إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. المرابطون في بيوت الله [1] - صفات الرجال

المرابطون في بيوت الله [1] - صفات الرجالللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أحب البقاع إلى الله تعالى هي المساجد التي بنيت لذكره، ولذلك رتب الله على إتيانها وأداء الصلاة فيها والذكر والمكث فيها الأجور الكثيرة؛ ليحفز الناس وليحافظوا على صلاة الجماعة وقراءة القرآن وغيرها، بل رتب الله الأجور المتكاثرة في الخطى إلى المساجد وبين أنها من أسباب رفع الدرجات ومحو الخطايا والسيئات.

    1.   

    المرابطة في المساجد من صفات المؤمنين

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً، وهو اللطيف الخبير.

    اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3] .

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! إن أفضل البقاع عند ذي الجلال والإكرام وأكرمها عليه بيوته في الأرض ألا وهي المساجد، ففيها نوره وهداه، وقد أذن الله برفعها لإيقاع التسبيح وذكره فيها، وتقدم معنا الكلام على أمور ثلاثة وهي: رفع المساجد، والتسبيح فيها، وذكر الله جل وعلا فيها، وما في هذه الأمور الثلاثة من دلالات وإرشادات.

    وسنتدارس أحوال من يدخلون بيوت الله ويرابطون فيها، رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:37] .

    فبعد أن ذكر ما يقع في بيوت الله انتقل إلى أحوال عمار بيوت الله جل وعلا، فذكر أعمالهم القلبية والقالبية، السرية والجلية، فهم رجال لا يلهيهم عرض الدنيا وزينتها وما فيها من بيع وشراء، وأخذ وعطاء، فلا يلهيهم ذلك عن تعظيم الله، والإحسان في عبادة الله من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم هم في أتم استعداد ليوم المعاد، يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:37] .

    هذه الصفات الأربع للرجال: لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:37] .

    لا يلهيهم عرض الدنيا عن تعظيم الله من ذكره والصلاة له، ولا يلهيهم عرض الدنيا عن الإحسان إلى عباد الله، فهم في أتم استعداد ليوم الميعاد.

    1.   

    المعاني الواردة للفظ الرجال ودلالته في قوله تعالى: (فيه رجال...)

    إخوتي الكرام! هذه الصفات الأربع لا بد من تدارسها والوقوف عندها، وقبل أن ندخل في تفصيل الكلام عليها ينبغي أن نقف عند قول الله جل وعلا: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ [النور:36-37].

    فلفظ الرجال فيه دلالتان معتبرتان، نتكلم على الدلالة الأولى ونتدارسها هنا، والدلالة التي يفيدها هذا اللفظ يأتي الكلام عليها لاحقاً إن شاء الله.

    عباد الله! لفظ الرجال يدل على أمرين معتبرين:

    الشهامة والفتوة والخصال الحميدة

    الأمر الأول: رجال كرام، ذوو قدر ومنزلة عند ذي الجلال والإكرام، فلفظ الرجولة إذا أطلق يراد منه أحياناً الشهامة والكرم والفتوة والخصال الحميدة التي يتصف بها الإنسان، فرجال عظام، ورجال طيبون، ورجال مخلصون للحي القيوم، فهم الرجال وما عداهم أرذال أنذال، وهذا مستعمل في أسلوب العرب، يقول العرب في لغتهم: مررت برجل، ورجل أبوه، أي: مررت برجل كريم شهم صاحب مروءة وإحسان، وأبوه على هذه الخصال الحميدة، ولا يريد من الرجال هنا معنى الذكورة الذي يقابل الأنوثة، مررت برجل أبوه، برجل كريم فخيم عظيم، وأبوه كذلك، وعلى هذا يتنزل كلام سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه عندما قال: ثلاث أنا فيهن رجل، أي: وما سوى ذلك فأنا كسائر الناس، أول هذه الخصال التي هو فيها رجل، أي: هو فيها كامل الرجولة والمروءة والشهامة والفتوة والعقل والرزانة، يقول: ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق، وما كنت في صلاة فحدثت نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا تبعت جنازةً لا أحدث نفسي إلا فيما يقال لها وما تقول.

