إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. المرابطون في بيوت الله [4] - رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله

المرابطون في بيوت الله [4] - رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللهللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم صنفاً من الناس سماهم رجالاً؛ لأنهم يعبدون الله ويذكرونه في بيوته وهي المساجد، ثم ذكر من صفاتهم أنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فهم يتاجرون، ويبيعون ويشترون، ويطلبون الرزق من الله من طرقه المشروعة، ولكنهم مع ذلك لم يلتهوا ولم ينشغلوا بالمال والبيع والتجارة عن ذكر الله وطاعته وعبادته سبحانه؛ لأنهم يعلمون ويوقنون أن الدنيا زائلة لا محالة، وأنهم بعدها صائرون إلى الله فيحاسبهم على كل صغيرة وكبيرة.

    1.   

    صفات الرجال الذين يعبدون الله في بيوته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين، يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمّن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    معشر الإخوة المؤمنين! أفضل البقاع وأحبها إلى رب الأرض والسماء المساجد، فهي بيوت الله في الأرض، وفيها نوره وهداه، وقد وصف الله الذين يعمرونها، ويتواجدون فيها بأنهم رجال، ثم نعتهم بأربع خصال تدل على أنهم أهل الرشد والعقول والكمال فقال: لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:37]، فلا يلهيهم عرض الدنيا ومتاعها، ويعظمون الله، فيصلون له ويذكرونه سبحانه وتعالى، ويشفقون على عباد الله، ويحسنون إليهم، فيتصدقون عليهم، ويواسونهم، ثم هم في أتم استعدادٍ ليوم المعاد: يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:37].

    وهذه الصفات التي نعت الله بها الرجال الذين يعمرون بيوته في هذه الحياة، ينبغي أن نقف عندها، لنتصف بها، ونسأل الله أن يجعلنا من أهلها، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله)

    الصفة الأولى: من يعمرون بيوت الله لا يلهيهم عرض الدنيا ومتاعها، ولا يشغلهم عما أوجب الله عليهم، وعن الغاية التي خلقوا من أجلها: لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ [النور:37]، فعند هذه الجملة المباركة يوجد تنبيهان ينبغي أن نقف عندهما على وجه الاختصار.

    التنبيه الأول: لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ [النور:37]، فأثبت الله لهم التجارات والبيوع في هذه الحياة، وهذا من كمال رجولتهم، لئلا يحتاجوا إلى غير ربهم جل وعلا؛ فهم يزاولون البيوع والتجارات في هذه الحياة؛ لكن لا يشغلهم ذلك طرفة عين عن الحقوق والواجبات، وعن طاعة رب الأرض والسماوات، وهذا المعنى هو المعنى الحق الذي ينبغي أن تفسر به الآية، ولا يجوز أن تحمل على غير ذلك، وما ذهب إليه بعض الناس من أن الله جل وعلا نفى التلهي والالْتِهَاءَ عمن يعمرون بيوته لعدم وجود تجارةٍ وبيعٍ عندهم؛ فهو معنىً ركيك، ينبغي أن يتنزه عنه كلام الله جل وعلا.

    قال الإمام الألوسي عليه رحمة الله: إنما أثبت الله لهم البيوع والتجارات، وأخبر أن هذه البيوع وتلك التجارات لا تلهيهم عن طاعة رب الأرض والسماوات؛ فهذا أمدح لهم وأحسن في أوصافهم، فعندهم عرض الدنيا لكنه في الأيدي، ولا أثر له في القلوب، وإذا نادى منادي طاعة الله جل وعلا أسرعوا إليه ولبوه.

    وقال الإمام الرازي : هذا المعنى الذي قاله بعض الناس فاسد باطل؛ فلا يقال: فلانٌ لا تلهيه تجارته ولا بيعه إلا إذا كان يزاول البيع والشراء؛ فهم يزاولون البيوع ويعملون التجارات في هذه الحياة، لكنَّ ذلك لا يشغلهم عن طاعة رب الأرض والسماوات.

