إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. المرابطون في بيوت الله [11] - إجلال الله وتعظيمه

المرابطون في بيوت الله [11] - إجلال الله وتعظيمهللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صفة الخوف صفة بارزة بين صفات أولئك الرجال الذين أشاد الله بذكرهم في سورة النور، وصفة الخوف كغيرها من الصفات؛ لها أسبابها وأنواعها، ومن أجل أنواع الخوف الخوف من الله تعظيماً وإجلالاً له، والطريق إلى ذلك ميسر والحمد لله، فمن عرف نفسه حقيقة عرف قدر ربه فيورثه ذلك تعظيماً وإجلالاً لله، وكذلك أيضاً يتحصل ذلك بمعرفة صفات الله، ومنها: صفة العلم والقدرة والغنى والجود والعظمة وغيرها من صفات الله الجليلة العظيمة.

    1.   

    أبرز صفات وخصال من سموا بالرجال في سورة النور

    الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3] .

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد: معشر الإخوة الكرام! إن المساجد هي أفضل البقاع، وأحبها إلى رب الأرض والسماء، ففيها نوره وهداه، وإليها يأوي الموحدون المهتدون، وحقيقةً هم الرجال الذين يتصفون بأطيب الخصال، فهم الذين لا تلهيهم البيوع والتجارات عن طاعة رب الأرض والسماوات، وهم الذين يعظمون الله فيسبحونه ويصلون له، وهم الذين يشفقون على عباد الله ويحسنون إليهم، وهم الذين يخافون من ربهم ويستعدون للقائه، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:36-37] .

    نعم إخوتي الكرام! هؤلاء هم الرجال حقاً، أحسنوا صلتهم بربهم عز وجل، وأحسنوا صلتهم بعباد الله، فعظموا الله جل وعلا، وأشفقوا على عباد الله، ومع ذلك اتصفوا بالخوف من الله جل وعلا والوجل منه، وهذا من علامة سعادتهم، كما قال العبد الصالح أبو عثمان النيسابوري وهو سعيد بن إسماعيل الذي توفي سنة ثمان وتسعين ومائتين للهجرة، يقول هذا العبد الصالح: من علامة سعادة الإنسان: أن يعمل الصالحات، وأن يطيع رب الأرض والسماوات، ويخاف أن يكون مردوداً مطروداً. ومن علامة شقاوة الإنسان: أن يعمل السيئات، ويرجو بعد ذلك أن يكون مقبولاً.

    وهؤلاء العباد عظموا الله عز وجل، وأحسنوا إلى عباد الله، وأشفقوا عليهم، ومع ذلك يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار.

    إخوتي الكرام! وهذه الصفة الرابعة التي نعتهم الله بها في القرآن كنا نتدارسها، وقلت: سنتدارسها ضمن مبحثين اثنين: حول الخوف، وحول يوم القيامة.

    1.   

    وقفات مع الخوف من عظمة الله وجلاله

    أما الخوف فقد ذكرت أننا سنتدارسه أيضاً ضمن أربع مراحل: مضى الكلام على ثلاث منها، فيما يتعلق بتعريف الخوف، ومنزلة الخوف في شريعة الله، وثمرة الخوف وما يحصله الخائف من ربه من ثمرات طيبة في العاجل والآجل؛ في الدنيا والآخرة، وبقي علينا الأمر الرابع المتعلق بالخوف ألا وهو أسباب خوف المكلفين من رب العالمين.

    إخوتي الكرام! إن أسباب الخوف كثيرة وفيرة، وهي على تعددها قد تحصر في ثلاثة أسباب:

    أولها: تعظيم الله جل وعلا وإجلاله.

    وثانيها: الخشية من التفريط الذي يتصف به الإنسان نحو ذي الجلال والإكرام سواء كان ذلك التفريط متعلقاً بفعل الطاعات أو بارتكاب المحظورات.

    والسبب الثالث من أسباب الخوف -وهو الذي يقطع قلوب الصالحين والصديقين-: خشية سوء الخاتمة.

    فهذه الأسباب الثلاثة تدعو هؤلاء الرجال إلى الخوف من ذي العزة والجلال: تعظيم الله جل وعلا، وخشية تفريطهم في جنب ربهم جل وعلا، وبعد ذلك لا يعلمون بأي شيء سيختم لهم.

    وهذه الأسباب الثلاثة سنتدارسها إن شاء الله في هذه الموعظة وفيما بعدها، فلنتدارس في هذه الموعظة السبب الأول منها: إجلال الله وتعظيمه.

    إخوتي الكرام! هؤلاء الرجال يجلون الله جل وعلا ويعظمونه؛ لأنه عظيم؛ ولأنه جليل، وينبغي لهذا العبد الفقير الضعيف الذليل أن يجل مولاه الكبير الجليل سبحانه وتعالى، لا لعلة سوى ذلك، فأنت فقير والله غني، وأنت ضعيف والله قوي، وأنت ذليل والله جليل، وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن تجل الله، وأن تهابه، وأن تخافه، وكل من استحضر هذا المعنى لا بد وأن يخاف الله عز وجل.

