إسلام ويب

أحكام الاستعاذة [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع للإنسان الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند قراءته للقرآن سواء في الصلاة أو خارجها، والمتأمل في هدي النبي صلى الله عليه وسلم وآثاره يجد للاستعاذة صوراً متعددة وردت عنه عليه الصلاة والسلام تبين أحوالها مع القراءة، وصيغها، وكيفية النطق بها، ومواطنها.

    1.   

    صيغ الاستعاذة الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام قبل قراءة القرآن

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أخواتي الكريمات! انتهينا من مقدمة تفسير سورة الفاتحة، وقد دارت تلك المقدمة على ستة أمور مر الكلام عليها مفصلاً موضحاً بأدلته، وشرعنا في آخر الموعظة الماضية في أحكام الاستعاذة، وبينت أن الاستعاذة ليست من القرآن بإجماع علمائنا الكرام، وبينت بعد ذلك حكم الإتيان بها قبل قراءة القرآن، سواء كانت تلك القراءة في الصلاة أو في غير الصلاة، ثم انتهينا من ذلك، ثم تدارسنا بعد ذلك المبحث الثالث، ثم نتدارس الآن ما يتعلق بصيغة الاستعاذة، وذكرت في أول المبحث أن الصيغة المختارة عند القراء الكرام: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وهذه الصيغة تقدم معنا أن الإنسان يأتي بها إذا قرأ القرآن في أول قراءته، سواء كانت قراءته لأول السورة أو في وسطها، وسواء كانت تلك القراءة لسورة التوبة أو غيرها أيضاً، فإذا قرأ القرآن ينبغي أن يستعيذ بالله من الشيطان كما قال ذو الجلال والإكرام: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98].

    وصيغة الاستعاذة المختارة كما قلت: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، ولو زاد أو نقص في هذه الصيغة فلا بأس، فالمقصود أن يستعيذ بالله من الشيطان، فلو قال: أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، أو قال غير ذلك من الصيغ كل هذا يجزئه إن شاء الله بأنه أتى بالمطلوب، ألا وهو الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، ولذلك قال أئمتنا: كيفما استعاذ فهو حسن، وهذا كله وارد، فلو زاد في صفة الله جل وعلا: (أعوذ بالله المجيد)، (أعوذ بالله الكريم)، (أعوذ بالله القوي).. وهكذا لو جاء إلى الشيطان: (من الشيطان المريد)، (من الشيطان الغوي)، (من الشيطان الحقير).. كل هذا يجزئه، ولو أتى بالصيغة المتقدمة فهذا أحسن، وقد ورد عن نبينا عليه الصلاة والسلام أيضاً صيغ متعددة للاستعاذة، فلو أتى بها القارئ أيضاً لكان أكمل وأحسن، ولو كما قلت غيَّر أو بدل في الصيغة بزيادة في وصف الله، أو في وصف الشيطان الرجيم فذلك يجزئه، ولا حرج عليه إن شاء الله.

    وسأذكر في بداية هذه الموعظة بعض الأحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام في استعاذته قبل قراءة القرآن، مما يدل على أن الأمر فيه سعة، وأن نبينا عليه صلوات الله وسلامه كان ينوع الاستعاذة ولا يقتصر على صيغة واحدة، والأمر كما قلت فيه سعة، وكيفما استعاذ فهو حسن.

    الصيغة الأولى: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه

    الصيغة الأولى التي كان نبينا عليه الصلاة والسلام يأتي بها عند قراءة القرآن كما ورد في مسند الإمام أحمد والسنن الأربعة، ورواه الإمام ابن خزيمة في صحيحه، والإمام الدارمي في سننه، والبيهقي أيضاً في السنن الكبرى، والإمام الطحاوي في شرح معاني الآثار، ورواها الإمام الدارقطني في السنن، وابن أبي شيبة في المصنف، من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر )، أي: قال تكبيرة الإحرام وأتى بها: (الله أكبر) ( ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: (الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً)، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، ثم يقرأ القرآن بعد ذلك: بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:1-2] ).

    إذاً: كان يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يقول: الله أكبر كبيراً، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه.

    وفي رواية أبي داود : ( كان النبي عليه الصلاة والسلام يكبر -يعني: تكبيرة الإحرام- ثم يقول: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله -ثلاثاً- ثم يقول: الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً -أيضاً ثلاثاً- ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ).

    إذاً: هذه صيغة ثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ولو استعاذ بها الإنسان قبل قراءة القرآن في الصلاة أو في غيرها يجزئه، وذلك حسن، ويكون قد أتى بالمطلوب، واقتدى بنينا عليه الصلاة والسلام في صيغة الاستعاذة: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه).

    أما همز الشيطان ونفثه فقد روي تفسير ذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام في مسند الإمام أحمد (6/156) بسند مرسل من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن رحمه الله ورضي عنه، قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة من الليل يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ).

    انتهبن أخواتي هنا في رواية الإمام أحمد تغيير في الصيغة عن الصيغة الماضية، هناك: (أعوذ بالله السميع العليم)، وهنا: (اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( تعوذوا بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه فقال الصحابة الكرام -كما في رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن وكما قلت: إسنادها مرسل- وما همزه ونفخه ونفثه يا رسول الله؟ قال: أما همزه فهذه المُوتة التي تأخذ بني آدم )، ويراد من المُوتة -بضم الميم وإسكان الواو- ضرب ونوع من الجنون يعتري الإنسان، نسأل الله العافية والسلامة من غضبه وعقابه بفضله ورحمته.

    (همزه) يعني الموتة، وهو صرع الشيطان للإنسان، وأن يتسلط على ذهنه وعقله، بحيث يصبح في عقله مس، فيصبح كالذي يتخبطه الشيطان من المس.

    وأما (نفخه) فالكبر، أي: يزين للإنسان أن يتكبر وأن يتعاظم وأن يتعالى على عباد الله جل وعلا.

    وعلام يتكبر الإنسان وهو يعلم ممَ خلق وإلى أي شيء يصير؟ وما يعلم هل سيدخل الجنة أو النار؟

    والكبر لا يليق إلا بالعزيز الجبار، ومن كان في قلبه مثقال ذرة من كبر لا يدخل الجنة، وهنا: ونفخه.

    إذاً: (ومن نفخه) نفخهُ: الكبر، أي: أن يزين للإنسان الكبر.

    وأما (نفثه) فالشعر، والشعر هو الكلام الموزون المقفى الذي يشتمل على منكرات، يدخل في ذلك دخولاً أولياً الغناء وقلة الحياء، ولذلك قرآن الشيطان الشعر والغناء، كما أن قرآن الرحمن القرآن الذي أنزله على نبينا عليه الصلاة والسلام، فذاك قرآن الشيطان، وهذا قرآن الرحمن، ولذلك لا يجتمعان في قلب إنسان، إما غناء وقلة حياء، وإما كلام الله جل وعلا، وحياء يتصف به الإنسان في هذه الحياة.

    الشاهد أخواتي الكريمات أن هذا التفسير وارد عن نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن بطريق مرسل، وهو في المسند (6/156) هذه الصيغة الأولى.

