إسلام ويب

أحب البقاع إلى الله في الأرضللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أمة الإسلام هي أمة المسجد، فمن المسجد تدبر شئون العباد، وفي المسجد تعقد رايات الجهاد، وفي المسجد تضاء قناديل العلم والمعرفة، فالمسجد شأنه عظيم في قلوب المؤمنين، وقد ذكره الله في كتابه الحكيم وأمر برفعه والعناية به، سواء كان ذلك بتشييده وبنائه، أو الحفاظ عليه من كل ما يتسبب في تقذيره وامتهانه، وفوق ذا وذاك ربط اسمه باسمه فسمي بيت الله، فكان له نصيب من إجلاله سبحانه وإعظامه.

    1.   

    خير بقاع الأرض مساجدها وشرها أسواقها

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فـ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    معشر الإخوة المؤمنين! من المقرر عند عباد الله الأكياس أن لله جل وعلا خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فهو الذي يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس، ومن خواص الله تعالى في الأمكنة التي فضلها على غيرها من البقاع: بيوت الله المساجد التي أمرنا الله جل وعلا برفعها، وذكره فيها، وتسبيحه بالغدو والآصال، في تلك البيوت الجليلة المعتبرة، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر، وأن الله فضل المساجد على غيرها من الأماكن والبقاع.

    ثبت في صحيح مسلم وصحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أحب البلاد إلى الله المساجد، وإن أبغض البلاد إلى الله الأسواق)، إن أحب البلاد إلى الله المساجد، وإن أبغض البلاد إلى الله الأسواق، الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، والإمام أبو يعلى والبزار رحمهم الله جميعاً، عن جبير بن مطعم رضي الله عنه: (أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله! أي البلدان أحب إلى الله؟ وأي البلدان أبغض إلى الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أدري حتى أسأل جبريل -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه-، فلما جاء جبريل إلى نبينا الجليل عليهما صلوات الله وسلامه سأله: ما أحب البلدان إلى الله؟ وما أبغض البلدان إلى الله؟ فقال جبريل: يا محمد -عليه صلوات الله وسلامه- أحب البلدان إلى الله المساجد، وأبغض البلدان إلى الله الأسواق).

    الحديث رواه ابن حبان في صحيحه أيضاً، والطبراني في معجمه الكبير من رواية ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أي البقاع خير؟ وأي البقاع شر؟ فقال: لا أدري حتى أسأل جبريل، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه- فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل، فسأل جبريل ميكائيل فأخبره أن أحب البلاد إلى الله، وأن خير البلاد عند الله المساجد، وأن أبغض البقاع عند الله وشر البقاع الأسواق).

    والحديث إخوتي الكرام بطرقه الثلاثة من رواية أبي هريرة وجبير بن مطعم وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين صحيحٌ صحيح.

    وروي من طريق رابع، وفيه شيء من الضعف -ويشهد له ما تقدم- رواه الطبراني في معجمه الأوسط، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عن أحب البلاد إلى الله وعن أبغض البلاد إلى الله؟ فقال: لا أدري، فقال: سل ربك، فبكى جبريل -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه-، فقال: يا محمد! ومن يستطيع أن يكلمه، هو يأمرنا من أمره بما شاء، فأوحى الله إلى جبريل -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه-: أن أحب البقاع إلى الله، وخير البقاع عند الله المساجد، وأن أبغض البقاع إلى الله وشرها عند الله الأسواق)، وهذه الرواية الرابعة يشهد لها ما تقدم.

    والجمع بين هذه الروايات: أن نبينا صلى الله عليه وسلم سئل عن أحب البلاد إلى الله؟ وعن أبغض البلدان عند الله؟ وعن خير البقاع وشرها فتوقف؛ لأنه لم يكن عنده علم بذلك، فسأل جبريل، وهو بدوره سأل ميكائيل، فأوحى الله إليهما بأن خير البقاع وأحبها عند الله المساجد، وأن شر البقاع وأبغضها عند الله الأسواق، فأخبر جبريل النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، وهذا هو الذي يجمع بين الروايات الأربع المتقدمة.

    عباد الله! هذه المساجد هي خير البقاع، وأحبها عند الله، كما أن الأسواق هي شر البقاع، فهذه المساجد تدعو إلى عبادة الله جل وعلا، وإلى الإقبال على الآخرة، والأسواق بعكس ذلك، فهي مأوى الشياطين، وتدعو إلى الركون إلى الدنيا، ليست الأسواق مذمومة إذا اتقى الإنسان فيها ربه، لكنها نواة الغفلة، وإذا حول الإنسان السوق إلى مكان شرعي يبيع فيه ويشتري حسب شريعة الله فلا حرج، لكن ينبغي على الإنسان أن يتقي الله في سوقه فلا يكوننَّ أول داخل ولا آخر خارج، إنما ينبغي أن يكون أول داخل إلى بيوت الله، وآخر خارج من بيوت الله، وأما الأسواق فأمرها كما قال الله: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:15].

