إسلام ويب

تحفة المؤمن الموتللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، فالموت حقيقة واقعة لا مفر منها، ولكنه بالنسبة للمؤمن تحفة وهدية توصله إلى النعيم المقيم، والتمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وبالموت يخرج من حبس الدنيا وسجنها. ولذلك ينبغي للمؤمن الإكثار من ذكر الموت، والاستعداد له بالعمل الصالح والتوبة.

    1.   

    ما بين المؤمن والجنة إلا الموت

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً, أما بعد:

    إخوتي الكرام! تدارسنا في الموعظة الأولى شروط قبول العمل عند ربنا الرحمن، وقلت: هي الأمور الثلاثة الحسان؛ أولها: إيمان بذي الجلال والإكرام، وثانيها: اتباع لنبينا عليه الصلاة والسلام، وثالثها: إخلاص لله جل وعلا على الدوام، وإذا قام الإنسان بهذه الأمور الثلاثة فسيجني ثمرة عاجلة وآجلة، فهو في العاجل في الحياة الدنيا يحصل راحة وهداية، وهو في الآجل يوم القيامة يحصل أمناً وسعادة، وإذا انحرف الإنسان عن المسلك القويم، فما آمن بربنا العظيم، ولا اتبع نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام، ولا أخلص لأحكم الحاكمين سبحانه وتعالى، فيحصل في هذه الحياة حياة شقية، فسيصحبه هم لازم وتعب دائم وحسرة لا تنقضي، وسيعقبه بعد الممات شقاء أبدي سرمدي , نسأل الله حسن الخاتمة.

    إخوتي الكرام! وقلت في آخر الموعظة الماضية: إن الإنسان إذا حقق الشروط الثلاثة في أعماله، وجنى الثمرة العاجلة والآجلة بعد ذلك من عمله، سيظهر عليه علامات ولابد، هذه العلامات: أن قلبه سيتنور، وأن صدره سينشرح: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر:22]، وذلك الشرح له علامة كما بينت هذا، أنه يتجافى عن دار الغرور، ويجنح إلى دار الخلود، ويستعد للموت قبل نزوله، وختمت الموعظة السابقة بحديث نبينا صلى الله عليه وسلم من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وهو في درجة الحسن، وتقدم أن الحاكم أخرجه في المستدرك كما أخرجه الإمام البيهقي في شعب الإيمان، وأبو نعيم في الحلية، والإمام الطبراني في معجمه الكبير، وكما قلت إن إسناده حسن، ( تحفة المؤمن الموت ), فالموت تحفة كل مؤمن.

    والتحفة هي الهدية الثمينة التي يحصلها المهدى إليه من المهدي، فإذا تنور قلب الإنسان وانشرح صدره فسيشتاق إلى لقاء ربه، ولا يفتر لسانه من ذكر الموت، ويتطلع إلى لقاء ذي الجلال والإكرام، كيف لا وليس بيننا وبين دخول الجنة إذا آمنا بالله وأخلصنا له واتبعنا رسوله عليه الصلاة والسلام إلا أن نموت، والطريق الذي يوصلنا إلى الجنة وإلى لقاء حبيبنا محبوب، فالموت محبوب إلينا، ونسأل الله أن يجعل الموت لنا حبيباً يأتينا على فاقة عندما ينزل بنا، وأن يجعلنا ممن يحبون لقاء الله ويحب الله لقاءهم.

    إخوتي الكرام! إن المؤمن إذا اتصف بتلك الصفات ما بينه وبين لقاء رب الأرض والسماوات والتنعم بالنظر إلى نور وجهه إلا أن يموت، فالموت إذاً جسر يوصل الحبيب إلى حبيبه، وأعلمه يحبه المؤمن ويتطلع له، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الذي يؤمن بالله ويحافظ على طاعة الله، لا يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، وليس بينه وبين دخول الجنة إلا أن يموت، ثبت في صحيح ابن حبان ، والحديث رواه الإمام الطبراني في معجميه الكبير والأوسط، ورواه الإمام ابن السني في عمل اليوم والليلة من رواية أبي إمامة الباهلي، ورواه أبو نعيم في الحلية من رواية المغيرة بن شداد ، والحديث حسن في أقل درجاته، بل صححه عدد من أئمتنا، ورواية الإمام ابن حبان على شرط الإمام البخاري، قال أبو أمامة رضي الله عنه والمغيرة بن شعبة في رواية أبي نعيم في الحلية: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ).

    سبحان الله العظيم! فالموت محبوب إلينا، من واظب على قراءة آية الكرسي عبادة لله وإخلاصاً له واتباعاً للنبي عليه الصلاة والسلام عقيب كل صلاة مفروضة فما بينه وبين الجنة إلا أن يموت، فإذا مات دخل الجنة، والذي يوصلك إلى حبيبك محبوب، والموت يوصلك إلى لقاء علام الغيوب فهو محبوب، فإذا عملت صالحاً، ووجدت في عملك شروط العمل الصالح، فستشتاق ولا بد إلى لقاء الله جل وعلا، وتطير فرحاً إذا نزل بك، وتنادي بأعلى صوتك: واطرباه! غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه, عليه وعليهم صلوات الله وسلامه.

