إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. البدعة - الحث على الاتباع وذم الابتداع

البدعة - الحث على الاتباع وذم الابتداعللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يشترط في قبول الأعمال الصالحة أمران: الإخلاص، والمتابعة، وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة تحث على متابعة النبي عليه الصلاة والسلام في هديه وطريقته في العبادة، وتحذر من المخالفة والابتداع. وهذا ما كان عليه السلف الصالح، وقد أكثروا من التحذير من البدع ومن أهل البدع. وقد أصبحت السنة في العصور المتأخرة غريبة إلا أن الطائفة المنصورة قائمة في كل زمان بالسنة وبنشرها.

    1.   

    النصوص القرآنية الآمرة بالاتباع المحذرة من الابتداع

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.

    اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً وآذانا صماً وقلوبا غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:71].

    أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! لا زلنا نتدارس شناعة البدعة في الإسلام، وأنها توجب للإنسان سوء الختام نسأل الله أن يحسن ختامنا، وأن يتوفانا وهو راض عنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وقد تقدم معنا أن هذا المبحث سنتدارسه ضمن ثلاثة أمور:

    أولها: في تعريف البدعة.

    وثانيها: في النصوص المحذرة من البدعة.

    وثالثها: في أقسام البدعة.

    والبدعة: هي الحدث في الإسلام عن طريق الزيادة أو النقصان، مع زعم التقرب بذلك إلى الرحمن، وذلك الحدث المحدث لا تشهد له نصوص الشرع الحسان، ولم يقل به أحد من أئمتنا الكرام.

    وننتقل إلى مدارسة الأمر الثاني ألا وهو: النصوص التي تحذر من البدعة، وتحذر من الهوى والابتداع، وتأمرنا بالاقتداء بخاتم الأنبياء على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! إن ديننا يقوم على دعامتين اثنتين وعلى ركنين ركينين أحدهما: إخلاص لربنا، وثانيهما: اقتداء بنبينا صلوات الله وسلامه عليه، وهذان الركنان الركينان، والدعامتان المتينتان هما مدلول كلمة التوحيد في الإسلام؛ لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلا إله إلا الله إخلاصنا لربنا وعبادتنا له وحده لا شريك له، ومحمد رسول الله عليه الصلاة والسلام اقتداؤنا بنبينا واتباعنا له، فمعبودنا هو الرحمن، وإمامنا هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ودين الله من أوله إلى آخره يقوم على هاتين الدعامتين، كما أشار إلى ذلك الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، فقال: دين الله منحصر في هاتين الجملتين: إياك أريد، بما تريد، فمن لمن يرد الله المجيد سبحانه وتعالى بأفعاله وبحركاته وسكناته فهو من أهل الشرك والرياء، ومن لم يتبع خاتم الأنبياء -على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه- فهو من أهل الزيغ والابتداع والأهواء، فلابد من إخلاص لله عز وجل، ومتابعة لنبيه عليه الصلاة والسلام.

    إخوتي الكرام! فكل من انحرف عن اتباع نبينا عليه الصلاة والسلام فهو مبتدع، وهو صاحب زيغ وهوى، سواء فرّط أو أفرط، كما تقدم معنا في تعريف البدعة.

    إخوتي الكرام! وقد جاءت نصوص القرآن تأمرنا باتباع نبينا عليه الصلاة والسلام، وتحذرنا من مخالفته، وتتابعت الأحاديث التي تقرر هذا الأمر، كما تتابع أئمتنا الكرام على وصية هذه الأمة بهذا الأمر.

    النداء العلوي بالاستجابة لداعي الله وداعي رسوله

    إخوتي الكرام! أمرنا الله جل وعلا باتباع نبينا عليه الصلاة والسلام، لئلا نكون من الزائغين المبتدعين، فقال ذو العزة والجلال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:20-24]، وهذا قيد لبيان الواقع، ولا يمكن أن تصدر الدعوة من الله جل وعلا ونبيه عليه الصلاة والسلام على خلاف ذلك، فدعوة الله ودعوة نبيه -خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه- في هذا الأمر، وهي حياتنا في هذه الحياة، حياة حقيقية آمنة مطمئنة توصلنا إلى السعادة والحياة الحقيقية أيضاً بعد الممات.

    والآيات في ذلك كثيرة منها قول ذي الجلال والإكرام: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7].

    فما أتى به نبينا عليه الصلاة والسلام ينبغي أن نأخذه وأن نتبعه وأن نقتدي به عليه صلوات الله وسلامه.

    محبة الله في اتباع النبي عليه الصلاة والسلام

    وقد ربط الله جل وعلا محبته باتباع نبينا عليه الصلاة والسلام، كما علق رحمته باتباع نبينا عليه الصلاة والسلام والاقتداء به على الدوام، فقال جل وعلا: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].

    وهكذا تكون رحمة الله لمن اقتدى بخير خلق الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وقد أشار الله إلى هذا الأمر في سورة الأعراف عندما حكى ما جرى من كليمه ونجيه موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، من مناجاة بينه وبين ربنا الرحمن مع وفده الذين اختارهم من قومه وكانوا سبعين رجلاً، يقول نبي الله موسى كما حكاه الله جل وعلا عنه: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف:156]، أي: تبنا إليك ورجعنا إليك: قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف:156]، ثم بين من يتصفون بهذه الصفات فقال جل وعلا: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:157].