    الصيغة الثانية: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه

    والمسند أيضاً فيه صيغة أخرى من صيغ الاستعاذة وكذا السنن الأربع وصحيح ابن خزيمة وغير ذلك.

    الرواية الأولى من رواية أبي سعيد الخدري : ( أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه )، ورواية المسند الثانية من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن مرسلة إلى نبينا عليه الصلاة والسلام: ( اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه )، وقد رويت روايات متعددة في استعاذة نبينا خير البريات عليه الصلاة والسلام قبل قراءة القرآن الكريم.

    من هذه الروايات: ما رواه الإمام أحمد في المسند أيضاً وأبو داود في السنن، ابن ماجه في سننه أيضاً، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والبيهقي في سننه، وأبو داود الطيالسي في مسنده، والإمام ابن الجارود في كتابه المنتقى، ورواه أيضاً الإمام ابن أبي شيبة في المصنف، وإسناد الحديث حسن صحيح كما أن الحديث الأول حديث أبي سعيد الخدري أيضاً صحيح، ولفظ الحديث الثاني من رواية جبير بن مطعم رضي الله عنه وأرضاه: ( أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة فقال فيها بعد أن كبر -يعني: تكبيرة الإحرام-: الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً ثلاثاً، ثم قال: الحمد لله كثيراً، الحمد لله كثيراً، الحمد لله كثيراً ثلاثاً، ثم قال: سبحان الله بكرة وأصيلاً، سبحان الله بكرة وأصيلاً، سبحان الله بكرة وأصيلاً ثلاثاً، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه )، وعليه هنا الصيغة تختلف عن الصيغة المتقدمة، فهناك: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وأما هنا: ( أعوذ بالله من الشيطان )، وفي بعض الروايات: ( من الشيطان الرجيم )، وفي بعضها دون وصف الشيطان بأنه رجيم، وعليه تكون الصيغة: أعوذ بالله من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه.

    قال: نفثه: الشعر، ونفخه: الكبر، وهمزه: المُوتة.

    إذاً: هذه صيغة ثانية: (أعوذ بالله من الشيطان)، ما ذكر نعت الرحمن هنا ولا نعت الشيطان، فما قال: (أعوذ بالله السميع العليم)، ولا قال: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، إنما قال: ( أعوذ بالله من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه ) وفي بعض روايات ابن أبي شيبة التي رواها في مصنفه من رواية جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه )، وعليه تكون رواية ابن أبي شيبة في المصنف بهذه الصيغة كرواية الإمام أحمد في المسند التي تقدمت معنا من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن رحمة الله ورضوان الله عليهم أجمعين.

    هذه صيغة ثانية، مما يدل على أن الأمر في الاستعاذة واسع، وأن الإنسان كيفما استعاذ فهو حسن، وقد أتى بالمطلوب، وامتثل أمر علام الغيوب: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98].

    الصيغة الثالثة: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثه

    صيغة أخرى كان نبينا عليه الصلاة والسلام أيضاً يذكرها قبل قراءة القرآن، رواها الإمام أحمد في المسند أيضاً والإمام ابن ماجه في السنن، وابن خزيمة في صحيحه (1/240)، وأيضاً الحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى، وبوب عليها الإمام ابن خزيمة في صحيحه باباً فقال: (باب: الاستعاذة في الصلاة قبل القراءة) ورواية الحديث هنا من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل في الصلاة يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثه )، وهذه تختلف عن الصيغتين المتقدمتين، والأمر كما قلت واسع.

    الصيغة الرابعة: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه وشركه وشركه

    رواية رابعة أيضاً: رواها الإمام أحمد في المسند (5/253)، وهي في مجمع الزائد (2/265)، وفي إسنادها رجل شامي لم يسم فهي من طريق يعلى بن عطاء عن شيخ من أهل دمشق، وفي بعض الروايات: عن رجل حدثه من أهل دمشق، عن أبي أمامة رضي الله عنه وأرضاه.

    إذاً: الراوي عن أبي أمامة شيخ من أهل دمشق، رجل دمشقي لم يسم.

    يعلى بن عطاء يقول: حدثني شيخ من أهل دمشق عن أبي أمامة الباهلي ، وأبو أمامة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل في الصلاة من الليل كبر ثلاثاً )، أي: قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أو الصيغة المتقدمة: ( (الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً)، وسبح ثلاثاً، وهلل ثلاثاً )، أو الصيغة المتقدمة: ( سبحان الله بكرة وأصيلاً، سبحان الله بكرة وأصيلاً ).. وهلل ثلاثاً كما تقدم معنا أيضاً في رواية أبي داود : ( لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله ).

    إذاً: إذا دخل في الصلاة يكبر ثلاثاً ويسبح ثلاثاً ويهلل ثلاثاً، وهذا كله من أذكار دعاء الاستفتاح يقوله الإنسان قبل القراءة، وقد نقل عن نبينا عليه الصلاة والسلام أدعية كثيرة من أدعية استفتاح الصلاة، كما في كتاب الأذكار للإمام النووي عليه رحمة الله، ثم يقول في رواية أبي أمامة هذه التي معنا في المسند: ( اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه وشركه وشَرَكه )، شِرْكِهِ بكسر الشين وإسكان الراء، وبفتح الشين والراء: وشَرَكه، وفي بعض الروايات أيضاً: ( اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه )، كالروايات التي تقدمت معنا.

    إذاً: رواية (شِركه وشَرَكه)، ورواية: (ونفثه)، أما (شركه) أي: تزيينه للإنسان الشرك بالرحمن، أن يوقعه في الشرك.

    (وشركه) من المصائب التي ينصبها، والحبال التي يربط بها الناس، والوساوس التي يصطاد بها الناس، (من شركه)، جمع شرك، وهو المصيدة والفخ.

    إذاً: (همزه) الموتة، وهي نوع من الجنون والمس.

    (نفخه): الكبر.

    (شركه): تزيينه الشرك للإنسان.

    (شَرَكه) أي: من مصائبه التي ينصبها للناس وسواوسه التي يوسوس بها للناس فيصطادهم بها.

    إذاً: كان يقول: ( اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه وشِرِكه )، ( من همزه ونفخه وشَرَكه )، ( من همزه ونفخه ونفثه ).. كل هذا في هذه الرواية التي هي في مسند الإمام أحمد من طريق أبي أمامة رضي الله عنه وأرضاه، وكما قلت: في الإسناد رجل لم يسم، تابعي لم يذكر اسمه، إنما نعت بأنه شيخ من أهل دمشق كما يقول يعلى بن عطاء الذي روى عنه عن أبي أمامة رضي الله عنهم أجمعين.

    الصيغة الخامسة: أعوذ بالله من همز الشيطان ونفخه ونفثه

    أيضاً: ورد عن نبينا عليه الصلاة والسلام صيغ مثل هذا فيها شيء من التغيير عما تقدم، فقد ثبت في سنن الإمام الدارقطني (1/299)، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر للصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وإذا تعوذ قال: أعوذ بالله من همز الشيطان ونفخه ونفثه )، فهنا لم يذكر الشيطان إنما ذكرت طرقه ووساوسه ومضاره، واستعاذ نبينا عليه الصلاة والسلام بالله منها: (أعوذ بالله من همز الشيطان)، وتقدم معنا الموتة، وهي المس بالعقل ونوع من الجنون، ونفخه هو الكبر، ونفثه هو الشعر والغناء.