    وهذا الحديث كما قلت: لا ينزل عن درجة الحسن، بل صححه عدد من أئمتنا، وقد جازف الإمام ابن الجوزي عليه رحمة الله وتساهل فأودع هذا الحديث في كتابه الموضوعات وحكم عليه بالوضع، وهذا كما قال أئمتنا من تساهله ومجازفاته التي ترد عليه، والحديث لا ينزل عن درجة الحسن، وروي عن غير هذين الصحابيين المباركين أبي أمامة والمغيرة بن شعبة، فروي عن علي وعن جابر بن عبد الله وعن أنس وعن ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين، قال الإمام ابن القيم -نور الله مرقده، وفي غرف الجنان أرقده- في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد على نبينا صلوات الله وسلامه (1/ 303)، عند الأذكار التي تقال عقيب الصلوات، يقول: وهذه طرق يشد بعضها بعضاً، ويقوي بعضها بعضاً، وهي ترفع الحديث عن الوضع وتشهد أن للحديث أصلاً، ثم قال هذا الإمام المبارك: وقد بلغني عن شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه أنه قال: ما تركت قراءة آية الكرسي عقيب كل صلاة منذ بلغني هذا الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم.

    إذاً إخوتي الكرام! ما بيننا وبين أن ندخل الجنة -إذا آمنا لله وأخلصنا له واتبعنا نبيه عليه الصلاة والسلام- إلا أن نموت، وقد ألف بعض أئمتنا وهو الإمام السيوطي عليه رحمة الله -وتوفى سنة (911ه), من علماء القرن العاشر للهجرة- كتاباً جليلاً موجزاً، لكنه مختصر مفيد، حول هذه القضية, يشحذ عزم الإنسان في طاعة الرحمن، ويشوقه إلى لقاء ذي الجلال والإكرام، وسمى كتابه ببشرى الكئيب بلقاء الحبيب، والمراد من الحبيب هو الموت، فالموت حبيب؟ إي والله إنه لحبيب.

    بشرى الكئيب بلقاء الحبيب، والذي يوصل إلى الحبيب حبيب، والذي يوصلنا إلى لقاء ربنا، والنظر إلى نور وجهه الكريم هو الموت، فهو تحفة لكل مؤمن، والله إن نعمة الله علينا بالموت لا تقل عن نعمته علينا بالحياة، فإذا منّ الله علينا بالحياة وآمنا به، أتبع الله هذه المنة منة أخرى وهي الموت لنرى نور وجهه، وما طابت الدنيا إلا بمعرفة الله ومحبته، ولا تطيب الآخرة إلا برضوان الله والنظر إلى نور وجهه، ولذلك قال الحسن البصري عليه رحمة الله: لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم لذابوا، تطيش عقولهم، يصعقون ويهلكون، فالموت تحفة كل مؤمن، فإذا عملت صالحاً، ووجدت فيك الثمرات من راحة وهداية في الحياة، وأمن وسعادة بعد الممات، فستشتاق إلى لقاء رب الأرض والسماوات ولابد.

    1.   

    تقرير أن الموت تحفة المؤمن وحقارة الدنيا

    وحديثنا في هذه الليلة سيدور حول تقرير أن الموت تحفة لكل مؤمن، وسأقرر هذا من وجهين معتبرين، وفي الليالي الآتية إن أحيانا الله نتكلم عن استحباب الإكثار من ذكر الموت، وحكم تمني الموت، ثم أتبع ذلك بحديث مفصل عن أحوال الميتين في البرزخ، نسأل الله أن يحسن ختامنا، وأن يجعل خير أيامنا يوم لقاه.

    أما ما سنتدارسه في هذه الليلة: فهو إثبات أن الموت تحفة المؤمنين، وبالتالي يحبونه ويفرحون به، ويكثرون من ذكره فهو حبيب، والذي يغفل عن ذكره فليعلم أنه بينه وبين ربه تخليط وتفريط.

    الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر

    إخوتي الكرام! يقرر أن الموت تحفة المؤمنين، وأنهم يفرحون به ويتطلعون إليه أمران:

    أولهما: هذه الدنيا سجن المؤمن، وهذا قرره نبينا صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر )، والسجن لا يريد أحد أن يقيم فيه مهما أغدق عليه من النعيم فيه، لو قلت للسجين الذي يقيم في السجن: نغدق عليك أنواع النعم وتبقى في السجن، أم تذهب لتعيش في خيمة أو كوخ أو مغارة؟ لقال: أختار المغارة، فكيف إذا كان سينتقل من السجن إلى قصور فخمة عظيمة، إنه يتطلع إلى ذلك من باب أولى.

    رحمة الله على أبي علي الروذباري عندما يقول: لو كانت الدنيا دراً يفنى، والآخرة خزفاً يبقى، لكان ينبغي للعاقل أن يؤثر الخزف على الدر، فكيف والدنيا خزف يفنى والآخرة درّ يبقى! مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96]، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    لو كانت الدنيا دراً لكنه فان لآثر العاقل الفخار على الدر لأنه باق، فكيف إذا كان الفاني هو الفخار، والباقي هو الدر، حقيقة سيؤثر العاقل الدر ولا شك، وهنا كذلك: الدنيا زائلة فانية، ونعيمها مشوب بتنغيص وكدر، والآخرة دائمة باقية، ولا تنغيص فيها بوجه من الوجوه، فالدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.