    والأسواق سميت بذلك لأن الأرزاق تساق إليها، ولأن الناس يمشون إليها على سوقهم، جمع ساق، أي: على أرجلهم، فالأرزاق تأتي إليها من كل جهةٍ، والناس يسعون إليها على سوقهم، فيقال لها: الأسواق، فهي مواطن غفلة، وإذا ذكر الإنسان ربه في مواطن الغفلة واتقى الله له أجر عظيمٌ عظيم، فمن ذكر الله بين الغافلين مثله كالثابت عند التقاء الجيشين عند فرار الفارين، هو ثبت وأولئك فروا، وهكذا أهل السوق في غفلة، فمن ذكر الله في سوقه فله أجر عظيم.

    ثبت في مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم ، والحديث رواه الإمام الترمذي وابن ماجة وسنده صحيح كالشمس، ورواه الدارمي في مسنده والإمام النسائي في عمل اليوم الليلة، وابن أبي الدنيا وأبو نعيم وغيرهم من حديث عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبنى له بيتاً في الجنة)، والحديث صحيح إخوتي الكرام! فإذا قال المسلم هذا الذكر في تلك البقاع التي تسيطر عليها الغفلة، وتلوح فيها رايات الشياطين، يكتب له ألف ألف حسنة، أي: مليون حسنة، ويمحو الله عنه ألف ألف سيئة، ويرفع له ألف ألف درجة، ويبني له بيتاً في الجنة.

    وثبت في هذا الحديث عن أزهر القرشي رضي الله عنه وأرضاه، وهو من أئمة التابعين: أنه عندما ذهب إلى خراسان دخل على أمير خراسان قتيبة بن مسلم الباهلي فقال: جئتك بهدية، قال وما هي؟ فروى له هذا الحديث، فكان هذا الأمير الذي هو تابعي أيضاً حيث أدرك عمران بن حصين وأبا سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين، كان هذا الأمير يركب كل يوم في موكبه إلى السوق، وليس له حاجة، فإذا وصل إلى السوق قال هذا الذكر وانصرف إلى محل إمرته. ونحن نذهب إلى الأسواق إخوتي الكرام باستمرار، ألا نذكر الله في تلك المواطن، فإذا دخلنا السوق فلنذكر هذا الذكر الذي علمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم.

    أحب البقاع إلى الله وخير البلدان عند الله المساجد، ولا غرو في ذلك ولا عجب، فالمساجد هي محل نور الله جل وعلا ومكان هدايته، وفيها المهتدون الذين أنعم عليهم وهداهم إلى صراطه المستقيم، وقد ذكر ربنا العزيز الغفور في سورة النور بعد آية النور مكان وجود النور، فقال جل وعلا: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور:35-38].

    (الله نور السماوات والأرض)، أين يطلب ذلك النور؟ وأين يوجد؟ وفي أي مكان يحصل؟ ومن يهتدي به؟ ومن يتنور به؟ (في بيوت أذن الله أن ترفع)، فإذا أردت نور الله فاذهب إلى بيوت الله فهي مكان نوره، وهي موضع هداه، وإذا أردت أن تتعرف على عباد الله المهتدين الذين هداهم الله إلى صراطه المستقيم فابحث عنهم في بيوت رب العالمين، (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال)، فذكر الله بعد آية النور المكان الذي يوجد فيه نوره وهداه، وذكر المهتدين مبيناً أعمالهم القلبية والقالبية، السرية والجلية كما سيأتينا في تفسير الآيات الكريمة إن شاء الله.

    1.   

    ترخيص الله لعباده المؤمنين بعمارة بيوته

    عباد الله! كيف لا تكون المساجد أحب البقاع إلى الله، وخير البلدان عند الله وهي موضع نوره ومكان هداه، وفيها يجتمع عباده الذين رضي الله عنهم وهداهم إلى صراطه المستقيم! هذه المساجد وصفها الله جل وعلا بثلاثة أمور في آية النور، ووصف بعد ذلك الذين هم فيها بصفات جليلة عظيمة.

    أول هذه الصفات التي ينبغي أن تكون من العباد نحو بيوت الله جل وعلا ونحو المساجد، (في بيوت أذن الله أن ترفع)، أذن: الإذن في اللغة معناه: الإعلام والترخيص في الشيء، رخص الله، وأعلم أنه أباح للناس وجوز لهم رفع المساجد، كما قال جل وعلا في آخر سورة النور: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:62].

