إسلام ويب

أربعة معاقد لإقامة الصلاةللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ليس كل من أدى الصلاة يعتبر مقيماً لها، بل إقامة الصلاة لفظ جامع يدخل فيه تأديتها في أوقاتها، وخشوع القلب والجوارح فيها، وتأديتها بأركانها وشروطها وهيئاتها، فكم من مصل ليس مقيماً لها، ولهذا وجب على المؤمنين إقامتها بمعناها كي يدخلوا في من مدحهم الله بإقامتها.

    1.   

    إقامة الصلاة.. معناها وفضلها

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وهو اللطيف الخبير.

    اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين.

    يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3] .

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمَّن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    معشر الإخوة المؤمنين! أشرف البقاع وأحبها إلى رب الأرض والسماء المساجد، فهي بيوت الله فيها نوره وهداه، وهي محل عباد الله المهتدين، وقد نعت الله الذين يعمرونها بأنهم رجال، ووصفهم بأربع خصال: فهم لا تلهيهم الدنيا، وهم يعظمون الله جل وعلا، فيذكرونه ويصلون له، وهم يشفقون على عباد الله فيحسنون إليهم ويتصدقون عليهم، وهم يستعدون ليوم المعاد للقاء رب العباد: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:36-37].

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس الصفة الثانية من صفات عباد الرحمن المنعم عليهم، الذين يعمرون بيوت الله في الأرض، والصفة الثانية: أنهم يذكرون الله ويقيمون الصلاة.

    وقد تقدم معنا ما يتعلق ببيان معنى الإقامة ولفظ الصلاة، وباختصار: إقامة الصلاة يراد بها توفية الصلاة حقها علماً وعملاً، فإقامة الشيء تكون كذلك -أن توفي الشيء حقه علماً وعملاً- والصلاة هي الأقوال والأفعال المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة.

    عباد الله! إذا أقام الإنسان الصلاة كما أراد الله جل وعلا فهنيئاً له، ينال رضوان الله، وله عهد عند الله أن يغفر الله له، إذا أقام الصلاة فوفاها حقها علماً وعملاً.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي ، والحديث رواه الإمام مالك في الموطأ، وابن حبان في صحيحه، ورواه البيهقي في السنن الكبرى، وأبو داود الطيالسي في مسنده، وهو حديث صحيح، إسناده كالشمس، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: ( أشهد أنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خمس صلوات افترضهن الله، من أحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن، كان له عهد عند الله أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له عهد عند الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له).

    إذاً: لابد من إقامة الصلاة، أن تحسن وضوءها، وأن تصليها في وقتها، وأن تتمها بركوعها وسجودها وخشوعها، فإذا حصل منك ما يريده الله من هذه الصلاة، فقد نلت هذه الجائزة وهذا العهد عند الله جل وعلا، أنه سيغفر لك فهو خير الغافرين، وهو أرحم الراحمين لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ [النور:37].

    فالمطلوب في الصلاة إقامتها: توفيتها حقها علماً وعملاً، ثبت في الصحيحين والحديث في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي، عن أمير المؤمنين ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه: ( أنه دعا بوضوء فتوضأ، ثم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وضوئي، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: من توضأ مثل وضوئي -أو نحو وضوئي- ثم قام فصلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء، غفر له ما تقدم من ذنبه).

    فمن أقام الصلاة، وأحسن الوضوء، وصلى صلاة خالصة لله ما شغله فيها شاغل، فجزاؤه أن يغفر الله له ما تقدم من ذنبه.

    1.   

    إثم عدم إقامة الصلاة

    وإذا صلى الإنسان وما أقام الصلاة، وما وفى الصلاة حقها علماً وعملاً، فالويل له ثم الويل له، إنه سارق، لكنه أشنع السراق، وأخبث السارقين عند رب العالمين، فإذا سرق الإنسان متاع غيره فهذا منقصة، وذلك كبيرة، والسارق ملعون، فكيف من يسرق من صلاته التي هي عبادة خالصة للحي القيوم؟!

    وقد وضح نبينا صلى الله عليه وسلم هذا، وبين لنا أن من صلى دون إقامة للصلاة، أي دون توفية الصلاة حقها علماً وعملاً فهو سارق، ثبت الحديث بذلك في مسند الإمام أحمد ، ومعجم الطبراني الكبير، والحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وصححه، وأقره عليه الذهبي وهو صحيح، من رواية أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته).

    والحديث ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وروي عن جمع من الصحابة الكرام، رواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، والطبراني في المعجم الكبير والأوسط، والإمام الدارمي عن أبي هريرة.