    معنى أن الدنيا سجن المؤمن

    وإياك أن تفهم من السجن أن المؤمن ينبغي أن يتحقق فيه هذا المعنى, أو ينبغي أن يكون في شدة وبؤس وفقر وعناء. لا، لو صب على المؤمن ألوان النعم، وعاش في راحة تامة من ولادته حتى موته لكان في سجن، وقد جلى هذا المعنى الإمام الشافعي عليه رحمة الله عندما كان يركب بغلته ويحيط به تلاميذه في بلاد العراق في بغداد، فبينما هو يمر في السوق وهو على هذه الحالة الفخمة التي لا يشبهها حالة الملوك، وهؤلاء يعظمون ويحبون من أجل الله، وهذا هو الملك، وكان هارون الرشيد إذا نظر إلى بشر الحافي عندما يخرج ويتبعه أهل بغداد، يقول: هذا هو الملك، هذا يتبعونه من أجل الله، لا يتبعونه من أجل عرض الدنيا.

    الإمام الشافعي كان يقول عنه الإمام أحمد لـيحيى بن معين : هل جالست الشافعي ؟ قال: لا، قال: فرطت، والله ما عرفنا ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالسنا هذا الفتى من قريش.

    كان يركب البغلة وحوله تلاميذه، فدخل على السوق فاعترضه نصراني وأخذ بزمام بغلته وقال: أيها الإمام, أنتم تروون عن نبيكم عليه الصلاة والسلام: ( أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر )، فأسألك بالله من منا في سجن ومن منا في جنة؟ وكان هذا النصراني يعمل في خياطة الأحذية وإصلاحها، والإمام الشافعي يحيط به التلاميذ على بغلة، والدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فمن منا في سجن؛ النصراني أو الإمام الشافعي ؟ ومن منا في جنة؟

    فأطرق الإمام الشافعي وقال: يا عبد الله؛ لو علمت ما أعد الله لك من العقوبة لو بقيت على كفرك لعلمت أنك في جنة، ولو علمت ما أعد الله للمؤمنين من الكرامة في الجنة لعلم أنه في الدنيا في سجن، فقال النصراني: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

    لا يعني أن المؤمن في سجن أنه فقير وممتهن وحقير ويضرب ويؤذى، إنما يكفي أنه محبوس عن حبيبه، ولا يرى نور وجه الله إلا في جنة هي دار الكرامة، وأي سجن أعظم من هذا؟ كما أن من يسجن في هذه الحياة يحبس عن أحبابه، إذا حبست عن زوجتك تشتاق إليها، فكيف هذه الدنيا تحبسك عن رؤية نور وجه ربك جل وعلا، ألا تشتاق إليه؟ ألا تشتاق إلى رؤية نبيك صلى الله عليه وسلم؟ والله نتمنى أن نراه بأنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا، فكيف برؤية ربنا؟! وما الذي يوصلنا إلى رؤية ربنا وأنبيائه الكرام عليهم الصلاة والسلام؟ الموت، فالموت تحفة كل مؤمن، وهو حبيب يأتي على فاقة، وهو جسر يوصلنا إلى حبيبنا، فالدنيا سجن لنا عن تلك النعمة.

    إخوتي الكرام! إن الدنيا بقضها وقضيضها، وزينتها وبهجتها, هي كما أخبر ربنا عن مؤمن آل فرعون في سورة غافر في سورة المؤمن: متاع، وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ [غافر:39]، والمتاع: هو ما يتمتع به في وقت قصير ثم يزول، ينتفع به في وقت قصير، أكلت الطعام ففني، لبست الثياب فبليت، هذا هو المتاع، هذا ليس بمخلد ولا باق، فشبابك يعتريه هرم، وأما هناك فتشب فلا تهرم أبداً، وتصح فلا تسقم، لا يفنى شباب الإنسان ولا تبلى ثيابه في جنة النعيم، وأما هنا: وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر:39]، أتى بضمير القصر، وعرف المبتدأ، وجعل الخبر بعد ذلك عند إضافته للمعرف معرفاً، وتعريف الركنين مع توسط ضمير الفصل بينهما يفيد إثبات هذه الصفة للدار وهي القرار والبقاء على وجه التمام والكمال، فهي قرار لا يزول، والأصل أن الآخرة دار قرار، وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ [غافر:39-40].

    الدنيا متاع زائل

    إذاً: هذه هي الحياة الدنيا؛ متاع، فهي سجن لنا، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى، ففي صحيح مسلم من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( الدنيا متاع )، أي: يتمتع به في وقت قصير، قال: ( وخير متاعها المرأة الصالحة )، وأنت ستموت، والمرأة الصالحة ستموت، والدنيا ستفنى، إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [مريم:40].

    بنى بعض الملوك قصراً، فبعد أن انتهى من بنائه أمر الناس بدخوله وإبداء ملاحظات عليه، وقال: لمن يعطي ملاحظة قيمة جائزة قيمة.