    إخوتي الكرام! الخوف من الله تعظيماً له، وإجلالاً له، لا من أجل ثواب، ولا من أجل خشية عقاب، إنما هو إله عظيم جليل ينبغي أن نجله وأن نخاف منه، وحقيقةً: من عرف الله جل وعلا وعرف أن ما يجري في هذا الكون من عرشه إلى فرشه ما هو إلا آثار أسماء الله وصفاته، آثار صفات الجمال والجلال، آثار صفات البر والقهر.

    قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:26-27].

    فمن استحضر صفات الكريم الوهاب، وأنها هي التي تعمل في هذا الكون من عرشه إلى فرشه لا بد وأن يخاف الله جل وعلا، ولا بد وأن يجل الله جل وعلا، ولا بد وأن يهاب الله سبحانه وتعالى وأن يعظمه.

    منزلة الخوف من عظمة الله وجلاله بين أنواع الخوف

    الخوف من الله تعظيماً وإجلالاً هو أعلى أنواع الخوف، وقد أمرنا الله بأن نخاف نفسه، وأن نخشاه حق خشيته في آيات كثيرة من القرآن، فقال جل وعلا في سورة آل عمران: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28] ، لا طمعاً في ثوابه، ولا خشيةً من عقابه، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:28-30].

    إن هذا الخوف هو أجل وأعلى وأرفع أنواع الخوف، وقد أشار إلى هذه المرتبة في خوف الله جل وعلا الخوف منه لتعظيمه وإجلاله أئمتنا الكرام، كما قال العبد الصالح ذو النون المصري وهو ثوبان بن إبراهيم أبو الفيض ، توفي سنة خمس وأربعين ومائتين للهجرة، من العلماء الربانيين الكرام، وكان مجاب الدعوة، ولما توفي عليه رحمة الله أظلت الطير جنازته حتى دفن، ومن كلامه العذب المحكم أنه كان يقول: من تطأطأ لقي رطباً، ومن تعالى لقي عطباً، أي: من تطأطأ وتواضع في هذه الحياة لقي رطباً، والرطب يجنيها الإنسان عندما يلتقطها من الأرض، ومن تعالى وشمخ بأنفه لقي عطباً.

    ومن كلامه المحكم الذي تناقله أئمتنا عنه، وأكثروا من ذكره، ومن اللهج به، وخاصة شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية ، وتلميذه ابن قيم الجوزية عليهم رحمات رب البرية، كان يقول هذا العبد الصالح: والله ما طابت الدنيا إلا بمعرفة الله وبمحبته، وما طابت الآخرة إلا بمغفرة الله ورحمته، وما طابت الجنة إلا برؤية الله ومشاهدته.

    ويقول هذا العبد الصالح ذو النون مشيراً إلى هذه المرتبة من أنواع خوف المكلفين من رب العالمين، خوفهم إجلالاً له وتعظيمه، يقول: خوف النار عند خوف الفراق كقطرة في بحر لجي.

    ويريد بذلك رحمه الله: أن الرجال الكاملين يخشون من فراق رب العالمين، ومن غضبه عليهم أضعاف أضعاف ما يخشونه من نار الجحيم، قال: الخوف من النار عند خوف الفراق كقطرة في بحر لجي، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28].

    إخوتي الكرام! إن هذه المرتبة هي أجل أنواع الخوف، أن تخاف من الله إجلالاً له وتعظيماً له، وهكذا أن تعبده؛ لأنه إله عظيم يستحق العبادة سواء أمرك بالعبادة أو لا، وسواء سيثيبك على العبادة أو لا، وسواء نهاك عن مخالفته أو لا، وسواء سيعذبك على المخالفة أو لا، أنت تطيعه وتعبده؛ لأنه إله عظيم، فتقوم بحقوق ربك عليك في كل حين، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:30] ، وإذا ما أمرنا الله بعبادته هل يصلح منا أن نتخلى عنه، وألا نلجأ إليه؟ وإذا ما جعل الله في الآخرة جنةً ولا ناراً هل يصلح منا أن نبتعد عنه؟

    هب البعث لم تأتنا رسله وجاحمة النار لم تضرم

    أليس من الواجب المستحق عبادة رب الورى الأكرم

    أليس من الواجب المستحق الحياء من الرب المنعم

    هب أنه ليس هناك بعث، وليس هناك نار تضطرم يوم القيامة وتغلي وتفور أليس من حق الله علينا أن نعبده، وأن نعظمه، وأن نجله، وأن نستحي منه؟ بلى وعزة ربنا.

    وهذا المعنى قرره أئمتنا الكرام، وانظروه موسعاً إخوتي الكرام في كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولايتي العلم والإرادة، للإمام ابن القيم في الجزء الثاني صفحة ثمان وثمانين وما بعدها، وانظروه في مجموع فتاوى شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في المجلد السادس عشر صفحة ثلاث وخمسين ومائتين وما بعدها.