    أيضاً رواه الإمام أحمد في المسند، وأبو يعلى في مسنده، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، ورواه الإمام مالك في الموطأ عن معاذ بن مرة ، ورواه الطبراني في معاجمه الثلاثة بإسناد جيد، عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسرق السارقين من يسرق من صلاته)، فأشنع السارقين وأخبثهم من يسرق من صلاته التي هي عبادة لله جل وعلا.

    إخوتي الكرام! المطلوب منا نحو الصلاة أن نقيمها، ليحصل بعد ذلك فائدتها في الدنيا والآخرة: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].

    1.   

    معاقد ومجامع إقامة الصلاة

    إخوتي الكرام! ولإقامة الصلاة كلام طويل لا يمكن أن أتكلم عليه على وجه التفصيل في هذه الموعظة المقتصرة المباركة، إنما سأتكلم على أربعة أمور هي معاقد ومجامع إقامة الصلاة، وأما تفصيل ما يتعلق بالصلاة من مفتاحها وهو الطهور، إلى تحريمها وهو التكبير، وإلى تحليلها وهو التسليم، وما يكون بين ذلك، فلعلنا نتدارس هذا ونعود إليه بعد الانتهاء من تفسير هذه الآية الكريمة التي نعت الله فيها الرجال الذين يعمرون بيوته في هذه الحياة بأربع خصال، بعد الكلام عليها نعود إن شاء الله، إن أحيانا الله وأمد في حياتنا إلى مدارسة ما يتعلق بالصلاة، من مفتاحها إلى تحليلها.

    الأول: تأدية الصلاة في وقتها

    إخوتي الكرام! ليحقق الإنسان إقامة الصلاة كما يريد ذو الجلال والإكرام ينبغي أن يعتني بهذه الأمور الأربعة:

    أولها: أن يؤدي الصلاة في وقتها، إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، فرضاً مؤقتاً، فينبغي أن تؤدى كل صلاة في وقتها، فلله حق في الليل لا يقبله في النهار، ولله حق في النهار لا يقبله في الليل، فنفذ ما أمرك الله كما يحب الله وكما بين الله سبحانه وتعالى.

    فهذه الصلوات ينبغي أن تؤدى في الأوقات التي حددها لنا خير البريات عليه صلوات الله وسلامه، وإذا أردت أن تنال القبول عند رب الأرض والسموات فبادر إلى أداء الصلاة في أول الأوقات، فهذا أحب شيء إلى رب الأرض والسموات.

    ثبت في الصحيحين وغيرهما، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة لوقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو استزته لزادني)، أعظم حقوق الله عليك بعد توحيده الصلاة، وأحب شيء إلى الله تفعله في هذه الصلاة أن تؤدي الصلاة في أول وقتها.

    ولذلك ثبت في سنن الترمذي ، وسنن أبي داود ، من حديث أم فروة وهي أخت أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعنها وعن سائر الصحابة الكرام، هي أخته من أبيه، أنها قالت: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أحب الأعمال إلى الله؟ فقال: أحب الأعمال إلى الله الصلاة في أول وقتها)، فحافظ على هذا الأمر، أعني الصلاة في أول وقتها وبادر إلى ذلك.

    إثم تأخير الصلاة إلى آخر الوقت

    وإياك إياك أن تؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، أو إلى ما بعد خروج الوقت، فهذا مضيعة للصلاة، فالله عز وجل بعد أن ذكر المنعم عليهم من عباده المخلَصين المخلِصين في سورة مريم ذكر المضيعين فقال: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59].

    ويقول ربنا العظيم في سورة الماعون: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5]، وإضاعة الصلاة والسهو عنها شامل لأمور ثلاثة، كما حقق ذلك أئمتنا المفسرون، وفي مقدمتهم الإمام المبارك ابن كثير في تفسيره عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمات رب العالمين.

    إضاعة الصلاة والسهو عنها شامل لتركها بالكلية، وشامل لتأخيرها إلى آخر الوقت، وشامل لعدم إيقاعها على الوجه المطلوب، فإذا صليتها في أول الوقت دون خشوع وإتمام لها فقد ضيعتها، وقد سهوت فيها وعنها، أي: عن فعلها على وجه التمام والكمال، فتضييع الصلاة والسهو عنها شامل لهذه الأمور الثلاثة.