    قال الإمام الدارقطني : المحفوظ عن عمر من قوله وهو الصواب. يعني: هذا الأثر محفوظ من كلام عمر وهو موقوف عليه رضي الله عنه وأرضاه وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فكان عمر رضي الله عنه إذا كبر للصلاة يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، أعوذ بالله من همز الشيطان ونفخه ونفثه، بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:1-2].

    إذاً: هو من كلام عمر رضي الله عنه وأرضاه، ووهم بعض الرواة فرفعه إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، وإن كان مرفوعاً من كلام النبي عليه الصلاة والسلام فالأمر واضح، وهذه صيغة أخرى من صيغ التعوذ كان نبينا عليه الصلاة والسلام يقولها، وإن كان الحديث موقوفاً على عمر رضي الله عنه -وهو من كلامه كما رجح ذلك الإمام الدارقطني - فهذا يدل أيضاً على أن الأمر فيه سعة، وأن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يقولون هذه الصيغ المتنوعة التي يشملها قول الله: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98].

    وقد ورد في مصنف ابن أبي شيبة (1/237) عن الأسود بن يزيد رحمه الله، وهو من أئمة التابعين، قال: افتتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصلاة، ثم كبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ثم تعوذ.

    وفي بعض روايات المصنف: ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2].

    إذاً: ذكر الصيغة المختارة التي ذكرتها في أول البحث، وقلت: اختارها القراء الكرام، ثم تعوذ، وفي رواية في المصنف ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الحمد لله رب العالمين، مما يدل كما تقدم معنا أن الأمر فيه سعة، وكيفما استعاذ فقد أحسن وأتى بالمطلوب.

    الصيغة السادسة: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ثم يقرأ الثلاث الآيات الأخيرة من سورة الحشر

    رواية سادسة في الاستعاذة منقولة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وحديثها في درجة الحسن، وهذه الاستعاذة متعلقة بقراءة ثلاث آيات من القرآن ندبنا إلى قراءتها في الصباح وفي المساء مع صيغة الاستعاذة بالكيفية الواردة، فانتبهن إليها أخواتي الكريمات واحفظنها وحافظن عليها، وحديثها في درجة الحسن إن شاء الله، رواه الإمام أحمد في المسند، والإمام الترمذي والدارمي في السنن والبيهقي في شعب الإيمان، والإمام ابن السني في كتاب: عمل اليوم الليلة، وابن الظريف في فضائل القرآن، والإمام الطبراني في معجمه الكبير، وقد نص الإمام ابن الجزري في النشر في القراءات العشر في (1/250)، على أن إسناد رواية هذا الحديث في مسند الإمام أحمد إسناد صحيح، وقال الإمام ابن الجزري : قال الترمذي عن هذا الحديث: حسن غريب.

    وكذلك قال السيوطي في الدر المنثور (6/202)، وهكذا قال الإمام الألوسي في روح المعاني (28/64)، لكن في نسخ الترمذي المطبوعة بين أيدينا في جميع نسخه، سواء في الطبعة المصرية أو في الطبعة الحمصية الشامية، أو في الطبعة الهندية، قال الإمام الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وليس فيه تحسين الحديث، وكذلك نقل الإمام ابن كثير في تفسيره هذا الحكم عن الترمذي بأنه غريب (4/344).

    وكذلك فعل الإمام الذهبي في الميزان (1/632)، فقال: إن الترمذي لم يحسن الحديث، والحديث في إسناده خالد بن طهمان انفرد الترمذي بالرواية عنه، وهو من أهل الكوفة صدوق إن شاء الله، وقال الذهبي أيضاً في الميزان: وقد وثق، وقال ابن عدي كما في تهذيب التهذيب: لم أر له في مقدار ما يرويه حديثاً منكراً.

    وغاية ما نقد عليه وتُكلم فيه: أنه اختلط في آخر حياته، وإلا فهو في نفسه ثقة، والعلم عند الله.

    وقد نص أئمتنا على أن نسخ الترمذي تختلف أحياناً في تحسين الحديث وتضعيفه، فهنا الآن في بعض النسخ تحسين الحديث، وهي التي نقل عنها الإمام ابن الجزري والسيوطي والألوسي ، وفي بعض النسخ تضعيف الحديث والإشارة إليه بأنه غريب، وهي التي نقل منها ابن كثير والإمام الذهبي وغيرهم رحمهم الله، وهي التي بين أيدينا، لكن كما قلت: قال الإمام ابن الجزري : إسناد المسند حسن، والرواية لها شواهد -وكما قلت- إن شاء الله الحديث في درجة الحسن.

    ولفظ الحديث: عن معقل بن يسار رضي الله عنه وأرضاه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكل الله به سبعين ألف ملكٍ يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في يومه ذلك مات شهيداً، ومن قرأها حين يمسي فكذلك )، أي: وكل الله به سبعين ألف ملكٍ يصلون عليه حتى يصبح، وإن مات في ليلته تلك مات شهيداً، والآيات الثلاث من آخر سورة الحشر تبتدئ من قول الله جل وعلا: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر:22-24]، هذه الآيات الثلاث إذا قرأها الإنسان وأتى قبلها بصيغة الاستعاذة: أعوذ بالله من السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في يومه ذلك مات شهيداً، وهكذا إذا قرأها في المساء فله مثل ذلك الأجر والعلم عند الله جل وعلا.

    إذاً: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، صيغة أخرى واردة عن نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام تشبه ما تقدم.

    الصيغة السابعة: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

    وآخر الصيغ التي سأذكرها عن النبي عليه الصلاة والسلام من صيغ الاستعاذة: رواها الإمام أبو داود في سننه عن عروة بن الزبير عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: وذكر عندها حديث الإفك، وحديث الإفك وهو ما اتهمت به رضي الله عنها وأرضاها، وهي الحصان الطاهرة المطهرة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله على نبينا وآله صلوات الله وسلامه، ذكر عند أمنا عائشة رضي الله عنها حديث الإفك فقالت: ( جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكشف عن وجهه وقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11] ).

    إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ [النور:11]، أي: بالقول المأفوك، والكذب البين الواضح، والافتراء المكشوف، وهو قذف أمنا عائشة الطاهرة المطهرة رضي الله عنها وأرضاها: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور:11]، فهي تقول: كان النبي عليه الصلاة والسلام مضطجعاً وقد ستر نفسه، والغطاء واللحاف عليه عليه صلوات الله وسلامه، فلما نزل عليه الوحي كشف عن وجهه وقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور:11].

    والحديث في سنن أبي داود : ( أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم... ) قال الإمام أبو داود عقيب إخراج هذا الحديث: إنه حديث منكر، وقد روى هذا الحديث جماعة عن الزهري لم يذكروا هذا الكلام على هذا الشرح، وأخاف أن يكون أمر الاستعاذة من كلام حميد .