    المعاني التي لأجلها كان الخوف من عظمة الله جل جلاله أعلى وأجل أنواع الخوف والأدلة على ذلك

    فهذا هو أجل أنواع الخوف، فعبادة الله تعظيماً له تعد أعلى أنواع العبادات؛ والسبب في ذلك: أن من يخاف من الله إجلالاً له فقد أعطى الرب حقه، وقام بما ينبغي أن يقوم به العبد نحو سيده.

    والأمر الثاني: أن من عبد الله جل وعلا تعظيماً له وخافه إجلالاً له ما جعل الله وسيلةً لمنفعته ولشهواته ولتنعمه وللذاته، إنما عبد الله لأنه إله عظيم يستحق منا العبادة في كل حين؛ وكونه تكرم علينا بعد ذلك بجنات النعيم فهذا زيادة إحسان وفضل منه كما أغدق علينا نعمه في هذه الحياة فضلاً منه وكرماً، دون استحقاق للمخلوقات على خالقها، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34] .

    والأمر الثالث: أن من عبد الله إجلالاً له، ومن خافه تعظيماً له لا ينقطع عن العبادة ولا يفتر عن الخوف، وإن حصل مطلوبه، وإن أسقط الله عنه الأمر والنهي، وإن وإن... فهو يقول: أنا عبد وسيدي رب، ولا يصلح للعبد إلا أن يخاف من الله وأن يتذلل له سبحانه وتعالى.

    إخوتي الكرام!

    إذاً: هذا هو أجل أنواع الخوف، وقد أشار الله إليه في آيات القرآن، وقدمه على الخوف من وعيده ومن النيران، فقال جل وعلا في سورة إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، والآية في ثمرات الخوف، ولكن انتبهوا لهذه الدلالة التي تطرب لها عقول الرجال، يقول ذو العزة والجلال: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:13-14]، فذكر هنا نوعين من أنواع الخوف:

    الأول منهما: (لمن خاف مقامي)، والمصدر هنا إما أنه مضاف إلى الفاعل أو إلى المفعول، وعلى الأمرين في ذلك دلالة على بحثنا ألا وهو أن الخوف من الله إجلالاً له وتعظيماً هو أعلى أنواع الخوف، ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي [إبراهيم:14].

    فالأمر الأول: إضافته إلى الفاعل، أي: لمن خاف قيام الله عليه بالاطلاع، والمراقبة، والإحاطة، والقهر، والسيطرة، فأنت في قبضته، وجميع من في هذا الكون من عرشه إلى فرشه تحت حكم الله جل وعلا.

    والأمر الثاني: إضافته إلى المفعول، أي: إلى من خاف قيامه بين يدي الله في هذه الحياة وبعد الممات، فعلم أنه فقير محتاج إلى الله في جميع الأوقات، وقدم الخوف منه إجلالاً له على الخوف من وعيده وعقابه وناره: ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:14].

    الطريقة الموصلة إلى الخوف من الله إجلالاً وتعظيماً له

    إخوتي الكرام! إن الخوف من الله إجلالاً وتعظيماً هو أجل أنواع الخوف على الإطلاق، ويحصل هذا النوع في نفس الإنسان عندما يعرف الإنسان الصلة الحقيقية بينه وبين ربه الرحمن، فأنت فقير والله غني، وأنت ضعيف والله قوي، وأنت ذليل والله جل وعلا جليل، وأنت لا تقوم بنفسك ومحتاج إلى ربك في جميع أحوالك والله هو الغني الحميد، فهذا أجل أنواع الخوف، ويترتب على معرفتك بنفسك معرفتك بربك، ولذلك قال أئمتنا الكرام: من عرف نفسه عرف ربه، والأثر روي عن العبد الصالح يحيى بن معاذ الرازي ، الذي توفي سنة ثمان وخمسين ومائتين للهجرة، وهو من العلماء الربانيين الصالحين في هذه الأمة، وكان يقول: لا يزال العبد مقروناً بالتواني ما دام مقيماً على الأماني، ومن كلامه المحكم: عمل كالسراب -يعني: لا حقيقة له، ومشوب بالأخلاط والآفات- وقلب من التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع بالكواعب الأتراب، والنظر إلى وجهه الكريم الوهاب، هيهات هيهات أنت سكران من غير شراب، ثم يقول: ما أجلّك لو بادرت أجلك! ما أقواك لو خالفت هواك!

    يقول هذا العبد الصالح يحيى بن معاذ الرازي عليه وعلى جميع أئمتنا رحمات ربنا، وهو صاحب هذه الحكمة: من عرف نفسه عرف ربه. وليس هذا بحديث ينسب إلى نبينا عليه الصلاة والسلام كما توهم ذلك بعض الأنام، وقد حقق أئمتنا الكرام هذا القول وبينوا أنه ينسب إلى هذا العبد الصالح، منهم شيخ الإسلام الإمام النووي في فتاواه المشهورة، ومنهم أيضاً الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، ومنهم ابن قيم الجوزية في الجزء الأول صفحة سبع وعشرين وأربعمائة من مدارج السالكين.