    وقد ثبت في أصح الكتب بعد كتاب الله جل وعلا، في صحيح البخاري ، في كتاب مواقيت الصلاة، حيث بوب باباً يشير به إلى القضية التي نحن بصددها، فقال: باب تضييع الصلاة، ثم ساق بسنده المتصل -أصح إسناد- عن الإمام الزهري أنه دخل على أنس بن مالك رضي الله عنه عندما زار بلاد الشام يشكو الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يقول: دخلت على أنس بن مالك رضي الله عنه وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك يا أبا حمزة ؟ فقال: لا أعلم شيئاً مما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قد ضيع، إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة عملتم فيها ما عملتم، أي: من التأخير عن وقتها، والحجاج كان يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها، وكان هو الذي يؤم المسلمين، فذهب أنس بن مالك إلى بلاد الشام من البصرة يشكو الحجاج ، ويخبر الخليفة عبد الملك بن مروان بأن الحجاج غير سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وأضاع الصلاة.

    وفي رواية الترمذي بإسناد حسن أنه قال -أي: أنس بن مالك رضي الله عنه-: ما أعلم شيئاً مما كنا عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد ضيع، فقال له أبو عمران الجوني : وهذه الصلاة؟ أي: نحن نصلي، فكيف نقول كل شيء قد ضيع؟! فقال أنس: أليس قد عملتم فيها ما عملتم؟ أي: من تأخيرها عن وقتها الذي هو أحب الأوقات إلى الله جل وعلا في أداء الصلاة، أخرتم الصلاة عن أول الوقت، أليس قد عملتم فيها ما عملتم؟!

    إذاً: تضييع الصلاة والسهو عنها شامل لهذه الأمور الثلاثة، لتركها بالكلية، لتأخيرها إلى آخر الوقت، لعدم إيقاعها على الوجه المطلوب، فكل من حصل صفة من هذه الصفات فله من الذم بمقدار الصفة التي فيه.

    فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59].

    فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5].

    إثم تأخير الصلاة حتى خروج الوقت

    وقد أخبرنا نبينا الكريم عليه صلوات الله وسلامه، أن من أخر صلاة حتى خرج وقتها فقد حبط عمله، ثبت الحديث بذلك في مسند الإمام أحمد ، وصحيح البخاري ، والحديث رواه الإمام النسائي وابن ماجه ، من حديث بريدة رضي الله عنه وأرضاه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من ترك صلاة العصر حبط عمله)، والمراد من الترك أن يؤخرها حتى يخرج وقتها.

    كما ثبت هذا في بعض روايات الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بكروا بالصلاة في يوم الغيم؛ فإنه من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله)، أي: أيام الغيم لا تظهر الشمس، فقد تغرب وأنت تظن أن النهار باق، ولذلك بكر بالصلاة لئلا تغرب الشمس، فمن فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله.

    وقد ثبت في الكتب الستة إلا صحيح البخاري ، وسنن ابن ماجه ، فهو في صحيح مسلم والكتب الثلاثة، والحديث رواه الإمام أحمد في المسند أيضاً، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق)، وفي بعض روايات الحديث: (تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني شيطان حتى إذا كانت صفراء قام فنقر أربعاً، لا يذكر الله فيهن إلا قليلاً)، هذه هي صلاة المنافق، سبحان الله! يصلي وهو منافق، يصلي والويل له! نعم، ما أقام الصلاة، ليس المقصود من الصلاة تأديتها، إنما المقصود من الصلاة إقامتها.

    وتقدم معنا إخوتي الكرام أن لفظ الإقامة توفية الشيء علماً وعملاً؛ ولذلك قال سفيان : هذه الآية في سورة المائدة: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [المائدة:68] هي أشد آية في القرآن، أخوف آية في القرآن، ليسوا على شيء ولا وزن لهم عند الرحمن إذا لم يوفوا ما أنزل الله إليهم حقه علماً وعملاً.

    وهكذا يا أمة محمد على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، لستم على شيء حتى تقيموا القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، توفوا هذين الشيئين حقهما علماً وعملاً.

    فلابد عباد الله! من المحافظة على الصلاة في وقتها؛ ليتحقق فينا شيء من إقامة الصلاة: لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ [النور:37].

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الذي تفوته صلاة العصر ( فكأنما وَتَر أهلَه ومالَه ) ( فكأنما وُتِر أهلُه ومالُه ) ( فكأنما أوتر أهلَه ومالَه )، ثبت الحديث بذلك في المسند والصحيحين والسنن الأربعة، والحديث رواه الإمام مالك في الموطأ، والدارمي في المسند، ورواه ابن خزيمة في صحيحه، وهو في أعلى درجات الصحة، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله).

    الوتر: هو النقص والضياع، أي: كأنما أضاع أهله وماله، أو ضاع منه أهله وماله إذا أضاع الصلاة حتى خرج وقتها، هذا حاله، وتلك عقوبته، فلابد من المحافظة على وقت الصلاة.