    فكان الناس يدخلون ويحارون في الإحسان الذي في القصر، ويخرجون متعجبين معجبين، فمرّ أعرابي ورأى الناس يدخلون إلى هذا القصر وحوله زحام، قال: ما الخبر؟ قالوا: هذا بيت الملك ومن له عليه ملاحظة له جائزة، قال: عليه ملاحظتان.

    قيل: أنت أعرابي! ما عندك معرفة بهذه القصور، تقول: على هذا القصر ملاحظتان، قال: عليه ملاحظتان، خذوني إلى ملككم، فلما دخل على الملك قال له الملك: أنت لك على القصر ملاحظتان؟ قال: نعم، مالكه سيموت والقصر سيفنى.

    وكان عمر بن عبد العزيز عليه رحمة الله عندما يطلب من الوعاظ أن يعظوه أول كلمة يقولونها: يا عمر ! اعلم أنه مات قبلك خلفاء، فلست بأول خليفة ستموت، فجهز نفسك.

    صاحب القصر سيموت والقصر سيفنى، فصار في قلب الملك موعظة وبكى، ولا خير فينا إذا لم نكثر من ذكر الموت، ولم يوص بعضنا بعضاً به!

    وقد بين لنا نبينا صلى الله عليه وسلم حقارة الدنيا وخستها، وقارنها بالآخرة بهذا المثال الحسي الذي يعرفه كل أحد، ففي صحيح مسلم أيضاً من حديث مستورد بن شداد رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما الدنيا في الآخرة )، أي: مثل الدنيا في جنب الآخرة، ( إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع )، أدخل أصبعك في البحر ثم أخرجها ماذا تنقص من ماء البحر؟ ولا شيء، الدنيا على سعتها وما فيها من نعمة ليست في جانب الآخرة إلا كما لو أدخلت أصبعك في البحر ثم أخرجتها.

    ولذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم يوجه أنظار الصحابة وأنظار الأمة إلى التطلع إلى العيش الحقيقي في الدار الحقيقية، وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64]، هي دار الحياة, هي دار البقاء، أما هذه فدار فناء، ودار عناء، فعندما تنتقل من دار الفناء والعناء إلى دار البقاء والهناء، الذي ينقلك من الشقاء والعناء والفناء أوليس هو بحبيب؟! أوليس هو تحفة؟! وهذا هو الموت.

    لا عيش إلا عيش الآخرة

    ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس رضي الله عنه قال: ( خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق والصحابة يحفرون ويرتجزون ), رضوان الله عليهم أجمعين، اللهم إنا نتقرب إليك بحبهم، ونسألك أن تنزل اللعنات المتتابعة على من يسب واحداً منهم أو يبغضه، صحابة النبي عليه الصلاة والسلام مقام أحدهم ساعة مع النبي عليه الصلاة والسلام خير من عبادة أحدنا ألف سنة، يرتجزون وهم يحفرون الخندق، ويأتي عشرة آلاف مقاتل من قريش يستغفلون الإسلام في ذلك الزمان، يحفرون هذا الخندق ليحولوا بين المشركين وبين دخولهم إلى المدينة المنورة على نبينا صلوات الله وسلامه، وهم يرتجزون عندما يحفرون ليخففوا عن أنفسهم عناء الحفر، وليخبروا أيضاً عن موقفهم نحو نبيهم عليه الصلاة والسلام، فيقولون:

    نحن الذي بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا

    فكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا رآهم يقولون هذا يقول: ( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة )، هناك العيش الحقيقي، وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64]، فالذي ينقلك إلى العيش الهنيء يكون محبوباً أو مكروها؟!

    ( الموت تحفة كل مؤمن )، فإذا كنت تحبه وتفرح به وتتطلع إليه وشروط العمل الصالح فيك فهنيئاً لك، وإلا فابك على نفسك، إذا ذكر الموت يصفر لونك وتكرهه نفسك وتقول: دعونا من هذا، كما يقول بعض الحمقى: لا تقطعوا قلوبنا، أي تقطيع للقلب؟! هذا يشوقنا إلى لقاء ربنا عز وجل، هذا إذا لم يذكر في اليوم مرات معك، بينك وبين أهلك ومع أصحابك, فلا خير فيك ولا في بيتك، هذا الموت سيأتينا، ( أكثروا من ذكر هاذم اللذات )، لا يريد أن تذكره فقط، لابد من الإكثار، وأن تلهج به، هذا طريق يوصلك إلى حبيبك, وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يوصي الصحابة بذلك.

    كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل

    ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري ، والحديث رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وكما قلت: إنه في البخاري ، فهو صحيحٌ صحيح، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ( أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبي -وذلك ليستحضر عبد الله هذه الوصية وليعتني بها-، فقال: يا عبد الله ! كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل )، ليست وطناً، هذه ليست داراً، وكان عبد الله بن عمر يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.

    هذا لفظ البخاري ومن معه، وزاد الإمام الترمذي والإمام أحمد في المسند في لفظ النبي عليه الصلاة والسلام: ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور ).

    وزاد الترمذي في روايته من كلام ابن عمر: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك، فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غداً، أي هل أنت حي أو ميت؟ لا تدري، وكم من إنسان يخرج من بيته ولا يعود!