    هذه الأمور الثلاثة أنا فيها رجل، فأضبط عقلي ووعيي، ولا يمكن أن يغيب عني رشدي، وما عدا ذلك فأنا بشر أخطئ وأسهو، فهذه ثلاث أنا فيهن رجل، وفيما عدا ذلك أنا كسائر الناس، فهؤلاء رجال عظام كرام لهم منزلة عظيمة عند ربنا الرحمن، فهم أصحاب العقول حقاً وصدقاً، وعلى هذا يتنزل قول الله جل وعلا عندما نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقوم في مسجد الضرار الذي بناه الأرذال وأمره أن يقوم في المسجد الذي أسس على التقوى وهو مسجد قباء، ومسجد خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه، فقال: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ [التوبة:108] أي: رجال أبطال، فهم أهل عقول، وأهل مروءة، وأهل نجدة، وأهل نخوة، وأهل شرف وعزة، فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108].

    وأما في مسجد الضرار فيوجد الفجار والمنافقون الأشرار، وأما هنا فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108] ، وعلى هذا يتنزل قول مؤمن آل فرعون عندما قال أعتى أهل الأرض في زمن فرعون: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ [غافر:26] ، فقال العبد الصالح المؤمن من آل فرعون ويكتم إيمانه: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [غافر:28]؛ أي: رجل اكتملت فيه الرجولة والنخوة والمروءة والشرف والنجدة: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا [غافر:28] أي: رجلاً عظيماً لا يعادله ملء الأرض من الرجال، وهو نبي الله موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر:28] .

    هذا المعنى الأول في لفظ الرجال (فيه رجال)، أي: رجال كرام أصحاب عقول متينة ودين قويم.

    الذكورة في مقابلة الأنوثة

    والأمر الثاني: لفظ الرجال يطلق بما يقابل الأنوثة وهو الذكورة، والمعنيان هنا متقاربان، ففي بيوت الله، رجال اتصفوا بصفات المروءة، وعندهم عقول حصينة رزينة، وهم ذكور، فالمرأة لا تطالب بالحضور إلى بيوت العزيز الغفور في هذه الحياة، كما سيأتينا هذا في التنبيه الثاني إن شاء الله.

    إخوتي الكرام! وإذا أطلق لفظ الرجل فهو يحتمل المعنيين، وقد يشملهما، ولا بد من قرينة تحدد ذلك، فقول الله جل وعلا: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ [النساء:7]، فيراد منه خصوص الذكور فقط بغض النظر عن صفاتهم، أو فيهم صفات معتبرة أو لا، وأتقياء أو أشقياء، فليس هذا محل بحث، (للرجال) أي: للذكور، فلفظ الرجال يطلق على هذا.

    وإذا كان في السياق لا يوجد ما يحدد المراد وقد يلتبس، فلا بد من اتباع هذا اللفظ بما يزيل الإيهام عنه، وعلى هذا يتنزل ما ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين وغيرهما، والحديث في أعلى مراتب الصحة من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر )، فقوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها) أي: أصحاب الفروض، والإرث على نوعين: إرث عن طريق الفروض المقدرة في كتاب الله، وإرث عن طريق التعصيب، وقوله: (ألحقوا الفرائص بأهلها)، أي: من له فرض محدد من نصف أو ربع أو ثمن أو ثلثان أو ثلث أو سدس أعطوه فرضه، ثم قال: (فما بقي فلأولى رجل)، قال بعد ذلك: (ذكر)، وإنما وصف النبي صلى الله عليه وسلم الرجل هنا ونعته وأتبعه بلفظ الذكورة؛ لئلا يحصل إيهام عند السامعين؛ لأنه لو قال: (فلأولى رجل) وسكت عليه صلوات الله وسلامه لاحتمل الكلام أمرين: لاحتمل فلأولى ذكر الذي يقابل الأنثى، ولاحتمل فلأولى رجل من ورثته فيه نخوة ومروءة وشهامة ونجدة وقوة، وقد كان هذا المفهوم مستعملاً عند العرب في جاهليتهم، فلا يورثون الميت إلا أقوى ورثته، فكانوا لا يعطون مال الميت إلا لمن وثب على الخير، وضرب بالسيف، وطعن بالرمح، فقد يفهم بعض الناس هذا المعنى، (فلأولى رجل) أي: أقوى رجل، وأكرم رجل، وأنجد رجل، فلئلا يفهم هذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( فلأولى رجل ذكر )، أي: فلرجل يتصف بصفة الذكورة هو أقرب إلى الميت من غيره، وهذا أحد تخريجات خمسة قيلت في وجه إتباع الذكورة للرجولة في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( فما بقي فلأولى رجل ذكر ).

