نعيم في كتاب الحلية وابن الجوزي في صفة الصفوة في ترجمة ربعي بن حراش ، إمام ثقة عابد فاضل من رجال الكتب الستة: أنه حلف أنه لن يضحك في هذه الحياة حتى يرى مقعده عند رب الأرض والسماء. ووفى الرجل بقسمه وبيمينه فأكرمه الله جل وعلا بعد موته، فلما توفي لم يزل يضحك حتى ووري التراب.

    وهذه القصة وردت أيضاً عن أخيه الربيع بن حراش ، والقصة ذكرها الإمام ابن حجر في تهذيب التهذيب عن الأخ الثالث مسعود ، منهم: ربعي ، والربيع ، ومسعود .

    يقول الحافظ في تهذيب التهذيب عند ذكر مسعود بن حراش : لم ينقل عنه شيء إلا كلامه بعد موته. والقصة -كما قلت لك- عن الربيع الأخ الثالث في الحلية، فنقل عن الربيع وعن مسعود أن كل واحد منهما بعد أن مات وسجي -أي: غطي بثوب- كشف كل واحد من هذين الأخوين الربيع ومسعود الغطاء عن وجهه، وقال للحاضرين بصوت يسمع -وهو ميت-: إني قدمت على رحيم رحمان، فتلقاني بروح وريحان، ولقيت رباً غير غضبان، أسألكم بالله أن تعجلوا بجهازي؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر دفني. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ [عبس:38-39].

    بكوا هنا فضحكوا هناك، إخوة ثلاثة كرام نقلت عنهم هذه الكرامات، أما ربعي بن حراش فلا زال يضحك حتى ووري التراب، وأما الربيع ومسعود فكل واحد منهما يتكلم بهذا الكلام والله على كل شيء قدير.

    إخوتي الكرام! وقد أرشدنا الله إلى أمرٍ ينبغي أن نحرص عليه، وأن نعض عليه بالنواجذ، أرشدنا إلى قلة الضحك والابتعاد عنه، وإلى كثرة البكاء والإكثار منه، ونعت الله جل وعلا المنافقين بكثرة الضحك وقلة البكاء، يقول جل وعلا في سورة الفاضحة، وهي سورة التوبة، وسورة براءة، وهذه الأسماء الثلاثة أشهر أسماء السورة، ولها أسماء بلغت خمسة عشر اسماً، وقد ثبت تسميتها بالفاضحة في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنها.

    يقول الله في هذه السورة: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [التوبة:81-82]، من عكس هذا الأمر فهو منافق، من كان ضحكه أكثر من بكائه فهو منافق، وهذا وصف المنافقين: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [التوبة: 82].

    ثبت في كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري وسنن ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تكثروا الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب)، القلب يحيا بالبكاء، ويموت من الضحك، وإذا مات قلبك يا عبد الله فأنت من المنافقين، فاحذر، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا.

    ثبت في سنن الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً إلى مصلاه، فرأى ناساً من الصحابة.......، أي: يضحكون حتى تبدوا أسنانهم وبدت أسنانهم، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (لو أكثرتم من ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أراه، أكثروا من ذكر هادم اللذات الموت)، فإنه ما من يوم يأتي على القبر إلا ويتكلم القبر فيقول: أنا بيت الدود، وأنا بيت الغربة، وأنا بيت الوحدة، وأنا بيت التراب، فإذا مات العبد المؤمن قال له القبر: أهلاً ومرحباً، إن كنت لأحب من يمشي على ظهري إلي، فإذ وليتك اليوم فسترى صنيعي بك، فيوسع له في قبره مد بصره، ويفتح له باباً إلى الجنة. اللهم اجعلنا من هذا الصنف برحمتك يا أرحم الراحمين.

    وإذا مات العبد الفاجر أو الكافر قال له القبر: إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلي، فإذ وليتك اليوم فسترى صنيعي بك، فيلتئم عليه حتى تلتحم وتختلف أضلاعه، وأدخل النبي صلى الله عليه وسلم أصابعه في بعضها، ويسلط الله عليه سبعين تنيناً من الحيات العظيمة لو أن تنيناً منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئاً ما بقيت الدنيا، فتنهشه وتلدغه حتى يفضي به الحساب، أي: إلى مقعده ومصيره.

    ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [التوبة: 82].

    ورحمة الله على الحسن البصري -عليه رحمة الله- عندما رأى شاباً يضحك، فقال: أتعلم أنك من أهل الجنة أو من أهل النار؟ قال: لا. قال: فعلام الضحك. وكان عليه رحمة الله يقول: من كان يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن الوقوف بين يدي الله مشهده، لحقيق به أن يطول حزنه في الدنيا، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا.

    ولما قال الحجاج لـسعيد بن جبير -عليه رحمة الله-: بلغني أنك لم تضحك قط. قال: وكيف أضحك والزبانية قد أعدت، والأغلال قد حضرت، والنار قد سجرت، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [التوبة:82].

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.