    والحديث صحيح، وتعوذ نبينا عليه الصلاة والسلام قبل القراءة وارد، وتلاوته لآيات تبرئة أمنا عائشة رضي الله عنها ثابتة متواترة، لكن الإمام أبا داود يقول: أخشى أن تكون هذه الصيغة من كلام حميد ، وهو حميد بن قيس أحد الثقات من الرواة، حديثه مخرج في الكتب الستة، توفي سنة: (130 هـ)، لكن أئمتنا قالوا: لا داعي للحط على حميد بن قيس واتهامه بأنه ربما وهم، وأن لفظ الاستعاذة منه وليست من النبي عليه الصلاة والسلام، قال أئمتنا: لا داعي لذلك، فالذي روى عنه في الأصل قطن بن نسير عن جعفر بن سليمان عن حميد بن قيس ، وإذا كان هناك كلام حول إسناد الحديث، فالكلام على قطن وعلى جعفر بن سليمان أولى من أن يكون في حميد بن قيس ، ذكر ذلك الإمام ابن القيم في تهذيب السنن (1/379)، فقال: قال ابن القطان : حميد بن قيس أحد الثقات، وكما قلت: حديثه مخرج في الكتب الستة، وإنما علته أنه من رواية قطن بن نسير عن جعفر بن سليمان ، وقطن بن نسير وإن روى له مسلم فقد كان أبو زرعة يحمل عليه ويقول: روى عن جعفر عن ثابت عن أنس أحاديث مما أنكر عليه.

    وقطن بن نسير المعتمد في أمره أنه صدوق أيضاً، وحديثه في درجة الحسن، وهو من رجال مسلم وأبي داود والترمذي .

    وأما جعفر بن سليمان فقال الإمام القطان : مختلف فيه، وحقيقة أمره أيضاً أنه صدوق، وحديثه في درجة الحسن، وتوفي سنة: (178هـ)، وقد أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد والإمام مسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة.

    وعليه؛ فلا ينبغي أن نحمل الطعن على واحد من هؤلاء، لا على حميد بن قيس ولا على قطن بن نسير ولا على جعفر بن سليمان ، ولا داعي للحكم على واحد منهم بالوهم في صيغة الاستعاذة، وحديث الواحد من هؤلاء الثلاثة لا ينزل عن درجة الحسن، والعلم عند الله جل وعلا.

    والشاهد أخواتي الكريمات! أن هذه صيغة أيضاً من صيغ الاستعاذة: ( أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور:11].. ) إلى آخر الآية الكريمة.

    هذه كما قلت صيغ متعددة جمعتها وردت عن نبينا عليه الصلاة والسلام في الاستعاذة قبل التلاوة، إذا أتى الإنسان بواحد منها، أو غير وأتى بغيرها -كما قلت- فالأمر إن شاء الله فيه سعة، والأمر واسع، وكيفما استعاذ فهو حسن، والمقصود: أن يستعيذ الإنسان بربه الرحمن من الشيطان قبل قراءة القرآن.

    1.   

    تنبيهان حول صيغ الاستعاذة

    قبل أن ننتقل أخواتي الكريمات إلى المبحث الرابع في كيفية النطق وكيفية قراءة، وكيفية ذكر وتلاوة الاستعاذة، قبل هذا عندنا تنبيهان ينبغي أن نتكلم عليهما عند المبحث الثالث الذي دار حول صيغة الاستعاذة ولفظها.

    التنبيه الأول: عدم صحة الاستعاذة بقول القائل: (أستعيذ)

    التنبيه الأول: نحن إذا استعذنا أخواتي الكريمات كما قلت: نقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، المقصود نقول: أعوذ، وما ذهب إليه بعض العلماء من أنه ينبغي أن نقول: أستعيذ، ذكر ذلك الإمام المرغني في كتابه الهداية، وهو من أئمة الحنفية، قال: إذا استعذنا قبل قراءة القرآن ينبغي أن نقول: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا يجوز أن نقول: أعوذ، وقد نسب بعض أئمتنا هذا إلى حمزة بن حبيب الزيات ، وهو أحد القراء السبعة الذين قراءتهم متواترة.

    فأقول: أولاً: نسبة ذلك إلى حمزة لا تصح كما قال الإمام ابن الجزري في النشر في القراءات العشر في (1/246)، وقد نسب ذلك إلى حمزة الإمام السيوطي في الإتقان (1/365) وهو واهم، ونسب ذلك إليه الإمام أيضاً الطحاوي في حاشيته على نور الإيضاح على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح في صفحة: (141)، وأيضاً ذلك لا يثبت.

    إذاً: لا يثبت هذا عن أحد من القراء العشرة، نعم قال به الإمام المرغني ، وبعض أئمة الحنفية قالوا: إذا استعذنا ينبغي أن نقول: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا نقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وتعليله لذلك قالوا: لأن الله جل وعلا قال في كتابه: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98]، وموافقة هذا الأمر، وكيفية الإتيان به أن نقول: أستعيذ؛ لأن الله يقول: فإذا قرأت القرآن فاستعذ، فنحن نقول: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا في الحقيقة وهم في الفهم كما حقق أئمتنا الكرام، وإيضاح ذلك: أن السين والتاء للطلب ودخلت في صيغة الأمر في قول ربنا عز وجل: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98]، دخلت السين والتاء على صيغة الأمر: (فاستعذ)؛ ليطلب الله منا الاستعاذة، (فاستعذ)، الله يطلب منا أن نستعيذه، فتحقيق ذلك الطلب أن نستعيذ به لا أن نطلب منه الاستعاذة؛ أن نقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ امتثال الأمر (أعوذ) وليس (أستعيذ)؛ لأن الله طلب منا أن نطلب منه العوذ به، أن نستعيذ به، فالاستعاذة به لا تكون بـ(أستعيذ)؛ لأننا إذا قلنا: (أستعيذ) معناها: نطلب من الله الاستعاذة، ونحن نستعيذ به سبحانه وتعالى، ونلتجئ إليه، فتحقيق الأمر إذاً: أعوذ بالله، أي: ألتجئ وأحتمي، لا أطلب الاحتماء ولا أطلب الالتجاء من أحد إنما أنا أحتمي وألتجئ إليه سبحانه وتعالى، وعليه امتثال الأمر أن نقول: (أعوذ) لا (أستعيذ)، والذي يقول: أستعيذ ليس بعائذ، إنما هو طالب العياذ بالله جل وعلا، هذا كما نقول: أستخير الله، لا يجوز أن نقول: أخير الله، بل أستخير الله، أي: أطلب خيرته. أستغفر الله، لا يجوز أن نقول: أغفر الله، بل (أستغفر الله) أي: أطلب مغفرته، أما في الاستعاذة أنا لا أطلب طلب الاستعاذة من الله، إنما أستعيذ به أي: ألتجئ إليه وأحتمي به سبحانه وتعالى، فشتان شتان بين صيغة (أستغفر) وصيغة (أستعيذ)، صيغة أستغفر أطلب المغفرة من الله، هذا صحيح ولا يجوز أن نقول: أغفر، أستغفر الله، لا يجوز أن نقول: أغفر الله، أستغفر، أي: أطلب المغفرة من الله، وأما هنا: أعوذ بالله، أي: أحتمي به وألتجئ إليه، ولا يجوز أن أقول: أستعيذ بالله؛ لأنني إذا قلت: أستعيذ بالله، أنا أطلب من الله طلب الالتجاء، والمطلوب مني أن ألتجئ إليه وأن أحتمي به سبحانه وتعالى، وأما الاستغفار فالمطلوب مني أن أطلب المغفرة، وهنا: المطلوب مني أن أستعيذ، وهنا المطلوب مني أن أطلب المغفرة، فعندما أطلب المغفرة أقول: أستغفر الله، وعندما أستعيذ بالله وأطلب العياذ به أقول: أعوذ بالله، فلو قلت: أستعيذ بالله لكان الأمر أطلب الاستعاذة بالله، لا أن أستعيذ وأحتمي وألتجئ إليه مباشرة، ولذلك تحقيق الأمر وامتثاله في قول الله: فَاسْتَعِذْ [الأعراف:200] أعوذ بالله، وتحقيق الأمر في قول الله: ( فاستغفروني )، أستغفر الله؛ لأننا هناك نطلب المغفرة، وأما هنا لا نطلب العياذ، إنما نحن نلوذ ونحتمي ونلتجئ ونعتصم بالله عز وجل، فلابد إذاً من التفريق بين الصيغتين، ولما وهم هؤلاء في الفهم ظنوا أن (أستعيذ) مثل (أستغفر)، فقالوا: ينبغي أن ندخل السين والتاء على أعوذ فنقول: أستعيذ، وهذه الزيادة تفسد المعنى، فالذي يقول: أستعيذ هو طالب العياذ بالله وليس بمستعيذ بالله، ونحن أمرنا أن نعتصم بالله لا أن نطلب الاعتصام به، ولذلك تحقيق الأمر في قول الله: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:200]، أعوذ بالله، وأما الاستغفار: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [هود:3]، أستغفر الله، ولا نقول: أغفر الله، وكما قلت: هناك نطلب المغفرة، وهنا نلتجئ ونلوذ ونحتمي.