    الثاني: حضور القلب في الصلاة

    والأمر الثاني الذي ينبغي أن نحافظ عليه ليتحقق فينا أيضاً شيء من إقامة الصلاة: حضور القلب عند مناجاة الرب في هذه الصلاة، فينبغي أن تتأمل فيما تقرأ وفيما تذكر، وأن يحضر قلبك، وألا يشرد ذهنك، والله جل وعلا أخبرنا أن المؤمنين فازوا بالرضوان العظيم، والنعيم المقيم؛ لصفات كريمة فيهم، أولها: يخشعون في صلاتهم: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2] وإنما قدم هذه الصفة لأنها أصل لما عداها، فإذا خشعت في صلاتك واستقامت صلاتك استقامت سائر أعمالك، وإذا فسدت الصلاة فبقية الأعمال أفسد وأشنع، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا خشع في صلاته يتلذذ بها، فتصبح هذه الصلاة قرة عين له، وهذا حال نبينا عليه صلوات الله وسلامه، ثبت في المسند والسنن، والحديث رواه الإمام البيهقي في السنن، والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط مسلم ، وأقره عليه الإمام الذهبي ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حبب إليَّ من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة).

    وهذا الحديث يرويه الكثير من الوعاظ بلفظ: (حبب إليّ من دنياكم ثلاث...)، هذه الزيادة باطلة لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع بطلانها وعدم ثبوتها هي مفسدة للمعنى، فمناجاة الله عز وجل وذكره والأنس بمناجاته وحلاوة عبادته ليست من أمور الدنيا، حبب إليّ من الدنيا الطيب فهو غذاء العقل، والنساء، ففي ذلك راحة للعقل وللجسم، ونشاط وصحة للبدن، وإخراج ذرية تعبد رب البرية توحد الله وتجاهد في سبيله، ولكن اللذة العظمى: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، نعم، من خشع في صلاته كانت الصلاة قرة عين له.

    وقد أخبرنا الصحابة الكرام عن حال نبينا عليه الصلاة والسلام عندما كان يصلي ويناجي الرحمن أن قلبه وصدره كان يخفق خفقاناً من خشية الرحمن، وخشوعه في صلاته عند مناجاته ربه جل وعلا.

    ثبت الحديث بذلك في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود ، والحديث رواه الإمام الترمذي في الشمائل النبوية على نبينا صلوات الله وسلامه، ورواه الإمام النسائي في السنن أيضاً، وهو في صحيح ابن حبان ، والسنن الكبرى للإمام البيهقي ، عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فسمعت لصدره أزيزاً كأزيز المرجل من البكاء )، أي: كأزيز القدر الذي فيه الماء يغلي ويفور، فكان قلب النبي صلى الله عليه وسلم يخفق في صدره فيظهر هذا الصوت منه صلوات الله عليه وسلامه فسمعت لصوته أزيزاً كأزيز المرجل.

    وفي بعض روايات أبي داود وصحيح ابن حبان : ( فسمعت لصدره صوتاً كصوت الرحى )، أي: كصوت الطاحون عندما تدور وتطحن البر، هذا حال نبينا عليه صلوات الله وسلامه عندما يتلذذ بمناجاة الله، وعلى هذا درج الصحابة الكرام، والتابعون لهم بإحسان، ولن يزال هذا الوصف في عباد الرحمن إلى لقاء ذي الجلال والإكرام.

    قيل للعبد الصالح عامر بن عبد قيس -وهو من أئمة التابعين، أدرك الصحابة الطيبين رضوان الله عليهم أجمعين- قيل له: إذا قمت تصلي هل تحدث نفسك في صلاتك؟ تكلمها.. تبحث معها.. نفسك تفكر في شيء.. هل تحدث نفسك في صلاتك؟ هل تتحدث نفسك بشيء في صلاتك؟ فقال: أوشيء أحسن من الصلاة حتى أحدث نفسي به؟! يوجد أحلى من الصلاة ومن مناجاة الله حتى أحدث نفسي به؟ فقالوا: إنا نحدث أنفسنا في صلاتنا، قال: بأي شيء؟ بذكر الجنة والنار، والحور والولدان، إذا قمتم إلى الصلاة تحدثون أنفسكم بما يكون في الآخرة؟ قالوا: لا، بالأهل والأولاد والأموال، نحدثها بأمر الدنيا، قال: سبحان الله! أويفعل ذلك مسلم؟ مسلم يقع هذا في قلبه، والله لأن تختلف الأسنة في صدري أحب إليّ من أن تحدث نفسي بشيء من ذلك، مسلم يفعل هذا بين يدي الله؟! والله جل وعلا ينظر إلى قلوبنا، وهي في كل واد تهيم.