    وأنا في الطريق العام حادث سيارة وقع الإنسان مقتولاً ميتا! سبحانك ربي، يخرج الإنسان من بيته فلا يعود, إما إلى جنة وإما إلى نار، نسأل الله حسن الختام، وعدّ نفسك من أهل القبور.

    وفي كلام ابن عمر: فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غداً، وكلام ابن عمر الموقوف عليه أورده ابن حبان في صحيحه من كلام نبينا عليه الصلاة والسلام، فالحديث كله من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، انتبه لكلام النبي عليه الصلاة والسلام الذي في البخاري: ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل )، أحد أمرين:

    الأول: الغريب: لا يستوطن في غربته ويبني، الذي يأتي من بلاد غير هذه البلاد، لو جاء من بلاد الشام أو من مصر أو من اليمن هل يبني في قطر؟ لا، ما يدخره يرسله إلى بلده ليبنى له بيتٌ هناك، وأنت في هذه الدنيا غريب، وصلوات الله وسلامه على نبينا وعلى عيسى نبي الله وروحه عندما يقول عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه كما في كتاب الزهد للإمام أحمد ، يقول: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها، ثم قال: يا معشر الحواريين! أيكم يبني على أمواج البحر؟!

    ( كن في الدنيا كأنك غريب )، والغريب يأخذ في غربته ما يسد حاجته، ويرسل الزائد إلى وطنه، وأنت الذي يزيد من مالك وحياتك ووقتك قدمه بين يديك إلى الآخرة.

    الأمر الثاني: أو عابر سبيل، وهذه أشد وأشد، إذا كنت عابر سبيل، أي مسافر في طريق فهل تبني وتستقر؟ أو أنت مشغول في السفر؟ لا تبني ولا تستقر، هذه وصية النبي عليه الصلاة والسلام لهذا العبد الصالح وهي وصية لنا، فإذا كنت غريب فستتطلع إلى وطنك ووطننا الجنة، خلقنا للبقاء لا للفناء، وإذا كنت مسافراً تنتظر الوصول إلى بلدك وبلدنا الجنة.

    ولذلك الموت هو تحفة المؤمنين، ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل )، وفي رواية المسند والترمذي : ( وعدّ نفسك من أهل القبور )، ثم كان ابن عمر يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك، فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غداً.

    زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا

    هذه الوصية التي كان نبينا عليه الصلاة والسلام يوصي أصحابه بها، هو أول من طبقها على نفسه عليه صلوات الله وسلامه، انظروا لحاله في هذه الدنيا وتطلعه إلى لقاء ربه، ثبت في مسند الإمام أحمد والترمذي وسنن ابن ماجه ، والحديث إسناده صحيح كالشمس، من رواية عبد الله بن مسعود، قال: ( نام النبي صلى الله عليه وسلم على حصير فانحسر إزاره عن بطنه عليه صلوات الله وسلامه, فأثر الحصير في بطنه ), أي: ظهرت خيوط الحصير وعيدانه في بطنه عندما لم يكن بينه وبين الحصير إزار يستر جسمه عليه صلوات الله وسلامه، فقال له الصحابة الكرام: لو اتخذنا لك وطاء: عباءة نفرشها على الحصير لتنام عليها؟ فقال عليه صلوات الله وسلامه: ( ما لي وللدنيا؛ إنما أنا كراكب استظل في ظل شجرة ثم راح وتركها ).

    وهذا الحديث إخوتي الكرام! رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه والبيهقي من رواية ابن عباس رضي الله عنهما، ورواه الإمام ابن ماجه والحاكم في المستدرك عن ابن عباس من رواية عمر رضي الله عنهم أجمعين، ورواه ابن حبان في الصحيح من رواية أنس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين, وفيه أن عمر دخل على النبي عليه الصلاة والسلام وهو في حجرة ضيقة يقول: كأنها بيت حمام، أي: كأنها بيت للاستحمام من الحر, وليس فيها مروحة أو مكيف عليه صلوات الله وسلامه، فقال عمر بعد أن نظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام وبكى، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ( ما يبكيك يا عمر؟ ) فقال: يا رسول! أنت خير خلق الله وفي هذه الحالة، وكسرى وقيصر في الحرير والديباج والإستبرق؟! فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعمر : ( يا عمر: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة )، ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ).

    الدنيا دار من لا دار له

    إخوتي الكرام! هذه وصية النبي عليه الصلاة والسلام لأمته: ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل )، فتطلع إلى لقاء الله، وأكثر من ذكر الموت الذي يوصلك إلى ذلك، وكان هو يطبق هذا على نفسه عليه صلوات الله وسلامه، وهذه الدنيا حقيقة لا يركن إليها ويتخذها داراً إلا من لا عقل له، ولا يتنافس في جمع حطامها إلا من لا مال له ولا منزلة عند الله جل وعلا، ثبت هذا المعنى عن نبينا عليه الصلاة والسلام في مسند الإمام أحمد، وكتاب شعب الإيمان للإمام البيهقي ، وإسناد الحديث جيد، عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له )، وزاد الإمام البيهقي في روايته: ( ومال من لا مال له ).