    إذاً: رحمة الله تكون لهؤلاء، والفلاح يكون لهؤلاء الذين يتبعون الرسول النبي الأمي على نبينا وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه، وعليه فقد خرج النصارى من هذا الوصف وخرج اليهود من هذا الوصف، وخرجت كل أمة ضالة ملعونة من هذا الوصف، فلا ينال وصف الفلاح، ولا يحصل رحمة الله إلا من اقتدى بنبينا خير خلق الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    أمر الله لعباده باتباع صراطه المستقيم والنهي عما سواه من السبل

    إخوتي الكرام! وقد أمرنا الله جل وعلا باتباع صراطه المستقيم الذي أتى به نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام وحذرنا من الخروج عنه، فقال جل وعلا: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153].

    ما يترتب على مخالفة سيد المرسلين من فتنة الدنيا وعذاب الآخرة

    وهكذا أخبرنا العزيز الغفور في آخر سورة النور عند وصف المؤمنين، بأنهم يتبعون النبي الأمين عليه الصلاة والسلام، ويقتدون به في كل حين، وحذرهم الله جل وعلا غاية التحذير من مخالفة هذا النبي البشير النذير على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فمن خالفه فقد عرض نفسه لفتنة الحياة والعذاب بعد الممات، قال الله جل وعلا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:62-63]، المصدر هنا: دُعاء، إما أن يكون مضافاً إلى الفاعل أي: فلا تجعلوا دعاء الرسول لكم إذا دعاكم للاجتماع كما هو الحال في دعاء بعضكم لبعض، إن شئتم حضرتم، وإن شئتم تخلفتم، وإن شئتم بعد الحضور فارقتم هذا المجلس، فهذا يكون فيما بينكم، أما هذا النبي عليه الصلاة والسلام فإن دعا فالإجابة واجبة، وإذا حضرت فلا ينبغي أن تتخلف وأن تخرج وأن تفارق إلا بإذن منه عليه الصلاة والسلام.

    والآية تحتمل أن تكون من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: لا تجعلوا دعاءكم للرسول عليه الصلاة والسلام، ومناداتكم له عندما تنادونه كما ينادي بعضكم بعضاً، فإياك ثم إياك أن تقول: يا محمد! أو يا ابن عبد الله! لا يصح هذا، هذا رسول الله خير خلق الله عليه الصلاة والسلام، قل: يا نبي الله! يا رسول الله! يا أفضل خلق الله! فلا تنادوا رسول الله عليه الصلاة والسلام كما ينادي بعضكم بعضاً.

    وقد نص الإمام ابن حجر الهيتمي على أن من ذكر النبي عليه الصلاة والسلام وأضافه إلى أبيه ولم ينعته بنعت النبوة والرسالة فينبغي أن يعزّر، وأن يؤدب التأديب البليغ، عندما يقول: قال محمد بن عبد الله، يا عبد الله! ألا تنعته بما نعته رب العالمين: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح:29]، عليه الصلاة والسلام، وقال أيضاً: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]، عليه الصلاة والسلام.

    فإذا ذكرته فقل: قال حبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام، قال رسول الله، قال خاتم أنبياء الله على نبينا وعليهم جميعا صلوات الله وسلامه، ولا يضاف إلى أبيه عليه صلوات الله وسلامه إلا عند بيان نسبه عليه صلوات الله وسلامه، وما عدا هذا: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور:63]، فإذا دعاكم فإن لدعوته شأناً، وإذا دعوتموه فتأدبوا غاية التأديب مع هذا النبي الحبيب عليه الصلاة والسلام.

    وقوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا [النور:63]. أي: تختفون ويلوذ الواحد بالآخر ليخرج من الاجتماع الذي دعاهم إليه خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه، وهذا كان يحصل من المنافقين.

    وقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]، أي: أن تصيبهم فتنة في هذه الحياة أي بلية ومصيبة عظيمة فاقرة تهلكهم، أو أن تصيبهم فتنة في دينهم فيخرجوا عن دين ربهم عز وجل، وأي فتنة أعظم من مخالفتهم لنبيهم عليه الصلاة والسلام؟!

    إخوتي الكرام! هذه بعض نصوص القرآن تأمرنا بالاقتداء والاتباع لنبينا عليه الصلاة السلام، وتحذرنا من مخالفته عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    الأحاديث النبوية التي تحث على الاتباع وتحذر من الابتداع

    قد جاءت الأحاديث الكثيرة التي تأمرنا بالاتباع وتنهانا عن المخالفة والابتداع.

    ابتداء النبي عليه الصلاة والسلام خطبته ببيان منزلة هديه ومنزلة البدعة

    وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يغرس في الأمة على الدوام وجوب اتباعه وحرمة مخالفته، فكان إذا خطب عليه الصلاة والسلام في كل جمعة يوصي عباد الله بهذا الأمر وهو: أن سنته هي الهدى فمن تبعها فقد اهتدى، ومن انحرف عنها فهو على ضلال وردى.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم والحديث رواه الإمام النسائي في سننه، وابن ماجه في سننه أيضاً، والحديث رواه الإمام البغوي في شرح السنة، والإمام الآجري في كتاب الشريعة، من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام خطيباً يخطب فيهم الجمعة احمرت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ثم يقول: أما بعد إن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة )، وزاد الإمام النسائي في سننه بإسناد صحيح: ( وكل ضلالة في النار ).

    كان هذا الكلام الحق يقوله نبينا المختار عليه صلوات الله وسلامه في كل جمعة إذا خطب المسلمين، ويغرس هذا المعنى في قلوبهم.

    وقوله: ( أصدق الحديث كلام الله )، أي: هو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وهو الذي يهدي للتي هي أقوم، وخير الهدي هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، وشر الأمور المحدثات المبتدعات، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

    الأعمال المحدثة مردودة على أصحابها

    إخوتي الكرام! كل من اخترع شيئاً في دين الله، ولم يأذن به الله فهو مردود عليه ولا يقبله الله جل وعلا.

    ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين، والحديث رواه الإمام ابن ماجه في سننه وأبو داود في سننه والبغوي في شرح السنة أيضاً، ورواه الإمام ابن أبي عاصم في السنة، وهو في أعلى درجات الصحة فهو في الصحيحين، من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ ). أي: مردود عليه لا يقبل عند الله عز وجل.

    وفي رواية في صحيح مسلم وقد علقها البخاري في صحيحه بصيغة الجزم، وهي أيضاً في كتاب السنة لـابن أبي عاصم بلفظ: ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ )، وفي رواية في سنن أبي داود : ( من صنع أمراً ليس عليه أمرنا فهو ردّ ).

    إخوتي الكرام! كان نبينا عليه الصلاة والسلام يغرس هذا المعنى ويؤكد عليه في كثير من المناسبات، لتكون الأمة على وعي تام ولتريد بعبادتها وجه الرحمن كما جاء بذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، فلا يقبل العمل عند الله إلا إذا أخلصت فيه لله واتبعت فيه رسول الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالتمسك بسنته وهديه

    إخوتي الكرام! هذا الأمر كان يوصي به نبينا عليه الصلاة والسلام الصحابة الكرام وأمته على الدوام.

    ثبت في مسند الإمام أحمد ، والحديث رواه أهل السنن الأربعة إلا الإمام النسائي ، ورواه الإمام البغوي في شرح السنة، ورواه الإمام الدارمي في سننه، وهو في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ، ورواه الإمام أبو نعيم في حلية الأولياء، ورواه الإمام البيهقي -عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة الله- في كثير من كتبه، فرواه في السنن الكبرى وفي المدخل إلى السنن، ورواه في دلائل النبوة على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، ورواه في شعب الإيمان، ورواه في كتاب الاعتقاد، ورواه الإمام ابن أبي عاصم في السنة، والإمام الآجري في الشريعة، والإمام اللالكائي في شرح أصول أهل السنة، والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، وهو مروي في غير ذلك من دواوين السنة، والحديث صحيح إسناده كالشمس في رابعة النهار، من رواية أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه وأرضاه قال: ( وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودِّع فأوصنا ). شعر الصحابة من حرقة نبينا عليه الصلاة والسلام واشتداده في الموعظة في آخر حياته شعروا أنه يوصيهم؛ لأن أجله قد اقترب عليه الصلاة والسلام، حتى اجتهد هذا الاجتهاد في وصية هذه الأمة لتكون على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، (قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمّر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ).

    ديننا يقوم على كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما فهم ذلك سادتنا وأئمتنا سلفنا الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، فمن جرد القرآن عن السنة فهو ضال، ومن جرد القرآن والسنة عن فهم سلفنا فهو ضال، فلابد من اجتماع هذه الأمور الثلاثة: كتاب الله، وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، حسبما فهم سلفنا الكرام الخلفاء الراشدون المهديون ومن سار على نهجهم الميمون.

    وتقدم معنا في رواية النسائي في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ... وكل ضلالة في النار ).

    تمثيل النبي عليه الصلاة والسلام الصراط المستقيم وسبل الشيطان بواسطة الخطوط

    إخوتي الكرام! كان نبينا عليه الصلاة والسلام يوصينا بهذا الأمر على الدوام، ويحذرنا من مخالفته عليه الصلاة والسلام، والخروج عن سنته في أي أمر من الأمور فذلك ضلال وثبور.

    ثبت في مسند الإمام أحمد والحديث رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، ورواه الإمام الآجري في الشريعة والبزار في مسنده، وابن أبي عاصم في السنة، ورواه الإمام اللالكائي في شرح السنة، من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، وقد روى الحديث هؤلاء أيضاً باستثناء ابن حبان والحاكم من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وأما حديث عبد الله بن مسعود فقد روي أيضاً في غير المصادر التي تقدمت من دواوين السنة، رواه الإمام الطبري في تفسيره، والإمام الطيالسي في مسنده، ورواه البغوي في شرح السنة وفي معالم التنزيل، ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، والحديث صحيح، وقد بحث الإمام ابن كثير عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في إسناد هذا الحديث وحقق درجته ومكانته، وقد جرى كلام حول إسناد حديث جابر فيشهد له حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.

    انظروا كلامه إن شئتم في تفسيره في الجزء الثاني صفحة تسعين ومائة عند الآية التي سيقرؤها نبينا عليه الصلاة والسلام بعد ذكر هذا الحديث الشريف، ولفظ الحديث كما قلت من رواية عبد الله بن مسعود وحديث جابر بمعناه رضي الله عنهم أجمعين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطاً مستقيماً ثم قال: هذا صراط الله مستقيماً، ثم خط النبي عليه الصلاة والسلام خطوطاً متعددة عن يمينه وعن شماله، أي: عن يمين هذا الخط وعن شماله، وقال: هذه هي السبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153] ).

    1.   

    بعض الوقائع والحوادث التي ظهر فيها مخالفة الهدي النبوي وكيفية تعامل النبي معها

    ولذلك لابد للإخلاص من الاتباع فإخلاص من غير اتباع لا يقبل عند خالق الأشياء، عند رب الأرض والسماء سبحانه وتعالى، وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يعالج وقائع كثيرة جرت في زمنه المبارك من قبل بعض الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، دفعهم إلى تلك الوقائع والحوادث إخلاصهم لربهم جل وعلا، وطلبهم التقرب لديه، لكن في بعض تلك الحوادث والوقائع انحراف عما أتى به نبينا صلى الله عليه وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يواجه تلك الحوادث، ويضع المنهج الصحيح للأمة الذي ينبغي أن تسير عليه.