    إذا كان المؤمنون مع رسول الله عليه صلوات الله وسلامه أو مع وليّ الأمر المسئول عنهم لا يجوز لواحد منهم أن يتخلف عنه ولا أن يفارقه إلا بعد أن يستأذن وأن يترخص، وأن يأذن له النبي عليه الصلاة والسلام أو وليُّ أمره المسئول عنه، فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ [النور:62]، أعلمهم بالترخيص، وأنك أذنت لهم بالذهاب، ولكن هذا الذهاب مهما كان لضرورة ملجئة فإن فيه حرماناً من الاجتماع بالنبي عليه الصلاة والسلام، وحرماناً من هذا الخير العام الذي يكون مع عباد الرحمن، وهم على خير جامعٍ، إذاً هناك شيء من التقصير من المستأذن، فأتبع الإذن بالاستغفار لهم، فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:62]، الإذن معناه الإذن بالترخيص في الشيء، أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39]، رخص لهم في قتال أعدائهم بعد أن منعوا ذلك بقول الله جل وعلا: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [النساء:77].

    عباد الله! ولا يراد من الإذن هنا الترخيص، وإعلام الله لعباده بأنه أجاز لهم بناء المساجد، لا ثم لا. فقد قرر أئمتنا الكرام أن معنى أذن هنا بمعنى حكم وألزم وأوجب وفرض، حكم الله وألزم عباده وفرض عليهم بناء المساجد ورفعها، فالإذن هنا بمعنى الأمر، كقول الله جل وعلا: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء:64]، بأمره وحكمه، وإيجاب الله على عباده ذلك ليطاع بإذن الله، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]، أي: أمر الله برفعها، وإنما أخبر الله جل وعلا، وخبر الله جل وعلا عن الأمر بالإذن لنكتة لطيفة ذكرها أئمتنا، وهي أن المأمورين وهم عباد الله المؤمنون ينبغي أن يكون حالهم المسارعة إلى بيوت الله جل وعلا، إلى بناء المساجد، إلى تشييدها وإقامتها ورفعها، قبل أن يوجه إليهم الأمر من ربهم جل وعلا بوصفهم عباداً لله لابد لهم من مكان يجتمعون فيه يعبدون الله، ويتدارسون الغاية التي من أجلها خلقوا، وأن ينصح بعضهم بعضاً.

    إذاً هذه في الغاية، ومن المفروض في حقهم أن يقوموا بها قبل أن يؤمروا بها، فينبغي على المأمور أن يتوجه إلى ذلك قبل أن يصدر إليه الأمر من الآمر جل وعلا، فإذا أرادوا بناء المساجد قبل أن يؤمروا يكون حالهم كحال المستأذن ربه جل وعلا، ربنا هل تأذن لنا في بناء بيت نعبدك فيه ونتناصح فيه؟ فجاء الأمر على حسب حال عباد الله، كأنهم يستأذنون الله في بناء المساجد، فقال الله لهم: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور:36]، نعم إن مناجاة الله جل وعلا تحتاج إلى استئذان، وإذا أردت أن تناجي الكريم المنان فينبغي أن تكون له عبداً: رب هل تقبلني؟ أريد أن نبنيَ مكاناً أجتمع فيه مع عباد الله لعبادتك، والتناصح في دينك، فهل يرضيك ذلك؟ فجاء الإخبار من الله مع بشارة عظيمة، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور:36].

    1.   

    المقصود بالبيوت في قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع)

    إخوتي الكرام! وهذه البيوت هي المساجد قطعاً وجزماً، وقد اقتصر كثير من المفسرين على ذلك كالإمام ابن كثير وغيره عليهم جميعاً رحمات ربنا الجليل، ولم يذكر قولاً آخر، وذكرت بعض كتب التفسير أقوالاً كثيرة مردها إلى أمرين.

    الأمر الأول: بيوت غير المساجد ذكرت في تلك الأقوال، لكنها لا تتعارض مع هذا، وتدخل في القول الأول، فقال عدد من المفسرين، وهذا منقول عن السلف، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]: في مسجد الكعبة، في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، في مسجد بيت المقدس في المسجد الأقصى، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]، هذه المساجد الثلاثة، بعضهم أضاف إليها مسجداً رابعاً وهو مسجد دمشق، هذا كله لا يتعارض مع ما تقدم، بل يدخل فيه، وهو من باب التفسير العام -كما قال أئمتنا- ببعض أفراده تمثيلاً على ما يدخل في هذا العام لا من باب الحصر، أي: من البيوت التي أمر الله برفعها المسجد الحرام، ومسجد النبي عليه الصلاة والسلام، وبيت المقدس، ومسجد دمشق، وغير ذلك من المساجد، فهذا القول يدخل في القول الأول، إنما ذكر نوعاً خاصاً واللفظ أعم من ذلك، وهناك أقوال أخرى يمكن أن تجمع في ضابط معين وهو أنه ذكر ما يتعارض مع القول الأول من حيث التفسير، لكن مع ذلك إن عارضه من حيث الظاهر لا ينافيه ولا يلغيه.