    الأمر الثاني: مما يتساءل عنه كثيرٌ من الناس: لمَ ذكر الله البيع بعد التجارة، وما البيع إلا نوعٌ من التجارة؟ فالتجارة بيعٌ وشراء، وأخذٌ وإعطاء، فلم خُصَّ البيع مع أنه يدخل في ضمن التجارة؟ وهل تكون التجارة دون أن يبيع الإنسان ويشتري؟ لا ثم لا؛ فالتجارة قائمة على أمرين: يشتري التاجر ما يشتريه، ثم بعد ذلك يبيعه ويحصل الربح فيه، فعلامَ خص الله البيع بعد التجارة وهو داخلٌ في التجارة؟ ولِمَ لَمْ يذكر الله جل وعلا الشراء بعد التجارة كما ذكر البيع؟ فالبيع يدخل في التجارة، والشراء يدخل في التجارة، فعلامَ ذكر الله البيع بعد التجارة دون الشراء؟ وما الحكمة من ذكر هذا الخاص بعد دخوله في لفظ التجارة؟

    فنقول: إنما ذكر الله البيع بعد التجارة لثلاثة أمور معتبرة؛ لأن البيع هو أدخل في الإلهاء من الشراء من ثلاثة أوجه.. فالتجارة بيعٌ وشراء؛ لكنَّ التلهي والاشتغال يكون في البيع أكثر مما يكون في الشراء وذلك من ثلاثة أوجه كما قرر هذا أئمتنا العلماء:

    أولها: أن البيع في الغالب الربح فيه مضمونٌ متيقنٌ، وأما الشراء فالربح فيه غيبٌ مستقبل، وذلك مظنونٌ أو مشكوكٌ فيه.

    فالتاجر عندما يبيع السلعة في الغالب يحصل ربحاً، وأما عندما يشتري فالأمر موقوف على المستقبل، قد تباع السلعة بربحٍ، وقد تباع بخسارة، وأما البيع فهو ربحٌ متيقنٌ؛ فلذلك ذكر الله أنه لا تلهيه التجارة، ثم ذكر ما هو أدخل في الإلهاء، وما ينبغي أن يُنَصَّ عليهُ لبيان قدر هؤلاء الرجال، وكمال عقولهم، وطاعتهم لربهم. فهذا البيع الذي فيه الربح متيقن إذا حان وقت طاعة الله جل وعلا والإحسان إلى عباد الله، يقومون بذلك على وجه التمام، ولا يشتغلون بالبيع الذي ربحه حاضر متيقنٌ لا شك فيه.

    الأمر الثاني: أن البيع في الغالب يكون مقابل إعطاء سلعة وأخذ نقد، وأما الشراء ففي الغالب يكون بأن يعطي الإنسان نقداً ويأخذ سلعة، والنفوس البشرية تتعلق بالنقد وتميل إليه أكثر من ميلها إلى السلع، إذاً البيع محبوبٌ إلى النفس أكثر من الشراء؛ من أجل أنه يحصِّل الدراهم والدنانير، ويملأُ جيبه من هذه الفلوس، فالتلهي في البيع أكثر من التلهي بالشراء؛ ولذلك خصه الله جل وعلا بعد التجارة بالذكر.

    والأمر الثالث وهو معتبرٌ أيضاً: أن التجارة يمكن أن تكون عن طريق الجلب، أن يجلب الإنسان البضائع والسلع من أماكن أخرى بواسطة من يحملها له، وأما البيع فيكون عندما يُصَرِّفُها هو بنفسه، فالإلهاء بالبيع أكثر من التجارة التي تجلب من كل جهةٍ، ومن كل مكان عن طريق من يحملها، ومن يُوصلها إليه.

    لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور:37]، إذاً: عروض الدنيا، أمتعتها، زخرفها، زينتها، لا يشغلهم ذلك عما أوجبه الله عليهم.

    1.   

    أسباب عدم انشغال المؤمنين بالدنيا

    زوال الدنيا وحقارتها وهوانها

    عباد الله! كيف يلتهي هؤلاء الرجال العقلاء بمتاع الدنيا وزينتها، وكلها سريعة الزوال إلى فناءٍ، لا تبقى ولا تدوم، وليس لها عند الحي القيوم أي وزنٍ وأي اعتبار، كيف يتلهى هؤلاء الرجال الذين نُعِتُوا بأنهم رجال، كيف يتلهون ويُشغَلُون بمتاع الدنيا وزينتها؟ والدنيا من أولها إلى آخرها ليس لها قدرٌ عند ربها جل وعلا.