    وهذا الكلام أخواتي الكريمات ذكره الإمام النقاش محمد بن علي بن عبد الواحد الذي توفي سنة (763) في كتابه اللاحق السابق والناطق الصادق في التفسير، وبعد أن نقله عنه الإمام ابن الجزري في النشر قال: لله دره ما ألطفه وأحسنه.

    وهكذا الإمام ابن كثير بين أنه ينبغي إذا استعذنا أن نقول: (أعوذ) لا (أستعيذ)، قال: والأحاديث الصحيحة التي وردت عن نبينا عليه الصلاة والسلام هي الحكم في ذلك، وهي الأولى بالاتباع، وما ثبت عن خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام أنه قال مرة واحدة فقط: أستعيذ بالله.

    وهذا أيضاً قرره الإمام ابن القيم في تفسيره القيم في صفحة (540): بأننا إذا استعذنا بالله قبل القراءة نقول: (أعوذ بالله) ولا نقول: (أستعيذ بالله)، كما قرر الإمام المرغيناني وبعض الحنفية، وقد وهموا في ذلك -كما قلت- واشتبه عليهم الأمر، وألحقوا الاستعاذة بالاستغفار، فقالوا: كما أننا نقول: أستغفر الله، نقول: أستعيذ بالله كما تقدم بيانه.

    التنبيه الثاني: عدم صحة حديث: (.. قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أخذته عن جبريل ...)

    التنبيه الثاني أيضاً يتعلق بصيغة الاستعاذة: ما روي في الحديث المسلسل الذي رواه الواحدي والإمام الثعلبي وأبو الفضل الخزاعي بسند مسلسل بهذه الكيفية -والتسلسل صفة من صفة الإسناد يتفق الرواة فيها على كيفية معينة- والكيفية هي: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ( قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم )، وفي رواية: ( فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال: يا ابن أم عبد قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أخذته عن جبريل عن ميكائيل عن اللوح المحفوظ )، والرواة عن عبد الله بن مسعود كلهم فيهم هذه الصفة، كل واحد يقول: قرأتُ على شيخي، فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أو أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال له: لا تقل هذا فإنني قرأت على شيخي فقال لي: لا تقل هذا، قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. إلى أن وصلوا إلى عبد الله بن مسعود أنه قرأ على النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، أنه قرأ على النبي عليه الصلاة والسلام، فلما قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال له نبينا عليه الصلاة والسلام: ( يا ابن أم عبد -أي: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه- قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أخذته عن جبريل عن ميكائيل عن اللوح المحفوظ ).

    هذا الأثر لا يثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ولذلك قال عنه الإمام ابن الجزري في النشر في صفحة: (445) هذا غريب جداً من هذا الوجه، وقال عنه الإمام أبو شامة : هذا الحديث لا أصل له عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وعليه لا يثبت هذا، فإذا قال الإنسان: أعوذ بالله السميع العليم، أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، أو صيغ أخرى كما تقدمت معنا فهي مشروعة وقد قالها نبينا صلى الله عليه وسلم، فكيف ينكرها على عبد الله بن مسعود ، وهو كان يقولها عليه الصلاة والسلام وعلمنا إياها، لا يمكن أن يصدر هذا منه عليه الصلاة والسلام.

    ثم في الحديث غرابة منكرة، وهو أنه أخذ القرآن عن جبريل عن ميكائيل، وما عرف أن جبريل كان يتلقى القرآن عن ميكائيل عن اللوح المحفوظ عن الله جل وعلا، والأصل جبريل ينزل بالقرآن من ربنا الرحمن على نبينا عليه الصلاة والسلام، ولذلك قال أئمتنا: هذا الحديث لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا أصل له.

    ولو قال في استعاذته: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أو قال: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، أو قال صيغاً أخرى -كما تقدم معنا- كل هذا جائز، والأمر واسع، وفيه سعة، وكيفما استعاذ فهو حسن.

    وخلاصة الكلام على التنبيهين المتعلقين بصيغة الاستعاذة: إذا استعذنا نقول: أعوذ بالله، ولا نقول: أستعيذ بالله، ومن قال: أستعيذ فهو طالب العوذ والعياذ بالله، والمطلوب منه أن يستعيذ لا أن يطلب العوذ، ولا تتحقق الاستعاذة إلا أن يقول: أعوذ بالله، فإذا قال: أستعيذ بالله، فهذا ما استعاذ بالله، وإنما طلب العوذ من الله، وهذا خلاف المطلوب منه.

    الأمر الثاني: يجوز أن يقول صيغة من صيغ الاستعاذة المتقدمة أو غيرها، وما ورد من النهي عن ذلك في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لا أصل لذلك الحديث، ولا يثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، والعلم عند ذي الجلال والإكرام.

    1.   