    فقال مجاهد عليه رحمة الله: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]: هي بيوت النبي عليه الصلاة والسلام؛ لقول الله جل وعلا لأمهاتنا أزواج النبي عليه وعليهن صلوات الله وسلامه: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34]، فهي بيوت مرفوعة حساً ومعنى ينبغي أن تكرم وأن تعظم وأن تحترم وهي بيوت النبي عليه الصلاة والسلام، وينبغي على من فيها أن يكثر من ذكر الله وقراءة القرآن.

    ووسع الأمر عكرمة رحمه الله ورضي عنه فقال: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]: كل ما يبنى على وجه الأرض ينبغي أن يرفع من أجل الله، وأن يذكر فيه اسم الله، وأن يسبح في تلك البيوت بالغدو والآصال، ولعله يريد بذلك أن بيوت الناس ينبغي أن تكون على غرار المساجد فيها نور وهدى، وذكر لله وتسبيح له بالغدو والآصال.

    والتفسير الذي ينبغي أن يعتمد وأن يعول عليه في معنى الآية: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]: هي المساجد، والأمران حاصلان فيها، فهي التي أمر الله برفعها وتعظيمها حساً ومعنى كما سيأتينا، ولا يوجد مكان يحصل فيه من كثرة ذكر الله والصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام كما يحصل في خير البقاع ألا وهي المساجد.

    فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]، أذن الله أن ترفع، هذا الأمر الأول، أعلم وحكم وألزم وفرض، وأخبر عن هذا الأمر بالإذن تنبيهاً على المأمورين بأنه ينبغي أن يسارعوا إلى تنفيذ هذا الأمر قبل أن يوجه إليهم هذا الأمر من الآمر، فيكون حالهم كحال المستأذن، فالله يقول: أذنت لكم برفع هذه البيوت وعمارتها.

    1.   

    رفع بيوت الله بالبناء والعمران والأجر المترتب عليه

    والرفع إخوتي الكرام شامل لأمرين كل منهما تدل عليه الآية الكريمة: أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]، أن ترفع حساً، أي: أن تبنى وأن تشيد وأن ترفع على وجه الأرض كما قال جل وعلا: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا [النازعات:27-28]، وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127]، أذن الله أن ترفع، أن تبنى، وأن تكون بيوت الله في الأرض كالنجوم في السماء يهتدي إليها أهل الأرض، فلا تكون كالمغارات والسراديب والمناجم والمخابئ لا يهتدي الناس إليها، لا، فهذه بيوت لها شأن ومنزلة وعظمة، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]، ينبغي أن يتميز بناؤها عن الأبنية الأخرى، وأن تكون ظاهرة للأعين على مرأى الناس، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36].

    وإذا عمِّرت هذه البيوت ورفعت فهنيئاً ثم هنيئاً لمن يرفعها ويبنيها ويشيدها ويقيمها، ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عثمان بن عفان ذي النورين الخليفة الراشد رضي الله عنه وأرضاه: (أنه عندما وسَّع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وأكثر الناس الكلام فيه، قام رضي الله عنه ورقى المنبر وقال: يا أيها الناس! إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة)، وفي بعض الروايات: (من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة)، وعثمان رضي الله عنه هو ثاني من وسَّع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والموسِّع الأول هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولكن لهيبة عمر وشدته في الحق رضي الله عنه وأرضاه ما تكلم متكلم، وما حرك أحد شفتيه، فلما وسَّع عثمان مسجد النبي عليه الصلاة والسلام كثر اللغط، وأنه غيَّر معالم المسجد، وأنه زاد، وأنهُ .. وأنه، فقام رضي الله عنه كأنه يعتذر إليهم لحلمه ورحمته وعفوه وصفحه رضي الله عنه وأرضاه فقال: إنكم تكثرون من الكلام واللغط، وتقعون في عرضي، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من بنى مسجداً لله يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة)، فماذا عمل ذو النورين إلا أن وسَّع مسجد النبي عليه الصلاة والسلام.