    وحقيقة إذا كنت تجمع لها لا للآخرة، وتتنافس في جمعها فتجمع وتمنع، ويشغلك هذا عن طاعة الله عز وجل، ولا تنفق آناء الليل وأطراف النهار، فهذا مما دل على عدم عقلك، هذا سيؤخذ منك عما قريب، يصاب محب الدنيا وجامعها عند موته بمصيبتين: يؤخذ منه ماله كله، ويسأل عن ماله كله.

    أخذ منه ثم تعال إلى السؤال بعد ذلك: من أين جمعت؟ وماذا عملت فيما جمعت؟

    فهل يحب الإنسان البقاء فيها؟! والله لو كان من المؤمنين لتطلع إلى لقاء رب العالمين، لأن الدنيا من أولها لآخرها لا تعدل عند الله شيئاً.

    ثبت في المسند وسنن الترمذي وابن ماجه من رواية سهل بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها جرعة ماء )، فهل يحب المؤمن فيها البقاء؟! يبقى في دار العناء والبلاء، أو يتطلع إلى لقاء رب الأرض والسماء، إن الموت تحفة للمؤمنين إذا آمنوا بالله حقاً وصدقاً.

    1.   

    أكيس الناس في الدنيا

    إخوتي الكرام! أكيس الناس في هذه الحياة وأعقلهم هم الذين جعلوا الدنيا مركوباً لهم إلى ربهم.

    وأكيس الناس وأعقل الورى هم الذين زهدوا فيما ترى

    إذ نبذوا الدنيا لعلمهم بها ورغبوا في أختها لقربها

    وهي الآخرة.

    وتقدم معنا أن الدنيا اسم لكل ما شغلك وألهاك عن الله، وليس معنى الدنيا ألا يكون في يديك مال؟ لا ثم لا، إنما شتان بين أن يكون المال عبداً لك ومطية إلى ربك، وبين أن تكون له عبداً ومطية له إلى نار جهنم، شتان شتان، ليست المسألة بأنه يملك أو لا يملك، المسألة هل قلبه متعلق بها وتلهيه عن الغاية التي خلق من أجلها أم لا؟ هذه هي المسألة، وكما قلت في الموعظة السابقة: نعم المال الصالح للرجل الصالح.

    إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

    نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا

    جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا

    وقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن أكيس الناس في هذه الحياة هم من يكثرون من ذكر الموت, ويتفكرون فيما سيؤول إليه حالهم بعد الممات، ثبت في سنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم، والحديث رواه الإمام الطبراني في معجمه الصغير، ورواه الإمام البيهقي في الزهد من رواية ابن عمر رضي الله عنهما، أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ( من أكيس الناس؟ ) أي من أعقلهم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ( أكثرهم للموت ذكراً، وأحسنهم له استعداداً )، أكيس المؤمنين وأعقلهم من يكثر من ذكر الموت ويستعد له.

    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الصحابي إذا أثني عليه: هل يكثر من ذكر الموت أم لا؟ ثبت في معجم الطبراني الكبير بسند حسن، من رواية سهل بن عبد الله رضي الله عنه قال: ( مات رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأثنى عليه الصحابة ووصفوه بالجد والاجتهاد في العبادة وطاعة الله عز وجل، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن أمرين فقال: هل كان صاحبكم يكثر من ذكر الموت؟ قالوا: لا، قال: هل كان صاحبكم يترك كثيراً مما يشتهي؟ )، أي: إذا تطلعت نفسه لشهوات الدنيا حتى المباح يتركها ويزمها بزمام التقوى، ويؤثر الآخرة على الأولى، أو ينهمك في اللذات والشهوات، ( قالوا: لا، لا يكثر من ذكر الموت، ولا يترك كثيراً مما يشتهي )، والله قد عير الكفار بقوله: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا [الأحقاف:20]، وكلما اشتهى أحدنا شيئاً أكله، لا ثم لا، لابد من أن تقدم شيئاً بين يديك إلى ربك جل وعلا، ولذلك من شروط الولاية الكاملة أن يفعل الإنسان الواجبات والمندوبات، وأن يترك المحرمات والمكروهات، وألا ينهمك في المباحات والملذات، فهذه الدنيا ليست بدار تلذذ، تلذذك في الآخرة في نعيم الجنات، إنما تأخذ هنا بمقدار الكفاية، ( هل كان يترك كثيراً مما يشتهيه؟ قالوا: لا, فقال عليه الصلاة والسلام: ما بلغ صاحبكم كثيراً مما تقولونه )، أي الذي تقولونه فيه، وتثنون عليه، وأنه له جد واجتهاد في العبادة.

    وفي رواية البزار عن أنس رضي الله عنه قال: ( أثني على رجل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: كيف ذكر صاحبكم للموت؟ قالوا: لا يذكره، قال: ليس هنالك )، أي: لا تثنوا عليه، لو كان قلبه يتعلق بلقاء الله لأكثر من هذا.

    وحقيقة يفكر كل واحد منا في نفسه، عندما يتطلع إلى لقاء حبيبه، كيف لا يفتر لسانه عن ذكره، وأحب حبيب لدينا ربنا جل وعلا، ألا نشتاق لرؤية نور وجهه الكريم سبحانه وتعالى، والطريق إلى ذلك هو هذا الموت.

