إسلام ويب

الاستقامةللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حقيقة الاستقامة هي المحافظة على الطاعات الظاهرة والباطنة وترك المخالفات في جميع الأماكن والأوقات، فهي باختصار المواظبة على التقوى وملازمتها على كل الأحوال، بأن تجعل بينك وبين ما يسخط الله وقاية بفعل الطاعات وترك المنكرات.

    1.   

    الأسباب الداعية للحديث عن الاستقامة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3]. وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطاهرين، وعن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]، أما بعد:

    فيا معشر الإخوة الكرام! إن الموضوع الذي سأتحدث عنه وهو الاستقامة له سببان بارزان هما الدافع للحديث عنه في هذه الساعة المباركة.

    السبب الأول: هو في ذهني من زمن قديم، وله تأثير كبير على نفسي، وعلى حياة الناس أجمعين، ويعلم الله الذي لا إله إلا هو أن هذا الموضوع الذي سأتحدث عنه لا يغيب عني في لحظة من اللحظات، وعندما أقارن بين حياتنا وحياة السلف الكرام أرى البون الشاسع بين الحياتين، والكلام الذي أصلوه، والكلام الذي قالوه عندما نعرضه على حياتنا كأننا نراه خيالاً، أو أنه لا يمكن أن يتصف به الإنسان، وما ذلك إلا لتخليطنا وتفريطنا واستقامة من سبقنا على طاعة الرحمن وتقصيرنا.

    فمثلاً: يقول الفضيل بن عياض عليه رحمة الله، وهو شيخ المسلمين في زمنه وإمام الحرم المكي، يقول: من علامة الإخلاص ثلاث خصال إذا وجدت في إنسان فهو مخلص: الصفة الأولى: استواء المدح والذم من الناس. إذا مدحك الناس أو ذموك لا تتأثر لا بمدحهم ولا بذمهم. هذا من علامات إخلاصك. فعندما أعرض هذا القول على حياتنا أتيقن يقيناً وأجزم جزماً أنني لست من هذا الصنف، استواء المدح والذم من الناس، هذا من علامة الإخلاص، وإنما حال سلفنا عندما استقاموا استوى عندهم الناس، فلا يؤثر مدحهم ولا ذمهم.

    والأمر الثاني: نسيان رؤية الأعمال في الأعمال، أي: عندما يقوم الإنسان بالأعمال ينساها، وكأنه لا يقوم بشيء بحضرة الرب جل وعلا، والأمر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله فيما نقله عنه تلميذه البار الصالح ابن القيم في مدارج السالكين، يقول: وكان شيخنا كثير اللهج -أي: يلهج ويردد هذا الكلام كثيراً- كثير اللهج بهذه الكلمات، فيقول: لا لي شيء، وما عندي شيء، وما مني شيء، ويردد هذا البيت مراراً:

    أنا المكدي وابن المكدي وهكذا كان أبي وجدي

    أنا الفقير إلى رب البريات أنا المسكين في مجموع حالات

    أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي والخير إن يأتنا من عنده يات

    ثم يقول بعد ذلك:

    والفقر لي وصف ذات لازم أبداً كما الغنى أبداً وصف له ذات

    وهذه الحال حال الخلق أجمعهم وكلهم عنده عبد له يات

    فمن بغى مطلباً من غير خالقه فهو الظلوم الجهول المشرك العاصي

    ما عندي شيء، ولا مني شيء، ولا لي شيء.

    وكان يقول عليه رحمة الله: والله -وهذا ما نقله عنه الإمام ابن القيم في مدارج السالكين في آخر الجزء الأول- والله منذ إن احتلمت، وبلغت وعقلت إلى الآن ولا أعلم أنني أسلمت إسلاماً جيداً، وإنني أجرد إسلامي كل وقت.

    والشيخ ابن القيم يقول: قال هذا الكلام في آخر عمره، يقول: للآن أصحح إسلامي. هل ينسى أعماله عندما يقوم بالأعمال؟ هذا من علامات الإخلاص، والله عندما أعرض هذا الكلام على حياتي أرى بوناً شاسعاً بينه وبين عملي.

    والأمر الثالث: أن يريد الثواب عند الله في الآخرة. هذه الثلاث من علامات الإخلاص:

    الأولى: أن يستوي المدح والذم عندك أيها المكلف من الناس، فالناس لا يملكون شيئاً، الموجود خالق ومخلوق، فالمخلوق ينبغي أن يكون شعارك أمامه كما قال خليل الرحمن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:77].

    والثانية: أن ينسى الإنسان أعماله عندما يقوم بالعمل، فمن وجد خيراً فليحمد الله: وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:29].

    والثالثة: أن يريد من عمله الثواب عند ربه وليس شيئاً آخر، وهكذا قول بعض السلف الكرام أيضاً، وإذا كنت تحب أحداً في الله، فضع نفسك على المحك والاختبار، فمن علامات الحب في الله: أنه لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء، سبحان الله العظيم! والله إنها لكبيرة إلا على الخاشعين، إذا كنت تحب إنساناً في الله فأحسن إليك وتكفل بنفقتك كبيرها وصغيرها لا يزداد حبك له إذا كان الحب لله خالصاً، وهكذا إذا دار بينك وبينه اختلاف في الآراء، وجرى بينك وبينه شيء من النزاع فلا يؤثر هذا على الحب في الله.

    من علامة الحب في الله أنه لا يزيده البر ولا ينقصه الجفاء، الذي ينظر في حياتنا يرى أن حياتنا تدور في حال المحبة مع المنفعة، وفي حال العداوة مع المضرة، فمن نفعنا أحببناه، ومن خالفنا في الرأي عاديناه وقد يكون من أولياء الصالحين.

    فالذي ينظر إلى هذا الكلام الذي قاله سلفنا، ووالله ما قالوا كلاماً جزافاً، إنما قالوه بناءً عن حركة عملية، وعن واقعٍ كان يصدر عنهم، فهذا الكلام الذي قالوه وترجموه بأعمالهم عندما نعرض عليه حياتنا، نرى بوناً شاسعاً بين ما قرره سلفنا الكرام، وبين ما نعيشه الآن، فما سبب ذلك؟

    السبب في هذا: أن من سبقنا استقاموا فهان عليهم كل شيء في طاعة الله سبحانه وتعالى، وإننا الآن نروغ كما تروغ الثعالب فتغيرت حياتنا عن حياة سلفنا الصالح. هذا الأمر الذي هو أحد السببين البارزين في ذهني، فأردت أن أتكلم عن الاستقامة لعل الله جل وعلا أن يرزقني وإياكم الاتصاف بهذه الصفة الجليلة الفاضلة لنحذو حذو سلفنا المباركين؛ إنه على كل شيء قدير.

    والأمر الثاني: أنني زرت بعض الإخوان من قريب بعد عيد الفطر المبارك، وهو في بلدة أبها، فرأيت عنده كتاباً بعنوان: (الاستقامة) وهو في مجلدين، ومن الغريب الذي يشرح القلوب أنه لشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، كتاب (الاستقامة) في مجلدين، وكل مجلد لا يقل عن أربعمائة صفحة في بيان الاستقامة وأثرها في حياة المؤمن، وكان في نفسي أن أستعيره منه لقراءته، ولكن ما قدر الله ذلك، فقلت: إن شيخ الإسلام عليه رحمة الله ما بحث في هذا الخلق الكريم، وفي هذا الوصف العظيم في مجلدين كبيرين إلا لما لذلك الخلق وذلك الوصف وهو الاستقامة من أثر كبير في حياة المؤمنين، وهذا ما سنتدارسه في هذه الساعة إن يسر الله وأعان.

    سأتكلم عن هذا الموضوع ضمن خطوط محددة حتى لا يشرد بنا الحديث إلى هنا وهناك، فسأتكلم.

    أولاً: عن ماهية الاستقامة وحقيقتها.

    ثم سأتكلم ثانياً -النقطة الثانية- عن منزلة المستقيمين عند رب العالمين.

    والنقطة الثالثة التي سيكون الحديث فيها: طلب نصوص الشرع الكريم الاستقامة من المكلفين.

    والنقطة الرابعة هي: تواصي سلفنا الصالح بهذا الأمر وتحذيرهم من التفريط فيه.

    والنقطة الخامسة وهي ختام الكلام على هذا الموضوع: حول دقيقة في موضوع الاستقامة نبهت إليها النصوص الشرعية، سأنبه عليها تأسياً بتلك النصوص التي تحدثت عن الاستقامة.

    1.   

    حقيقة الاستقامة

    أما ماهية الاستقامة وحقيقتها، فهي المحافظة على الطاعات الظاهرات والباطنات في جميع الأماكن والأوقات، وترك المخالفات الظاهرات والباطنات في جميع الأماكن والأوقات. هذا معنى الاستقامة.