    قصة الثلاثة الذين غلوا في العبادة

    وإليكم بعض هذه الحوادث التي هي ثابتة في دواوين السنة، منها ما ثبت في المسند والصحيحين والحديث رواه الإمام النسائي في السنن، ورواه ابن سعد في الطبقات، ورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى، من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي على نبينا وآله وأزواجه وصحبه صلوات الله وسلامه، يسألون عن عبادته في السر، فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها، ثم قال بعضهم لبعض معتذراً لنبينا عليه الصلاة والسلام من عدم اجتهاده في عبادة الرحمن -على حسب توهمهم-: أين نحن من النبي عليه الصلاة والسلام؛ إن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر -ونحن ليس لنا هذه المنقبة والمكانة فينبغي أن نبذل جهداً لا يبذله عليه صلوات الله وسلامه- ثم قال بعضهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أنام، وقال الآخر: وأما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأما أنا فأعتزل النساء فلا أتزوج، فلما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بمقالتهم جمعهم وقام في الصحابة خطيباً -فداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا عليه صلوات الله وسلامه- فقال: ما بال أناس يقولون: كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ).

    وثبت في الصحيحين من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية ).

    ومرد الكمال إلى قوتين اثنتين لا ثالث لهما: قوة علمية نظرية، وقوة عملية طلبية، وقد اجتمعتا في نبينا خير البرية عليه الصلاة والسلام على وجه التمام، فهو أعرف الخلق بالحق جل وعلا، وهو أعبد الخلق للحق جل وعلا.

    ثم قال: ( أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء )، انتبه لختام الحديث: ( فمن رغب عن سنتي فليس مني )، فمن خالف هديه فإنه ممن يعبد هواه ولا يعبد مولاه، فينبغي أن يعبد الله بما يريد هو لا بما نريد نحن، فاعبد الله كما بين على لسان نبيه ورسوله عليه الصلاة والسلام.

    قصة الصحابي الذي أراد الاعتزال للعبادة

    وثبت في سنن الترمذي والحديث رواه الحاكم في المستدرك، ورواه البيهقي في شعب الإيمان، ورواه الإمام البزار في مسنده وإسناده صحيح كالشمس، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر حتى مررنا بشعب، فرأى بعض الصحابة عُيينة من ماء -عين صغيرة تنبع ماءً عذباً- فأعجبه حالها وفكر في نفسه أن يمكث عندها ليتعبد الله عز وجل، لكنه من صلاح قلبه وحبه لنبيه عليه الصلاة والسلام قال: لن أنفذ ما عزمت عليه حتى أعرض الأمر على النبي عليه الصلاة والسلام، فعرض حاله على النبي عليه الصلاة والسلام فقال: هذا الشعب المنعزل فيه عيينة من ماء هل لي أن أقيم عنده أعبد رب الأرض والسماء، وأعتزل الدنيا وما فيها؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تفعل، فإن مقام أحدكم في الصف خير له من عبادته لربه في بيته سبعين عاماً )، أي: إذا قمت ساعة في صف المؤمنين لمقاتلة أعداء الله المجرمين فهذا خير من أن تعبد الله سبعين عاماً، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويرحمكم ويدخلكم الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: قاتلوا في سبيل الله فوالذي نفسي بيده، من قاتل في سبيل الله فُواق ناقة وجبت له الجنة ).

    والفواق والفواق بفتح الفاء وضمها، وبهما قرئ قول الله جل وعلا في سورة ص: وَمَا يَنظُرُ هَؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ [ص:15]، وقرأ حمزة والكسائي وخلف : ( مَا لَهَا مِنْ فُوَاقٍ )، والفُواق والفَواق: قال الإمام الفرَّاء: هما بمعنى واحد وهو بمعنى الاستراحة والراحة، وهو بمعنى التردد والرجوع، وحقيقته في لغة العرب الفُواق: والفَواق هو الوقت الذي يكون بين الحلبتين، إذا حلب الإنسان الشاة، أو حلب الناقة عندما يضغط على ثديها فيخرج اللبن ثم بعد ذلك يرخي يده ليضغط مرة أخرى، فهذه الفترة التي هي بين الحلبتين يقال لها: فَواق ويقال لها: فُواق.

    إخوتي الكرام! وتفسير الفُواق - الفَواق -بما ذكرت- هو أحد التفسيرين باللفظ المذكور، كما ذكر علماء اللغة وعلماء الشريعة المطهرة في كتب التفسير والحديث الشريف، ففي القاموس وشرحه تاج العروس وفي لسان العرب يقول علماء اللغة رحمة الله عليهم جميعاً: الفُواق بالضم كبُراق ويفتح الفَواق ويطلق على أمرين اثنين:

    الأمر الأول: ما بين الحلبتين من الوقت؛ لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب، يقال: ما أقام عنده إلا فُواقاً أي: إلا وقتاً يسيراً.

    الأمر الثاني ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع، فهذا الوقت الذي يكون ما بين قبض الحالب على الضرع ثم إرساله عند الحلب يسمى فَواقاً وفُواقاً أيضاً.

    إخوتي الكرام! وقد ورد هذا المعنى عن نبينا عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، وفيها بيان عظيم ثواب المجاهدين عند رب العالمين.

    ففي مسند الإمام أحمد والسنن الأربع، والحديث رواه الإمام الدارمي في سننه وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والبيهقي في السنن الكبرى، ورواه الطبراني في معجمه الكبير كما في جمع الجوامع، والحديث قد صححه الإمام الترمذي والحاكم وأقره عليه الإمام الذهبي رحمة الله عليهم جميعاً، والحديث من رواية معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من قاتل في سبيل الله فُواق ناقة وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل في سبيل الله صادقاً من نفسه ثم مات أو قتل كان له أجر شهيد، ومن جرح جرحاً في سبيل الله، أو نُكِب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك، ومن خرج به خراج في سبيل الله فعليه طابع الشهداء ).