    ثبت في سنن الترمذي وسنن ابن ماجه، والحديث رواه الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، والطبراني في معجمه الكبير، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان، وإسناده صحيح، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضةٍ ما سقى كافراً منها شربة ماء)، سبحان ربي العظيم! الدنيا من أولها لآخرها بجميع أمتعتها وزخارفها، لا تعدل عند الله جناح بعوضة! ولو كان لها هذا المقدار عند العزيز القهار، لما سقى الكفار في هذه الحياة شربة ماء، ولا جرعة ماء؛ لهوانهم على ربهم جل وعلا، لكنَّ هذه الدنيا لا وزن لها، ولا قدر لها، فيعطيها الله لمن يحب ولمن يكره، فكيف يتلهى العقلاء بالتجارة والبيوع عن طاعة رب الأرض والسماوات؟!

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن كل ما في هذه الدنيا ملعون إلا ما أريد به وجه الحي القيوم، فكيف يتلهى هؤلاء المؤمنون الموحدون، الذين يعكفون في بيوت الله، ويذكرون الله، كيف يتلهون ويُشْغَلون بالبيوع والتجارات؟ ثبت في سنن الترمذي ، وابن ماجه ، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، والحديث روي عن عدة من الصحابة الكرام، فروي عن عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء ، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين، والحديث إسناده صحيح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً أو متعلماً).

    وفي بعض روايات الحديث: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ما أريد به وجه الله منها)، وفي بعض الروايات: (الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ما ابتغي به وجه الله)، وفي بعض الروايات: (الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا أمر بمعروفٍ، أو نهى عن منكر، أو ذكر الله جل وعلا).

    وخلاصة الكلام: أن كل ما في هذه الدنيا ملعون إلا من أطاع الحيَّ القيوم، الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً أو متعلماً، فكيف يتلهي هؤلاء الأخيار بهذه الدنيا التي ليس لها قدر واعتبار عند العزيز الغفار سبحانه وتعالى؟!

    كون الدنيا لهو ولعب وزينة ومتاع الغرور

    إخوتي الكرام! أخبرنا الله في كتابه في كثير من الآيات عن حقيقة هذه الدنيا، وعن أحوالها، فكيف يركن إليها من يعمرون بيوت الله، ونُعِتُوا بأنهم رجال؟! يقول الله جل وعلا في سورة الأنعام: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنعام:32]، فالحياة الدنيا في سرعة زوالها وقصر أيامها، حالها كحال من يلعب بشيءٍ ويتلهى به، سرعان ما يزول، وسرعان ما ينقضي، وهكذا الحياة الدنيا.

    والمعنى الثاني للآية الكريمة: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [آل عمران:185]: ما أمرها من أولها لآخرها، وما حال من يركن إليها إلا كلعب ولهو، كحال لاعبين عندما يلعبون، فهم يلعبون وسيزولون، ولعبهم لا قيمة له، ولا وزن، ولا اعتبار. وقوله تعالى: وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنعام:32]، قال أئمتنا المفسرون: في ذلك إشارة إلى أن أمور التقوى في هذه الحياة ليست من الدنيا، فالذين اتقوا الله في هذه الحياة؛ فعظموه وأطاعوه؛ فهؤلاء ما قاموا بِاللَّهْوِ ولا باللعب.

    إخوتي الكرام! وإذا قرن الله بين اللعب وبين اللهو في كتابه فيفترقان من حيث المعنى افتراقاً لطيفاً، مع أن كلاً منهما يدل على أن صاحب اللعب وصاحب اللهو قد اشتغلا بالباطل، لكن بينهما مفارقة عندما يقترنان؛ فإذا قرن اللعب باللهو فالمراد من اللعب: أن يشتغل الإنسان بالباطل، وقد يفعل الحق وقد لا يفعله، قد يقوم بالواجب وقد لا يقوم به، وأما إذا ذكر اللهو بعده فيدل على أنه اشتغل بالباطل مع إعراضه عن الحق وعدم المبالاة به.

    فقد يلعب الإنسان ويشتغل بالباطل، ثم يقوم بالواجبات وبالحقوق، أو يقوم بشيءٍ منها، ولا يلزم من ذلك أن يعرض عنها، أما اللهو فقد لها قلبه وأعرض عن الحق، بحيث اشتغل بالباطل مع نفرةٍ من الحق وكراهية له، وهكذا حال الحياة الدنيا: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ، اشتغالٌ بأمور الباطل، وَلَهْوٌ، إعراضٌ عن الحق مع شغل بالباطل، هذا حالها، وهذا أمرها، وهذا حال من يركن إليها، ويستقر فيها، إلا المتقين، وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ [يوسف:109].