    1.   

    وصية أبي بكر لعمر رضي الله عنهما

    فلذلك إخوتي الكرام! لو قام الإنسان بالعمل الصالح على التمام وجنى الثمرة، فحصل راحة وهداية في الحياة, سيتطلع للقاء رب الأرض والسماوات، ولا يفتر لسانه عن ذكر الموت ولابد، وإذا قصر في ذلك سيكون الموت إليه مكروهاً، ثبت في كتاب حلية الأولياء (1/36) في ترجمة سيد صديقي هذه الأمة والأمم السابقة سيدنا أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه: أن أبا بكر رضي الله عنه عندما حضرته الوفاة كتب إلى عمر عندما استخلفه على المسلمين وصية هذا نصها: اتق الله يا عمر، أي: أنت ستكون خليفة للمسلمين بعدي.

    اتق الله يا عمر، واعلم أن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل، وحقاً بالليل لا يقبله بالنهار، واعلم أن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة.

    ثم قال له أبو بكر رضي الله عنه في هذه الوصية المباركة: وإن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم، فإذا ذكرتهم خشيت ألا أكون منهم، وإن الله ذكر أهل النار بأسوأ أعمالهم ورد عليهم حسناتهم، فإذا ذكرتهم رجوت الله ألا أكون منهم، وإنما فعل الله ذلك ليكون العبد راغباً راهباً، لا يتمنى على الله ولا يقنط من رحمة الله.

    ثم قال له أبو بكر: فإن أنت حفظت وصيتي يا عمر فلن يكون غائب أحب إليك من الموت وستلاقيه، وإن ضيعت وصيتي فلن يكون غائب أبغض إليك من الموت وهو مدركك ولست بمعجزه. أي: إذا حفظت هذه الوصية فأحب حبيب إليك هو الموت، وإن ضيعتها فأكره ما تكرهه هو الموت.

    1.   

    أبو حازم وسليمان بن عبدالملك

    هذا حال الإنسان عندما يتقن العمل، ثبت في سنن الدارمي في المقدمة وبوب عليه الإمام الدارمي باباً عظيماً فقال: باب إعظام العلم، ثم روى قصة طويلة في قرابة صفحتين في (1/155)، أن الخليفة في زمنه سليمان بن عبد الملك عندما قدم إلى المدنية المنورة على نبينا صلوات الله وسلامه، طلب من علماء المدنية أن يأتوا يسلموا عليه, فجاءوا جميعاً غير واحد من أئمة المسلمين وهو أبو حازم سلمة بن دينار شيخ الإسلام في زمنه، فسأل: هل بقي أحد لم يأت للسلام عليّ؟ قالوا: أبو حازم ، فاستدعاه، فلما جاء قال: ما هذا الجفاء يا أبا حازم؟ قال: وأي جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين؟ قال: ما جئت للسلام عليّ, قال: لا أعرفك وليس بيني وبينك صلة.

    فقال له سليمان: عظني؟

    فقال: يا أمير المؤمنين! إن آباءك أخذوا هذا الأمر عنوة من غير مشورة من المسلمين، وقد قتلوا في ذلك مقتلة عظيمة، وقد أفضوا إلى ما قدموا، فليت شعري لو تدري ما يقولون وما يقال لهم.

    فبكى سليمان، ثم قال: يا أبا حازم ! علام نكره القدوم على ربنا؟

    قال: لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم، فأنتم تكرهون الخروج من العمران إلى الخراب.

    فبكى سليمان، فقال: يا أبا حازم ! ليت شعري ما لنا عند ربنا؟

    قال: اعرض نفسك على كتاب الله، تعلم مالك عند الله، قال: أين أجده؟ قال: في قول الله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14].

    يذكر أئمتنا في ترجمة العبد الصالح بلال مؤذن رسولنا على نبينا وعلى أصحابه صلوات الله وسلامه، أنه عندما احتضر صاحت زوجه: واحزناه! فقال: واطرباه! واشوقاه! غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه, عليه صلوات الله وسلامه.

    وهذا شيخ المسلمين الإمام عبد الله بن المبارك الذي توفي سنة (281ه), عندما نزل به أجله ضحك بعد أن شخص ببصره إلى السماء، وتلا قول الله: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:61].

    إخوتي الكرام! فلابد من إعداد العدة لنتهيأ للقاء الموت إذا حل علينا ونزل بنا، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الكيس فينا من يعد العدة، ويأخذ للموت أهبته، ثبت في سنن الترمذي وابن ماجه ومستدرك الحاكم من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها, وتمنى على الله الأماني )، والحديث في درجة الحسن.

    فالكيس العاقل الفطن اللبيب الزكي الذكي من حاسب نفسه واستعد لما بعد الموت، وما فتر لسانه من ذكره، والعاجز من أتبع نفسه هواها, وتمنى على الله الأماني.

    1.   

    اغتنام الحياة في طاعة الله

    إخوتي الكرام! لابد من اغتنام هذه الحياة في طاعة رب الأرض والسماوات، لنفرح بالموت إذا حل علينا ونزل بنا، ثبت في صحيح البخاري وسنن الترمذي، والحديث في سنن ابن ماجه من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ ).