    كيفية النطق بالاستعاذة وأحوال قراءتها

    ننتقل أخواتي الكريمات إلى المبحث الرابع في كيفية النطق بالاستعاذة قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كيف سننطق بها عند القراءة؟ لا أريد أن أتكلم على صيغتها، فقد تقدم معنا الكلام على صيغتها في المبحث الثالث، ولا على حكمها، إنما هل نجهر بها أو نسر القول بها عند تلاوتها؟ هل نأتي بها جهراً أو سراً؟ هذا الذي سأتكلم عليه، كيفية النطق بها هل يكون بشكل جهري، والصوت مرفوع بها، أو سري نكتمها في صدورنا وأنفسنا؟

    الحالة الأولى: القراءة خارج الصلاة

    القراءة لها حالتان -كما تقدم معنا في البسملة أيضاً- إما أن يقرأ الإنسان القرآن خارج الصلاة، فإذا قرأ خارج الصلاة وأراد أن يتعوذ فالمختار له عند القراء وأئمتنا الفقهاء: أن يجهر بالاستعاذة عند افتتاح القراءة، وهكذا عند ابتداء كل قارئ عندما يريد أن يقرأ يستفتح تلاوته بالاستعاذة جهراً، سواء كان القارئ يقرأ بعرض -أي: يعرض قراءته على شيخه، أو يقرأ في درس، أراد أن يقرأ مقطعاً من القرآن الكريم أو سورة وأن يشرحها؛ فيأتي بالاستعاذة جهراً. وكذا لو أن الشيخ يلقن التلاميذ ويلقن الطلاب القراءة فيستعيذ وهم يستعيذون ورواءه.

    إذاً: بعرض أو درس أو تلقين، سواء كانت قراءته أيضاً أول السورة أو في أثنائها، المقصود: إذا ابتدأ القراءة ينبغي أن يجهر بالاستعاذة إذا كان بحضرة من يسمع قراءته، فإذا أراد أن يعرض القراءة على الشيخ، أو أراد أن يدرس وأن يقرأ مقطعاً من القرآن وأن يشرحه، أو أراد أن يلقن الحاضرين سورة، وأراد أن يعلمهم إياها، فيستعيذ ويستعيذون بعده، أو أراد أن يقرأ وهم يستمعون، فإذا كان بحضرة من يسمع قراءته يسن له والمختار له أن يجهر بالاستعاذة؛ إظهاراً لشعائر القراءة، كالجهر بالتلبية إظهاراً لشعائر الحج والإحرام، وكالجهر بتكبيرات العيد إظهاراً أيضاً لشعائر العيد.

    قال أئمتنا: والاستعاذة قبل القراءة عندما يقرأ الإنسان بحضرة من يسمعه، هي بمثابة تنبيه للسامع لينصت للقراءة من أولها، ولئلا يفوته شيء منها.

    إذاً: إذا قرأ القرآن خارج الصلاة بحضرة من يسمعه، سواء كانت القراءة من أول السورة أو من وسطها فيسن له أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم قبل قراءة آيات القرآن العظيم؛ لأن تلك الاستعاذة فيها إظهار لشعائر التلاوة، وفيها تنبيه للسامع ليصغي، ولئلا يفوته شيء من التلاوة، وعلى ذلك يقال أيضاً: ينبغي للإنسان أن يسر بالاستعاذة إذا كانت القراءة سرية، فإذا كان يقرأ بين حاضرين وموجودين لكن كل يسر في قلبه، هم في المسجد وكل واحد يقرأ لنفسه في صدره، فلا داعي لأن يجهر بالاستعاذة؛ لأنه لن ينصت له أحد.

    إذاً: الاستعاذة تكون سراً كالقراءة، وهكذا إذا كان يقرأ خالياً، أي: في مكان منعزل ليس معه أحد، فلا يسن له أن يجهر بالاستعاذة، وإذا جهر فلا حرج عليه، لكن ما يسن بحيث يقال: إذا ترك الجهر بالاستعاذة في المكان الخالي فقد أخطأ السنة، لا يقال ذلك، وهكذا أيضاً: يسر بالاستعاذة إذا كان يقرأ عن طريق الدور في الصف، في المسجد، في الجمع، ولم يكن مبتدئاً، أما إذا كان هو أول القارئين فيجهر أيضاً بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وأما إذا لم يكن مبتدئاً، يعني: هو الثاني أو الثالث في الدور وليس هو أول من يقرأ فإذا جاء الدور إليه يستعيذ بالله في قلبه ثم يقرأ؛ لتتصل القراءة ببعضها، ولئلا تتخلل الاستعاذة فيما بينها.

    إذاً خلاصة الكلام: إذا قرأ الإنسان القرآن خارج الصلاة يسن له ويستحب له والمختار في حقه أن يجهر بالاستعاذة قبل التلاوة إذا كان في حضرة من يسمع قراءته، وإذا لم يكن بحضرة من يسمع قراءته أو كان لا يستمع إليه أحد، أو ليس هناك أحد، كما لو قرأ في صدره سراً أو في مكانٍ خالٍ، أو كما تقدم معنا لو لم يكن مبتدئاً في القراءة مع الحاضرين، ففي هذه الأحوال يسن له أيضاً ويستحب أن يتعوذ سراً، والعلم عند الله جل وعلا.

    وهذا المقرر عند الأئمة القراء، وأئمتنا الفقهاء رحمة الله عليهم أجمعين، وما نقل خلاف ذلك إلا عن إمامين اثنين: الأول: نافع ، وهو أحد القراء السبعة، روي عنه من بعض الطرق أن الإنسان يخفي التعوذ قبل قراءة القرآن كيفما كان، يعني: سواء كان يقرأ جهراً بحضرة من يسمع، أو يقرأ سراً أو في مكان خالٍ، فالتعوذ يخفيه ولا يجهر به.

    وروي عنه الجهر وروي عنه الإسرار من بعض الطرق، وهكذا حمزة بن حبيب الزيات نقل عنه المهدوي أيضاً أن القارئ يسر بالاستعاذة قبل التلاوة كيفما كانت سواء بحضرة من يسمعه أو لا، ونقل عن حمزة أيضاً: أن القارئ يجهر بالاستعاذة قبل الفاتحة فقط، وما عدا هذه السور إذا ابتدأ القراءة بها يسر الاستعاذة قبلها.

    والذي يظهر والعلم عند الله عز وجل: أن القول الأول وهو: أن الإنسان يجهر بالاستعاذة قبل القراءة إذا كان بحضرة من يسمع هو الصواب، وهو الذي عليه الأئمة القراء والفقهاء وإن نقل عن هذين الإمامين الجليلين من بعض الطرق ما يخالف ذلك، والعلم عند الله جل وعلا.

    الحالة الثانية: القراءة في الصلاة

    الحالة الثانية: إذا تلا الإنسان القرآن للصلاة، فهل يسر بالاستعاذة في صلاته قبل قراءته أو يجهر بها؟

    نقول أيضاً: ما قرره أئمتنا الكرام أن الصلاة لها حالتان: إما أن تكون القراءة فيها سرية، كما هو الحال مثلاً في صلاة الظهر والعصر، وهكذا في الركعتين الأخيرتين من العشاء، وهكذا في الركعة الأخيرة من المغرب.. فإذا كان يقرأ في صلاة سرية فهنا لا يجهر بالاستعاذة بالاتفاق، ولا خلاف بين أئمتنا أنه لا يجهر بالاستعاذة فيها.

    والجمهور أبو حنيفة والشافعي وأحمد على أن المصلي ينبغي له أن يأتي بالاستعاذة في صلاته قبل قراءته، اتفقوا على أن الاستعاذة يأتي بها الإنسان في الركعة الأولى، لكن اختلفوا في الركعة الثانية والثالثة وما بعدها، والشافعية على أنه أيضاً يأتي بها في الثانية والثالثة والرابعة، لكن يستحب له ذلك استحباباً مؤكداً أن يأتي بها في الركعة الأولى عند القراءة، ثم يأتي بها أيضاً في الركعة الثانية قبل القراءة والثالثة والرابعة، لكن استحبابها في الركعة الثانية وما بعدها أقل من استحبابها في الركعة الأولى.