    والإمام السيوطي ألف رسالةً حول هذا الأثر عن هذا العبد الصالح سماها القول الأشبه في بيان معنى حديث من عرف نفسه فقد عرف ربه.

    وقد ذكر الإمام السيوطي عشرة أوجه في شرح هذا الأثر، وضبطها الإمام ابن القيم عليهم جميعاً رحمة الله إلى ثلاثة معان، خلاصتها:

    أن معنى هذا الأثر إما أن يكون من باب الضدية، أو الأولوية، أو النفي:

    أما الضدية: فمن عرف نفسه بصفات النقص والفقر والاحتياج عرف ربه بضد ذلك، فإذا عرفت أنك فقير ضعيف محتاج ذليل عرفت أن الله جل وعلا بخلاف ذلك، فمن عرف نفسه عرف ربه.

    وأما من باب الأولوية فمن عرف أنه يتصف بحياة وعلم وقدرة ورحمة وغير ذلك من صفات الكمال التي تناسب حاله وهي محفوفة بالنقص علم يقيناً أن الله يتصف بذلك الكمال من باب أولى، فالذي منحك حياةً ناقصةً فيه حياة كاملة، والذي منحك علماً قليلاً هو بكل شيء عليم.

    وأما من باب النفي، فكما أنه لا يمكن أن تقف على حقيقة نفسك وإدراك كنه روحك فلن تقف على إدراك حقيقة ربك جل وعلا، فالله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]. فإذا كنت تعجز عن إدراك حقيقة الروح وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85] ، فأنت أعجز وأعجز عن إدراك حقيقة الرب جل وعلا، وما لك إلا أن تؤمن بما أخبرنا الله جل وعلا عن صفاته وأن تمره حسب ما يليق بذاته: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    إذاً: فالذي يحقق معرفة الصلة بين الخالق والمخلوق سيخاف من الخالق ويجله ويعظمه وهذا هو خوف الإجلال، وهذا هو خوف التعظيم، لا لتفريط فيك، ولا لانتظار خاتمة ستقابلك وتلاقيك لا، إنما أنت تجل الله وتعظمه؛ لأنه إله عظيم يستحق من عباده أن يجلوه وأن يخافوه وأن يهابوه وأن يعظموه في كل حين: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28] ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:14].

    1.   

    صفات الله المساعدة على تحصيل الخوف منه تعظيماً وإجلالاً له سبحانه

    إخوتي الكرام! وإذا استحضر الإنسان ما لله من صفات حسان سيهابه ويخاف منه ويجله ويعظمه ولا بد.

    ويستحيل قطعاً أن نستعرض ما لله من صفات الكمال في هذه الموعظة، ولكن سأشير إلى خمس منها، وهذه الصفات الخمس انتبهوا لها إخوتي الكرام! فإن ما في هذا الكون علويه وسفليه لا يتصرف فيه إلا صفات الله جل وعلا، وكل ما يقع في هذا الكون من قبض وبسط من نضع وضر فكل ذلك أثر لصفات الجمال والجلال التي يتصف بها ذو العزة والجلال؛ وكل هذا أثر لصفات الرحمة والقهر و... المتصف بها ربنا عز وجل.

    الصفة الأولى: صفة العلم

    الصفة الأولى في الله -والتي إذا استحضرها الإنسان مع صفات الله سيخاف من الله ويجله ويعظمه؛ لأنه يستحق ذلك- صفة العلم، فصفة العلم وما أدراك ما صفة العلم يتصف بها ربنا جل وعلا، فلا يخفى عليه بهذه الصفة خافية في الأرض ولا في السماء، يعلم دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ [آل عمران:6] ومن استحضر هذا سيخاف من الله ويجله.

    وقد قرر أئمتنا في كتب التوحيد أن أعظم واعظ أنزله الله من السماء إلى الأرض، وأبلغ زاجر نوّه الله به في كتبه التي أنزلها على رسله على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه إخبار الله لعباده بأنه يعلم سرهم وعلنهم، ولا تخفى عليه خافية منهم، فهذا هو أعظم واعظ، وأبلغ زاجر، وتأمل معي آيات القرآن: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7].

    هو مع الاثنين والثلاثة والأربعة والخمسة والقليل والكثير؛ معهم بعلمه، وإحاطته، ومراقبته، واطلاعه، فلا تخفى عليه خافية من شئونهم: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [هود:5]، وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الملك:13] .

    وهذا المعنى لا تخلو منه ورقة من ورقات المصحف، فتأمل القرآن من أوله إلى آخره لن تجد ورقةً من ورقات المصحف تخلو من إخبار الله لعباده بأنه يعلم سرهم ونجواهم، ولا تخفى عليه خافية منهم أينما كانوا: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الحديد:3-6] .