    والأحاديث -كما قلت- في ذلك كثيرة منها ما رواها الإمام أحمد في مسنده، وابن زنجويه كما في جمع الجوامع من رواية عمرو بن عبسة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قاتل في سبيل الله فُواق ناقة حرم الله على وجهه النار )، فمن قاتل في سبيل الله وقتاً قصيراً بمقدار ما بين الحلبتين من وقت وهو دقائق أو ثوان وجبت له الجنة، فهذا خير لك يا عبد الله من أن تعبد الله في هذا المكان، ولذلك قال له نبينا عليه الصلاة والسلام: (لا تفعل).

    إخوتي الكرام! إن شأن الجهاد عظيم عظيم، وحقيقة ينبغي أن نتدارس أمره ومنزلته في هذا الحين، فقد عطل الجهاد في البلاد في هذه الأوقات، وسيأتينا منزلة هذه الشعيرة التي عطلها أعداء الله جل وعلا، وركنوا إلى الحياة الدنيا، وطاب لهم العيش الدنيء في هذه الدنيا مع الكافرين من اليهود الملعونين والنصارى الضالين وبقية أصناف الكفرة المجرمين، نسأل الله أن يفرج عن المسلمين وأن يهيئ لهم من أمرهم رشداً إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    إخوتي الكرام! هذا الصحابي الجليل أراد أن ينعزل في ذلك المكان لعبادة الرحمن فنهاه نبينا عليه الصلاة والسلام، وأمره بلزوم الجماعة واتباع السنة.

    قصة الصحابي الذي أراد أن يسيح في الأرض

    إخوتي الكرام! من أراد أن يزكي نفسه ويهذبها ويصلحها فبشرع الله لا برأيه ولا بهواه، فإذا أراد الإنسان أن يسيح فما عندنا سياحة كسياحة الرهبان الذين اعتزلوا في الأديرة والصوامع والكهوف والمغارات، فلعب بهم الشيطان كما يلعب الصبيان بالكرة، بل عندنا سياحة عظيمة يسيح الإنسان فيها ألا وهي: الجهاد في سبيل الله.

    وقد أخبرنا عن ذلك نبينا خير خلق الله عليه الصلاة والسلام، ففي سنن أبي داود ورواه الحاكم في المستدرك ورواه البيهقي في السنن الكبرى وفي شعب الإيمان، ورواه سمويه في فوائده، ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق، ورواه شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك عليهم جميعاً رحمة الله في كتاب الجهاد، وإسناد الحديث صحيح من رواية أبي أمامة رضي الله عنه وأرضاه (أن رجلاً جاء إلى نبينا عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله! ائذن لي في السياحة، فقال له نبينا عليه الصلاة والسلام: سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ).

    قصة الصحابي الذي أراد الاختصاء

    وهكذا عندما كان يشكو إليه بعض الشباب أحوالهم وأنهم يجدون ضغطاً من العزوبة، فكان نبينا عليه الصلاة والسلام يرشدهم إلى ما يزكون به نفوسهم ولا داعي بعد ذلك إلى معالجات رديئة شيطانية.

    ثبت في مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير، والحديث رواه الإمام البغوي في شرح السنة، وإسناد الحديث رجاله ثقات من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (أن رجلاً جاء إلى نبينا عليه الصلاة والسلام يستأذنه في الخصاء -لأنه شاب يشتكي من العزوبة- فقال له نبينا عليه الصلاة والسلام: خصاء أمتي الصيام والقيام).

    والأحاديث الواردة في هذا المعنى كثيرة، منها ما ثبت في مسند الإمام أحمد وفي الإسناد رجل لم يسمِّ، ويشهد له ما تقدم من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، (أن رجلاً جاء يستأذن النبي عليه الصلاة والسلام في الخصاء، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: صُم وسل الله من فضله)، فهذا الصيام وهذا القيام يستأصلان ما في النفس من شهوات وأوهام.

    وفي معجم الطبراني الكبير، وفي الإسناد عبد الملك بن قدامة الجمحي وثقه ابن معين وغيره، والجمهور على تضعيفه، وقد حكم الحافظ ابن حجر عليه في التقريب بأنه ضعيف، وهو من رجال سنن ابن ماجه ، ولفظ الحديث من رواية عثمان بن مظعون رضي الله عنه وأرضاه (أنه جاء يستأذن النبي عليه الصلاة والسلام في الاختصاء أيضاً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا، عليك بالصوم فإنه مخفرة ). أي: حصن باعث على الحياء والخشية من رب الأرض والسماء، فهو حصن منيع.

    فهؤلاء الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين عندما وقع في أنفسهم ما وقع، وأرادوا أن يعالجوا تلك الوقائع بحسب اجتهاداتهم طلباً لرضوان ربهم، فنهاهم نبينا عليه الصلاة والسلام وأمرهم بالاقتداء بسنته.

    ويشهد للأحاديث المتقدمة في إرشاد النبي عليه الصلاة والسلام من يشتكي من العزوبة ويريد أن يتخلص منها، يشهد لها الحديث الصحيح الثابت في مسند الإمام أحمد والصحيحين والسنن الأربعة، وهو في صحيح ابن حبان والسنن الكبرى للإمام البيهقي ، وهو في أعلى درجات الصحة، من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ).