    وقال جل وعلا في سورة العنكبوت: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64] (الحيوان) أي: أنها الحياة الكاملةٌ التامة، من حيَّ، والأصل أن يقال: حَيَيَان، قال أئمتنا: قلبت الياء الثانية واواً، فصارت حيوان، وإنما أتى بصيغة (فَعَلان)؛ ليدل على الحياة والإطراب والبهجة والكمال والتمام؛ لأن ذلك يقابل السكون الذي يكون عن طريق الموت، (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان)؛ أي: الحياة الكاملة التي فيها بهجةٌ وحيويةٌ ونشاطٌ على وجه التمام والكمال.

    إذاً: هذه الحياة الدنيا لهو ولعب، كما قال الله في سورة محمد على نبينا صلوات الله وسلامه: إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ [محمد:36]، وهكذا قَصَّ الله علينا حال الدنيا في كثيرٍ من الآيات في كتابه، فقال جل وعلا في سورة الحديد: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20]، يتمتع بها على وجهٍ ما، ثم تنقضي وتزول، لكنَّ هذا المتاع الزائل يَغْتَرُّ به كثيرٌ من ضعاف العقول، لا يغتر به الرجال الذين يذكرون الله في بيوته في هذه الحياة، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185]، لا يغتر بها إلا من فقد عقله، ولم يكن رجلاً، وقال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].

    نهي الله تعالى عن التلهي بالدنيا والانشغال بها عن عبادة الله

    عباد الله! ولذلك نهانا الله جل وعلا عن التلهي بها، والاشتغال بها، والعكوف عليها، بحيث يشغلنا ذلك عما أوجبه الله علينا، فقال جل وعلا في سورة المنافقون: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:9-11].

    وقد أخبرنا الله جل وعلا عن حال الضعفاء، ضعاف العقول، عن حال الأنذال في هذه الحياة، أنهم أقبلوا على اللهو واللعب، واشتغلوا بذلك عن طاعة الله جل وعلا، قال الله جل وعلا في أول سورة الأنبياء على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء:1]، لفظ (الناس) من أسماء العموم، وكل ما ورد من صيغ الذم بألفاظ العموم في كلام الحي القيوم فيخرج منه المهتدون، يخرج منه الصالحون، فلا يدخلون في ألفاظ الذم العامة، إنما تلك تنال العُصَاةَ والكافرين، كقوله تعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3]، وقوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين:4-6]، وقوله هنا: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ [الأنبياء:1-3].

    سبحان ربي العظيم! لعبوا فاشتغلوا بالباطل، ثم أعرضوا بعد ذلك عن الحق على وجه التمام والكمال، وعادوه ونفروا منه عندما اشتغلوا باللعب والتلهي: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ [الأنبياء:2-3]، فجمعوا بين اللعب واللهو، اشتغلوا بالباطل، ثم أعرضوا بعد ذلك عن الحق على وجه التمام والكمال، ليتهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم، لكنهم لعبوا واشتغلت قلوبهم بعد ذلك باللهو والإعراض، والنُفْرَةِ عن كلام رب العباد: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنبياء:2-4].

    وأخبرنا الله جل وعلا عن مثل هذا في أول سورة الحجر، فقال جل وعلا: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ * رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر:1-2]، وذلك عندما يرون عصاة الموحدين، الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، عندما يخرجون من نار الجحيم، بعد أن يعذبوا، فيتمنى الكفار لو أسلموا في هذه الحياة، ونطقوا بتوحيد رب الأرض والسماوات، رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:2-3].

    1.   

    مشروعية طلب الرزق وكسب المال الحلال

    عباد الله! إن الأبرار الرجال العقلاء، أهل الكمال، الذين يوحدون الله في بيوته، ويشهدون الصلوات، ومجالس الخير في هذه البيوت، لا تلهيهم البيوع، ولا التجارات، وهذان الوصفان ينبغي أن نقف عندهما، وسنتحدث الآن عن الوصف الأول؛ ألا وهو وجود بيوعٍ وتجارات، واكتساب رزق من قبل المؤمنين الذين يعبدون الله في المساجد، وأما الوصف الثاني، وهو المتعلق بعدم الالتهاء بهذا المال، وعدم الانسياق معه في جميع الأحوال، فيأتي الكلام عليه -إن شاء الله- في الموعظة الآتية إن أحيانا الله.

    عباد الله! قوله تعالى: لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ [النور:37]، فلهم تجارات، وعندهم بيوعٌ يقومون بها، فهم يعبدون الله، ثم يكدحون في هذه الحياة، وهذه من صفات الكمال فيهم.