    إخوتي الكرام! نصلي صلاة لو قدمت لزبال، لو تقربنا بها إلى الزبال لردها علينا وما قبلها، فكيف بذي العزة والجلال؟! صلاة من تكبيرة الإحرام إلى الانتهاء منها بالسلام لا يعقل منها شيئاً، أي صلاة صليتها؟! أي صلاة فعلتها أيها الإنسان؟!

    قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2].

    أول ما يرفع من هذه الأمة

    إخوتي الكرام! وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن أول ما سيرفع من هذه الأمة الخشوع، وهذا الذي حصل، ونسأل الله أن يلطف بأحوالنا، وأن يذيقنا حلاوة مناجاته، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    ثبت في معجم الطبراني الكبير بسند حسن، كما قال الهيثمي في المجمع، والمنذري في الترغيب والترهيب، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع، فلا ترى فيها أحداً خاشعاً) نعوذ بالله من هذا! والحديث إخوتي الكرام! مرفوع في هذه الرواية، وروي عن صحابيين اثنين موقوفاً عليهما، روي عن عبادة بن الصامت وعن شداد بن أوس رضي الله عنهم أجمعين.

    أما حديث عبادة فهو في آخر حديث أبي الدرداء الثابت في المسند، وسنن الترمذي ، وابن ماجه ، ومستدرك الحاكم ، والحديث صحيح صححه الحاكم وأقره عليه الذهبي ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (كنا جلوساً مع النبي صلى الله عليه وسلم، فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: هذا أوان يختلس فيه العلم ) أي: يضيع العلم، ويذهب العلم، ويفقد العلم ( فقال زياد بن لبيد الأنصاري رضي الله عنه: كيف يختلس يا رسول الله وقد قرأنا القرآن، وأقرأناه أولادنا ونساءنا؟! والله لنقرأن القرآن، ولنقرئنه أولادنا ونساءنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثكلتك أمك يا زياد ! كنت أعدك من أفقه أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند أهل الكتاب فما أغنت عنهم؟!) أي: إذا ذهب الخشوع من القلب، وذهب تعظيم الرب من صدر الإنسان، فماذا ينفعه إذا قرأ القرآن، أو حفظ حديث النبي عليه الصلاة والسلام؟! (هذه التوراة والإنجيل عند أهل الكتاب، فما أغنت عنهم؟!).

    نعم: إذا فقد الخشوع يحرف الإنسان الكلم عن مواضعه، ويشتري بآيات الله ثمناً قليلاً، ويتأول ويترخص، ويخرج من دين الله، وهو يظن أنه يعبد الله.

    قال جبير بن نفير -وهو أحد رواة الحديث- لما سمع هذا الحديث من أبي الدرداء فذهبت إلى عبادة بن الصامت رضي الله عنه فقلت له: ألا تسمع ما يحدث به أخوك أبو الدرداء رضي الله عنهم أجمعين، قال: وما ذاك؟ فحدثه بهذا الحديث، قال: صدق أبو الدرداء ، ألا أخبرك بأول شيء يرفع في هذه الأمة: أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع، حتى أنك لتدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً، نعوذ بالله من هذا.

    والحديث إسناده صحيح، وفي هذه الرواية موقوف على عبادة بن الصامت ، وله حكم الرفع إلى نبينا صلى الله عليه وسلم.

    وروي عن شداد بن أوس أيضاً، أخرج الحديث عنه من رواية عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه وأرضاه الإمام الطبراني في معجمه الكبير، والإمام البزار ، وابن خزيمة في صحيحه رضي الله عنهم أجمعين، وساق عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه الحديث كنحو رواية أبي الدرداء ، قال جبير بن نفير : فذهبت إلى شداد بن أوس وقلت له: ألا تسمع ما يحدث به أخوك عوف بن مالك ، وهناك ذهب إلى عبادة ، قال: صدق عوف بن مالك ، أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع.

    نعم، سيأتي على الناس زمان، كما ثبت في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفاً عليه، وله حكم الرفع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، (سيأتي على الناس زمان يجتمعون فيه في المسجد ليس فيهم مؤمن، يؤذنون ويصلون وليس فيهم من يؤمن بالحي القيوم)، والحديث ثابت في المستدرك بسند صحيح كالشمس، (أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع، حتى إنك لتدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً)، هذا أول ما يرفع من هذه الأمة.