    إخوتي الكرام! خلاصة الكلام على هذه المقدمة الموجزة أن لفظ الرجل يطلق على أمرين: على ما في الإنسان من صفة العقل والشهامة والمروءة والكرم والنخوة، وعلى الذكورة التي تقابل الأنوثة، والأمران معتبران في قول الله: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ [النور:36-37].

    1.   

    وجه كون الذين يدخلون المساجد يتميزون برجحان العقل

    فلنتدارس الأمر الأول، ولنقرره، ولنبين وجه كون الذين يدخلون بيوت الله رجال أحرار أشراف عقلاء، ومن عداهم أشباه الرجال ولا رجال، قد يقول قائل: هل الدخول في بيوت الله وتسبيح الله فيها، وإقام الصلاة فيها يدل على عظم الإنسان ومكانته ونبل أخلاقه، ورسوخ قدمه، ورجحان عقله؟ والجواب: نعم، وإذا لم يدل دخول المسجد على هذه الأمور فلا يوجد دليل معتبر على وجه الأرض، وإذا أردت أن تتحقق من هذه القضية، وأن تعلم أن أعقل الناس هم المرابطون في بيوت الله، وأن أعقل الناس هم أعبد الناس لله، فاسمع لهذه الدلالة المعتبرة التي أشار إليها رب العالمين، وتطرب لها عقول المتقين، يقول الله جل وعلا: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء:83-84].

    ويقول الله جل وعلا: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ [ص:41-43] .

    فقال في سورة الأنبياء على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه: وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء:84]، وقال في سورة ص: وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ [ص:43] .

    وفي ذلك إشارة -كما قال أئمتنا المفسرون- إلى أن العابدين هم أصحاب العقول الصريحة، وأن أصحاب العقول هم من يعبدون ربهم جل وعلا، فلا عبادة من غير عقل ولا عقل من غير عبادة، فكل من لم يعبد الله جل وعلا فهو سفيه جاهل ضال، وكل من عبد الله جل وعلا فهو كريم عاقل، وقد قرر أئمتنا الكرام أن من أوصى بوصية لأعقل أهل مصر من الأمصار وأهل بلدة من البلاد فتصرف لأشدهم اجتهاداً في طاعة الله وعبادته.

    فهذا أعقل الناس، وأكيس الناس، وأفضل الناس، فهذا هو الرجل المقصود بقوله: فِيهِ رِجَالٌ [التوبة:108]، فإن عبادة الله وتسبيحه وإقامة الصلاة في بيوت الله، وتعلم العلم علامة على الفتوة وكمال العقل في الرجل لأن الله يقول: فِيهِ رِجَالٌ [التوبة:108]، وقد كان سلفنا رضوان الله عليهم يقررون هذا المعنى.

    روى الإمام أبو محمد عبد الغني المقدسي بإسناد حسن عن زر بن حبيش رحمه الله ورضي عنه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال لابن أخيه: يا ابن أخي! ترى الناس ما أكثرهم؟ قال: نعم، قال: لا خير فيهم إلا تائب أو تقي، ثم قال له: يا ابن أخي! ترى الناس ما أكثرهم؟ قال: نعم، قال: لا خير فيهم إلا عالم أو متعلم.

    نعم، إن كل ما في هذه الحياة ملعون إلا ما أريد به وجه الحي القيوم.

    وقد ثبت في سنن الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، أو عالماً أو متعلماً )، فهؤلاء الذين يسلمون من اللعن، وهؤلاء الذين يسلمون من الخسارة كما قال الله: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].

    ولا خير في الذكاء إذا لم يصحبه زكاء، وقد قال كثير من أئمتنا الأتقياء في تراجم عددٍ من العلماء الأشقياء: كان ذكياً؛ ولم يكن زكياً، أي: عنده ألمعية في عقله، لكنه ليس عنده استقامة في دينه وخلقه، ولا يضع الأمر في موضعه، فذكاؤه لا يزيد على ذكاء الثعالب والقرود، فكان ذكياً ولم يكن زكياً، فكل من لم يعبد الله في بيت الله فليس برجل، وإنما هو رويجل، وهو من أشباه الرجال وليس من الرجال؛ لأن الله يقول: فِيهِ رِجَالٌ [التوبة:108]، فدخول بيوت الله جل وعلا علامة على الشهامة والمروءة والفتوة والرجولة، يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ [النور:36-37].

    1.   

    صلاة الجماعة والأدلة على وجوبها

    الدليل الأول: (من سره أن يلقى الله غداً سالماً...)