    إخوتي الكرام! إذا قام الإنسان ببناء المساجد ورفعها حساً فله هذا الأجر عند الله جل وعلا (بنى الله له بيتاً في الجنة)، (بنى الله له مثله في الجنة)، ولا يشكلنَّ عليك أخي حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي فيه التصريح بالمثلية مع قول رب البرية: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:160]، وهنا بنى الله له بيتاً في الجنة، بنى الله له مثله، لم لم يقل: عشر بيوت؟ إنَّ بيت الجنة وإن ساوى بيت الدنيا في الاسم فيخالفه في الحقيقة في السعة والمساحة، وفي الجودة والإتقان، فهو بيتٌ له مسمى البيت لكن الفارق بين بيت الجنة والبيت الذي تبنيه وترفعه في هذه الحياة لعبادة رب الأرض والسماوات، أعظم بكثير من الفارق بين بيت الأمير والفقير، فهذا بيت وهذا بيت، لكن ذاك بيتٌ فيه ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومسافته ومساحته لا يعلمها إلا الكريم الذي يبني لك هذا البيت في جنات النعيم.

    إخوتي الكرام! وهذا البيت الذي يبنيه الإنسان لله يبني الله له بيتاً في الجنة، سواء صغر هذا البيت في هذه الحياة أو كبر، ثبت في سنن الترمذي وغيره، وإسناد الحديث حسن عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من بنى مسجداً صغيراً كان أم كبيراً بنى الله له بيتاً في الجنة)، والحديث رواه الإمام أحمد والحاكم في المستدرك وابن ماجه في السنن من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، والحديث رواه أيضاً الإمام أبو يعلى والبزار والطبراني في معجمه الكبير وابن حبان من رواية أبي ذر رضي الله عنه، ورواه البزار من رواية ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، فالحديث من رواية جابر وابن عباس وأبي ذر رضوان الله عليهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بنى بيتاً لله ولو قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة)، ومفحص القطاة: مكان صغير تجثم فيه وتجلس فيه وتكون فيه، فإذا بنيت بيتاً لله بحجم مكان القطاة بنى الله لك بيتاً في الجنة، وهذا يكون إذا شارك الإنسان بريال واحد في بناء مسجد، فيكون له هذا الضمان عند الكريم الرحمن، (من بنى بيتاً لله ولو قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة).

    إخوتي الكرام! ولا يشترط في الباني إلا أن يخلص النية لرب البرية في هذا البناء إذا كان من المؤمنين الموحدين، ثبت في سنن النسائي وغيره عن عَمْرو بن عبسة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بنى مسجداً لله ليذكر فيه الله بنى الله له بيتاً في الجنة)، من بنى بيتاً لله، حجَّ لله، صام لله، جاهد لله، فلا يقبل العمل من غير إخلاص ولا متابعة لرسوله عليه الصلاة والسلام، لابد من إيمان وإخلاص ومتابعة للنبي عليه الصلاة والسلام، فعمل المساجد عمل صالحٌ، فإذا أخلص الباني لله، بنى الله له بيتاً في الجنة، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36].

    النهي عن زخرفة المساجد عند بنائها

    إخوتي الكرام! ولا يلزم من هذا الرفع زخرفة وزركشة وألوان متعددة، لا ثم لا، بل إن ذلك منهي عنه في شريعة الإسلام، ينبغي أن يكون بناء المساجد بدون زخرفة، والزخرفة مأخوذة من الزخرف، وهو الذهب الذي يلمع، ويطلق هذا على الألوان الزاهية التي تشتت البصر، وتشغل القلب من حمرة وصفرة وألوان أخرى براقة، فما ينبغي أن يكون في هذا الرفع وهذا البناء زخرفة وزركشة، فهذا مما نهينا عنه في شريعة ربنا جل وعلا، ثبت في سنن أبي داود والترمذي وسنن الإمام النسائي ، والحديث رواه الإمام ابن حبان في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)، حتى يتباهي الناس في المساجد، أي: في زركشتها وفي تزيينها وفي زخرفتها وفي.. وفي..، (لا تقوم الساعة حتى يتباهي الناس في المساجد)، فلتكن مساجد بصفة شرعية لعبادة رب البرية.

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن القوم إذا انحرفوا عن شريعة الله زخرفوا المساجد وزينوها، ففي سنن ابن ماجة من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والحديث في إسناده شيء من الضعف لوجود جبارة بن المغلس فيه وهو ضعيف، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم)، ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم، أي: زينوها وموَّهوها بالألوان التي تشتت النظر وتفرق القلب.

    وفي صحيح البخاري معلقاً بصيغة الجزم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود والنصارى. أي: ستتبعون أثر من قبلكم في معابدكم لعبادة ربكم، فتجعلون فيها الألوان التي تشتت الأنظار، وتفرق القلب، فلا يجتمع حال عبادة الرب جل وعلا.

    ونقل البخاري عن أنس معلقاً بصيغة الجزم أيضاً أنه قال: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً. ونقل البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: كان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم مبنياً باللبن، وسقفه من جريد النخل، فأمر عمر رضي الله عنه ببنائه وتوسعته وقال: أكِن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. (أكنَّ الناس)، إما أنه يريد أن يخاطب نفسه فجعل من نفسه شخصاً آخر يخاطبه فقال: أكنَّ الناس، أي: أبني لهم كنّا يقيهم من المطر ومن حر الشمس، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس، وإما أنه قال هذا لعامله الذي أمره بتوسيع مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، أكنَّ الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس.