    الجمع بين حديث (إن أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع) وحديث: (إن أول ما يرفع الحكم بما أنزل الله)

    إخوتي الكرام! ولا يتعارض هذا الأثر مع الأثر المصرح بأن أول ما يرفع في هذه الأمة وينقض من أحكام الإسلام الحكم بما أنزل الله وفساد جهاز الحكم، لا تعارض بين الأمرين، وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى الأمر الثاني، أذكر الدليل على ذلك وأقرره، ثم أجمع بين الأمرين إن شاء الله.

    أخرج الإمام أحمد في المسند، والحديث في معجم الطبراني وصحيح ابن حبان ، من رواية أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، والحديث أخرجه الإمام أحمد أيضاً في المسند عن فيروز الديلمي ، ورواية أبي أمامة في درجة الحسن، عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فأولها نقضاً الحكم، وآخرها الصلاة).

    فإذاً: أول ما سينقض الحكم، وأول ما يتبدل الحكم وفساد الأوضاع العامة، وآخر ما يبقى الصلاة.

    نعم، أول ما ينقض من حيث الظاهر الحكم، وآخر ما يبقى من شعائر الإسلام الصلاة، لكن (ليصلين أقوام ولا دين لهم)، فأول ما رفع الخشوع، وهذا أمر بين العبد وربه لا يطلع عليه إلا الله، وما فساد الحكم إلا من ضياع هيبة الرب من القلب عندما لم يخشع الناس في صلاتهم، ولم يعظموا ربهم جل وعلا، وأفسدوا الصلة بينهم وبين ربهم سلط عليهم الفاسدين: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11].

    فأول ما يرفع الخشوع، وهذا أمر باطني، وأما هذه الصلاة أي: التي هي شعيرة ظاهرة، بحركات واضحة معلومة مرئية فتبقى، وهي آخر شعائر الإسلام بقاءً، أما الحكم فسيضيع بعد الخشوع، لكن فساد الحكم واضح ظاهر للعيان؛ ولذلك هو أولها نقضاً أي من حيث الظاهر، وأما من حيث الواقع فأول ما يفقد في هذه الأمة الخشوع، وأنك لا ترى في المسجد خاشعاً.

    وكون الحاكم سيفسد والأمانة ستضيع ثبت هذا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث أصحابه، فقام رجل فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فمضى النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه، فقال بعض الناس: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من حديثه قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: هأنذا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: وما إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).

    حقيقة الأوضاع العامة ستختل، وما اختلت الأوضاع العامة إلا بعد فساد القلوب وخرابها، إلا بعد ظلمتها، وعشش الشيطان فيها، فلما ضاعت هيبة الرب من القلب سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب، ومن يعاقبهم لعلهم إلى ربهم يرجعون، فسد الحكم بعد أن أفسد الناس الصلة بينهم وبين أحكم الحاكمين، بينهم وبين الرب العظيم سبحانه وتعالى.

    إخوتي الكرام! لابد من الأمر الثاني ألا وهو حضور القلب بين يدي الله عز وجل، صلاة في وقتها مع حضور القلب عند مناجاة الله فيها.

    الثالث: خشوع الجوارح

    الأمر الثالث الذي ينبغي أن يعتني به الإنسان في صلاته ليتحقق فيه وصف إقامة الصلاة: إذا خشع قلبك فينبغي أن تخشع جوارحك، وأن يسكن بدنك، وألا تتحرك خلال صلاتك، فاضبط عينيك، واضبط فمك، واضبط سائر جوارحك، أتدري بين يدي من أنت؟ أنت بين يدي رب العالمين، بين يدي أحكم الحاكمين، بين الإله العظيم الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون، أنت بين يدي من لو عذب الخليقة بأسرهم لما اعترض عليه معترض، ولا منعه مانع، اعلم بين يدي من أنت؟ أنت بين يدي الجبار، بين يدي العزيز القهار، فتأدب.

    إذا كان الناس يتأدبون في مناجاة الملوك والأمراء، فتأدب عند مناجاة رب الأرض والسماء، حذار من حركة يد أو رجل أو نظرة عين، كل هذا مما نهينا عنه، وإذا لم يخشع الظاهر فسلام سلام على خشوع الباطن، إذا ظاهرك ما أمكنك أن تضبطه كيف ستضبط بعد ذلك باطنك، إن خشوع الظاهر لعله يدل على خشوع الباطن، أما عدم خشوع الظاهر فهذا دليل قوي على عدم خشوع الباطن، حركات في الصلاة هذه ما كانت تفعل، وما ينبغي أن تفعل.