    إذاً تلك آيات القرآن تأمرنا باتباع نبينا عليه الصلاة والسلام، وتحذرنا من مخالفته ومن الابتداع في دين الرحمن، وهذه أيضاً أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام تأمرنا بالاقتداء به وتحذرنا من الابتداع، ومن مخالفة نبينا صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    وصايا السلف الصالح باتباع السنة واجتناب البدعة وأهلها

    لقد تتابع سلفنا الكرام، فكانوا يوصون بالتزام السنة، ويحذرون من مخالفتها ومن البدعة، ويبينون أن من اقتصد وكان على سنة فهو خير وأفضل ممن اجتهد وكان على هوى وبدعة.

    وصية ابن مسعود وأبي بن كعب

    ثبت في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وأقره عليه الإمام الذهبي وفي معجم الطبراني الكبير، وسنن الدارمي والحديث في السنن الكبرى للإمام البيهقي ، ورواه الإمام اللالكائي في شرح أصول أهل السنة الكرام، عن سيدنا أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وعن الصحابة الكرام أنه قال: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة، فإذا كنت على السنة فمهما قل جهدك في النوافل والتطوع، ومهما قل نشاطك واجتهادك، فأنت على هدى ما دمت تتبع سنة النبي المصطفى عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه، فإذا ابتدعت وعبدت ربك على حسب رأيك، فكلما ازددت اجتهاداً ازددت من الله ابتعاداً. إذاً الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة، وهذا الكلام مروي عن سيد القراء أبي المنذر أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه، وأثر أبي رواه الأئمة الكرام: أبو نعيم في حلية الأولياء، وابن الجوزي في تلبيس إبليس، واللالكائي في شرح أصول أهل السنة الكرام، أنه قال أيضاً: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة.

    وثبت في كتاب: ذم البدع والنهي عنها، لـابن وضاح ، والأثر نقله الإمام أبو شامة في كتاب: الباعث على إنكار البدع والحوادث، ونقله الإمام الشاطبي في الاعتصام، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، أنه قال: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.

    وصية حبر الأمة ابن عباس

    وثبت عن حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، كما في سنن الدارمي ، وذم البدع لـابن وضاح ، والحديث رواه الإمام الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه، أن رجلاً قال له: أوصني. قال: نعم، عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع.

    وصية حذيفة بن اليمان للقراء

    وثبت عن أمين سر هذه الأمة حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، أنه قال: يا معشر القراء! استقيموا فقد سبقتم سبقاً بعيداً، فإن أخذتم يميناً وشمالاً فقد ضللتم ضلالاً بعيداً. وأثره رواه الإمام البخاري في صحيحه، وأبو نعيم في الحلية، ورواه ابن وضاح في كتابه ذم البدع، ورواه الإمام اللالكائي في شرح أصول أهل السنة، ورواه عبد الله ولد الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله.

    وقوله: (يا معشر القراء! استقيموا فقد سبقتم)، بصيغة المبني للمعلوم، أي: إن استقمتم فقد سبقتم سبقاً بعيداً، ونلتم عند الله منزلة عالية، وبصيغة المبني للمجهول استقيموا فقد سُبِقتم سبقاً بعيداً، أي: ممن قبلكم وكانوا على الهدى التام فلا داعي لتغيير ما كان عليه السلف الكرام، فاقتدوا بآثارهم فهم أسبق إلى كل خير ممن جاء بعدهم.

    قول سفيان الثوري في البدعة وتنفيره منها

    وثبت عن سيد المسلمين في زمانه سفيان الثوري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا أنه كان يقول: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، وسفيان الثوري توفي سنة إحدى وستين ومائة، وحديثه مخرج في الكتب الستة رضي الله عنه وعن أئمتنا أجمعين، وهذا الأثر عنه يرويه الإمام ابن الجوزي في تلبيس إبليس، والإمام اللالكائي في شرح أصول أهل السنة والجماعة، ثم علل ذلك عليه رحمة الله فقال: المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يتاب منها؛ لأن المبتدع يزعم أنه على هدى، وأنه يعبد مولاه وهو في واقع الأمر يعبد هواه، ولذلك يؤثر الشيطان إيقاع الناس في البدعة على إيقاعهم في المعصية، فالبدعة معصية لكن المبتدع يظن أنه طائع لربه وهو يعبد الشيطان، فالبدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها.

    تحذير أيوب السختياني من الاجتهاد في البدعة

    وهذا العبد الصالح أيوب السختياني المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائة للهجرة، وحديثه مخرج في الكتب الستة، وهو من شيوخ أهل السنة الكبار عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، يقول: ما ازداد عبد في البدعة اجتهاداً إلا ازداد من الله ابتعاداً. وهذا الأثر يرويه الإمام ابن الجوزي أيضاً عنه وابن وضاح في كتاب ذم البدع.

    تحدث مجاهد عن نعمة الحفظ من الأهواء والبدع

    ومن حفظ من البدعة فليحمد الله، وكان سيد المسلمين في زمانه الإمام في التفسير وفي الفقه وفي الزهد والورع والعبادة أبو الحجاج مجاهد بن جبر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وقد توفي سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة للهجرة، وحديثه في الكتب الستة، كان يقول: ما أدري أي النعمتين عليّ أعظم: أن هداني الله للإسلام أو حفظني من الأهواء والأوهام.

    دعاء الأوزاعي بالموت على السنة

    إخوتي الكرام! إن نعمة الإسلام عظيمة، وإن نعمة اتباع نبينا عليه الصلاة والسلام عظيمة عظيمة، فإذا دخل الإنسان دائرة الإسلام، ثم اتبع هواه وعبد الله كما يريد هو لا كما يريد ربه، لا يزداد من الله إلا بعداً، ولذلك روى الإمام ابن الجوزي في تلبيس إبليس في مقدمة كتابه بسنده إلى سيد المسلمين في زمانه، الإمام الأوزاعي أبي عمرو عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وحديثه مخرج في الكتب الستة أيضاً وقد توفي سنة سبع وخمسين ومائة، أنه قال: رأيت رب العزة في المنام، فقال لي: يا أبا عمرو! أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قلت: بفضلك يا رب، ثم قلت: رب أمتني على الإسلام. فقال: يا أبا عمرو قل: وعلى السنة.