    أن يستقيم الإنسان على شرع الله جل وعلا في كل مكان، وفي كل زمان، ولا يخرج عن ذلك قيد أنملة، ولا مقدار شعرة. هذا معنى الاستقامة، الاستقامة: المحافظة على فعل الطاعات وترك المخالفات الظاهرات والباطنات في جميع الأماكن والأوقات، وسيأتينا بيان النصوص لهذا إن شاء الله، فهي باختصار: المثابرة والمواظبة على التقوى -فالتقوى إذاً جزء من الاستقامة- والمحافظة عليها، فإذا حافظ الإنسان على التقوى فعل الطاعات وترك المخالفات في جميع الأمكنة والأزمنة واستمر على هذا يقال له: مستقيم؛ لأن الإنسان قد يتصف بالتقوى في وقت ويحيد عن ذلك، فهو متق في وقت منحرف في وقت، أما الاستقامة فهي الملازمة، ملازمة التقوى والمثابرة عليها في كل زمان وفي كل مكان، فالمواظبة على التقوى والمحافظة عليها والاستمرار عليها يقال له: استقامة، والتقوى هي فعل الطاعات وترك المخالفات، ومعناها واضح ومعروف وهو أن يجعل الإنسان بينه وبين ما يسخط الله جل وعلا وقاية، والوقاية تكون بفعل الطاعات وترك المخالفات.

    ولذلك يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبي بن كعب رضي الله عنه عن التقوى، عن ماهية التقوى وعن حقيقتها، وأبي هو سيد القراء وأقرأ هذه الأمة، فقال أبي رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين! ماذا تفعل لو سلكت وادياً ذا شوكٍ كثير؟ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أشمر عن ثيابي وأحترز، فقال أبي : هذه هي التقوى، أن تشمر في طاعة الله، وأن تحترز من معاصي الله. هذه هي التقوى.

    وقد أخذ ابن المعتز بهذا المعنى فقاله في ثلاثة أبيات رقيقة لطيفة:

    خل للذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى

    واصنع كماشٍ فوق أرض الـ شوك يحذر ما يرى

    لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى

    والتقوى هي وصية الله جل وعلا للأولين والآخرين، يقول ربنا جل وعلا في سورة النساء: وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131]، فالمحافظة على هذا الخلق يقال له: استقامة.

    روى الإمام القرطبي في تفسيره أنه قيل لـأبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه: ما لك لا تقول شعراً وقد حفظ عن أصحابك الشعر؟ فأنشد بيتين في الحال:

    يريد الأمر أن يؤتى مناه ويأبى الله إلا ما أراد

    يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفاد

    فالمحافظة على التقوى يقال له: استقامة، وهذه هي الاستقامة، وهذه هي ماهيتها وحقيقتها: المحافظة على التقوى، وأن يستمر الإنسان على ذلك الوصف في كل زمن وفي كل مكان، فإذا ثابر على ذلك قيل له: إنه مستقيم، وهو على صراط مستقيم، هذا هو معنى الاستقامة.

    1.   

    منزلة أهل الاستقامة عند رب العالمين

    وأما الأمر الثاني وهو شأن المستقيمين عند رب العالمين، فالله جل وعلا نوه بفضل المستقيمين، وبما لهم من الأجر العظيم والمكانة الكبيرة عنده، فقال جل وعلا في سورة الأحقاف: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف:13]، وقال الله جل وعلا في سورة فصلت: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:3032].

    إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أي: لم يروغوا روغان الثعالب. أي: لم يميلوا ولم يحيدوا، فإذا كنت تعتقد أن الرب هو الله جل وعلا فعلق قلبك به، والزمه في كل وقت وفي كل زمان.

    وفي سنن الترمذي وتفسير النسائي وتفسير ابن جرير ، ومعجم البزار والطبراني عن أنس رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30]، فقال عليه الصلاة والسلام: قد قال الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممن استقام ) ، قد قال الناس: آمنا بالله، وربنا الله، وعندما تعرض أعمالهم على شرع الله ترى بين قولهم: (ربنا الله) وبين أعمالهم بوناً شاسعاً، وهذا هو الكفر.

    إذاً: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30]، إذا مات عليها يكون من المستقيمين، ومتى يموت عليها؟ إذا واظب عليها طول حياته كما قال ربنا جل وعلا في سورة آل عمران: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، أي: حافظوا على الإسلام طول حياتكم، حتى إذا جاءكم الموت وافيتم ربكم على هذا الخلق الذي حافظتم عليه في حياتكم وما زالت الروح في أجسادكم: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، واظبوا على هذا الوصف.

    (حق تقاته): أن يطاع جل وعلا في كل زمان ومكان فلا يعصى، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى سبحانه وتعالى.

    اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102]، حافظوا على الوصف، إن الذي يطيع الله ولا يعصيه، ويذكره ولا ينساه، ويشكره ولا يكفره، إذا جاءه الموت سيموت على أي حال؟ على ملة الكفر؟ لا والله، سيموت على ملة الإسلام.

    اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، حافظوا على هذا الوصف حتى إذا جاءكم الموت لقيتم ربكم به.

    وهنا إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30]، قد قال الناس ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممن استقام.

    ومن الذي يموت عليها؟ الذي يحتكم إليها في كل صغيرة وكبيرة ما دام حياً، والذي يجعل حياته من صباحه إلى يومه، بل من ولادته إلى موته تدور حول هذا أمر ربنا الله جل وعلا، فينبغي أن نعبده، وأن نلتزم بشرعه، وأن لا نخرج عن ذلك طرفة عين.

    إذا كان هذا وصف المكلف، فليهنئ نفسه بهذه البشارة العظيمة: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ وهذا التنزل في كل وقت، وفي كل ساعة، وليس هو في حالة الاحتضار كما خصه بذلك بعض المفسرين، لا، تتنزل عليهم الملائكة لتثبتهم وتبشرهم وتؤيدهم في كل وقت وحين.

    وهذا عمران بن حصين وهو أكثر الصحابة الذين دخلوا البصرة، وكان الحسن البصري وابن سيرين عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه يقسمان بالله أنه ما دخل البصرة صحابي خيراً من عمران بن حصين ، وقد دخلها أنس بن مالك رضي الله عنه أيضاً وفضل عمران بن حصين عليه، هذا عمران رضي الله عنه كانت الملائكة تزوره وتثبته ويشعر بذلك كما يشعر بعضنا بزيارة الإنس له، قد يشعر بهذا، وقد لا يشعر بهذا بزيارة حسية، ولكنه يشعر بتثبيت ملائكة الرحمن له في قلبه، يشعر بهذا، المؤمن يشعر بهذا، إذا لم يشعر بهم عياناً كرؤية بعضنا لبعض يشعر بالأمر المعنوي الثاني: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ، إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12]، والتثبيت الذي أمر الله جل وعلا الملائكة بفعله مع الصحابة الكرام في غزوة بدر لم يكونوا في ساعة احتضار، إذاً: هذا عام في كل وقت، تتنزل عليهم الملائكة ببشارتين:

    الأمر الأول: أن الإنسان في هذه الحياة الدنيا عندما يكون في هذه الساعة، وفي كل ساعة هو بين زمانين، بين زمان مضى فات، وبين زمان آت، أما الزمان الماضي إذا فرط الإنسان فيه يشعر بشيء من الأسى والحزن، فلا يكون خوف من ماضٍ أبداً، إنما يكون حزن، والخوف يكون مما يستقبل، فإذا كنتم من المستقيمين لا تحزنوا على ما فات من حياتكم، لا تحزنوا عليها، وإذا أدرككم الموت فلا تحزنوا على ما تتركونه من ورثتكم ومن غير ذلك: أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا ، لا تخافوا مما يستقبلكم، ما يستقبل الناس من أهوال ومشقات، ولا تحزنوا على ما فات وعلى ما مضى، وإنما قدم الخوف؛ لأن الإنسان يخاف من الزمن المستقبل أكثر مما يحزن على ما مضى، وقد يمضي الإنسان زمناً ماضياً فيما لا ينفعه، فإذا تذكره تحسر عليه وقد يعلل نفسه بعد ذلك بأن يتدارك هذا في المستقبل، إنما الخوف لا يعلل، ولذلك الخوف من المستقبل لا يمكن أن يعلل الإنسان نفسه وأن يسلي نفسه عنه، ولذلك قدمه ربنا جل وعلا، فقال: أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32].

    هذه منزلة المستقيمين عند رب العالمين، لا حزن عليهم مما مضى، ولا خوف مما يأتي، إنما هم في بشائر متتالية، لهم الجنة، والملائكة تثبتهم.

    هذه هي منزلة المستقيمين، ولكن أي مستقيمين؟ الذين يتلزمون بقولهم: ربنا الله، ووالله ما عرضنا أعمالنا على أقوالنا إلا تيقنا أنا من الراسخين في النفاق.