    رفع البصر إلى السماء في الصلاة

    ثبت في صحيح البخاري ، والحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، والحديث ثبت في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة ، ومن رواية جابر بن سمرة رضي الله عنهم أجمعين، وروي عن عدة من الصحابة الكرام، روي عن أبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر ، وهو حديث صحيح في أعلى درجات الصحة، ولفظ الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم).

    نعم: إذا كنت تصلي فما ينبغي أن ترفع النظر إلى العلي الأعلى سبحانه وتعالى، فهو القاهر فوق عباده، وهو العلي العظيم، وإذا كنت تكلم كبيراً فلا تحد النظر فيه، ولا تصعد النظر إليه، بل تطرق وتنظر إلى جهة السفل، فكيف إذا كنت تناجي من قلت في أول صلاتك في تكبيرة الإحرام الله أكبر؟! هل يليق بك أن تتطلع إلى ما فوقك؟! لا ثم لا.

    ثم بعد ذلك كما قال الإمام ابن حجر عليه رحمة الله: الأنوار تنزل من الله على المصلي عندما يصلي، فإذا رفعت بصرك ربما لمع هذا النور، وربما اختطف وذهب من هذه الأنوار التي تنزل عليك.

    فإذاً ليس من الأدب أن تحد النظر فيمن تكلمه وتناجيه وتخاطبه، ثم هذه الأنوار بعد ذلك تفقد بصرك إذا أدمنت النظر إليها، ولذلك لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم.

    التلفت في الصلاة

    وإذا تلفت الإنسان بنظره يميناً وشمالاً فالويل له، قد أعرض الله عنه، وما تحقق فيه وصف إقامة الصلاة.

    ثبت في مسند الإمام أحمد ، وسنن أبي داود والنسائي ، والحديث إخوتي الكرام صحيح رواه ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وهو كما قلت صحيح، من رواية أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله لا يزال مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت أعرض الله عنه).

    انتبه لبصرك عندما تصلي، البصر لا يجاوز محل السجود، محل سجودك انظر إليه خاشعاً ذليلاً، أما أن تبعثر النظر ذات اليمين وذات الشمال وفوق وما شاكل هذا، فكل هذا دليل على عدم حضور القلب عند مناجاة الرب.

    وقد ثبت في صحيح البخاري والكتب المتقدمة في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي ، والحديث في صحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم أيضاً، عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التلفت في الصلاة؟ فقال: تلك خلسة يختلسها الشيطان).

    والخلسة: هي أخذ الشيء في خفية، أي: أن الشيطان يوسوس لك أن تنظر يميناً أو شمالاً؛ ليسرق من صلاتك، وليخرجك من وصف إقامة الصلاة وإقام الصلاة، فاضبط النظر، ثم اضبط هذه الجوارح، حذار حذار، وإياك إياك أن تمد يدك إلى رأسك، وإلى لحيتك، وإلى أنفك، واليد على طول الصلاة كأنها مراوح تشتغل، أي صلاة هذه؟ أما تتقي الله في نفسك عندما تناجي ربك؟!

    مسح الحصى في الصلاة

    ثبت في المسند، والصحيحين، والسنن الأربعة، من حديث معيقيب خادم نبينا الحبيب عليه صلوات الله وسلامه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمسح الحصى، فإن كان ولابد فواحدة تسوية الحصى).

    سبحان ربي العظيم! لا تمسح الحصى، ومسح الحصى يكون عندما يسجد الإنسان على الأرض، والأرض ليست مستوية، فيريد أن يسويها لأجل أن يضع جبهته، مع ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تمسح الحصى، فإن كان لابد فواحدة)، أي: يكفي أن تمسح واحدة.

    وقال الحافظ ابن حجر : ضبط بالرفع: فواحدةٌ، واحدة تجزؤك، وهي مقدار الضرورة، مسحت مكان السجود لأجل أن تضع جبهتك عليه ( واحدة تسوية الحصى ): أي: من أجل أن تسوي الحصى، هذا إذا كان ولابد فمسحة واحدة.

    وقد ثبت في صحيح ابن خزيمة بإسناد صحيح، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسح الحصى في الصلاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: واحدة)، يرخص لك واحدة.

    وإذا كثرت الحركات في الصلاة كما ضبط ذلك أئمتنا الفقهاء رضوان الله عليهم، فوصلت إلى ثلاث حركات متتابعات بطلت الصلاة، وكأنك لم تصل، بل أنت لم تصل، كما لو أحدث الإنسان في صلاته، (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسح الحصى؟ فقال: واحدة، ولأن تدعها خير لك من مائة ناقة سود الحدق)، أي: خير من أن تملك مائة ناقة، وهذه النوق صفاتها جميلة، حداقها سود، فإذا كنت تصلي فحذار حذار من الحركات.