    مغبون: خاسر مفرط، صحتك تضيعها بلا فائدة، والفراغ الذي عندك يذهب سدى، ولا تذكر الموت ولا تستعد له، فأنت مغبون.

    كن مغبوطاً ولا تكن مغبوناً، الناس نحو صحتهم ووقتهم إما أن يغبطوا، وأن يتمنى الناس مثلما حصلوا، وإما أن يغبنوا ويخسروا، ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ ).

    وقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نغتنم حياتنا وشبابنا وصحتنا، ففي مستدرك الحاكم وكتاب أبن أبي الدنيا ، والحديث إسناده صحيح من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وشبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك ).

    وقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نستعد ليوم القيامة، وأخبرنا أن العبد لا تزول قدماه في ذلك اليوم العصيب الرهيب حتى يسأل عن عمره وعن ماله وعن شبابه وعن علمه، ففي سنن الترمذي ومسند الدارمي ، والحديث إسناده حسن, وهو صحيح من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه ).

    1.   

    تكفير الموت لأوزار المؤمن

    إخوتي الكرام! هذه الأمور بأجمعها تقرر أن الموت تحفة للمؤمنين، وأما الأمر الثاني: الموت تحفة للمؤمنين وهدية من رب العالمين، لأنه مع ما فيه من غصص وشدائد وكرب يطهرنا من ذنوبنا وأوزارنا، وقد جعله الله مصيبة، أي: في نفسه مع كونه هدية، وجعل هذه الهدية مصيبة تكفر عنا الأوزار، يقول الله جل وعلا في كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ [المائدة:106]، هذه مصيبة، وعندما يصاب الإنسان ببدنه يثاب عند ربه، ولا حرج أن يموت البدن، إنما العار أن يموت القلب، وأن يحجب عن الرب، موت القلب معيبة عليها العقاب، وموت الموت مصيبة عليها الثواب، فهو هدية.

    وقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن الموت يكفر الذنوب والأوزار، ففي كتاب الحلية لـأبي نعيم ، والحديث رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، ورواه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الموت كفارة لكل مسلم )، والحديث صححه الإمام أبو بكر ابن العربي صاحب كتاب عارضة الأحوذي وهو من علماء القرن السادس للهجرة، وقال: إسناده حسن صحيح، وقد ضعفه الإمام ابن الجوزي كما ضعف أول حديث ذكرته في هذه الموعظة، وقال الإمام زين الدين عبد الرحيم الأثري في كتابه: المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج أحاديث الإحياء، وهو مطبوع مع الإحياء (4/383)، يقول هذا العبد الصالح: وقد جمعت طرق هذا الحديث في جزء، وكأنه يشير بذلك إلى أن طرقه كثيرة فتتقوى ببعضها فلا ينزل عن درجة الحسن والقبول.

    ( الموت كفارة لكل مسلم ), فهو مصيبة, وهذه المصيبة تكفر عنك الذنوب والأوزار، فهو هدية وتحفة من العزيز الغفار.

    1.   

    مطهرات المؤمن من الذنوب

    إخوتي الكرام! قرر أئمتنا الأبرار أن الممحصات التي تمحص الإنسان من ذنوبه وأوزاره تسعة، إذا محص بها وهذب ونقي لم يدخل النار ولم يصلها، وإذا ما محصته لكثرة ذنوبه وأوزاره، فسيدخل -بمشيئة الله- الكير وهو نار السعير ليتطهر بعد ذلك، ثم يقال له: ادخل الجنة خالداً، هذه الممحصات ثلاثة دنيوية، وثلاثة برزخية، وثلاثة أخروية.

    أما المطهر الأول في الدنيا: التوبة والاستغفار، فمن تاب تاب الله عليه، والثاني: الحسنات الماحية، إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، والثالث: المصائب المكفرة، ( ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة )، وإذا شيك بشوكة كفر بها من خطاياه، وهذا المعنى متواتر عن نبينا عليه الصلاة والسلام، هذه ثلاث مطهرات في الدنيا، فإذا لم يطهر يأتي للدار الآخرة البرزخية، أول مطهر فيها الموت وغصصه، ولقاء ملك الموت أشد من ثلاثمائة ضربة بالسيف، وهذه الشدة حتماً تكفر الذنوب، ولذلك عندما يلتقي الميت بملك الموت يذهل بدنه؛ لأن المطلوبة هي الروح، ووالله لو أن الذي يعذب هو البدن، وأذن لبدنه بالحركة لصاح صياحاً يصدع الجبال ويسقط العمارات، لكن المطالب هو الروح، والروح هذا من عالم الآخرة كما سيأتينا إن شاء الله عند مصير الأرواح ومصير الإنسان في البرزخ لأبحث شيئاً من أحوال الروح وعجائبها, وكيف تكون هذه الروح في دور أربعة يعيش فيها الإنسان، في بطن أمه وفي الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، ويتحقق قول الله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].

    نسأل الله أن يجعل الموت آخر مطهر لنا، ونسأل الله أن يجعل الموت حبيباً لنا إذا نزل بنا، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.