    ففي صحيح مسلم والسنن الأربعة عدا سنن الإمام الترمذي ، والحديث صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ( من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات -يعني الخمس- المفروضات حيث ينادى بهن -يعني في جماعة في بيوت الله- فإنهن من سنن الهدى، وإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، ولو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف -أي رجل تأخر عن الجماعة- في بيته لتركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم )، وفي رواية أبي داود : ( ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم ).

    نعم، إن ترك الصلوات في جماعة كفر إن استحل تاركها ذلك، واستهزأ بأداء الصلوات في جماعة فلا شك في كفره، وإذا لم يستحل فهو كافر كفراً أصغر؛ أي: كفر النعمة لا كفر المنعم، وهذا هو النفاق العملي، وهو معصية عظيمة جليلة كبيرة شنيعة، ( ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم ).

    إن هذا يؤدي به إلى الكفر، إن هذا اللفظ مقرون للتغليظ والتشنيع والردع بما تقشعر منه الجلود، وتخاف منه القلوب، ( ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم -لكفرتم- ولقد كان الرجل يؤتى به بين الرجلين يهادى حتى يقام في الصف ) أي: كنا على عهد النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان في الإنسان مرض وعلة، وبإمكانه أن يتحمل الحضور يسنده رجلان وهو يتهادى بينهما، أي: يميل على هذا مرةً وعلى هذا مرةً حتى يقام في الصف، حتى يبرأ من وزر النفاق، ووصفه به، ( ولقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق )، وهل المنافقون من الرجال؟ لا، إنهم من الأشرار الأنذال الأرذال.

    الدليل الثاني: (ليس أثقل على المنافقين من...)

    أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن من الأمارات التي لا تتخلف في المنافق -كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح: يعني النفاق العملي-: عدم أداء الصلوات المكتوبات في بيوت رب الأرض والسموات، لا سيما صلاتي الفجر والعشاء.

    ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً )؛ أي: يزحفون على أيديهم وأرجلهم وركبهم، وقد كان السلف الكرام رضوان الله عليهم أجمعين يعتبرون حضور صلاة الفجر في جماعة وحضور صلاة العشاء في جماعة، من العلامات التي تدل على أن الإنسان ليس بمنافق، وعدم الحضور مما يدل على أنه منافق مصداقاً لهذا الحديث ولأحاديث غيره كثيرة، منها: ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، وسعيد بن منصور في مصنفه، وأثر الإسناد صحيح عن أبي عمير بن أنس بن مالك عن عمومته من الأنصار رضوان الله عليهم أجمعين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يشهد الفجر وصلاة العشاء منافق )، ولذلك ثبت في معجم الطبراني الكبير والبزار ، والأثر رواه الإمام ابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه، وإسناده صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ( كنا إذا رأينا الرجل يتخلف عن صلاة العشاء وعن صلاة الفجر ظننا به سوءاً )، أي: أنه من المنافقين، ومن الأرذال، وليس من عباد الله الرجال، يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ [النور:36-37].

    إخوتي الكرام! إن صلاة الجماعة واجبة، والذي يفرط فيها فقد غبن وخسر وضيع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد ثبت في أصح الكتب بعد كتاب الله في صحيح الإمام البخاري في كتاب الأذان باباً يشير به إلى هذه القضية، فقال الإمام البخاري عليه رحمات رب البرية: باب وجوب أداء الصلاة في جماعة. ثم ذكر أثرين: أحدهما مرفوعاً إلى نبينا صلى الله عليه وسلم متصلاً، والآخر أورده بسند معلق مجزومٍ به إلى إمام من أئمة التابعين.

    الدليل الثالث: (لقد هممت أن آمر بالصلاة...)

    ثبت في صحيح البخاري وهو في مسلم وغير ذلك من الكتب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق إلى رجال يتخلفون فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء )، وقوله: (عرقاً سميناً) أي: عظماً عليه بقية لحم، (أو مرماتين حسنتين) تثنية مرماة، وهي إما ما بين ظلفي الشاة من لحم رقيق، وإما شيء كان يلعب فيه كالهدف الذي يرمى إليه كخشبتين تنصبان ثم بعد ذلك يجري الناس بينهما، فيكون المعنى: لو علموا هؤلاء أنهم إذا جاءوا إلى صلاة العشاء حصلوا أكلاً ولعباً لصلوا لله من أجل بطونهم ومن أجل متعتهم، أما الصلاة تقرباً إلى ربهم فليسوا من أهل ذلك.