    يخبرني بعض الإخوة الكرام عن رجل يدرس اللغة الإنجليزية في بعض الجامعات: أن بعض مدرسي الفقه في تلك الجامعة طبع مذكرة للطلاب في الفقه، والمذكرة تقوم الجامعة بطباعتها، وتعطي الأستاذ شيئاً من الأجرة الرمزية، أو المكافأة على ذلك، ولكن الأستاذ أراد أن يستغل نفوذه، فأراد أن يبيع هذه المذكرة بخمسين ريالاً، والطلاب سيشترونها لو قال لهم: أريد ألف ريال، ماذا يعملون؟ مدرس الإنجليزي الذي في الأصل على حسب مسلكه وحاله أنه ليس كمدرس الفقه في معرفته لشرع الله، ولمراقبة الله، أخذ هذا الأستاذ في حجرة مغلقة ولا يوجد معهما إلا الله سبحانه وتعالى الذي لا تخفى عليه خافية، فقال: يا أيها الشيخ! سأسألك عن أمر أريد أن تنصحني وأن تصدقني، ولا نريد الكلام الذي تقوله للعامة، قال: وما هو؟ قال: ما يقوله الناس يوجد إله وجنة ونار صحيح أم لا؟ قال: أعوذ بالله! الذي يشك في هذا كافر، قال: وأنت تجزم بهذا أم نقول نحن هذا للناس لنروج بضائعنا؟ قال: سبحان الله! قال: عندك شك أيها الرجل، أنا كنت حسن الظن بك، فأراك تصلي فأقول فيك خيراً، والآن تسألني عن كل هذه العقائد، الله سبحانه وتعالى حقيقة، والجنة والنار ليست أوهام، فقال: لست في شك من ذلك، والله أنا على يقين أكثر من يقينك أنت الذي تدرس الفقه، ولكن أريد أن أسألك، إذا كنت تؤمن بأن الله جل وعلا هو ربك، وأن الجنة حق والنار حق أما تستحي من الله وتستغل ضعف هؤلاء الطلاب ونفوذك فيهم فتبيعهم النسخة بخمسين ريالاً وينبغي أن توزع عليهم مجاناً وأنت لك مكافأة من الجامعة؟! أهذا شأن من يقول: ربي الله، هذا شأن من يقول: هناك جنة؟ هذا شأن من يقول: هناك نار؟ لا والله، إذاً: أنت كأنك تقول شيئاً، وعملك كأنه يقول: ما يقوله لسانك وهم وخرافة لا حقيقة له.

    ما عرضنا أعمالنا على أقوالنا إلا رأينا بوناً شاسعاً، فنسأل الله الثبات وحسن الخاتمة.

    إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30]، وفي سورة الأحقاف: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف:13]، فالاستقامة هو أن يعمل الإنسان بمدلول هذه الكلمات: ربي الله، إذاً أنت عبد له، العبد ينفذ أوامر سيده في كل زمان وفي كل مكان، كما قال ربنا جل وعلا: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163]، هذه هي منزلة المستقيمين عند رب العالمين، لا خوف عليهم مما يستقبلهم، ولا حزن يصيبهم على ما فاتهم، ولهم البشارة الطيبة: وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ .

    1.   

    مطالبة نصوص الشرع المكلفين من العباد بالاستقامة

    النقطة الثالثة: طلب نصوص الشرع الكريم الاستقامة من المكلفين، وسأستعرض نصوص القرآن، وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام في هذه المسألة وفي هذه النقطة، وقبل أن أدخل في سرد آيات القرآن في طلب الاستقامة من المكلفين، أحب أن أنبه إلى أمر وهو: أن الله جل وعلا طلب منا الاستقامة في أربع سور من القرآن، هذه السور الأربع بمجموعها هي سور مكية وفي هذا إشارة عظيمة وهي: أن يناء القلوب ينبغي أن يبنى على التقوى من أول يوم؛ لأن في المكة المجتمع جاهلي، وتنزل الآيات تطالب من آمن بالاستقامة، وقد حققوا ذلك، فوالله ثم والله لو لم تكن الثلة الطيبة التي آمنت في مكة من المستقيمين لما كان عندنا عن الإسلام شيء.

    إذاً: تحقق فيهم هذا الوصف، تحقق فيهم تحققاً ليس بعده تحقق، فقطف الناس بعد ذلك من ثماره الطيبة، وكما قلنا: الآيات التي تحدثت عن الاستقامة وأمرت الناس بالاتصاف بهذا الأصل كلها آيات مكية، وكأن الله جل وعلا يقول: بناء القلوب ينبغي أن يبنى منذ أن ينخلع الإنسان من الجاهلية ويدخل في نور التوحيد، ينبغي إذاً أن يستقيم، وأن يكون قالبه كقلبه، وأن يكون ظاهره كباطنه، وأن يكون سره كعلنه، لا بد من هذا.

    الآية الأولى التي يطالبنا الله فيها بالاستقامة

    والآية الأولى التي طالبنا ربنا جل وعلا فيها بالاستقامة في سورة حم فصلت يقول ربنا جل وعلا في أولها: تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [فصلت:2-7].

    وسورة حم فصلت هي سورة مكية بإجماع المفسرين، بل هي من أوائل ما نزل في مكة، عندما أراد المشركون أن يعرضوا على النبي عليه الصلاة والسلام بعض المطالب الدنيوية ليرجع عن دعوته، قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصلت:6-7]، الذين لا يؤتون الزكاة، أي: لا يوحدون الله جل وعلا ولا يستقيمون، فالمراد من الزكاة هنا: التزكية في أصح قولي العلماء، لا يؤتون الزكاة، أي: لا يقومون بتزكية أنفسهم بتوحيد ربهم والاستقامة على شرعه، فهي كقول الله جل وعلا في سورة الأعلى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى:14] وكقوله جل وعلا في سورة الشمس: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]، وكقوله جل وعلا في سورة النازعات: فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى [النازعات:18]، أي: عندما أرسل موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام إلى فرعون قال له: فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى [النازعات:18]، أي: إلى أن تزكي نفسك بتوحيد الله، والاستقامة على شرعه سبحانه وتعالى.

    الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ، والزكاة بإجماع العلماء فرضت في السنة الثانية من الهجرة الشريفة، فلم تكن الزكاة مفروضة في مكة، على أن بعض المفسرين حمل الآية هنا على الزكاة بمعنى الصدقة، والقول الأول يشمل ذلك؛ لأن الإنسان إذا وحد الله واستقام على شرعه يقتضي منه ذلك أن يحسن إلى المحتاجين على سبيل الإحسان والصدقة، أو الزكاة إذا كانت مفروضة.

    لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ، لا يزكون أنفسهم بتوحيد ربهم والاستقامة بالصفتين اللتين تقدم ذكرهما: أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ [فصلت:6].. الذين لا يستقيمون على شرع الرحمن جل وعلا، ولا يوحدونه، وهذا التفسير هو المأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما، فهو من الزكاة، والزكاة الشرعية ما سميت زكاة إلا لحصول التزكية فيها، كما قال الله جل وعلا: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103].

    فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهل الزكاء، وكم من رجل عنده ذكاء وليس عنده زكاء، كما قال ذلك شيوخ الإسلام في تراجم كثير من الضالين، فالإمام ابن كثير عليه رحمة الله في البداية والنهاية عندما ترجم لـأبي العلاء المعري مثلاً، قال: كان ذكياً ولم يكن زكياً. ذكياً بالذال المعجمة التي هي كصورة الدال المنقوطة من فوق، ذكياً، أي: ذا ألمعية وعبقرية وفهم، ولكن لم يكن زكياً بالراء التي هي منقوطة بالزاي التي هي كصورة الراء المنقوطة من فوق، كان ذكياً ولم يكن زكياً، أي: كان ذا عقل وذا فهم وحنكة واحتيال، ولكنه كان خبيثاً، خبيث القلب، عفن النفس، كان ذكياً ولم يكن زكياً، وهنا الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ، أي: لا يقومون بتزكية أنفسهم بتوحيد ربهم والاستقامة على شرعه: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [فصلت:6-7].

    إذاً: طالبنا ربنا جل وعلا بالاستقامة، وأخبر ربنا جل وعلا في الآية بأن الذي لا يستقيم هو من المشركين، وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصلت:6-7]، أي: لا يتصفون بالاستقامة، وهذا المعنى تقدم معنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الإشارة إليه: (قد قال الناس ثم كفر أكثرهم) .

    إذاً: الذي لا يستقيم ليس من المؤمنين، وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [فصلت:6-7]، ولذلك عندما فقدت صفة الاستقامة من قلوبنا حصل في حياتنا ما يحصل في حياة المشركين.

    وأقول ولا أبالغ في هذا: لو زار الإنسان بلاد الكفر وزار بلاد المسلمين لما رأى بين هذه البلاد شيئاً من الاختلاف اللهم إلا في المظاهر.

    وأقول وليس هو من باب المبالغة: لو دخل الإنسان لبيوتنا لما رأى فرقاً واضحاً بين بيوتنا وبيوت فرعون وهامان وقارون، مع أننا نقول: ربنا الله، ولكن الاستقامة ليست موجودة.

    بيوت سلفنا كان القرآن يملؤها، ولها أزيز كأزيز النحل، وعندنا نحن أصوات منكرة تتقزز منها الأبدان، ولا يخفى عليكم ما حصل في بيوتنا، ونسأل الله جل وعلا أن يطهر قلوبنا؛ لأنها إذا طهرت طهرت البيوت، وإذا كانت القلوب خبيثة فلا طهارة لبيت ولا لشارع ولا لمكان آخر.

    قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [فصلت:6-7]، هذه هي الآية الأولى.

    الآية الثانية المطالبة بالاستقامة

    والآية الثانية في سورة هود ، وهي مكية بإجماع المفسرين أيضاً، يقول ربنا جل وعلا في آخرها: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112]، يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه من المؤمنين في ذلك الدور العصيب الرهيب في الدور المكي بالاستقامة: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ [هود:112]، والانحراف عن هذا طغيان وخروج عن شرع الرحمن، وَلا تَطْغَوْا إذا لم تستقيموا فأنتم من أهل الطغيان، وأنتم من أهل معصية الرحمن ولستم من أهل الاستقامة فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112].

    روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن الحسن البصري مرسلاً: ( أن هذه الآية لما نزلت على نبينا صلى الله عليه وسلم ما رؤي ضاحكاً بعدها عليه صلوات الله وسلامه ).

    فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ومن الذي يستطيع أن يقوم بهذا كما يريد ربنا جل وعلا؟ لا بد من حصول شيء من الضعف في نقطة الجبلة البشرية، ولا بد من حصول شيء من التقصير، ولذلك قابل النبي صلى الله عليه وسلم ما يحصل من تقصير بالنسبة لمقامه الرفيع عليه صلوات الله وسلامه لهذا الأمر أنه امتنع عن الضحك عليه الصلاة والسلام بعد أن نزلت هذه الآية، فما رؤي ضاحكاً بعدها عليه صلوات الله وسلامه.

    وفي سنن الترمذي ، والشمائل للترمذي أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن أبا بكر رضي الله عنهم أجمعين قال للنبي عليه الصلاة والسلام: نراك شبت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال: شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، والتكوير ) هذه السور الخمس.

    وفي رواية للشمائل للترمذي : ( شيبتني هود وأخواتها )، أي: هذه السور المذكورة الأربع مع سورة هود: ( شيبتني هود وهذه السور )، والذي شيبه في سورة هود هو قول الله جل وعلا: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112].

    قال الإمام أبو نصر عبد الرحيم القشيري عليه رحمة الله: رأى أحد الصالحين النبي صلى الله عليه وسلم في المنام -ولعله يقصد بذلك نفسه، ولكن ما أراد أن يخبر بذلك تواضعاً، وهضماً لنفسه عليه رحمة الله- فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! ما الذي شيبك من سورة هود، وهي سورة تزيد آياتها على مائة آية؟ ما الذي شيبك منها؟ في الرؤية، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: قول الله جل وعلا: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112].

    هذا الذي شيب النبي عليه الصلاة والسلام.

    وأما السور الأخرى فتحدثت عن أهوال يوم القيامة الواقعة، وقسمت الناس إلى ثلاثة أقسام: أصحاب شمال، وأصحاب يمين، وأهل سبق من المقربين.

    وهكذا سورة عم: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا [النبأ:17-18].

    وهكذا سورة التكوير تتحدث عن أهوال يوم القيامة وعما يحصل فيها، فتلك السور فيها الحديث عن يوم القيامة، ويوم القيامة يشيب منه الولدان، الذي يستحضر يوم القيامة يشيب في الدنيا قبل أن يشيب في الآخرة، إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2]، الذي يستحضر هذا يشيب، ومع ذلك فلم يشب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً، وما شانه الشيب عليه صلوات الله وسلامه، وما غير شعره، إنما كانت الشعرات البيض في رأسه، وفي لحيته لا تزيد على عشرين شعرة كما ثبت هذا في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما: ( أنه ما كان في شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم شعر رأسه ولحيته إلا ما يقارب عشرين شعرة بيضاء ) والذي شاب منه عليه صلوات الله وسلامه كما ثبت هذا في الصحيحين عن أنس : ( ظهر الشيب في صدغيه عليه الصلاة والسلام ).

    وفي رواية في الصحيحين أيضاً عن جابر بن سمرة رضي الله عنه: ( أن الذي شاب من النبي عليه الصلاة والسلام هو مفرق رأسه ) ومفرق الرأس هو محل الصدغين، ومحل الصدغين هو مفرق الرأس، هذا الذي شاب من النبي عليه الصلاة والسلام.

    وكنت أسمع من بعض شيوخنا أنه ظهرت شعرات من الشيب أيضاً في عنفقة النبي عليه الصلاة والسلام، وهي الشعر الذي يكون تحت الشفة السفلى.. العنفقة، شابت شعرات فيها، وما وقفت على ذلك في كتاب، إنما ثبوت شيب صدغي النبي عليه الصلاة والسلام، ومفرق رأسه ثابت في الصحيحين.

    يقول أبو بكر للنبي عليه الصلاة والسلام: ( شبت يا رسول الله، فقال: شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وسورة التكوير إذا الشمس كورت ).

    إذاً: هذه الآية الثانية يأمر الله جل وعلا المؤمنين فيها بالاستقامة أمر إلزام، فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ [هود:112].

    الآية الثالثة المطالبة بالاستقامة

    والآية الثالثة في سورة الشورى، وهي مكية باتفاق المفسرين أيضاً، يقول ربنا جل وعلا فيها: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [الشورى:13-15].

    إذاً أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستقامة في هذه الآية، والمسلمون له تبع في ذلك.

    فثلاث آيات في ثلاث سور مكية يأمر الله جل وعلا المؤمنين فيها بالاستقامة.

    الآية الرابعة المطالبة بالاستقامة

    والآية الرابعة في سورة عظيمة أمرنا ربنا جل وعلا أن نقرأها في كل صلاة، بل في كل ركعة، وأن نسأل ربنا الاستقامة في كل ركعة من ركعات صلاتنا، وهي سورة الفاتحة، ولا خلاف في كونها مكية، إنما هل نزلت في المدينة أم لا؟ فهي مكية مدنية الراجح هذا، فنزلت في مكة، ثم تكرر نزولها في المدينة كبعض الآيات تنبيهاً بشأنها، إنما هي نزلت في مكة، وما كانت صلاة بغير فاتحة، والصحابة كانوا يصلون في مكة، وصلاة الفريضة فرضت على نبينا عليه الصلاة والسلام في مكة، فالصلاة إذاً في مكة، ويقرأ فيها الفاتحة، فهي مكية باتفاق، إنما هل تكرر نزولها أم لا؟ الصحيح أن نزولها تكرر، فالفاتحة مكية مدنية.

    إذاً في سورة الفاتحة المكية يأمرنا الله جل وعلا أن نسأله الاستقامة في قوله جل وعلا: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، اهدنا الطريق المستقيم، أي: نكون من أهل الاستقامة، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، وهذا أنفع دعاء يدعو به الإنسان على الإطلاق، أن يسأل ربه الهداية للصراط المستقيم، فإذا هدي إلى الصراط المستقيم فقد أحرز خيري الدنيا والآخرة، وصراط الله المستقيم لا يتحقق ولا يتم إلا إذا وجد في الإنسان ثلاثة أمور:

    الأمر الأول: علم نافع، ولا يكون ما يجهله الإنسان مما يتعلق بشرع الرحمن جل وعلا ومما أمره الله بمعرفته أكثر مما يعلمه.

    والأمر الثاني: أن يريد الإنسان العمل وأن لا يكون ما لا يريد العمل به مما يعلمه أكثر مما يريد العمل به مما يعلمه، وهذا لا يحتاج إلى أمثلة، ما نجهله أكثر مما نعلمه، وما نعلمه ولا نريد العمل به أكثر مما نعلمه ونريد العمل به أكثر، وإذا لم يكن أكثر فلا أقل من التساوي.

    والأمر الثالث: أن ما نريد العمل به قد نستطيع تنفيذه ونتمكن وقد لا نستطيع، فإذاً نحن نسأل الله الهداية للصراط المستقيم، أن يرزقنا علماً نافعاً، وأن يلهمنا العمل بما علمنا، وأن يقدرنا على العمل بما أردنا أن نعمله، وهذه الأمور الثلاثة لا توجد مكتملة في أحد على الإطلاق، وتقصير في كل بحسبه، ولذلك كل عبد محتاج لسؤال الهداية للاستقامة ليس والله في كل ركعة بل مع كل نفس يتنفس به: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].

    لو تخلى الله عنك طرفة عين فأنت من الهالكين، ولو لم يوفقك بالعلم النافع أو لإرادة العمل به أو لتيسير العمل عليك، لو لم يحصل هذا منه لما اهتديت ولكنت من الضالين، ولذلك عندما نسأل الله اهدنا الصراط المستقيم نسأل أمراً مفقوداً ليس موجوداً، كما قال بعض البله معنى اهدنا: ثبتنا، وقالوا: المؤمن كيف يسأل الهداية وهو مهتدٍ؟! سبحان الله العظيم! أي هداية يحصلها الإنسان مهما بلغ من الهداية؟ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76].