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن طلب الرزق في هذه الحياة عن طريق ما أحل الله واجبٌ على كل مسلم، فمن فرط في ذلك وهو مستطيع ثم تعرض لهذا أو ذاك؛ فهو عاصٍ لله جل وعلا، ثبت في معجم الطبراني الأوسط بإسنادٍ حسن من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (طلب الحلال فريضة على كل مسلمٍ)، فكما أننا نطلب العلم وننور قلوبنا، نطلب الحلال والقوت؛ من أجل أن نغذيَ أبداننا، لئلا تكون بنا حاجة إلى أحد من خلق الله، فحاجتنا إلى ربنا جل وعلا.

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن خير لقمةٍ يدخلها الإنسان جوفه هي ما يكتسبها عن طريق يده، ثم بين لنا أن أنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه كانوا يتصفون بهذا الوصف، فكانوا يكدحون ويعملون، ويأكلون من كسب أيدهم، ومن عمل يمينهم: ثبت في مسند الإمام أحمد ، وصحيح البخاري ، والحديث رواه الإمام ابن ماجه ، وغيرهم، والحديث صحيحٌ صحيح، فهو ثابت في صحيح البخاري ، من حديث المقداد بن معدي كرب رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أكل أحد طعاماً قطُّ خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإنَّ نبي الله داود كان يأكل من عمل يده).

    كان الأنبياء ينزلون إلى الأسواق، ويعملون، وليس في ذلك منقصةٌ، ولا ابتذال، إنما المنقصة والابتذال أن يكون الإنسان عالة على غيره، قال تعالى: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [الفرقان:7-8]، وأي منقصة إذا دخل الإنسان إلى السوق، وباع واشترى؟ وقد كان أنبياء الله الكرام عليهم جميعاً الصلاة والسلام يقومون بهذا، وهذا أفضل الكسب: (ما أكل أحد طعاماً قطُ خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإنَّ نبي الله داود عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه كان يأكل من عمل يده).

    فإذا كنا ندخل بيوت الله لذكر الله، وعبادة الله، فعلينا واجبٌ آخر؛ ألا وهو السعي من أجل تحصيل الرزق، والإحسان إلى عباد الله بعد ذلك، فنحن ممن يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ونحن ممن يعظمون الله، ويحسنون إلى عباد الله، ويشفقون على خلق الله، وأما أن يمد الإنسان يديه إلى غيره، فهذه هي النذالة، وهذا هو النقصان، ولا يمكن أن يتصف المؤمن بهذا، إلا إذا وصل إلى حد الضرورة، بحيث لو لم يجد لمات، ومع ذلك فلو مات لكان عدم سؤاله أولى، لو مات وما سأل غير الله لكان هذا خيراً له في هذه الحياة وبعد الممات، وإذا جاع الإنسان ولم يسأل حتى مات، فلا إثم عليه، ولا حرج، نعم، إذا كان عنده طعام، وما أكله حتى مات، فهو من أهل النار، أما إذا ما سأل أحداً من خلق الله، وقال: إن السؤال ذل، أنا عندما أسأل غير الله جل وعلا أضيع حق الله، فقد أمرني الله أن أسأله: (إذا سألت فاسأل الله)، فكيف أصرف هذا السؤال إلى عبدٍ لا يملك لنفسه فضلاً عن غيره نفعاً ولا ضراً؟ ثم بعد ذلك أظلم هذا العبد، وأعتدي عليه، وأضجره، فأحب ما عند الناس إليهم هو أموالهم التي اكتسبوها، وأنا عندما أحرجهم بالسؤال، وآخذ منهم هذه الأموال؛ فقد آذيتهم، وأضجرتهم، ولذلك قال الله: وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا [محمد:36-37]، أي: أن الله جل وعلا ما أمرنا أن نتصدق بجميع أموالنا، وإذا بالغ في الطلب، وطلب منا أن نتصدق بجزءٍ كبير، بخل بذلك عددٌ كثير، إنما فرض الله نصيباً معلوماً، مقدراً يسيراً، فأنت كيف إذاً تضجر هؤلاء الناس، وتأخذ منهم ما جمعوه وما أخذوه؟ إن أعطوك عن طيب نفسٍ فبها ونعمت، وأما الإلحاح فلا.. هذا في حال الحاجة والنقص، فكيف في عدم الحاجة؟ والأمر الثالث تذل نفسك أيها الإنسان، فأنت عبدٌ للرحمن، لا يرضى الله أن تتذلل إلا له، فكيف تريق مال وجهك من أجل أن تأخذ من فلانٍ أو من غيره؟ ولذلك (ما أكل أحد طعاماً قط خير من أن يأكل من عمل يده).