    الفرق بين زخرفة المساجد وبين إحكام بنائها وإتقان إنشائها

    عباد الله! تشييد المساجد له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون البناء محكماً قوياً متقناً متناسباً، له فراشٌ جيد يريح المصلي إذا دخل إليه، ليس فيه زخرفة وليس فيه ألوانٌ تشتت النظر، فهذا مشروع جائز، وهذا من الرفع الذي أمرنا به، وهذا الذي فعله الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، وهناك تشييد منهيٌ عنه، أن يكون هناك صورٌ وألوانٌ وزهورٌ وورود وغير ذلك تصبغ بها الجدران، بحيث من نظر إليها تشتت ذهنه وتفرق قلبه، فهذا منهي عنه، ثبت في صحيح البخاري معلقاً، والأثر وصله الإمام أبو داود بسند صحيح كالشمس في سننه من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان مسجد النبي عليه الصلاة والسلام مبنياً باللبن -وهي اللبن التي تصنع من الطين- وكان سقفه من جريد النخل، وكان عموده من خشب النخل، فبقيَ على ذلك في عهد أبي بكر رضي الله عنه ولم يغير فيه شيئاً.

    وثبت في سنن أبي داود : أن أبا بكر رضي الله عنه غير السواري فقط عندما دخل فيها السوس ونخرت، فغيرها بمثلها، غيَّر السواري التي هي الأعمدة من خشب النخل بسواري أيضاً من خشب النخل، لكنه ما زاد في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام شيئاً، فلما جاء عمر رضي الله عنه وكثر الناس وسَّع مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، لكن حافظ عليه كما كان، بناءٌ باللبن والسواري والأعمدة من خشب النخل، وسقفه من جريد النخل، فلما كان عثمان رضي الله عنه وعن الصحابة الكرام أجمعين، وكثر الناس، وفي سنن أبي داود : ونخرت أيضاً السواري بواسطة السوس الذي فيها، وسَّع المسجد توسعة عظيمة، وغيَّر البناء الذي كان عليه، فبناه بالحجارة المنقوشة والقصة، وهي الجص في لغة أهل الحجاز، وجعل أعمدته من حجارة منقوشة، وجعل سقفه من خشب الساج.

    فأكثر الناس من الكلام فنبههم وحذرهم، وإنما بناه عثمان رضي الله عنه وأرضاه بحجارة منقوشة بأشكال حسنة، ليس فيها ألوانٌ تشتت الأذهان، النقش الذي فيها إما أن تكون الحجارة مربعةً، مستطيلةً، مثلثةً، مُسَدسةً، بحيث تكون الحجارة في هذا المسجد متزنة متسقة مرتبة، ليس في ذلك بعثرة ولا تشويش، ليس في ذلك حرج، هذا من باب ترتيب بيوت الله وتعظيمها، بناها بحجارة منقوشة، ليست منقوشة بألوان وزخارف، إنما هي أشكال مرتبة في هذا المسجد، لا يوجد ما يفرق النظر، ولا ما يشغل القلب، لكن إذا نظرت رأيت ترتيباً وإحكاماً وصنعاً عجيباً بديعاً، هذا من التعظيم الذي أمرنا رب العالمين نحو بيوته التي ينبغي أن نبنيها له في هذه الأرض.

    فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]، أن ترفع حساً، أن تشيد، وأن تبنى بهذه الصفة الحسنة المكرمة، فإذا دخلت إلى بيت الله وجدت فرشه مريحاً، إذا كانت البلاد حارة بحاجة إلى تكييف وجدت التكييف فيه مريحاً، الإضاءة فيه جميلة كافية، وهكذا كل ما فيه يريح المصلي، ولا داعي بعد ذلك لألوانٍ ولا لإشغال أذهان المصلين.

    إذاً التشييد على نوعين: تشييد فيه تعظيم لبيت الله، وإحكام صَنعة وإتقانها، فحسنٌ لا محذور فيه، وتشييد يقصد منه زخرفة وزركشة وانشغال المصلي، فهذا الذي جاءت أدلة الشرع بالنهي عنه والتحذير منه، وهو الذي نهانا عنه نبينا صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود وغيره بإسناد صحيح من رواية ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إني لم أؤمر بتشييد المساجد)، أي: بزخرفتها وتزيينها بحيث يشتت ذلك ذهن الإنسان ويفرق قلبه، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]، ترفع حساً، تبنى تتميز عن بيوت الناس، وترفع معنى بأن تعظم وأن تقدر وأن تحترم وأن تصان من كل دنس وقذر حسي ومعنوي، وأن يجري فيها كل فضيلة، وأن تحترم في حال الدخول والخروج والمكث فيها والبقاء فيها.

    أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]، أن ترفع عن كل نقص بحيث يكون لها قدر لا يكون لمكانٍ آخر.

    1.   

    رفع بيوت الله بصيانتها مما يقذرها وينفر الناس منها

    فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]، حساً ومعنى، ورفع هذه البيوت معنىً ينتظم فيه أيضاً أمران: رفعها معنى بأمر محسوس، ورفعها معنى بأمر معنوي، أما رفعها حساً تقدم معنا أن نرفع بناءها، وأما هنا نرفع قدرها بشيء محسوس، أي: نصونها عن كل قذرٍ حسي، فبيوت الله لا ينبغي لها أن يقع فيها شيء من الروائح المنتنة، ولا شيء من النجاسات والقذر، ولا شيء من البصاق بحيث يكون عليها ويشوه منظرها، ويجعل الناس يتأففون من بيوت رب العالمين، كل هذا مما نهينا عنه.

    ولذلك ثبت في مسند الإمام أحمد ، والحديث رواه الإمام البخاري وأهل السنن الأربعة من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه الإمام مسلم من رواية أنس رضي الله عنه: (أن رجلاً دخل مسجد النبي عليه الصلاة والسلام على عهد النبي عليه الصلاة والسلام فبال في ناحية من المسجد، فزجره الصحابة ونهروه فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تزرموه -أي: لا تقطعوا عليه بوله- إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، ثم دعا بسجل من الماء فصبه على بول الأعرابي -وانتهى الأمر- ثم قال: أيها الرجل! إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والنجاسات، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن )، إذاً: تصان عن كل دنسٍ حسي، هذا من باب رفع المساجد معنى.

    ولذلك جاء في سنن ابن ماجه بإسناد قال عنه الإمام المنذري : قابلٌ للتحسين، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أخرج من المسجد أذى بنى الله له بيتاً في الجنة)، جعل إخراج الأذى من المسجد يعدل عمارة المسجد، من أخرج من المسجد أذى بنى الله له بيتاً في الجنة، فهذا رفعٌ وذلك رفع، هناك رفعٌ له حساً وهنا رفعٌ لها معنىً عن طريق الحس، رفع قدرها بتنظيفها من النجاسات والقاذورات الحسية، من أخرج من المسجد أذى بنى الله له بيتاً في الجنة.

    والحديث إخوتي الكرام أصله ثابت في الصحيحين من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه ابن خزيمة وابن ماجه في سننه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفيه: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام افتقد امرأة سوداء كانت تقم المسجد -أي: تكنسه وتنظفه- فلما سأل عنها قالوا: يا رسول الله! ماتت في الليل فكرهنا أن نؤذنك وأنت نائم -عليه صلوات الله وسلامه- فقال: دلوني على قبرها، فأتى قبرها وصلى عليها عليه صلوات الله وسلامه ).

    وفي رواية أبي الشيخ عن عبيد الله بن مرزوق بإسناد مرسلٍ صحيح: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى قبراً بين المقابر فقال: قبر من هذا؟ قالوا: قبر أم محجن التي كانت تقم المسجد وتكنسه، فقال عليه الصلاة والسلام: أفلا آذنتموني بموتها، فقالوا: ماتت بالليل فكرهنا أن نؤذنك، فصلى عليها النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال لها: يا أم محجن ! يا أم محجن ! يا أم محجن ! فقال الصحابة الكرام: يا رسول الله! وهل تسمعك؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منها، يا أم محجن ! أي عملك وجدته أعظم أجراً عند الله؟ فقالت: قم المسجد ). قم المسجد، كنس المسجد، تنظيف المسجد، صون المسجد من القذر الحسي، هذا مما أمرنا به نحو بيوت ربنا، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]، يرفع قدرها ومنزلتها بإخراج القاذورات منها.

    وقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بتنظيف المساجد، وكنسها وتطييبها، ففي مسند الإمام أحمد والسنن الأربع باستثناء سنن النسائي ، والحديث رواه ابن حبان وابن خزيمة في صحيحه عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب )، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب. قال سفيان بن عيينة عليه رحمة الله: المراد من الدور: القبائل، وإنما أطلق على القبائل لفظ الدور؛ لأن كل قبيلة كانت تسكن في بيوتٍ متعددة بحيث تكون تلك البيوت كأنها بيت واحد، فأمر إذاً أن تبنى المساجد في الدور، أي: كل قبيلة تبني لنفسها مسجداً بحيث لا يشق عليها أن تذهب إلى مسجدٍ آخر يبعد عنها، ففي ذلك مشقة أو ضياعٌ للجماعة.