    ونبي الله موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام أمره الله أن يتلقى العلم من رجل قال الله عنه: عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف:65]، وهو كليم الرحمن، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76]، فإذاً نحن عندما نقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، نطلب هذه المعاني الثلاثة.

    الأحاديث النبوية التي تطالب المسلم بالاستقامة

    وأما الأحاديث التي تحث على الاستقامة وتؤمر بها، فهي كثيرة وفيرة سآخذ قسماً منها:

    الحديث الأول: رواه الإمام أحمد في مسنده، والإمام مسلم عليهم جميعاً رحمة الله في صحيحه عن سفيان بن عبد الله الثقفي : ( أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك؟ ) سأقتصر على هذا، ويكفيني، كلمة جامعة نافعة ( فقال النبي عليه الصلاة والسلام: قل: آمنت بالله ثم استقم )، ويقول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30].

    والإيمان يا عباد الله! ليس كلمة تقال باللسان فحسب، بل قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان، كما اتفق على ذلك السلف الكرام عليهم رحمة الله تعالى.

    ( آمنت بالله ) أي: أقررت بلساني، واعتقدت بجناني، وعملت بجوارحي وأركاني، إذا عملت هذا، وقلت هذا، فاثبت عليه ولا تنحرف عنه بعد ذلك ( قل: آمنت بالله ثم استقم )، ولذلك إذا لم يستقم قد قال صلى الله عليه وسلم: ( قد قال الناس ثم كفر أكثرهم ).

    وثبت في سنن الترمذي بسند حسن صحيح ومستدرك أبي عبد الله الحاكم بسند على شرط الشيخين أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى صحابيين جليلين أوصى كلاً منهما بالاستقامة، وهما أبو ذر ، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم أجمعين، فقال لكل منهما: ( اتق الله حيثما كنت ).

    وقلنا في أول الأمر: إن الاستقامة هي ملازمة التقوى، فاتق الله حيثما كنت، أي: واظب على هذه الصفة أينما كنت في كل زمان ومكان، أي: اتصف بالاستقامة، اتق الله حيثما كنت، أي: استقم على شرع الله في أي زمان ومكان، وهذه هي الاستقامة: ( وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ).

    وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم هذين الصحابيين بالاستقامة في غير هذه الأحاديث، وفي أوقات أخرى، ففي مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي ذر رضي الله عنه، أنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام: ( أوصني، فقال النبي عليه الصلاة والسلام له: عليك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيتك ).

    التقوى إذا واظب الإنسان عليها فهي استقامة، عليك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته، وإذا أسأت فأحسن، وهناك ( وأتبع السيئة الحسنة تمحها، ولا تسألن أحداً عن شيء قط وإن سقط سوطك، ولا تقبضن أمانة، ولا تقضين بين اثنين، عليك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته )، أي: الزم الاستقامة في جميع شئونك وفي جميع أحوالك.

    وثبت أيضاً في مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم ، ومعجم الطبراني الكبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: ( أن معاذ بن جبل رضي الله عنه أراد سفراً فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: أوصني. قال: اتق الله )، ولم يتبع ذلك هنا بالاستقامة، إنما التقوى، ولا شك أن المحافظة عليها مطلوبة وهي الاستقامة، إنما عندما كرر الصحابي السؤال وضح له أن المطلوب من هذه التقوى المواظبة عليها، فقال: ( زدني، قال: استقم وحسن خلقك ).

    قال: أوصني، فقال له: اتق الله، قال: زدني، فقال له: استقم، استقم على هذه التقوى ولا تنحرف عنها، لا سيما وأنت في سفر بحاجة إلى الاستقامة؛ لأن كثيراً من الناس يتفلتون في أسفارهم، ويقومون بأعمال لا يقومون بها في حال إقامتهم، وهذا كقوله في الحديث المتقدم: ( اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ).

    وقد تكرر تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة في المحافظة على الاستقامة في جميع ما يقومون به من أعمال، ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وكان عبد الله بن عمرو من عباد الصحابة، ومن المجدين والمجتهدين في العبادة، وهو الذي كان يقرأ القرآن في ليلة واحدة، وهو الذي كان يصوم النهار ويقوم الليل، لا ينام ولا يفطر، فنهاه النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا التشدد وأمره بالاقتصاد، فهو من عباد الصحابة، قال له النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث في الصحيحين: ( يا عبد الله! لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل ثم تركه )، لا تكن مثل فلان، هذه ليست استقامة، كان يقوم الليل ثم تركه، فالاستقامة أن تحافظ على ما وفقت له من عمل صالح مبرور في كل وقت، ( لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل ثم تركه ).

    وانطلاقاً من هذا المبدأ شرع لنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقضي النوافل إذا فاتتنا، مع أن النوافل لا يجب قضاؤها، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام ندبنا إلى قضائها بعد فواتها؛ لئلا نعود أنفسنا ترك طاعة فعلناها، ولنكن من المستقيمين، ففي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من نام عن حزبه من الليل، أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل ).

    (من نام عن حزبه من الليل) أي: له ورد يقوم به.. قراءة ما تيسر من القرآن، صلوات وركعات تتيسر له كل ليلة، عدد من الاستغفار.. من التسبيح.. من التهليل، يتعاهد به الإنسان نفسه كل ليلة، ولا ينبغي لمؤمن أن لا يقوم الليل، فهو شعار الأبرار، وطالب الله به المؤمنين في مكة في العصر المكي قبل أن تفرض الفرائض، طالبهم ربنا جل وعلا بقيام الليل قبل أن تفرض الفرائض. إذاً لا بد من هذا، فإذا ضعف الإنسان عن هذا في ليلة من الليالي وغلبته عيناه، سد على نفسه طريق الشيطان.

    يا عبد الله! ما فاتك من الليل افعله ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر؛ لئلا تنحرف عن طريق الاستقامة، ولئلا يفوتك شيء من الخير، ولتقطع الطريق على الشيطان من أول الأمر، فإذا قرأت ما فاتك من الليل في هذا الوقت ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر كتب لك كأنما قرأته من الليل، والحديث في صحيح مسلم: ( من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل ).

    وقد سألني بعض الإخوة الطيبين في هذه البلدة عن زوجته أنها كانت تصوم أيام البيض، ليلة الرابع والخامس عشر والسادس عشر، يوم الثالث عشر ليلة الرابع عشر، والرابع عشر ليلة الخامس عشر، والخامس عشر ليلة السادس عشر، ثم شغلت عن ذلك في ضيافة من الضيافات، فهل عليها إثم -وهي من الصالحات- في هذا الشغل عندما لم تصم هذه الأيام؟ قلت: ليس عليها إثم، وقال: هل يجب عليها أن تقضي هذه الأيام؟ قلت: لا، ولكن مرها بالقضاء، وأن تصوم هذه الأيام الثلاثة ولو بعد أن مضت أيام البيض؛ لئلا تعود نفسها ترك عبادة اعتادتها، فالمؤمن شأنه الاستقامة، وهو في ازدياد، أما أن يكون في نقصان، فهذا ليس حال المؤمنين، فهنا إذا فاته شيء من الليل ينبغي أن يقضيه ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يحرك هذه المعاني الطيبة في نفوس المؤمنين الطيبين: ( لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل ثم تركه ).

    فأنتم يا معشر المؤمنين! إذا ابتليتم بشيء من فوات شيء من الطاعة دون إرادة منكم فغلبتكم أعينكم فاقضوا هذا ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، لتكونوا من المستقيمين.

    هذه أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام تحث على هذا الوصف الكريم، وهو خلق الاستقامة.

    1.   

    تواصي السلف الصالح بالاستقامة

    وأما النقطة الرابعة فهي: تواصي السلف الصالح عليهم رحمة الله بهذا الأمر، فهذا كثير وفير، ففي صحيح ابن خزيمة وسنن أبي داود عن أمنا عائشة رضي الله عنها: ( أن عبد الله بن أبي قيس دخل عليها، وكان من الصالحين العباد الذين يقومون الليل، فقالت له: يا عبد الله! لا تدع قيام الليل، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى وهو قاعد عليه صلاة الله وسلامه ) وفداه أبي وأمي.

    لا تدع قيام الليل، وفقت لهذه الخصلة الطيبة فإياك أن تفوتها، فإذا مرضت أو كسلت -أي: اعتراك فتور وإعياء وتعب- فصل وأنت قاعد، ولا تنحرف عن منهج الاستقامة، ولا عن المواظبة على ما فعلته، وكان إذا أصابه مرض أو كسل صلى وهو قاعد، ولذلك ثبت في صحيح البخاري رضي الله عنها أنها كانت تقول لتحريك عزائم الصحابة للمثابرة على الأعمال الصالحة التي يقومون بها ليحصل لهم وصف الاستقامة، كانت تقول: ( كان أحب العمل إلى النبي عليه الصلاة والسلام ما داوم عليه صاحبه وإن قل ).