    إذا كنا نشهد بيوت الله؛ فينبغي أن يكون عندنا عزة، وينبغي أن يكون عندنا مروءة، وينبغي أن يكون عندنا شهامة، فنحن عباد الله في هذه الحياة، ليس لنا إلى غير الله حاجة.

    وقد أخبرنا نبينا أن الذين يحرزون المال من طريقٍ حلال، ويكون عندهم ثروةٌ طائلة ينتفعون وينفعون أنهم نعم ما فعلوا، ولهم أجر كبيرٌ عند الله جل وعلا، فقد ثبت في مسند الإمام أحمد ، ومستدرك الحاكم ، والحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير والأوسط، ورواه ابن سعد في الطبقات، والبيهقي في شعب الإيمان، وإسناده صحيحٌ كالشمس، من رواية عمرو بن العاص قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (نِعِمَّا المال الصالح للرجل الصالح)، أو: (نعم المال الصالح للرجل الصالح)، فهؤلاء العباد لهم تجارات، ولهم بيوع، ولكن ذلك لا يشغلهم عن طاعة الله جل وعلا.

    عز المؤمن في استغنائه عن الناس بما أعطاه الله

    عباد الله! إن استغناء الإنسان عن غيره عندما يبيع ويشتري، هذا عزٌ له في هذه الحياة، ورفعة لقدره بعد الممات، ثبت في مستدرك الحاكم ، ومعجم الطبراني الأوسط، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل فقال لي: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وأن عز المؤمن استغناؤه عن الناس)، فأنت أيها العبد الذي تدخل إلى بيت سيدك في هذه الحياة! ينبغي أن يكون لك حرفة، وينبغي أن يكون لك مهنة، ولا عار ولا منقصة إذا دخلت السوق، أو إذا ذهبت لتحتطب، أو إذا سافرت لتتاجر، فهذا نعت المؤمنين الذين يعبدون رب العالمين في هذه البيوت: لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ [النور:37]، فعندك بيوع، وعندك تجارات تكتسب وتنتفع وتنفع، لكنَّ هذه التجارات لا تشغلك ولا تلهيك عن الواجبات؛ وعز المؤمن استغناؤه عن الناس.

    الرزق مقسوم مقدر

    عباد الله! إن الرزق مقسوم، وإن العمر محسوم، وإذا كان الأمر كذلك، فنحن نتعرض لنفحات الحي القيوم، نكدح في الأسواق، ونعمل في المزارع، ونزاول التجارات، ونبيع ونشتري، لكن كما قال الله: لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ [النور:37]، إننا عندما نتعرض لتحصيل فضل الله، ورزق الله، نعلم أنه لن يأتينا إلا ما قسم لنا، ولن يأتينا إلا ما تَفضَّل به ربنا علينا، فهذا المقسوم محض فضلٍ من الحي القيوم، وهذا يكسب أبداننا راحةً، فلا نلهث وراء المال كما تلهث السباع الضارية في البرِّيَّة، ويكسب قلوبنا قناعةً، فنعلم أن ما قدر لنا سيأتينا، وحالنا كما قال الله: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:15]، (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا) ذَلْلَّهَا ويسرها من أجل أن نمشي عليها، فلا نقاسي فيها عنتاً ولا شدةً، من أجل أن نحصل الرزق والخير والبركة، فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ، هذا من رزق الله، ومن فضل الله.

    الرزق محض فضل وكرم من الله تعالى

    الرزق الذي يحصله الإنسان في هذه الحياة محض فضلٍ وكرمٍ من رب الأرض والسماوات، كما قال جل وعلا في سورة الجمعة: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:9-10]، فالرزق الذي نحصله محض فضلٍ وكرم من الله جل وعلا.

    وهكذا أخبر الله عن الرزق في كثير من الآيات بأنه محض فضلٍ وكرم، يعطيه الله من يشاء من عباده، فقال جل وعلا: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [الإسراء:66]، (لتبتغوا من فضله): لتحصلوا الرزق والتجارة في البر والبحر.