    وعليه.. إذا كانت القراءة سرية في الصلاة فلا يجهر الإنسان بالاستعاذة بالاتفاق، وإذا كان يسر بالقراءة فلا يجهر، سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية وهو أسر فيها، يعني: لو قلنا: المرأة صلت صلاة الفجر في بيتها وما جهرت بالقراءة فلا تجهر بالتعوذ، إذاً: إذا كان يسر بالقراءة فليسر بالتعوذ.

    الحالة الثانية: إذا كانت القراءة يجهر بها في الصلاة كما هو الحال في صلاة الفجر وفي الركعتين الأوليين من صلاة المغرب والعشاء، فهنا يجهر بالقراءة وفي الركعة الأولى يستحب الإتيان بالاستعاذة قبل القراءة بالاتفاق، وهو مذهب الجمهور والمالكية المتأخرون أيضاً قالوا به.

    إذاً: هذه الاستعاذة هل يجهر بها كما يجهر بالتلاوة أو يسر؟ لعلمائنا في ذلك قولان معتبران:

    القول الأول: ذهب إليه الجمهور: أبو حنيفة والإمام أحمد ، وهكذا من قال بهذا القول من المالكية، أن الاستعاذة ينبغي الإتيان بها قبل التلاوة في الصلاة، سواء في قيام رمضان أو في غيره، وعليه قول الحنفية والحنابلة والإمام مالك عليهم جميعاً رحمة الله، أن الإنسان يسر الاستعاذة في الصلاة وإن كانت القراءة جهرية، هذا قول الحنفية والحنابلة والمالكية على القول بأن الاستعاذة عندهم مشروعة في كل صلاة، أو في قيام رمضان فقط، يأتي بالاستعاذة سراً ولا يجهر بها، بل يستعيذ في صدره، ثم بعد ذلك يقرأ كلام الله جل وعلا جهراً.

    قال الإمام ابن قدامة في المغني (1/519): لا أعلم في ذلك خلافاً، وهذا -كما قلت- هو أيضاً قول الحنفية كما هو في اللباب في شرح الكتاب في (1/68).

    والقول الثاني: ذهب إليه الإمام الشافعي عليه رحمة الله، فقال يجهر المصلي بالاستعاذة قبل القراءة إذا كانت القراءة جهراً، يسن له الجهر، فكما يجهر خارج الصلاة يجهر في الصلاة ما دامت الصلاة جهرية، وإن أسر فلا يضر. إذاً: الأصل الجهر، وإن أسر فلا يضر.

    وقال الإمام الشافعي قولاً آخر في كتابه الأم، قال: المصلي يتخير إذا جهر في صلاته، فإن شاء أسر وإن شاء جهر، يعني: بالاستعاذة.

    قال الإمام الشافعي في الأم: لأنه ثبت أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يسر بالتعوذ في صلاته، وثبت أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يجهر بالتعوذ في صلاته قبل قراءته.

    وعليه للإمام الشافعي قولان: القول الأول: أنه يجهر إذا كانت القراءة جهرية في الصلاة، وإن أسر فلا يضر.

    والقول الثاني: يتخير المصلي بين الأمرين، إن شاء أن يجهر، وإن شاء أن يسر إذا كان سيجهر بالتلاوة في صلاته.

    وهذان القولان نقلهما الإمام ابن كثير في تفسيره (1/14)، وهكذا الإمام ابن الجزري في النشر، والذي رجحه الإمام النووي في المنهاج صفحة (43) فقال: يسر المصلي بالتعوذ قبل القراءة في صلاته وإن كانت القراءة جهرية، وهكذا رجح هذا القول في المجموع أيضاً في (3/326) فقال: الراجح من مذهبنا -يعني مذهب الإمام الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله- أنه لا يجهر بالتعوذ في صلاته.

    وعليه إذا رجح هذا المذهب عند الشافعية فيمكن أن نقول إذاً: عند المذاهب الأربعة أنه لا يجهر بالتعوذ في صلاته قبل القراءة إذا كانت القراءة جهرية في الصلاة، وأما إذا كانت سرية فلا يجهر بالاتفاق، وإن كانت جهرية فعند الشافعي في ذلك تفصيل، والمرجح في مذهب الشافعي أنه لا يجهر أيضاً، بل يستحب للإنسان أن يجهر بالتعوذ أحياناً قبل القراءة في صلاته من أجل أن يعلم الناس مشروعية التعوذ في الصلاة قبل التلاوة، لاسيما إذا كان الإنسان إماماً، نص على ذلك الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (2/425)، عندما سئل عن إمام يكبر ويقرأ دعاء الاستفتاح، ثم يتعوذ جهراً ويبسمل جهراً، ثم يقرأ جهراً، ويفعل ذلك في كل ركعة ما حكمه؟ فقال الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله: إذا فعل ذلك أحياناً للتعليم ونحوه فلا بأس بذلك، فقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يجهر أحياناً بدعاء الاستفتاح: سبحانك اللهم وبحمدك، أو وجهت وجهي، من أجل أن يعلم المسلمين مشروعية الإتيان بهذا الذكر في هذا الموضع، قال الإمام ابن تيمية : وكان أحياناً يجهر ابن عمر وأبو هريرة بالتعوذ أيضاً.

    إذاً: ابن عمر أحياناً يجهر بدعاء الاستفتاح، وأحياناً هو وأبو هريرة يجهران بالتعوذ قبل التلاوة في الصلاة؛ من أجل إعلام الناس بمشروعية التعوذ في الصلاة قبل القراءة، والعلم عند الله جل وعلا.

    إذاً: خلاصة المبحث الرابع: كيفية النطق بالاستعاذة قبل التلاوة، هل يسر بها أو يأتي بها جهراً؟

    ذكرت أخواتي الكريمات أن للقراءة حالتان:

    الحالة الأولى: أن يقرأ الإنسان القرآن خارج الصلاة، فإذا كان كذلك فيسن للإنسان أن يجهر بالتعوذ بشرط أن تكون القراءة بحضرة من يسمعه؛ لأن الجهر -كما قلت- من شعائر التلاوة، وفيه تنبيه للسامع ليتفرغ للاستماع، وإذا لم تكن القراءة بحضرة من يسمع كأن قرأ سراً أو خالياً فيسن له في هذه الأحوال أن يأتي بالاستعاذة سراً.

    وأما إذا كانت القراءة في الصلاة فالصلاة أيضاً تكون القراءة فيها على حالتين:

    الحالة الأولى: تكون القراءة فيها سرية لا يجهر فيها؛ لأنه يصلي صلاة سرية فلا يجهر بالتعوذ بالاتفاق.

    والثاني: أن القراءة جهرية في صلاة جهرية، فعند الجمهور لا يجهر أيضاً بل يأتي بها سراً، وللإمام الشافعي تفصيل، والذي رجحه الإمام النووي من مذهب الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله: أنه لا يجهر بالتعوذ قبل القراءة في الصلاة الجهرية.