    إخوتي الكرام! ورؤية الله ذي الجلال والإكرام في المنام واقعة مشروعة جائزة باتفاق أهل السنة الكرام، كما قرر ذلك شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء الثالث صفحة تسعين وثلاثمائة، وأن كل واحد إن رأى ربه في منامه فإنه يراه على حسب إيمانه، ونقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في الجزء الثاني عشر صفحة سبع وثمانين وثلاثمائة إجماع أهل السنة على جواز رؤية الله في المنام.

    نسأل الله أن يشرح صدورنا للإسلام وأن يوفقنا لاتباع نبينا عليه الصلاة والسلام، وأن يمن علينا برؤية نور وجهه الكريم في غرف الجنان، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. أقول هذا القول وأستغفر الله.

    1.   

    غربة السنة وأهلها في العصور المتأخرة

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    إخوتي الكرام! إن المسلك الذي كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، وسار عليه سلفنا الكرام تغير فيما جاء بعد ذلك الوقت من أزمان، ولما آل الأمر إلى زمن الإمام المبجل أحمد بن حنبل عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وكثرت البدع والحوادث كان يقول كما نقل عنه تلميذه الخلال في كتابه (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، في صفحة ثلاث عشرة ومائة، يقول إمام أهل السنة والجماعة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: إذا رأيتم شيئاً مستوياً فتعجبوا، أي: إذا رأيتم شيئاً مستقيماً فتعجبوا. فقد تكدرت الأحوال بعد ذلك، وانحرف الناس عن سنة الهدى واتبعوا البدع والردى، وصار ما عليه الناس أهواء وبدعة، والسنة قليلة غريبة بين الناس.

    وكان أئمتنا الكرام رحمة الله عليهم أجمعين يوصون بالعطف على أهل السنة في كل وقت، فهم حقيقة غرباء بين الناس، يقول سفيان الثوري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا كما في تلبيس إبليس وكتاب شرح أصول أهل السنة للإمام اللالكائي يقول: استوصوا بأهل السنة خيراً، ساعدوهم وأعينوهم فإنهم غرباء.

    والذي يتبع سنة نبينا عليه الصلاة والسلام في العصور المتأخرة يكون غريباً، لأن الناس أحدثوا ما أحدثوا من البدع والضلالات، وكان العبد الصلاح يونس بن عبيد عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا يقول، وقد توفي سنة تسع وثلاثين ومائة للهجرة، وحديثه في الكتب الستة، وكان الناس في زمانه إذا توسلوا إلى الله جل وعلا يتوسلون بربوبيته لـيونس بن عبيد فيقولون: يا رب يونس ! فرج عنا، يا رب يونس ! أغثنا، يا رب يونس! انصرنا، هذا العبد الصالح يونس بن عبيد عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، قال مرة لأصحابه: أتدرون من الغريب؟ قالوا: ومن هو أيها الإمام؟ قال: الغريب من إذا عُرِّف بالسنة عرفها، فالغريب إذا عرفته السنة يعرفها لا ينكرها ولا يردها ولا يجحدها ولا يجادل في ردها، وهذا الوصف لعلك لا تجده في هذه الأيام في واحد من ألف إن لم يكن من مائة ألف، فالغريب من إذا ذكرت له السنة نكس رأسه وقال: سمعاً وطاعة وأكثر الناس يشتطون ويكثرون اللغط عندما تعرض سنة نبينا عليه الصلاة والسلام عليهم، ثم قال: أتدرون من الأغرب؟ الأغرب: هو معرف السنة والداعي إليها.

    فالغريب إنسان منصف، إذا عرضت عليه ما ثبت بشرع الله المطهر وقرره أئمتنا البررة يسلّمُ له ولا يعترض هذا غريب، والأغرب منه هو الذي يدعو إلى اتباع السنة.

    ولذلك قال العبد الصالح إبراهيم بن إسحاق أبو إسحاق الحربي وقد توفي سنة خمس وثمانين ومائتين للهجرة، انظروا ترجمته الطيبة في طبقات الحنابلة لـابن أبي يعلى في الجزء الأول صفحة ست وثمانين فما بعدها، وهذه القصة في هذا المكان، وترجمته أيضاً في السير للإمام الذهبي في الجزء الثالث عشر صفحة ستين وثلاثمائة فما بعدها، أنه قال مرة لأصحابه: من الغريب؟ فقال بعضهم: الغريب هو من نأى عن وطنه، فقال: ما قلتم شيئاً، ثم قال من الغريب؟ قالوا: الغريب من فارق أصحابه وأحبابه وابتعد عنهم، قال: ما قلتم شيئاً، قالوا: فمن الغريب أبا إسحاق ؟ قال: الغريب هو إنسان صالح كان بين قوم صالحين إن أمر بالمعروف أعانوه، وإن نهى عن المنكر آزروه، وإذا احتاج إلى سبب ساعدوه وأعانوه، ثم ماتوا وتركوه فبقي بمفرده، هذا هو الغريب.

    ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقي الذين حياتهم لا تنفع

    هذا هو الغريب، وأبو إسحاق الحربي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا صاحب كتاب الغريب في الحديث، الإمام المتواضع العابد القانت، لما بلغه عن بعض تلاميذه أنهم يفضلونه على الإمام أحمد دعاهم وقال: تفضلونني على من لا أشبهه؟ والله لا أحدّثكم بعد ذلك فلا تعودوا إليّ.