    تفاوت الناس في أرزاقهم

    والله جل وعلا فاوت بين عباده في أمر الرزق، لتتم مصلحة الكون، وليتم أمر الناس والعالم، فهذا غنيٌ، وذاك فقير، وهذا الغني يستعمل الفقير في عملٍ، فيعطيه عليه أجرة، وينتظم نظام الكون، ولله جل وعلا حكمة فيما خلق وقدر، كما قال جل وعلا في سورة الزخرف: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف:31-32]، أي: بالتسخير والعمل، والكراء والأجرة، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32].

    ثم أخبرنا الله جل وعلا أن ذلك التفاوت في هذه الحياة لا وزن له عند رب الأرض والسماوات إلا فيمن آمن واتقى فقط، فذكر جل وعلا أن هذه الدنيا حقيرةٌ مهينة، ولو أراد أن يعطي الكافر في هذه الحياة لجعل له من النعيم ما لا يخطر ببال أحد، لهوان الدنيا على الله جل وعلا، قال الله تعالى: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً [الزخرف:33]، أي: على الكفر، فيكفر ضعاف العقول عندما يعطى للكافر من النعيم، وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35].

    تقدير الأرزاق وبيان أن كل أحد سيأخذ رزقه المكتوب له لا محالة

    عباد الله! نحن بهذا الرزق نتعرض لطلبه، نتعرض لنفحات الله جل وعلا، ونوقن أن ما قدر لنا سيأتينا، فلا ننصب ونتعب أبداننا، ولا ندخل القلق والهم إلى قلوبنا، قلوبنا فيها القناعة، وأبداننا فيها الراحة، وما قدر لنا سيأتينا، وزاولنا بعد ذلك أمور البيوع والتجارات.

    والرزق كما أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أنه سيأتي الإنسان حسب ما قدر له، كما سيأتيه أجله، كما أنك لا يمكن أن تفر من أجلك، لا يمكن أن تفر من رزقك، ثبت في مستدرك الحاكم بسندٍ صحيح، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، والحديث رواه الحاكم، وابن حبان، ورواه الإمام ابن ماجه في سننه، من رواية جابر بن عبد الله، ورواه الطبراني في معجمه الكبير، وأبو نعيم في الحلية، من رواية أبي إمامة رضي الله عنهم أجمعين، فهو من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ومن رواية جابر، ومن رواية أبي إمامة، ولفظ الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن روح القدس نفث في روعي -أي: في قلبي- أنه ليس من نفسٍ تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، ما قدر لك سيأتيك، فخذه بعز، وخذه بطاعة الله جل وعلا، ولا داعي بعد ذلك أن تتعرض لما يسخط الله جل وعلا.

    وثبت في صحيح ابن حبان ، ومعجم الطبراني الكبير، والحديث رواه أبو نعيم في الحلية، والبزار في مسنده من رواية أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله)، وفي رواية الطبراني : (إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله).

    فكما أنك لا تفر من أجلك، وأينما كنت سيوافيك الموت، ولو كنت في بروجٍ مشيدة، والله لو كنت في جحر ضب لجاءك ما قسم لك وما قدر لك، نعم. أنت مأمور بالسعي والكسب، والتعرض لنفحات الله عن طريق ما أحل الله، فهذا وصف عباد الله، يبيعون ويتاجرون ويعبدون الحي القيوم، وقد جعل الله الرزق بين الحياة وبين الممات، فوسط الرزق بين الأمرين، وكما أننا لا نشك في خلقنا، ولا نشك في موتنا، ولا نشك في بعثنا، فما ينبغي أن يعترينا شك نحو رزقنا، قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الروم:40].

    وأنت الواجب عليك أن تتعرض لنفحات الله، فإذا قدر لك رزقٌ كثيرٌ جاءك، وإذا قدر عليك في الرزق جاءك ما قدر عليك، وأنت على الحالتين راضٍ بما قسم لك.

    لكن الرزق لا ينال لا بمعصية الله، ولا بشطارة، ولا باحتيال، ما قدر لك سيأتيك، فإما أن تأخذه من طريقٍ حلال، وإما أن تأخذه من طريقٍ حرام، ورحمة الله على من قال:

    كم من قوي قوي في تقلبه مهذب الرأي عنه الرزق ينحرف

    وكم من ضعيف ضعيف في تقلبه كأنه من خليج البحر يغترف

    هذا دليل على أن الإله له في الخلق سر خفي ليس ينكشف

    إذاً: هؤلاء العباد الرجال الأبرار الذين يذكرون الله في بيوته، رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ [النور:37]، لا تلهيهم تجارة ولا بيع، يتاجرون ويبايعون، لكن ذلك لا يشغلهم عن طاعة الحي القيوم.