    والحديث كما ترون إخوتي الكرام! نص صريح صحيح في وجوب أداء الصلوات المفروضات في جماعة، وإلى هذا ذهب جم غفير من أئمة الإسلام منهم الإمام المبجل أحمد بن حنبل وعطاء بن أبي رباح والإمام الأوزاعي وغيرهم، وذهب إليه جم غفير من المحدثين من أتباع المذاهب الأربعة وغيرهم كـابن المنذر ، وأبي ثور ، وابن خزيمة ، وابن حبان رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين، فكل هؤلاء قالوا: بأن أداء الصلوات المفروضات في الجماعة واجب.

    الدليل الرابع: أثر الحسن البصري فيمن منعته أمه من صلاة الجماعة

    أورد الإمام البخاري في صحيحه فقال: وقال الحسن -أي الحسن البصري عليه رحمة الله- في من منعته أمه من أداء صلاة العشاء في جماعة شفقةً عليه، تقول له: لا أصبر عن فراقك، أريد أن أستأنس بك، لا أريد أن تفارقني في هذا الوقت، هل نطيعها؟ قال: لا، صلاة الجماعة واجبة.

    وهكذا قال الإمام الأوزاعي عليه رحمة الله: لا طاعة للوالدين في ترك الجمعة والجماعة.

    فالذين لا يؤدون الصلوات المفروضات في بيوت رب الأرض والسماوات ليسوا برجال، وإنما هم أهل ضلال وخبال، وهم أشرار أرذال، وهذا الذي قرره الإمام البخاري ، وتبعه عليه وقال به كثير من أئمتنا الكرام.

    الدليل الخامس: (من سمع النداء فلم يجب...)

    وقد وردت أدلة كثيرة تشهد له وتقرره وتقويه، فمن هذه الأدلة: ما ثبت في سنن ابن ماجه ، والحديث رواه ابن حبان والحاكم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما، والحاكم في مستدركه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر )، والعذر أن تكون مريضاً، أو أن تكون مسافراً، أو أن يكون هناك مطر وما شاكل هذا.

    وفي مستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، واختلف في وقف الأثر وفي رفعه إلى نبينا عليه الصلاة والسلام وقد أورده الحاكم مرفوعاً وصححه وأقره عليه الذهبي ، ويشهد له الأثر المتقدم عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من سمع النداء فلم يجب وهو صحيح فارغ فلا صلاة له )، أي: ليس في أخرى بدنه مرض وآفة، وهو ليس مشتغلاً بأمر يسقط عنه حضور الجماعة.

    آثار أخرى في وجوب صلاة الجماعة

    والآثار والأحاديث في ذلك كثيرة وفيرة.

    ففي معجم الطبراني الأوسط بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قيل له: ما تقول فيمن سمع الأذان فلم يجب؟ فقال: من سمع حي على الفلاح فلم يجب فقد ترك سنة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وفي سنن الترمذي في الأثر الذي رواه عن ليث بن أبي ليث عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين: أن ابن عباس سئل عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، لكنه لا يشهد جمعة ولا جماعة؟ قال: هو في النار.

    وإن كان في أحد الرواة وهو ليث كلام، وهو من رجال مسلم ، وهو صدوق لكن طرأ عليه اختلاط، والأثر صححه الشيخ أحمد شاكر عليه رحمة الله في تعليقه على سنن الترمذي ، وقال: إن الأثر له حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن لصحابي رضي الله عنه أن يقول هذا الحكم عن طريق عقله وعن طريق رأيه، فمن صام النهار وقام الليل، ولم يشهد جمعة ولا جماعة فهو في النار.

    إخوتي الكرام! إن إيقاع الصلوات المفروضات في بيوت رب الأرض والسموات في هذه الحياة واجب، وإذا اتصف الذكر بذلك، فهو صاحب عقل ومروءة وشهامة وكرامة.

    1.   

    الفضائل والآثار المترتبة على صلاة الجماعة

    إخوتي الكرام! ومع كون هذا الأمر واجباً فإن في فعله خيراً كثيراً، فالذهاب إلى المسجد فيه خير، وأداء الصلوات المفروضات في المسجد فيه خير، والمكث في المسجد والجلوس فيه فيه خير، فهذه خيرات كثيرة يحصلها الرجال العقلاء الكرام الأبرار مع كون ذلك واجباً عليهم إذا تركوه فهم آثمون.