    هذا هو أبلغ واعظ، وأعظم زاجر أنزله الله علينا لنزدجر به ولنعظم بسببه ربنا، ومن علم أن الله عليم ولا تخفى عليه خافية من شئون عباده سيستحي من ربه ويهابه ويعظمه ويجله، ولا يوجد أحد في الوجود يتصف بصفة العلم بكل شيء إلا الرب المعبود، فهو بكل شيء عليم، وكل من عداه يصدق عليهم قول ربنا جل في علاه: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85] .

    العلم للرحمن جل جلاله وسواه في جهلانه يتغمغم

    ما للتراب وللعلوم وإنما يسعى ليعلم أنه لا يعلم

    الصفة الثانية: صفة القدرة

    أما الصفة الثانية التي تخلع القلب، وتوجب عليك هيبة الرب، وإجلال ربك، والخوف منه جل وعلا تعظيماً لشأنه، لا من أجل جنته، ولا من أجل ناره، وإنما تعظيماً لشأنه، فهو إله عظيم جليل ينبغي أن نهابه وأن نخاف منه في كل وقت، وهذه الصفة هي صفة القدرة التي يتصف بها، وينفذ بها ما شاء وما أراد سبحانه وتعالى لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه وهو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، والعالم بأسرهم علويهم وسفليهم مشيئتهم مرتبطة بمشيئة ربهم.

    وقد انتهى سعي الخلق والمخلوقات من عرش رب الأرض والسماوات إلى الثرى، انتهى عند آيتين من كتاب الله جل وعلا:

    الآية الأولى في سورة الدهر في سورة الإنسان: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان:30].

    والآية الثانية في سورة التكوير: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29] .

    فمشيئة العباد مقيدة بمشيئة ربهم جل وعلا، فإذا شاءوا الشيء وأرادوه، وأذن الله لهم في مشيئته وإرادته لا يستطيعون أن ينفذوه إلا إذا أقدرهم الله على ذلك، فالله جل وعلا مشيئته مطلقة وقدرته كذلك، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، من استحضر هذا في صفات الله، وأن الله يتصف به سيهابه ويخافه ويجله ويعظمه، فمشيئة الله جل وعلا وقدرته عامتان شاملتان لكل شيء سبحانه وتعالى.

    وأما العباد فحالهم كما قال شيخ الإسلام الإمام أبو عبد الله الشافعي عليه وعلى جميع أئمتنا رحمات ربنا -وهذا الكلام عنه ثابت صحيح- كما قال شيخ الإسلام الإمام ابن عبد البر في كتاب الانتقاء في تراجم الأئمة الثلاثة الفقهاء، في صفحة ثمانين، في ترجمة الإمام الشافعي ، يقول هذا العبد الصالح: وهذا الشعر للإمام الشافعي الذي لا يختلف فيه، وهو أصح شيء عنه، وأثبت ما قيل في الإيمان بالقدر.

    وهذا الشعر نقله أئمتنا عن هذا العبد الصالح نقله الإمام البيهقي في الأسماء والصفات، وفي السنن الكبرى، وفي كتاب الاعتقاد، ونقله أيضاً في مجمل اعتقاد السلف عليهم جميعاً رحمة الله، ونقله في كتاب البعث والنشور عن الإمام الشافعي، ونقله أئمتنا، وخلاصة ما نقل عنه من أبيات تبين الصلة بين الخالق والمخلوق، ويترتب عليها تعظيم المخلوق لخالقه وإجلاله له، يقول الإمام الشافعي عليه رحمة الله:

    ما شئت كان وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشأ لم يكن

    خلقت العباد على ما علمت ففي العلم يجري الفتى والمسن

    على ذا مننت وهذا خذلت وهذا أعنت وذا لم تعن

    فمنهم غني ومنهم فقير ومنهم قبيح ومنهم حسن

    ومنهم شقي ومنهم سعيد وكل بأعمالهم مرتهن

    ما شئت كان وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشأ لم يكن

    من استحضر هذا سيهاب الله ويخافه ويجله قطعاً وجزماً، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28] فصفة القدرة بها ينفذ الله ما شاء وما أراد، فهو على كل شيء قدير، كما أنه بكل شيء عليم.

    الصفة الثالثة: صفة الغنى

    والصفة الثالثة من الصفات الخمس التي سنتدارسها لتكسب قلوبنا الحياء من ربنا، والخشية له جل وعلا تعظيماً له: صفة الغنى، فهو سبحانه عليم بكل شيء، قدير على كل شيء، غني عن كل شيء، فما خلق العباد ليتعزز بهم من ذلة، ولا ليتكثر بهم من قلة، سبحانه لو أطاعه أهل السماوات والأرض لما زاد ذلك في ملكه شيئاً، ولو عصاه أهل السماوات والأرض لما نقص ذلك من ملكه شيئاً، سبحانه وتعالى هو الغني وكل من عداه فقير إليه، يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر:15-17] .