    وقد عقد البخاري عليه رحمة الله في صحيحه باباً بهذا الخصوص في كتاب الإيمان، فقال: (باب أحب العمل إلى الله جل وعلا أدومه وإن قل). أدومه، أي: العمل الدائم الذي يستمر عليه الإنسان ولا ينحرف عنه، هذا العمل الذي يحبه ربنا جل وعلا، وأما أنه ينشط هكذا في بعض الليالي للقيام ثم يترك بعد ذلك القيام وينام هذا ليس مما يحبه ربنا جل وعلا، ولا يرضاه، فلا بد من الاستقامة.

    ثم ساق البخاري رحمه الله في ترجمة الباب حديثاً بسنده إلى أمنا عائشة رضي الله عنها، ( أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليها وعندها امرأة ) وهي الحولاء بنت تويت كما بين هذا الإمام محمد بن نصر في كتابه (قيام الليل)، الحولاء بنت تويت بتاء مضمومة وواء مفتوحة وياء ساكنة تويت، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( من هذه؟ فقالت أمنا عائشة رضي الله عنها: فلانة تذكر من صيامها وصلاتها ).

    وورد في غير رواية الصحيح أنها قالت: ( إنها فلانة تقوم الليل وتصوم النهار، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: مه )، كفوا عن هذا العمل واتركوه ولا داعي لهذه المبالغة ( عليكم من الأعمال بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا. قالت عائشة رضي الله عنها: وكان أحب العمل إلى النبي عليه الصلاة والسلام ما داوم عليه صاحبه )، أي: اتصف بالاستقامة عليه، وعدم الانحراف عنه. قال شيخ الإسلام ابن الجوزي عليه رحمة الله: وإنما كان العمل المستمر محبوباً عند الله جل وعلا، والعمل المنقطع بخلاف ذلك لأمرين:

    الأمر الأول: أن التارك للعمل بعد قيامه به كالمعرض عنه، ولا ينبغي لإنسان أن يعرض عن خير من أعمال الخير قام به، لا ينبغي هذا، اعتاد أمراً من أمور الخير، وتلبس به، ثم تركه، كأنه أعرض عنه، كأنه ما راق له، أو ما وجد فيه لذة، أو وجده شيئاً تافهاً حتى أعرض عنه، ولو كان يعلم مقداره لما أعرض عنه.

    إذا رأى الإنسان ذهباً هل يطرحه بعد ذلك؟ لا. فهو يعلم ما له من قيمة وثمن، وإذا رأى شيئاً ظنه ذهباً فأخذه وإذا هو زبالة يطرحه مباشرة.

    فيا عبد الله! ما تقوم به من طاعات هي أنفع من الذهب الخالص لنفسك ولقلبك عند ربك سبحانه وتعالى، فإذا كان الأمر كذلك كيف تترك فهل هذا الخير؟!

    وهذا الذي قاله الإمام ابن الجوزي عليه رحمة الله وورد في الأحاديث الكثيرة ما يشهد له، ففي سنن الترمذي، وسنن أبي داود، والحديث قابل للتحسين إن شاء الله، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد )، أي: عرضت عليه ولها أجر كبير عند الله، ( فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها )، سبحان الله العظيم! مع أن الإنسان إذا لم يحفظ القرآن من أول الأمر ما عليه إثم، فاتته فضيلة فقط، أما إذا حفظ فلا يجوز أن ينسى أبداً، فإذا نسي فهذا من أعظم الذنوب عند الله جل وعلا بشهادة نبينا عليه الصلاة والسلام: ( عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، فلم أر ذنباً أعظم من سورة أو آية من القرآن أوتيها رجل ثم نسيها )، وفيهما أيضاً -أي: في سنن أبي داود والترمذي - بسند أيضاً قابل للتحسين، وكل من الحديثين يشهد للآخر، فيرتفع كل منهما إلى درجة الحسن عن سعد بن عبادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم )، لماذا؟ لأنه أعرض عن هذه الكرامة، وعن هذه التحفة، وهذا ليس شأن المستقيمين، وأسأل الله أن يثبتنا وأن يحسن ختامنا.

    أعرف صورة رجل في بلادنا بلاد الشام، صورته لا تغيب عن عيني ونسأل الله حسن الخاتمة، حفظ القرآن في صغره عن ظهر قلب، واستظهره، ولا يتردد في آية ولا يتلعثم، ثم لما كبر انحرف عن مسلك طلبة العلم، ونسأل الله الثبات وحسن الخاتمة، حتى بدأ يتهاون بالفرائض، واجتمعت به في بعض المجالس، ويزيد عمره على الستين سنة، والله الذي لا إله إلا هو لا يحفظ الفاتحة، وهو الآن في عالم الآخرة، ونسأل الله حسن الخاتمة.

    وكم من طلبة العلم يحفظ شيئاً من القرآن في بداية طلبه في المعهد أو في الابتدائي ثم لما يصل بعد ذلك إلى الكلية أو إلى ما شاكل ذلك ينسى ما حفظه.

    يا عبد الله! أنت طالب علم، الله غضبان عليك وأنت طالب علم؟! كيف يغضب الله عليك إذا كنت طالباً للعلم حقاً؟!

    ( من حفظ القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم )، وفي رواية: ( لقي الله وهو عليه غضبان )، وهذا من أعظم الذنوب عند الرحمن جل وعلا: ( لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل ثم تركه ).

    ولذلك قال شيخ الإسلام ابن الجوزي عليه رحمة الله: التارك للعبادة بعد الدخول فيها كالمعرض عنها.

    ولماذا أعرضت عنها يا عبد الله؟! ما رأيتها تروق لك، ولا تناسبك؟! أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    لماذا انحرفت عنها؟ هذا ليس شأن المستقيمين، فشأن المستقيمين أنهم يزدادون خيراً إلى خير، وأما أنهم يتركون الخير الذي فعلوه فلا، من استوى يوماه -كما كان يقول الصالحون قبلنا- فهو مغبون، ومن كان أمسه -اليوم الماضي- خير من يومه فهو ملعون، إذا استوى يومك مع اليوم الماضي فأنت مغبون.. أنت خاسر: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، وهذه الحياة هي رأس مالنا، وهي تجارتنا وبضاعتنا في معاملتنا مع ربنا، والحياة ما هي إلا أنفاس تخرج، إذا خرج النفس انتهى وما عدت تملكه، فينبغي أن يستغل فيما ينفعك في دنياك وأخراك، فإما أن يستوي هذا اليوم واليوم الذي قبله فهذا هو الغبن وهذه هي الخسارة، أن يكون رأس مال التاجر في هذا اليوم كاليوم الماضي لا يرضى بذلك، يريد كل يوم الزيادة في الربح، وأما إذا كان أمسك خيراً من يومك فأنت في خسران، وهذا هو اللعن نعوذ بالله منه، وهذا إذا فرطت في الطاعة، اعتاد طاعة ثم تركها: ( لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل ثم تركه ).

    وأذكر أنني عندما كنت في الكلية سألت عدداً من إخواني الذين كانوا يدرسون معي، وقد حفظنا في المرحلة المتوسطة والثانوية ستة أجزاء من القرآن، هذا الذي كان مقرراً علينا في النظام، وأما من حفظ زيادة على ذلك فهو كثير، إنما لما انتهينا من مرحلة الثانوية استقرأت عدداً من إخواني، فكل واحدٍ يقول: نسيت ما حفظت، لم يا عبد الله؟! كلام الله جل وعلا الذي لو أنزله ربنا على الجبال لرأيتها خاشعة متصدعة، هذا القلب أقسى من الجبال؟ ما راق له كلام الله، ولا التذ بمناجاة الله؟!

    والأمر كما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: والله لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله، لما شبعت أبداً، فهذا كلام الله جل وعلا، فكيف يشبع الإنسان منه؟ لا والله لا يشبع.

    فإذاً آتاك الله سورة أو جزءاً أو آية، ثم نسيت بعد ذلك فهذا ليس شأن المستقيمين، هذا شأن المراوغين، شأن المنحرفين، شأن الزائغين، ولذلك هنا التارك للعبادة بعد الدخول فيها كالمعرض عنها، ولا يليق بالإنسان أن يعرض عن عبادة خالقه.

    والأمر الثاني: يقول الإمام ابن الجوزي عليه رحمة الله: إنما كان العمل الدائم محبوباً إلى الله وإن قل، والعمل المنقطع مكروهاً وإن كان كثيراً.

    يقول: لأن الذي يلازم الخدمة على الباب طول حياته ليس كالذي يلازمه وقتاً ثم ينصرف، ومن هنا قررت الشريعة المطهرة أنه لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار، عمل كبيرة ثم استغفر منها فالله غفور رحيم، عمل صغيرة وهي ديدنة فهذه ليست صغيرة بل كبيرة، ويضرب العلماء لذلك مثلاً حسياً وهو في منتهى الوضوح يقولون: لو أن إنساناً ألقى عليك سطلاً من الماء، سكبه عليك مرة واحدة، فأنت تتأذى، ولكن التأذي دقائق أو ساعات، ثم يزول بانقضائه، ولو وضعك في مكان ووضع السطل فوق رأسك، وجعل هذا السطل في كل دقيقة، أو في كل ربع ساعة أو ساعة ينقط منه نقطة على رأسك، وحبسك شهراً كاملاً حتى يفرغ هذا السطل، نقطة وراء نقطة، بأيهما تتأذى؟ بالثاني أكثر، الأول تأذيت ولكن التأذي كان في وقت يسير ثم زال، مع أن الجناية كبيرة، السطل كله سكب عليك، وأما هنا فنقطة بعد نقطة، وقد النقطة تجف قبل نزول الثانية، وبينهما ساعة كاملة، ولكن هذا فيه إيذاء كبير، صغيرة ولكن إصرار، ليست صغيرة، هذه زيادة إيذاء أعظم من إيذاء الكبيرة المنقضية.