    درجة حديث: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه)

    إخوتي الكرام! وما يشيع في كتب الوعظ ويتناقله الوعاظ، من ( أن نبينا عليه صلوات الله وسلامه رأى رجلاً يصلي ويعبث بلحيته، فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه )، الحديث لم يثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وإسناده ضعيف تالف، بل حكم عليه بعض أئمتنا بالوضع؛ لوجود وضاع في إسناده.

    نعم رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والغالب فيما ينفرد به هذا الإمام في هذا الكتاب شدة الضعف أو الوضع، ما يروى في نوادر الأصول مما ليس في كتب أئمتنا التي عول عليها واعتمدت، ففي إسناد الحديث وضّاع، نعم معناه صحيح.

    ولذلك أثر هذا الكلام عن العبد الصالح سعيد بن المسيب عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة الله، ثبت ذلك عنه في سنن البيهقي معلقاً عن سعيد بن المسيب ، أنه رأى رجلاً يعبث في صلاته، فقال: لو خشع قلبه لخشعت جوارحه، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه، ورواه الإمام عبد الله بن المبارك في الزهد والرقائق عن سعيد بن المسيب ، ولا يثبت رفع هذا الأثر إلى نبينا عليه صلوات الله وسلامه، لكن معناه صحيح، إذا خشع قلب الإنسان تخشع جوارحه، فاضبط عينيك، واضبط جوارحك، واضبط فمك.

    التثاؤب في الصلاة

    فحذار حذار من التثاؤب إذا كنت تصلي، فالتثاؤب مكروه في كل وقت، وليس من صفات الرجال، ليس من صفات أهل الحزم، ليس من صفات أهل الإيمان أن يتثاءبوا فهذا من خصال الشيطان.

    وقد ثبت في صحيح البخاري والسنن الأربعة، والحديث في مسند الإمام أحمد ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله يحب العطاس ) إذا لم يكن بسبب الزكام والمرض ففيه شحن للذهن وتنشيط للهمة ( ويكره التثاؤب، فإذا تثاءب أحدكم ) وفي بعض الروايات: ( في صلاته فليرد ذلك ما استطاع، فإن الشيطان يضحك منه )، وفي بعض روايات الحديث: ( فإذا تثاءب أحدكم فليرد ذلك ما استطاع، ولا يقل: ها )، كما يتثاءب المتثائب ( فإذا قال: ها، ضحك الشيطان منه).

    وقد نص أئمتنا الفقهاء على أن من تثاءب وخرج منه هذا اللفظ فقد بطلت أيضاً صلاته، لأنه كلام الناس، (ها يرفع صوته)، وهذا الصوت يشبه صوت الكلب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث في سنن ابن ماجه وغيره: (إذا تثاءب أحدكم فليرد ذلك ما استطاع، ولا يعوي كالكلب).

    نعم إن الكلب عندما يعوي يرفع رأسه ثم يفتح فاه، وهكذا الإنسان عندما يتثاءب، يرفع رأسه ثم يفتح فاه ثم يصوت هذا الصوت الذي يشبه صوت الكلب، هل يليق بك وأنت تناجي الرب أن تخلط في مناجاتك صوتاً كصوت الكلب؟! لا ثم لا.

    وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تثاءب أحدكم فليرد ذلك ما استطاع)، وفي رواية: (فليكظم ما استطاع، فإن الشيطان يدخل)، أي: يدخل إلى جوفك عندما تتثاءب وتفتح فاك.

    إخوتي الكرام! لابد من رعاية هذا الأدب ألا وهو الأدب الثالث: ضبط الجوارح بعد أن ضبطت القلب، ثم بعد ذلك المحافظة على المواقيت.

    وأما الأدب الرابع وهو متعلق بتعديل هيئات الصلاة وأركانها وإتمام ركوعها وسجودها، فأترك الكلام عليه لأول الموعظة الآتية إن شاء الله.

    وأسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء إن أحيانا أن يحيينا على الإسلام، وإن أماتنا أن يتوفانا على الإيمان، وأسأله أن يجعلنا من الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    أقول هذا القول وأستغفر الله.

    1.   

    ابتهال ودعاء

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، خير خلق الله أجمعين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.

    وارض اللهم عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم اغفر لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم ارحم أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم أصلح أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم انصر أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم أهلك أعداء أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

    الله اغفر لنا ما قدمنا، وما أخرنا، وما أعلنا، وأسررنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت.

    اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم أنزل علينا من بركات السماء، وأخرج لنا من بركات الأرض، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    والحمد لله رب العالمين.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:

    قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].