    وأخص وصف في ربنا الغنى، كما أن أخص وصف فيمن عداه الفقر، وعلة احتياج العالم بأسره من عرشه إلى فرشه إلى رب الأرض والسموات فقرها وغنى الرب عنها، فنحن الفقراء، وليست علة احتياجنا إلى ربنا حدوثنا ولا إمكان حدوثنا كما قرر الفلاسفة والمتكلمون، لا، ثم لا، وإنما علة احتياج العالم إلى خالقه فقر المخلوقات، وغنى رب الأرض والسماوات، والفقير لا يستغني عن الغني، فنحن نحتاج إليه بأكثر من عدد أنفاسنا التي نتنفس بها من أجل ثبوت حياتنا، فالغنى غنى الرب، فهو الغني سبحانه وتعالى، ومن استحضر هذه الصفة فيه فسيخاف من الله جل وعلا إجلالاً وتعظيماً، ولكن هذا المعنى لا يعرفه إلا من كان إنساناً كريماً، فلا يعرفه من كان شيطاناً رجيماً؛ فإنه لا يعرف الفضل لذوي الفضل إلا ذو الفضل.

    من الذي يهاب من الله عز وجل؟ الأتقياء الأكياس الرجال الذين عظموا الله وأحسنوا إلى خلقه، ومع ذلك يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار.

    فغنى الرب جل وعلا إذا استحضره الإنسان سيخاف من الله.

    يروي الإمام ابن القيم في مدارج السالكين عن شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله أنه أرسل له ورقةً في آخر حياته وفيها مقدمة في التفسير، وقد كتب على غلافها أبياتاً من الشعر يقول فيها:

    أنا الفقير إلى رب البريات أنا المسيكين في مجموع حالاتي

    أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي والخير إن يأتنا من عنده يأتي

    ثم يقول عليه رحمة الله:

    والفقر لي وصف ذات لازم أبداً كما الغنى أبداً وصف له ذات

    وهذه الحال حال الخلق أجمعهم وكلهم عنده عبد له آت

    فمن بغى مطلباً من غير خالقه فهو الظلوم الجهول المشرك العاتي

    فأخص وصف فينا هو الفقر، وأخص وصف ربنا الغنى.

    وكان شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية يقول أيضاً:

    أنا المكدّي وابن المكدّي وهكذا كان أبي وجدي

    هذا حالنا، وهذه صفتنا، وتلك صفة ربنا، وحقيقةً من استحضر ضعفه وقوة الله، ومن استحضر فقره وغنى الله، ومن استحضر ذله وعز الله سيهاب من الله وسيخاف منه ولا بد، وهذا هو خوف الإجلال وخوف التعظيم، لا لسبب آخر.

    الصفة الرابعة: صفة الجود والكرم

    الصفة الرابعة في ربنا الكريم التي توجب علينا أن نجله وأن نعظمه اعترافاً بحقه علينا دون شيء آخر سبحانه غني كريم بكل شيء عليم، على كل شيء قدير، غني عن العالمين، هو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين: أنه يحب أن يجود، وجوده بغير قيود ولا حدود سبحانه وتعالى، ومن أجل ذلك خلق هذا العالم، من أجل أن يجود ويتكرم عليه.

    وقد أمرنا الله أن نسأله، وأخبرنا أننا إذا لم نسأله فسيغضب علينا؛ لأنه كريم كما أن العباد يغضبون من سؤالك فالله يغضب من عدم سؤالك، وقارن بين الأمرين؛ لتعلم عزة الربوبية وذلة العبودية، إن سألت العباد غضبوا وضجروا، وإن تركت سؤال الرب غضب عليك ومقتك، وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60] .

    وقال ربنا جل وعلا: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] .

    وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه والحديث رواه الحاكم في مستدركه بسند صحيح كالشمس من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من لم يسأل الله يغضب عليه )، فلم تتعرض لنفحات الله ولجوده ولكرمه؟ لأنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من لم يسأل الله يغضب عليه ).

    فمن استحضر هذه المعاني في ربنا سيجله تعظيماً له، وحياءً منه، وإجلالاً له، سواء بعد ذلك أدخلك الجنة أو النار، فهذا لا دخل لك فيه، ولا ينبغي أن تفكر فيه، إنما ينبغي أن تجل الله جل وعلا، وإذا تكرم عليك بالجنة فهو زيادة كرم وفضل، وإذا منّ عليك بالنجاة من النار فهو زيادة كرم وفضل، وأما هو فهو إله عظيم جليل كريم، له علينا حق العبادة، وينبغي أن نخافه في كل حين، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28] .

    فهذه الصفة الرابعة صفة الجود والكرم.

    الصفة الخامسة: صفة الجلالة والعظمة

    وأما الصفة الخامسة: صفة الجلالة والعظمة، سبحانه ما أجله! سبحانه ما أعظمه! وعظمة الله وجلاله لا يمكن أن نوفيها عشر معشارها إذا أردنا أن نتدارسها، وإنما سأشير إلى شذرات من جلالة الله ومن عظمة الله، ذكرها الله في سيدة آي القرآن وأفضل آياته على الإطلاق، وهي آية الكرسي.