    أمر أن تبنى المساجد في الدور، أي: في القبائل، أو في أحياء الناس، وقال الإمام البغوي : في الدور، أي: في محال الدور، أي: في الأمكنة التي توجد فيها الدور وتبنى فيها المساكن، أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وأن تطيب.

    1.   

    رفع بيوت الله بالتأدب فيها واحترامها

    إذاً: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]، حساً ببنائها، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]، معنىً برفع قدرها ومكانتها بأمر حسي فتصان من كل دنسٍ وقذرٍ ونجسٍ، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]، أن ترفع معنىً بأمر معنوي فلا يجري فيها لغط ولا كلام خسيسٌ باطلٌ، ولا بذاءةٌ ولا خناء، هذه بيوت الله جل وعلا ينبغي أن يكثر فيها ذكر الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كلُ ما فيها من دنسٍ معنوي ينفر ينبغي أن تنزه المساجد عنه.

    ثبت في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ، والحديث رواه أنسٌ وجابر وروايتهم في الصحيحين، والحديث رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أكل بصلاً أو ثوماً -وفي بعض الروايات: أو كراثاً- فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته؛ فإن الملائكة تتأذي مما يتأذى منه بنو آدم)، فمن أكل شيئاً له رائحة منتنة، ثم جاء إلى هذه البيوت فإنه ما رفعها وإنما وضعها وامتهنها واحتقرها، أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36]، وهكذا يقاس عليها كل ما له رائحة منتنة من دخانٍ فشا في هذه الأيام، فلا يجوز لك أن تدخل بيت الله إذا شربت هذا الدخان الذي تؤذي به الملائكة الكرام وعباد الرحمن، (إن الملائكة تتأذي مما يتأذى منه بنو آدم).

    رفع الصوت في بيت الله ما ينبغي أن يقع ولا أن يحصل، ثبت في صحيح البخاري عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: كنت في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فحصبني رجلٌ، أي: رماه بحصاة، يقول: فالتفت فإذا هو عمر بن الخطاب أيام خلافته، فدعاني ثم قال: ائتني بهذين، فأتيته بهما، فلما وقفا عليه قال: من أين أنتما؟ فقالا: من أهل الطائف من ثقيف، قال: والله لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً، ترفعان صوتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. رفع الصوت يقع في بيت الله، لكن تعذران لبعدكما عن ساحة العلم وساحة الأدب، والجاهل يرفق به ويعلم، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    وثبت في سنن النسائي بإسنادٍ صحيح: أن رجلاً رفع صوته في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه: ويحك! أتدري أين أنت؟! ويحك! أتدري أين أنت؟! من جالس الملوك يجالسهم بالأدب، فكيف من يجالس ملك الملوك رب العالمين في بيته الكريم؟! ويحك! أتدري أين أنت؟! فبيوت الله جل وعلا ينبغي أن تصان عن كل لهوٍ ولغوٍ، ثبت في صحيح ابن حبان من رواية أنس رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (سيكون في آخر الزمان أقوامٌ حديثهم في مساجدهم ليس لله فيهم حاجة).

    والحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان مرسلاً عن الحسن البصري رحمه الله ورضي عنه، قال: (سيكون في آخر الزمان أقوامٌ يتحدثون في مساجدهم بأمور دنياهم، فلا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة)، وقوله: ليس لله فيهم حاجة، أي: ليسوا من عباده الأخيار، وبرئت منهم ذمة العزيز القهار، ليس لله فيهم حاجة.

    إذاً: بيوت الله جل وعلا ينبغي أن ترفع، أمرنا الله برفعها حساً، وينبغي أن ترفع معنىً بكل أمر حسي، وبكل أمر معنوي، بهذا أمر الله جل وعلا عباده: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة:125]، وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج:26]، فأذن الله جل وعلا برفع هذه البيوت ببنائها ورفعها حساً، بتعظيمها واحترامها بكل أمر حسي، وبكل أمر معنوي، هذا الأمر الأول الذي أمرنا به نحو بيوت ربنا جل وعلا.

    وأما الأمر الثاني والثالث: وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِّجَالِ [النور:36-37]، وحال عباد الله الأخيار في بيوت العزيز الغفار يأتي الكلام عليه إن شاء الله في المواعظ الآتية إن أحيانا الله، أسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أقول هذا القول وأستغفر الله.

    1.   

    ابتهال ودعاء

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله خير خلق الله أجمعين، اللهم صلِّ على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين، وعن من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وفرج كروبنا، واقض حوائجنا يا أرحم الراحمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم اغفر لآبائنا ولأمهاتنا، ولمشايخنا، ولمن علمنا وتعلم منا، ولمن أحسن إلينا، ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين.

    عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].