    فرح الله بصلاة الجماعة

    أما صلاة الجماعة فالله جل وعلا يفرح إذا أديت هذه الصلوات المفروضة في جمع.

    ثبت في المسند ومعجم الطبراني الكبير بإسناد صحيح من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله ليعجب من أداء الصلاة في جمع ) أي: في جماعة، ووجه العجب -وصفات الله جل وعلا على ما يليق به- أن هؤلاء العباد اختلفت أشكالهم، ومراكبهم، لكن وحد الشرع فيما بينهم، فجعلهم صفوفاً متراصين، وإخوة متحابين يعبدون رب العالمين.

    البراءة من النفاق ومن النار

    إذا أدى الإنسان هذه الصلوات في جماعة وحافظ عليها، وما فاتته التكبيرة الأولى فترة من الوقت فله أجر عظيم لا يخطر ببال كثير من المكلفين، ويكون له بسبب ذلك الأداء حصن وحاجز من النفاق ومن النار.

    فقد ثبت الحديث بذلك في سنن الترمذي بسند حسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه، ورواه الترمذي أيضاً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لكن بسند منقطع، ويشهد له الأثر المتقدم، ولفظ الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من صلى لله في مسجد أربعين يوماً لا تفوته التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق ).

    إعداد الضيافة والنزل في الجنة للمحافظ على الجماعة

    إن أداء الصلوات المفروضات في جماعة إضافة إلى أنه واجب فيه أجر كثير، والمشي إلى بيوت الله فيه أجر كثير، ولا يدرك هذا إلا الرجال الأبرار، والعقلاء الأخيار.

    ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح ).

    فأنت أيها المسلم! إذا ذهبت إلى بيت الله في الصباح والمساء يعد الله لك ضيافة في دار كرامته وفي دار ضيافته وفي جنته بمقدار ذهابك في الصباح والمساء، والحديث في الصحيحين.

    وثبت في معجم الطبراني الكبير بإسناد حسن عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما من مسلم يتوضأ في بيته فيحسن الوضوء، ثم يذهب إلى المسجد إلا كان زائراً لله )، وحق على المزور أن يكرم الزائر، فعندما تذهب إلى بيت الله جل وعلا فأنت تذهب لزيارة الله، وتذهب للقاء الله في بيته ومناجاته، فلذلك كان حق على الله أن يكرمك.

    البشرى بالنور يوم القيامة

    إذا وقع هذا الذهاب في ظلمة فأبشر بالنور التام يوم القيامة، كما ثبت في سنن ابن ماجه ، والأثر رواه ابن خزيمة في صحيحه، والإمام ابن حبان في مستدركه، وإسناده صحيح عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة )، والحديث روي عن عدة من الصحابة الكرام، فرواه الترمذي وأبو داود عن بريدة رضي الله عنه، ورواه ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه، ورواه الطبراني في معجمه الأوسط عن أبي هريرة ، ورواه الطبراني في معجمه الكبير وابن حبان عن أبي الدرداء ، فهؤلاء خمسة من الصحابة الكرام، وروي الحديث أيضاً عن ابن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وزيد بن حارثة وأمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين، فهو متواتر مقطوع بصحته إلى نبينا صلى الله عليه وسلم: ( بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة )، فلا يضيع هذه الفضيلة وهذه الكرامة إلا من كان من الأشرار، ومن كان أشباه الرجال وليس من الرجال، ولا يغتنم هذه الفضائل إلا من كان رجلاً كامل العقل، يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ [النور:36-37].

    رفعة الدرجات ومحو الخطايا

    إخوتي الكرام! إن هذه الجماعة التي أمرنا الله بها وجعل فيها فضيلة عظيمة فإننا إذا جلسنا بعدها في بيوت الله ومكثنا فلنا حكم المرابطين الذين يرابطون على ثغور المسلمين، ويدافعون عن دين رب العالمين.

    ثبت في صحيح مسلم وموطأ الإمام مالك ، والحديث في السنن الأربعة عدا سنن أبي داود ، والحديث صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره )، أي: إذا كان في الوقت شدة من برد أو ما شاكل هذا، ( وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط )، والمرابط: هو الذي يرابط على ثغور المسلمين؛ ليرد الكافرين عن عباد الله الموحدين، وهذا الرباط يتحقق عندما ترابط في بيوت الله، وتنتظر فيها أداء الصلاة.

    1.   