    ثبت في المسند وصحيح مسلم والحديث رواه الإمام أبو داود ورواه الحاكم في المستدرك مستدركاً به على الصحيحين، وهو واهم؛ فهو في صحيح مسلم من رواية أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأبي بن كعب : ( أي آية في كتاب الله أعظم؟ فقال أبي بن كعب : آية الكرسي يا رسول الله! عليه الصلاة والسلام، فضرب النبي عليه الصلاة والسلام في صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر )، هنيئاً لك بالتوفيق والسداد والتوفيق للعلم وإصابة الجواب.

    1.   

    دلالات آية الكرسي على عظمة الله وجلاله

    قال الله تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] .

    تأمل ما في هذه الآية من إشارات إلى عظمة رب الأرض والسموات، وسنتدارس ثلاثاً منها في هذه الآية الكريمة.

    دلالة قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) على عظمة الله وجلاله

    أولها:

    مطلع الآية: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] .

    حي قيوم سبحانه وتعالى، حي حياةً كاملةً تامةً، لا يعتريها نقص ولا زوال ولا فناء، ليست كحياة المخلوقات؛ ولذلك أتبعها الله جل وعلا بقوله: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255] .

    فهذه الحياة ذاتية لم توجد بعد أن كانت معدومةً، ولم يطرأ عليها العدم، وفي حال اتصاف الله بها وهو متصف بها أزلاً وأبداً لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255]، وهو القيوم، القائم بنفسه، المقيم المدبر لشئون خلقه، فلا يوجد شيء في هذا الكون من عرشه إلى فرشه إلا بتدبير ربه وتقديره سبحانه وتعالى.

    وهاتان الصفتان لربنا الرحمن هما أصل سائر صفاته الحسان، فصفات الله إما أن تكون ذاتيةً أو فعلية، فجميع الصفات الذاتية أصلها صفة الحياة، وجميع الصفات الفعلية أصلها صفة القيومية، وبهاتين الصفتين أشار الله إلى جميع كمالاته وصفاته الحسنى العلى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] ، وما ذكر الله هذين الاسمين مقترنين إلا في آية الكرسي وفي مطلع سورة آل عمران: الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران:1-2].

    وفي سورة طه: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:111].

    دلالة قوله تعالى: (له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) على عظمة الله وجلاله

    الإشارة الثانية: لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255].

    أي: له ما في السموات وما في الأرض خلقاً وملكاً وتقديراً وتدبيراً ومصيراً، فكل ما في هذا العالم علويه وسفليه خلقه الله، ويملكه الله، ويدبره الله، وسيصير ويئول إلى الله جل وعلا، فهو المتصرف في هذا، فمن علم هذا وأنه إذا استحضر نفسه ضمن هذه العوالم، وأنه أقل من قطرة من بحر في جنب ملك الله، وأقل من ذرة رمل من رمال الدنيا، حقيقةً: يهاب من الله ويجله تعظيماً لشأنه، لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:255] خلقاً وملكاً وتدبيراً ومصيراً، وهذا العالم بأسره سيصير إلى ربه، وانظر إلى الصورة التي سيصير إليها وما في ذلك من دلالة على عظمة ربنا جل وعلا.

    ثبت في صحيح مسلم والحديث رواه البيهقي في الأسماء والصفات، ورواه الإمام البغوي في معالم التنزيل، وهو في صحيح مسلم من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، فهو حديث صحيح ثابت عن نبينا الأمين صلى الله عليه وسلم، قال ابن عمر رضي الله عنهما: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يقبضهن بيمينه )، وفي رواية: ( ثم يأخذهن بيمينه فيهزهن جل وعلا -فيهز السماوات (يطوي الله السماوات) أي: يقبض الله السماوات (ثم يأخذهن) ويقبضهن بيمينه جل وعلا- ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الله الأرضين، ثم يأخذهن بشماله جل وعلا، فيقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ )، انظر لعظمة الرب جل وعلا وجلاله: السماوات السبع في كف الرحمن كأنها خردلة يطويها جل وعلا بيمينه، والأراضين السبع كذلك، فمن استحضر هذا المعنى سيخاف من الله عز وجل، ولا شك.

    إخوتي الكرام! ما ورد في هذا الحديث الصحيح من وصف الله بيدين مباركتين يتصف بهما؛ إحداهما يمين والأخرى شمال يثبت، ويتصف به ربنا ذو العزة والجلال كما أخبرنا نبينا الذي لا ينطق عن الهوى عليه صلوات الله وسلامه، دون أن ندخل في ذلك بعقولنا متوهمين أو متأولين، وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.

    والعجز عن درك الإدراك إدراك، والبحث في كنه ذات الإله إشراك.