    فالذي يلازم خدمة رب العالمين وطاعته والتقرب إليه ليس كالذي يفعل الطاعة يوماً من الأيام ثم ينصرف عنها، والناس في هذا الوقت لما انحرفنا عن منهج الاستقامة، والله يرى الإنسان في حياتنا مضحكات مبكيات، وشر البلية ما يضحك نسأل الله حسن الخاتمة، في ليالي رمضان تكتظ المساجد، لكن هل هي مبنية على التقوى؟ لا والله، والله قبل أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله يضرب الله بالصلاة وجهه؛ لأنه سينصرف بعد ذلك إلى ما يغضب الرحمن، ولكن الناس اعتادوا فهو معهم، فالذي يسيره العادة وليس دين الله، فلذلك بمجرد ما ينسلخ رمضان بعد أن كنت ترى في مسجد القرية في المسجد الصغير من يشهد صلاة الفجر صفان، بعد رمضان ترى من يشهد صلاة الفجر اثنان فقط، الصف تقلص إلى واحد، وهذا ملاحظ بأعيننا، لماذا؟ لأن هذا ليس شأن المستقيمين، هذا شأن الذين يروغون كما تروغ الثعالب.

    وأما العبادة الحقة فيستقيم عليها الإنسان ( لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل ثم تركه )، والنبي عليه الصلاة والسلام عندما هم بإحراق الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة وخاصة صلاة العشاء والفجر هل قصد صلاة العشاء والفجر في رمضان خاصة؟ لا، وليس لرمضان ذكر في الأحاديث على الإطلاق أبداً، والصلوات فيه مطلوبة كما هي مطلوبة في غيره من الأيام الأخرى في جماعة، فلماذا إذاً الحرص؟ عادة فقط، فالذي يحركنا ويسكننا عادات حتى في عبادتنا، وليس طاعات.

    ورحمة الله على الإمام ابن القيم عليه رحمة الله عندما يقرر كلاماً في مدارج السالكين ينبغي أن ينقش في القلوب، يقول: ما عاد الرسل الكرام عليهم صلوات الله وسلامه إلا العادات، وهذا هو واقع الأمر: بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22].

    وقد أخبرنا جل وعلا أن أكثر من يلقى في النار بسبب العادة: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ [الصافات:62-68]، لماذا كل هذا؟ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ [الصافات:69-70]، تركضون بدون تذكير في الخير وفي الشر، فلا يثابون في الخير، ويأثمون بالشر.

    ولذلك كانت عادات سلفنا طاعات، وطاعاتنا عادات، لماذا؟ لوجود صفة الاستقامة في حياتهم، وتخلفنا عن هذا الأمر، فلا بد من الاستقامة يا عباد الله، فالعمل إذا استقام عليه الإنسان وإن كان قليلاً يقبل عند الرحمن جل وعلا ويزكو وينمو، فأحب العمل إلى الله ما دووم عليه، وإذا فعل الإنسان عملاً ثم انقطع عنه فالنتيجة لذلك أن الله يغضب عليه، ويكون هذا من أعظم الذنوب لديه، فلا بد إذاً من الاستقامة.

    إذاً قالت أمنا عائشة رضي الله عنها لـعبد الله بن أبي قيس : ( لا تدع قيام الليل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدعه ) وهذا المعنى بوب عليه سلفنا باباً يشيرون إلى أهيمته: (باب أحب العمل إلى الله جل وعلا أدومه وإن قل). فقد حثنا سلفنا الصالح عليهم رحمة الله على الاستقامة وكانوا يتواصون بذلك، فالاستقامة لها شأن كبير، والانحراف عنها له أثر خطير.

    يذكر العلماء في ترجمة الشيخ عبد القادر الجيلاني عليه رحمة الله: أن أهل بغداد طلبوا منه كرامة تدل على صلاحه، وعلى منزلته، فقام فيهم خطيباً وقال: أيها الناس! أنا فيكم منذ كم سنة؟ قالوا: منذ كذا وكذا، فقال: هل رأيتم عليّ معصية قط، أو أنني خالفت شريعة الله جل وعلا؟ قالوا: لا. قال: هذه أعظم كرامة يكرم الله بها عبادة.

    أعظم الكرامة الاستقامة، الاستقامة على شرع الله، ولذلك قال أبو علي الجوزجاني عليه رحمة الله: كن طالباً للاستقامة لا طالباً للكرامة، فإن الله يطلب منك الاستقامة، ونفسك تطلب منك الكرامة. أي: تريد شيئاً من الخوارق لتتميز بها على الناس، هذه نزعات نفسية تنزه عنها، واطلب ما طلبه الله منك، واقصد ما أراده الله منك وهو الاستقامة، فالله يريد منك الاستقامة، ولنفسك تطلع للكرامة، ولذلك قال سلفنا: الاستقامة عين الكرامة، فإذا أكرم الله إنساناً جعله مستقيماً.

    إذاً: كان سلفنا الصالح عليهم رحمة الله يتواصون بالاستقامة ويحث بعضهم بعضاً على ذلك، وإذا كانت الاستقامة مطلوبة في كل شيء، فإنها مطلوبة في تصحيح العقائد من باب أولى، واتباع الإنسان شرع الرحمن جل وعلا، وعدم إدخال شيء فيه ليس منه، ولذلك ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: يا معشر القراء -أي: يا معشر العلماء- استقيموا، فقد سبقتم سبقاً بعيداً. أي: إن استقمتم فقد سبقتم سبقاً بعيداً فأنتم ورثة الأنبياء، فإن انحرفتم -يميناً وشمالاً- واتبعتم فقد ضللتم ضلالاً بعيداً.

    قال الإمام ابن حجر عليه رحمة الله: وهذا الكلام الذي قاله عبد الله بن مسعود أخذه من قول الله جل وعلا: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153].

    يا معشر القراء! يا معشر العلماء! استقيموا فقد سبقتم سبقاً بعيداً، وضبطت فقد سبقتم سبقاً بعيداً -بالمبني للمجهول- ولكن الضبط الأول أقوى وأصح، وهو منقول كما قال الإمام ابن حجر ، أي: فقد سبقتم سبقاً بعيداً، أي: استقيموا على منوال من سبقكم من النبي عليه الصلاة والسلام، ومن تبعه من الصحابة الذين كانوا على هديه، فقد كانوا على الخير الكامل، ولا يمكن أن تأتوا بعد ذلك أنتم بما هو أهدى مما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين لحقوه، فقد سبقتم سبقاً بعيداً فاسلكوا مسلكهم، ولكن الضبط الأول أولى وهو المنقول كما قال ابن حجر : فقد سبقتم. أي: إن استقمتم فقد سبقتم غيركم سبقاً بعيداً، فلكم أجركم وأجر من يعمل بالهدي الذي تدعون إليه، فإن انحرفتم يميناً وشمالاً فقد ضللتم ضلالاً بعيداً.

    ونقل عن عدة من الصحابة من جملتهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره عن ابن مسعود أيضاً كما في سنن الدارمي : أن رجلاً قال لكل منهما -لـابن عباس ولـابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين- أوصني. فكان كل واحد منهم يقول: عليك بتقوى الله، والاستقامة، اتبع ولا تتبع.

    فلا بد إذاً من الاستقامة، وقد كان سلفنا الصالح عليهم رحمة الله يوصون أنفسهم بذلك، وعندما حدث شيء من التغيير كان السلف الكرام عليهم رحمة الله ينفرون من هذا التغيير، ويبينون أن هذا ينافي طريق المستقيمين، وأن هذا ليس من خلق المؤمنين، ففي صحيح البخاري وغيره أنه قيل لـابن عمر رضي الله عنهما: إنا ندخل على الأمراء، وورد في رواية: إنا ندخل على يزيد بن معاوية رضي الله عن معاوية وعن سائر الصحابة الكرام، إنا ندخل على الأمراء فنقول لهم ما لا نقول له في غيبتهم. أي: إذا كنا معهم لايناهم وتكلمنا معهم بما يرضيهم، فإذا خرجنا تكلما غير ذلك، فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كنا نعد ذلك نفاقاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: هذا شأن المنافقين وليس شأن المستقيمين.

    ولذلك ثبت في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه الذي شهد شيئاً من التغيير، فكيف لو رأى حياتنا، كان يقول للصحابة والأثر في صحيح البخاري ، يقول: إنكم -يخاطب التابعين الذين جاءوا بعد الصحابة- لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر -لا وزن لها ولا اعتبار.. خفيفة- كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات.