    انظر لهذا الإنصاف ولهذه الديانة، يقول: تفضلونني على الإمام أحمد ولا أشبهه، ليس بيني وبينه شبه، وهو النجم العالي ونحن في السافل رضي الله عنهم أجمعين، ثم أنتم تفضلونني عليه، والله لا أحدثكم أبداً.

    ولما دخل على القاضي الصالح إسماعيل قام محمد بن يوسف -أحد القضاة- فأخذ حذاء أبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي ومسحه وهو القاضي في زمانه، فقال له: أعزّك الله في الدنيا والآخرة، فلما مات محمد بن يوسف القاضي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وهو غير أبي يوسف صاحب أبي حنيفة رضوان الله عليهم أجمعين رئُي في النوم بعد موته وهو في حالة حسنة، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: أعزني الله في الدنيا والآخرة بدعوة الشيخ الصالح أبي إسحاق .

    إذاً: الغريب هو من كان بين قوم صالحين يساعدونه على الأمر بالمعروف، ويؤازرونه على النهي عن المنكر، ويساعدونه في أمور الحياة ثم فارقوه وبقي بمفرده، حقيقة هذا هو الغريب.

    إخوتي الكرام! أئمتنا تتابعوا على هذا القول الذي يبينون فيه أن المتمسك بالسنة غريب غريب، يقول أبو بكر بن عياش وأثره مروي في تلبيس إبليس للإمام ابن الجوزي ، وفي شرح أصول أهل السنة للإمام اللالكائي ، وأبو بكر بن عياش قد توفي سنة أربع وتسعين ومائة للهجرة، وحديثه في الكتب الستة وهو من الأئمة الصالحين الربانيين، كان يقول: أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام بين سائر أهل الأديان، أي: هؤلاء غرباء، فكما أن المسلم غريب عند اليهود والنصارى كذلك السني غريب عند أهل الإسلام.

    إخوتي الكرام! هذه البدعة ينبغي أن نحذرها، وغربة الدنيا أيسر من عذاب الآخرة، وقد خشي علينا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقع في الشبهات وهي البدع والأهواء الرديات، كما خشي علينا أن نرتع في الشهوات، والشيطان يصول ويجول ويقبل ويدبر ويكر على القلوب في كل وقت ليوقعها في شهوة أو في شبهة، وهما منبع كل آفة.

    ثبت في مسند الإمام أحمد ومسند البزار ، والحديث رواه الطبراني في معاجمه الثلاثة في الصغير والأوسط والكبير وإسناد الحديث صحيح من رواية أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى )، وهي الشبهة والبدع، شهوة وشبهة.

    إخوتي الكرام! وهذا التغير الذي طرأ كما قلت على هذه الأمة والبدعة التي انتشرت فيها، سأفصل الكلام في إشارة نبينا عليه الصلاة والسلام إلى ما سيقع في هذه الأمة من تغير، وأبين أقوال الصحابة الكرام وأقوال السلف الكرام رضوان الله عليهم أجمعين في الموعظة الآتية إن شاء الله، قبل أن ننتقل إلى المبحث الثالث في أقسام البدعة بعون الله.

    1.   

    قيام الطائفة المنصورة بالسنة وبنشرها في كل عصر

    إخوتي الكرام: لكنني أريد أن أقول: مهما انتشرت البدعة وعمت المخترعات والحوادث والأهواء، فلن تخلو الأرض من طائفة على الحق ظاهرة لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى يأتي أمر الله، نسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه وفضله وجوده وإحسانه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأمر في أحاديثه الكثيرة الصحيحة الوفيرة، منها: حديث رواه الإمام الترمذي في سننه والحاكم في مستدركه، والحديث رواه الإمام البيهقي في شعب الإيمان، والإمام الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت، وجميع رجال الإسناد ثقات أثبات وليس فيهم إلا أبو بشر الراوي عن أبي وائل وهو الراوي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين، وأبو وائل هو صاحب عبد الله بن مسعود وروى عنه أبو بشر ولا يعرف، لأنه لم يروه عنه إلا راو واحد.

    والحديث معناه صحيح ثابت ولفظه من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أكل طيباً، وعمل في سنة، وأمن الناس بوائقه دخل الجنة ). أي: يأكل الحلال، ويعبد الله على حسب شريعة نبينا رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويأمن الناس بوائقه وغوائله وشروره وفتنه دخل الجنة، (قالوا: يا رسول الله! هذا كثير فينا)، فكل الصحابة على هذا الوصف، يأكلون الحلال ويبتعدون عن الحرام، ويعملون بسنة نبينا عليه الصلاة والسلام ويعبدون الله على حسب شريعته، ولا يؤذون عباد الله، فقال عليه الصلاة والسلام: ( وسيكون في قرون بعدي ).

    نسأل الله تعالى أن يجعلنا من هذا الصنف إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم إنا نسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، ونعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم اجعلنا من أحب خلقك إليك، ومن المقربين لديك، وإذا أردت فتنة بعبادك فاقبضنا إليك غير مفتونين.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربنا إلى حبك، اللهم اجعلنا من المحبوبين عندك يا أرحم الراحمين، اللهم اجعلنا من أحب خلقك إليك ومن المقربين لديك.

    اللهم اجعل حبك وحب رسولك صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا، وأحب إلينا من الماء البارد في اليوم القائظ.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    اللهم ارحم أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم انصر أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم فرّج عن أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم أهلك أعداء أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربّونا صغارا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علّمنا وتعلّم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعاء.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].