    وإيماننا بصفات ربنا يقوم على دعامتين وركنين متينين: إقرار وإمرار، فمن لم يقر بصفات لله الواحد القهار فهو ناف جاحد معطل، ومن لم يمر صفات الله جل وعلا فهو مشبه ضال ممثل، نقر بالصفة كما وردت ولا نقف عندها، وقراءتها تفسيرها كما قال سلفنا، ولله يدان مباركتان كما أخبر عن ذلك في محكم القرآن: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] وقوله: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، وإحداهما يمين والأخرى شمال بالكيفية التي يعرفها الله ولا نعرفها، وبالكيفية التي تليق بجلال الله وجماله ونجهلها، آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء عن رسوله عليه الصلاة والسلام على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولا يشكلن عليك أخي الكريم وصف الله في هذا الحديث باليمين والشمال ليديه المباركتين جل وعلا، فلا يشكلن عليك هذا مع الحديث الصحيح الثابت في المسند وصحيح مسلم وسنن النسائي والسنن الكبرى للإمام البيهقي والأسماء والصفات للإمام البيهقي وهو حديث صحيح أيضاً، وهو في صحيح مسلم وغيره من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ). فقوله: (وكلتا يديه يمين) لا يتعارض مع ما ثبت في صحيح مسلم من رواية عبد الله بن عمر بن الخطاب أن السموات تطوى بيمين الله، وأن الأراضين تقبض بشمال الله، لا يتنافى هذا مع هذا؛ لأن المراد من قوله: (وكلتا يديه يمين) في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم أجمعين، من اليمن بمعنى الخيرية والبركة والتمام والكمال، فالله له يدان مباركتان يمين وشمال، ولكن الشمال فيه ليست كالشمال فينا جل وعلا، فإذا كانت الشمال فينا أضعف من اليمين، وتستعمل لما يمتهن ويستقذر فالله كامل كريم مجيد سبحانه وتعالى، لا نقص في شيء من صفاته جل وعلا.

    إذاً: فقوله: (كلتا يديه يمين)؛ من اليمن بمعنى الخيرية والبركة، وأما الحديث الثابت في صحيح مسلم فقد أخبرنا عن وضع وحال صفتي اليدين كما فصل ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وبعضهم طعن في ذلك الحديث الذي هو في صحيح مسلم بأنه من رواية عمر بن حمزة ، وعمر بن حمزة أخرج حديثه البخاري تعليقاً في صحيحه، ومسلم في صحيحه وأهل السنن الأربع إلا سنن الإمام النسائي ، فبعضهم تكلم في عمر بن حمزة وفي روايته عن عمه سالم بن عبد الله وهو عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر ، وطعن في الرواية وقال: إنه قالها على حسب المعروف فينا؛ لأن الوارد في رواية المسند والصحيحين وغيرهما من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( ويقبض الله الأراضين بالأخرى )، ولم يذكرها بوصف الشمال، فقال بعض العلماء: إن رواية عمر بن حمزة قالها على حسب المعهود والمعروف في الناس، فعبر عن اليد الأخرى بوصف الشمال، ولكن فتح هذا الباب على الرواة حقيقةً قد يسد علينا بعد ذلك باب الرواية، وسلفنا أتقى لله عز وجل من أن يستعملوا عقولهم في صفات الله عز وجل، وأن يبدلوا اللفظ بما هو معروف فينا، وعليه لفظة ثابتة، ولكن -كما قلت-: موقفنا نحوها كموقفنا في سائر صفات ربنا إقرار وإمرار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ، فقول ربنا الجليل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] نفي للتشبيه والتمثيل، وقوله جل وعلا: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] رد ونفي للنفي والتعطيل، فلا تمثيل ولا تعطيل، ليس مثل ربنا شيء وهو السميع البصير.

    دلالة قوله تعالى: (وسع كرسيه السموات والأرض) على عظمة الله وجلاله

    والإشارة الثالثة في آية الكرسي: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255] .

    إخوتي الكرام! حول لفظ الكرسي وما بعده كلام طويل كان في نيتي أن أتكلم عليه في هذه الموعظة، ولكنني أخشى إذا بحثت فيه ودخلت فيه أن يأخذ الكلام منا أكثر من ربع ساعة ولا أريد أن أطيل عليكم، إنما نقف عند هذه الدلالة لنتدارسها في الموعظة الآتية إن شاء الله، وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255] أطاق واحتمل كرسي ربنا السماوات والأرض، هذا الكرسي ما هو؟ وما صلته بالعرش؟ وماذا يترتب من ذلك من عظمة لربنا جل وعلا؟ كما قلت: أؤجل الكلام على ذلك في الموعظة الآتية إن شاء الله.

    أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يرزقنا خشيته في السر والعلن، وأن يرزقنا كلمة الحق في الرضا والغضب، وأن يرزقنا القصد في الغنى والفقر، إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، أقول هذا القول وأستغفر الله.

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله رسوله خير خلق الله أجمعين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.

    اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا.

    اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، اللهم انصرنا على من عادانا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم العن الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، إنك على كل شيء قدير.

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، واغفر لمن عبد الله فيه، اللهم صل على نبينا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.

    قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].