    وختام الكلام: يستحب للإنسان لاسيما إذا كان إماماً أن يجهر بالتعوذ أحياناً قبل التلاوة قبل القراءة في صلاته من أجل أن يعلم الناس، وأن يُعلمهم أن التعوذ مشروع قبل التلاوة في الصلاة، والعلم عند الله جل وعلا.

    1.   

    موطن الاستعاذة

    المبحث الخامس: محل الاستعاذة. متى يأتي الإنسان بالاستعاذة عندما يريد أن يقرأ كلام الله جل وعلا؟ وإنما ذكرت هذا مع أنه معلوم وما أظن أنه يخفى على مسلم؛ لوجود نقل في كتب قد يشوش أذهان بعض القارئين.

    أخواتي الكريمات! الاستعاذة محلها قبل القراءة: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98]، ومعنى: (فإذا قرأت) أي: إذا أردت أن تقرأ، كما قال الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون، وهكذا نقول للإنسان: إذا أكلت فسم الله، أي: إذا أردت أن تأكل فسم الله، ليس يبدأ بالأكل ثم يسمي، وهنا: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل:98]، أي: إذا أردت أن تقرأ فقدم بين يدي قراءتك الاستعاذة بالله من الشيطان، وأما إذا شرعت في القراءة عندما تشرع، فقل الاستعاذة وبعدها التلاوة مباشرة.

    إذاً: محل التعوذ قبل القراءة، وهذا لا خلاف فيه عند أئمتنا، وقد حكى عليه الإجماع الإمام ابن الجزري في النشر في القراءات العشر (1/255)، فقال: محل التعوذ قبل القراءة إجماعاً.

    ولا يصح قول بخلاف ذلك عن أحد ممن يعتبر قوله، وآفة العلم التقليد.

    وقد نسب إلى بعض العلماء: أن الاستعاذة تكون في آخر التلاوة، يعني: إذا انتهى من القراءة يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لكن لم تثبت هذه النسبة عن إمام من أئمة المسلمين، ونسبت إلى بعض الصحابة الطيبين لكن لا حقيقة لذلك، وقد أراد بعض المفسرين أن يؤيد هذا كالإمام الرازي في تفسيره، وأن يلتمس لذلك تقريراً وتوجيهاً، فقال: لأن ظاهر القرآن: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98]، قال: شرط وجوابه، فإذا قرأتَ فاستعذ، قرأتَ فعلٌ ماضٍ، يعني: إذا قرأت وانتهيت استعذ بالله من الشيطان الرجيم، هذا من جملة توجيههم لذلك، قالوا: ظاهر الآية يدل على أن الاستعاذة بعد التلاوة! وليس كذلك؛ لأن ظاهر الآية كما قلت معناه: فإذا قرأت القرآن، أي: إذا أردت أن تقرأ، أو إذا شرعت، وهذا كقول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا [المائدة:6]، يعني: هو داخل الصلاة يغسل، أو بعد أن ينتهي من صلاته يتوضأ؟ لا ثم لا، إذا أردتم القيام وأنتم محدثون: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6]، وهنا كذلك: فَإِذَا قَرَأْتَ [النحل:98]، أي: إذا أردت أن تقرأ.

    ولم يصح هذا القول عن إمام ولا عن أحد من العلماء الكرام رحمة الله عليهم أجمعين، وآفة العلم التقليد كما قال الإمام ابن الجزري .

    إذاً: محل التعوذ قبل القراءة.. قبل التلاوة، وهناك قولان مردودان نقلا سأذكرهما بعد تقرير هذا القول إن شاء الله.

    وهذا القول أخواتي الكريمات يدل عليه قول الله: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98]، ومعناها كما قلت: إذا شرعت أو إذا أردت ويدل على ذلك أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد تقدمت معنا ما يزيد على سبعة أحاديث، وفيها أن الاستعاذة قبل التلاوة، فكيف نقول: إن الاستعاذة بعد التلاوة وبعد الانتهاء من القراءة؟ إن هذا لقول باطل.

    والدليل الذي يحتم ويعين ويقرر أن الاستعاذة قبل التلاوة: فعل السلف الكرام الطيبين، فما نقل عن أحد أن الاستعاذة بعد التلاوة، والعلم عند الله جل وعلا.

    وعليه فمحل التعوذ يكون قبل القراءة إجماعاً، ولم يصح قول بخلاف ذلك عن أحدٍ ممن يعتد بقوله من علمائنا الكرام.

    وقد نسب في هذه المسألة قولان لبعض أئمة الإسلام ولا تصح النسبة إليهم.

    القول الأول: قيل: إن الاستعاذة تكون في آخر التلاوة عقيب التلاوة.. في نهاية التلاوة، إذا فرغ من القراءة، ونسب الإمام الرازي في تفسيره (1/60)، والإمام النووي في المجموع شرح المهذب (3/325)، والإمام ابن كثير في تفسيره (1/13)، نسبوا القول بذلك -أي: أن الاستعاذة بعد القراءة- إلى عدد من علماء هذه الأمة، منهم: الإمام النخعي ، وداود بن علي الظاهري ، والإمام ابن سيرين ، وبعضهم قال في إحدى الروايتين عن محمد بن سيرين ، ونسبوه إلى أبي هريرة من الصحابة الطيبين الطاهرين، ونسبوه إلى حمزة بن حبيب الزيات من القراء المتقنين، ونسبوه إلى أبي حاتم من أئمتنا الصالحين المجتهدين.

    نسبوا إذاً القول بذلك إلى ستة من علماء هذه الأمة: النخعي وداود وابن سيرين وأبي هريرة وحمزة وأبي حاتم .

    قال الإمام ابن الجزري : ولا تثبت تلك النسبة ولا تصح، أي: لا يصح هذا القول عن واحد من هؤلاء ولا عن غيرهم أيضاً، ومحل الاستعاذة يكون قبل التلاوة، وأما هذا القول فقد علله الإمام الرازي بأمرين على حسب قوله:

    الأمر الأول: قال: إن ظاهر القرآن يدل على ذلك؛ لأن قرأت فعل ماضٍ، وعليه إذا انتهيت من القراءة تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.

    والأمر الثاني: قال: إن ذلك موافقاً أيضاً للعقل؛ لأن الإنسان إذا قرأ القرآن قد يأتيه الشيطان يفسد عليه أجر قراءته، فيدخل عليه العجب والغرور، فينبغي أن يستعيذ بالله العزيز الغفور من الشيطان الخبيث الغرور بعد قراءته ليقطع عنه وساوس الشيطان، وليدفع عنه ضر الشيطان؛ لئلا يضيع الإنسان قراءته عندما يعجب أو عندما يرائي، فـالرازي يقول: أيضاً الاستعاذة بعد القراءة ظاهر القرآن يدل عليها والعقل أيضاً يوافقها.

    أخواتي الكريمات! حول هذا وحول القول الثاني أيضاً الذي قيل في هذه المسألة شيء من التفصيل أذكره بعون ربنا الجليل في أول الموعظة الآتية إن أحيانا الله، وأقتصر في هذه الموعظة على هذا المقدار، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب الأرض والسماوات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، والحمد لله رب العالمين.