    فضائل المكث في المسجد

    لقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم المكث في المسجد الرباط الأكبر، كما أن جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان هو الجهاد الأكبر، وجهاد الأعداء من بني الإنسان جهاد أصغر.

    المكث في المسجد يعد رباطاً أكبر

    ثبت في معجم الطبراني الأوسط، وإسناد الحديث حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( منتظر الصلاة بعد الصلاة كفارس في سبيل الله اشتد به فرسه في لقاء أعداء الله، وذلك الرباط الأكبر )، أي: هذا الذي ينتظر صلاة بعد الصلاة، وبعد أن أدى الصلاة كأن يكون أدى صلاة المغرب فمكث في بيت الله ينتظر صلاة العشاء فهذا حاله كحال الفارس الذي يشتد به فرسه في لقاء أعداء الله، وذلك هو الرباط الأكبر، وإنما كان هذا الرباط رباطاً أكبر؛ لأن المرابطة على الثغور لها أوقات محدودة، ويتناوب فيها الناس والمؤمنون، وأما هذه فوقتها مستمر، فكلما أمكنك أن ترابط في بيت الله فرابط واغتنم هذا.

    فرح الله بمن رابط في المسجد

    إذا رابط الإنسان في بيت الله وقعد في بيت الله ينتظر صلاة أو ليذكر الله فإن الله يفرح به، ويتبشبش إليه كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم.

    ثبت في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، ورواه ابن ماجه ، والحديث في صحيح ابن حبان وصحيح ابن خزيمة ، ورواه الحاكم في مستدركه، وإسناده صحيح كالشمس عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما توطن مسلم مسجداً لصلاة أو لذكر )، أي: استوطنه وقعد فيه، وجعل مقامه فيه، ( إلا تبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم )، أي: تلقاه ببشر وفرح، وإذا كان الله جل وعلا يعامل من يمكث في بيوته هذه المعاملة فإنه لا يغتنم ذلك إلا الرجال، والعقلاء، والأبرار، الكرام، قال تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ [النور:36-37]، فهؤلاء هم الرجال، هؤلاء هم العقلاء.

    الوصف بالتقوى للماكث في المسجد وضمان الرحمة والجواز إلى الجنة

    إخوتي الكرام! وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا رابط في بيت الله، وحبس نفسه في بيت الله من أجل صلاة وذكر وصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام فله أجر كبير عند الله جل وعلا.

    ففي معجم الطبراني الكبير والأوسط والحديث رواه البزار أيضاً في مسنده بإسناد حسن عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( المسجد بيت كل تقي، وضمن الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوانه وجنته )؛ أي: عكف فيه ومكث فيه، كما يمكث في بيته ويستوطن فيه ليجمع همه، ويذكر ربه، ويعد نفسه إلى كل خير في العاجل والآجل.

    الفوز بظل الله يوم القيامة

    إخوتي الكرام! وإذا مكث الإنسان في بيت الله وتعلق قلبه بهذه البيوت أظله الله جل وعلا يوم الدين في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، كما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام العادل، وشاب نشأ في طاعة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ).

    فذكر من هؤلاء الأصناف رجلاً قلبه معلق في المساجد، قال أئمتنا: أي: يأوي إليها، ويسكن فيها، ويمكث فيها، كحال القناديل المعلقة في المساجد مستقرة ثابتة لا يفارقها ولا يخرج عنها إلا لضرورة، ثم هو بعد ذلك معتكف جالس في بيت الله يفارق مجالس السمر والهذيان، والقيل والقال، ويجعل مجلسه وموطنه بيوت الرحمن جل وعلا، فـ(قلبه معلق في المساجد) يستوطن في هذه المساجد كالقنديل المعلق، وعليه فهو من التعليق وهو من الإقامة والمكث، ويحتمل الحديث معنى آخر وهو: معلق مأخوذ من العلاقة أي: الحب، أي: مائلاً قلبه إلى المساجد كما وضح هذا رواية الإمام أحمد : ( رجل قلبه معلق بالمساجد )، وليس (في)، أي: ليس هو معلق فيها، وإنما بها، فإذا خرج منها يريد أن يعود إليها، والأمران كل منهما حق، وهذا حال عباد الله بحيث يسكنون في بيوت الله، وإذا خرجوا منها يحنون إليها، ويتطلعون إليها، ويرغبون في العودة إليها.

    1.   