    وقد بوب البخاري عليه رحمة الله على كلامه باباً في كتاب الرقاق فقال: (باب ما يتقى من المحقرات، إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات).

    وقد ثبت هذا اللفظ أيضاً عن أبي سعيد الخدري في مسند الإمام أحمد بسند صحيح، وثبت أيضاً عن صحابي آخر، أن كل واحد كان يقول للتابعين: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات، فلا بد من الاستقامة في جميع الأماكن والأوقات ليكون الإنسان من السعداء.

    1.   

    أسرار في أمر الله لعباده بإتباع الاستقامة بالاستغفار

    الأمر الخامس وهو آخر نقطة في الموضوع موضوع الاستقامة، أنني قلت وحسب ما ظهر معنا في دراستنا: أن الاستقامة هي ملازمة التقوى، وفعل الطاعات الظاهرة والباطنة، وترك المعاصي الظاهرة والباطنة في جميع الأمكنة والأوقات.

    إن قيل: إذا كان الأمر كذلك فإذاً الناس هم ملائكة، فما يمكن أن يجري منهم قصور أو تقصير إذا واظبوا على هذا، إذاً يعني الناس صاروا ملائكة، فنرى الأمر في ذلك، فإذاً لمن تكون رحمة الله وعفوه ومغفرته؟

    نقطة دقيقة أشارت إليها النصوص، ربنا جل وعلا عندما أمرنا بالاستقامة أتبع ذلك بالاستغفار، وهكذا حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وفي الآية: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [فصلت:6]، وفي حديث النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي ذر ومعاذ : ( اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها )، وعندما قال له: ( عليك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته، قال له: وإذا أسأت فأحسن ).

    عباد الله! الحقيقة أن الإنسان لا يخلو من قصور وتقصير وإن كان من المستقيمين، لا ينفك أحد من قصور أو تقصير، إنما تقصير كل بحسبه، ولذلك أمرنا ربنا جل وعلا بالاستغفار بعد أمره لنا بالاستقامة، فما يمكن لمخلوق كان أن يقوم بما ينبغي أن يقومه نحو الرحمن جل وعلا، لا يمكن أبداً، إلا أن يقصر في فعل مأمور، لا أقول: يتركه، لا، لا يقع منه على الوجه المطلوب، ووالله الذي لا إله إلا هو لو حاسبنا الله على صلاتنا لأكبنا على وجوهنا في نار جهنم، صلاتنا فقط، عندما يقول إنسان: الله أكبر، فيقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، وقلبه في بستانه أو في سيارته أو مع زوجته.

    هل هذا وجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض أم وجه وجهه للبستان؟!

    لو حاسبنا ربنا على هذه الطاعة لألقانا على وجوهنا في نار جهنم!!

    بعد ذلك ما نتركه في بعض الأحيان من طاعات، وما نتلبس به من مخالفات ظاهرة بعد ذلك، ولذلك شرع للمصلي بعد الصلاة الاستغفار ثلاث مرات.

    سبحان الله! وهل كان في معصية؟

    وهكذا إذا نزل الحاج من عرفات أمر بالاستغفار، وهو أفضل أيام السنة، وأعظم ما يقوم به الإنسان في حياة أعمال الحج في يوم عرفات، فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ [البقرة:198-199]، سبحان الله! هل كانوا في معصية؟ كانوا في أعظم الطاعات.

    لا يمكن لإنسان أن يؤدي حق الله جل وعلا كما ينبغي، ولذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام -والحديث في صحيح مسلم - يقول: ( يا أيها الناس! توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة )، وهو خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه.

    وكم وصى عليه في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي. عليه صلوات الله وسلامه، فلا ينفك إنسان من تقصير، فإذا كان الأمر كذلك فينبغي للإنسان أن يستقيم، وأن يكثر من الاستغفار لله رب العالمين.

    وقد شهد ربنا جل وعلا أن المتقين يمسهم في بعض الأحيان طائف من الشيطان، ففي آخر سورة الأعراف يقول ربنا جل وعلا: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا [الأعراف:199-201]، لهم صفة التقوى، والمحافظة عليها هي الاستقامة إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201]، ولكن ينبغي أن نقف مع الإشارات التي أشارت إليها الآية: (مسهم)، أي: أصابهم أدنى إصابة، والمس هو الإصابة الخفيفة الطفيفة فلا يستولي عليهم، ولا يعشعش في قلوبهم ويبيض فيها ويفرخ، لا، بل مسهم، ثم بعد ذلك قال ربنا: طَائِفٌ ، وقرأ البصريان والمكي والكسائي : طيف، (إذا مسهم طيف)، قال: طائف، والطائف هو ما يطوف حولك، وهو مسك، مسك ودخل في ذهنك، فكيف عبر عنه بطائف؟ قال: لأن دخوله في الدين ووسوته لا ينتج عنها أثر خطير، والمؤمن مباشرة يتنبه، فهو وإن دخل إلى الدين ووسوس فهو بمثابة من حام حولك ولم يصبك، هذا حال المتقين إذا مسهم طائف من الشيطان، طيف خيال، أي: وسوسة، والطيف هو الخيال الذي يتراءى للإنسان حال نومه، طيف أي: خيال. أي: وسوسة، أي: أن هذا لا يتجاوز الوسوسة وحديث النفس، إذا مسه طيف من الشيطان، طائف من الشيطان، تذكروا فإذا هم مبصرون، هذا حال المتقين.

    روى الإمام ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية فقال: ذكر ابن عساكر في تاريخه في ترجمة عمرو بن جامع قصة عن شاب صالح حاصلها: أنه كان من المتقين المستقيمين فراودته امرأة فامتنع، ثم كررت المراودة، فمال إليها بعض الشيء فهو في طريقه إليها، تذكر قول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201]، فغشي عليه من ساعته في الطريق، ثم استيقظ بعد ذلك، فلما استيقظ تذكر قول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201]، قال: فصاح صيحة ثم مات.

    والقصة جرت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما مات دفنه والده عليه رحمة الله، فسمع عمر بخبره فجاء بعد صلاة العشاء مع أصحابه معزياً الوالد بالولد، ثم قال: دلني على قبره فصلى عليه عمر مع أصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين -والقصة في تفسير ابن كثير - ثم بعد أن فرغ من صلاة الجنازة قال: يا أيها الشاب! إن الله يقول: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، فهل وجدت ذلك عند الرحمن؟ فقال الشاب الميت المدفون: نعم، أعطانيهما ربي في الجنة، بصوت سمعناه يكرر ذلك مرتين، وما ذلك على الله جل وعلا بعزيز.

    إذاً: (إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) إذاً يرجع بعد ذلك عن غيه وعن ضلاله.

    وقد بين لنا النبي عليه الصلاة والسلام حال المؤمن مع إيمانه بمثل حسي، ففي مسند الإمام أحمد ومسند أبي يعلى بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( مثل المؤمن والإيمان كمثل الفرس في آخيته )، والآخية هي السكة أو الوتد الذي يدق في الجدار أو في الأرض ويربط فيه الفرس لئلا يهرب، ولئلا يذهب إلى مكان بعيد ( مثل المؤمن والإيمان كمثل الفرس في آخيته يجول الفرس ثم يرجع )؛ لأنه مربوط إلى هذه الآخية فلا يستطيع الهروب عنها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( وهكذا المؤمن يسهو ثم يرجع إلى إيمانه ).

    وقد رسم لنا النبي صلى الله عليه وسلم حداً واضحاً فاصلاً للمؤمن من غيره، والحديث في مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير، والبزار عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو في معجم الطبراني الأوسط عن أبي أمامة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( من سرته طاعته فساءته معصيته فهو مؤمن ).

    إذاً: قد يجري منه في بعض الأحيان شيء مما لا يحمد، ولكنه يستاء، وإذا استاء الإنسان من شيء ينفر عنه ويتركه، ولذلك ليس من علامات المؤمنين بحال: المواظبة على معصية وإن قلت، قد يقع الإنسان في شيء مما لا يحمد، وقد يجري منه تفريط وهو بشر، ولكن لا يقع منه إصرار بحال من الأحوال، ويلازم الاستغفار لله سبحانه وتعالى آناء الليل وآناء النهار.

    وقد بين لنا النبي عليه الصلاة والسلام أثر الإصرار وخطورته، ففي سنن الترمذي وسنن ابن ماجه والنسائي ومسند الإمام أحمد وغير ذلك بسند صحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب واستغفر صقل قلبه، فإن عاد نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا لم يتب ولم يستغفر تزداد هذه النكتة حتى يعم قلبه السواد، ثم يضرب بعد ذلك الران عليه، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14]).

    إذاً: الإنسان إذا استقام ينبغي أن يتبع الاستقامة بالاستغفار، فلا يخلو إنسان من تفريط ولا من تقصير، نسأل الله جل وعلا أن يثبت الإيمان في قلوبنا، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا إنه سميع مجيب.

    أقول هذا القول وأستغفر الله، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.