    القناعة والرضا بالرزق المقسوم وعدم الالتهاء بذلك عن طاعة الله

    عباد الله! وإذا كانت لنا تجارات وبيوع في هذه الحياة، نتعرض لنفحات رب الأرض والسماوات، ولتحصيل هذا الرزق الذي أحله الله، ينبغي أن يكون في قلوبنا عند تحصيله قناعة، ولا داعي بعد ذلك للجشع، ولا للطمع، ولا للحرص، فالقناعة حقيقةً هي غنىً في هذه الحياة، وهي ذخرٌ لك بعد الممات، والقناعة أن ترضى بما يكفيك، وأن لا تكثر من أمانيك، ما جاءك وما فيه كفاية فاحمد الله عليه، وهذا غنىً ليس بعده فقر، ثبت في مسند الإمام أحمد ، والصحيحين، والحديث رواه الإمام الترمذي وابن ماجه ، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، وروي عن أنس ، وأبي ذر رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى عنى النفس)، فأنت إذا كان في قلبك هذه القناعة فما جاءك سيكفيك، وبعد ذلك تتفرغ لطاعة الله جل وعلا، ولا يلهيك البيع ولا التجارة عن طاعة الله جل وعلا، ورحمة الله على شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية عندما كان ينشد ويردد هذا كثيراً فيقول:

    رأيت القناعة ثوب الغنى فصرت بأذيالها أنتسك

    فألبسني جاهها حلة يمر الزمان ولن تنتهك

    فصرت غنياً بلا درهم أمر عزيزاً كأني ملك

    هذا حال عباد الله، لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ [النور:37]، يكدحون في هذه الحياة، وما جاءهم رضوا به، ثم بعد ذلك تفرغوا لطاعة الله جل وعلا.

    أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يرضينا بما قسم لنا، وأن يجعل غنانا في نفوسنا، ونسأله أن يجعل نعمته عوناً لنا على طاعته، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، أقول هذا القول وأستغفر الله.

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده الله ورسوله خير خلق الله أجمعين، اللهم صلي على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمّن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    عباد الله! إذا جمع الإنسان المال، وأحرزه من طريقٍ حلال، ينبغي ألا يتعلق به، وألا يحبه، وألا يبخل به، وألا يمنع الواجب فيه، وينبغي ألا يحرص عليه، وألا يتعلق به، وألا يشغله ذلك عن طاعة الله، وينبغي أن يقنع بما قسمه الله له. هذه أمور خمسةٌ نتدارسها في الموعظة الآتية إن شاء الله، والقناعة راحة للإنسان في هذه الحياة، وسعادة له بعد الممات.

    وقد أخبرنا خير البريات عليه الصلاة والسلام أن من هداه الله للإسلام، وجعل في قلبه القناعة في هذه الحياة فهنيئاً له ثم هنيئاً له، ثبت في مسند الإمام أحمد ، وصحيح مسلم ، والحديث رواه ابن ماجه ، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (قد أفلح من أسلم، ورُزِق كفافاً، وقَنَّعَهُ الله بما آتاه)، والكفاف: هو ما كف على السؤال، وكان بمقدار الكفاية، فإذا هديت للإسلام، ورزقت رزقاً حلالاً يكفك عن السؤال، وعن الاحتياج إلى الأنام، ووجدت في قلبك القناعة، فهنيئاً لك يا عبد الله!

    والحديث رواه الإمام أحمد أيضاً، والترمذي ، والإمام النسائي ، والحاكم في المستدرك، وابن حبان في صحيحه، عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه، عن نبينا عليه الصلاة والسلام بلفظ: (طوبى لمن أسلم، وكان عيشه كفافاً وقنع)، فهذه الأمور هي راحة لك في هذه الحياة وسعادةٌ بعد الممات.

    اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، بفضلك ورحمتك يا أرحم الرحمين.

    اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارضَ عنا، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم إنا نعوذ بك من نفسٍ لا تشبع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن علمٍ لا ينفع، ومن دعاءٍ لا يسمع، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، اللهم، اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا يا أرحم الراحمين، اللهم أنزل علينا من بركات السماء، وأخرج لنا من بركات الأرض، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وارحمهم كما رَبَّوْنا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].