    صورة من حال المتأخرين مع صلاة الجماعة واعتياد المساجد

    إخوتي الكرام! هذه الفضائل الكريمة لا يحصلها الرجال، العقلاء إلا الأبرار، وقد وصل الحال بكثير من المسلمين في عصور سابقة وعصور حاضرة إلى أمر مشين مزري، حيث صار الدخول إلى هذا المسجد كأنه من علامات التأخر عند كثير من الناس، ووصل الأمر ببعض الغواة في هذا الفعل وإن كان من القضاة المتقدمين وهو الحجاج بن أرطأة الذي توفي سنة خمس وأربعين ومائة، وهو في هذا الفعل غاو نسأل الله أن يغفر له ولجميع المسلمين والمسلمات، بأن يقول: من مروءة الرجل أن يترك صلاة الجماعة في المسجد، وكان يقول: لا ينبذ الرجل حتى يترك صلاة الجماعة في المسجد، ولما عوتب قيل له: أنت قاض ولا تحضر صلاة الجماعة في المسجد؟ قال: أحضر إلى مسجدكم ويزاحمني فيه الحمالون والبقالون.

    قال الإمام الذهبي عليه رحمة الله في السير معلقاً على هذا الكلام المنتن الآثم: قلت: لعنة الله على هذه المروءة، ما الدافع إلى ذلك إلا الحمق والكبر.

    لا عقل عندك، فلم تعلم ربك بهذا الأمر، ثم تتطاول على عباد الله، إذا زاحمك البقالون والحمالون في بيت الحي القيوم فكان ماذا؟ أليس كلكم من آدم وآدم من تراب، ومن أنت أيها الإنسان؟

    ثم قال الإمام الذهبي : وفي كثير من البلاد ترى بعض الناس من علماء ووجهاء لا يصلون جماعة، أو يصلون منفردين إذا حضروا المسجد، أو يفرشون سجادة ويأخذون مكاناً واسعاً حتى لا يلتصق بهم أحد في الصلاة، وكل هذا من الكبر، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    إخوتي الكرام! بيوت الله ينبغي أن تعظم، وينبغي أن نغتنم الخيرات فيها، وإذا ابتعد الإنسان عنها فليس هو من عداد الرجال، وإن كان بعد ذلك من الذكور لكنه ممن ليس له اعتبار وقدر عند الله جل وعلا، قال تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ [النور:36-37].

    أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يسبحون لله جل وعلا في بيوته آناء الليل وأطراف النهار، إنه سميع مجيب.

    أقول هذا القول وأستغفر الله.

    1.   

    دلالة السنة على تفاوت الناس في المنزلة والقدر

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الطاهرين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    إخوتي الكرام! هذا هو المعنى الأول الذي يدل عليه لفظ الرجال، هؤلاء عقلاء أتقياء فضلاء أبرار، ومن عداهم فليسوا كذلك، وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى عظيم التفاوت بين الناس.

    ففي مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الصغير والأوسط، والحديث إسناده صحيح من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وروي الحديث من رواية سلمان وجابر وعمر والحسن بن علي رضي الله عنهم أجمعين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس شيء خيراً من مائة مثله إلا الرجل المؤمن ).

    وفي رواية الطبراني وغيره من الروايات الأخرى وهذه رواية الإمام أحمد : ( ليس شيء خيراً من ألف مثله إلا الرجل المؤمن )، هذا ذكر وهذا ذكر، لكن هذا رجل وذاك رويجل، وهذا يسوى ألفاً من مثله بل يزيد عليهم بكثير، والأشياء لا تتفاضل بهذا المقدار، فإذا نظرت إلى الثور مهما غلت قيمته وارتفع قدره لا يمكن أن يسوى الثور ألف ثور، ولا أن يسوى أي حيوان من الحيوانات ألفاً من مثله إلا ما يقع في بني آدم، ( ليس شيء خيراً من ألف مثله إلا الرجل المؤمن) أي: يعدل ألفاً، ويعدل ألوفاً، فهؤلاء هم الرجال الذين يسبحون في بيوت ذي العزة والجلال، يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ [النور:36-37].

    اللهم وفقنا لفعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، ونسألك أن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت فتنة بعبادك فاقبضنا إليك غير مفتونين، اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقربنا إلى حبك، اللهم اجعلنا من المحبوبين عندك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعلنا من أحب خلقك إليك، ومن المقربين لديك، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وأصلح أحوالنا بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا ولمشايخنا، ولمن علمنا وتعلم منا، ولمن أحسن إلينا، ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].