إسلام ويب

البدعة - الابتداع في الذكرللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن منزلة الأذكار في الإسلام عظيمة جداً، وإن صيغها تتفاوت في الأجر والرتبة والمنزلة، وأعلى هذه الصيغ وأفضلها في الحسنات هي كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله)، وقد وردت أحاديث تبين أجر من ذكر الله بها، سواءً لفظ بها مرة، أو عشراً، أو مائة، أو مائتين. ثم إن أفضل الأذكار وأعلاها هو كلام ربنا سبحانه وتعالى، وأعظم سورة هي: سورة الإخلاص، وقد وردت أدلة تبين أجر قراءتها سواء كان ذلك مرة، أو عشر مرات. وقد وجد في هذه الأمة فرقة ضالة حرفت وغيرت في الأذكار الشرعية المأثورة، وأيدوا أذكارهم بأدلة واهية لا دلالة لهم فيها، ولذلك ينبغي علينا أن نذكر الله بما أثر عن نبينا من الأذكار المنقولة.

    1.   

    مقدمة

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً, وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير.

    اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين وخالق الخلق ورازقهم أجمعين: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ[فاطر:3] .

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين, فشرح به الصدور, وأنار به العقول, وفتح به أعيناً عمياً, وآذاناً صماً, وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد: معشر الإخوة الكرام! لا زلنا نتدارس شناعة البدعة في الإسلام، وأنها توجب للإنسان سوء الختام، وتقدم معنا أن البدعة: هي الحدث في دين الإسلام عن طريق الزيادة أو النقصان, مع زعم التقرب بذلك الحدث إلى الرحمن، وذلك الحدث لا تشهد له نصوص الشرع الحسان.

    إخوتي الكرام! قد استعرضنا نماذج من البدع التي وجدت في هذه الأيام؛ منها: بدعٌ حول الدعاء، حيث انحرف كثير من الناس عن الالتجاء إلى رب الأرض والسماء، والتجئوا إلى الأموات أو إلى الأحياء.

    ومنها: ما يتعلق بعبادة الذكر، حيث انحرفوا عن الأذكار الشرعية، ثم عكفوا بعد ذلك على الأشعار الصوفية أو الجهادية، والآن سنتدارس بدعة من البدع التي انتشرت أيضاً؛ ألا وهي تغيير الأذكار الشرعية المأثورة عن نبينا خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، أي: تغيير صيغتها والتلاعب بألفاظها إلى صورة لم يأذن بها رب العالمين، ولم تنقل عن نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام.

    إخوتي الكرام! نفتتح الموعظة بتقرير الحق؛ ليرسخ في الذهن, وليتمكن من القلب، ثم نكر بعد ذلك على الباطل لندمغه: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ [ الرعد:17 ].

    إخوتي الكرام: إن منزلة ذكر الرحمن في الإسلام أفضل العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه بعد أداء الفرائض والواجبات، وإذا كان لهذه العبادة -أعني: ذكر الله جل وعلا- هذه المنزلة في الإسلام، فإن صيغها تتفاوت في الأجر والرتبة والحظوة والمنزلة.

    1.   

    أعلى صيغ الأذكار وأفضل الحسنات

    إن أعلى صيغ الأذكار كلمة التوحيد، التي من أجلها خلق الله الخليقة، وأسس الجنة والنار، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، كلمة لا إله إلا الله، فهذه أفضل الأذكار، وهي أفضل الطاعات التي يتقرب بها العبد إلى العزيز الغفار، وقد قرر هذا نبينا المختار عليه صلوات الله وسلامه، ففي مسند الإمام أحمد والكتب الستة في الصحيحين والسنن الأربع، والحديث في الأدب المفرد للإمام البخاري أيضاً، ورواه الإمام أبو عبيد في كتاب (الإيمان) وهو في أعلى درجات الصحة، عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ فأعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ).

    فقوله: ( الإيمان بضع وسبعون شعبة )، وجاء في رواية: ( الإيمان بضع وستون شعبة ) لا تعارض بين الروايتين، كما قرر أئمتنا لدخول القليل في الكثير.

    قال: ( الإيمان بضع وسبعون شعبة ) فأعلى هذه الشعب وأفضلها عند الرب جل وعلا: ( لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان )

    إخوتي الكرام! أفضل الطاعات وأعلى الأذكار وأعظم الحسنات كلمة التوحيد: لا إله إلا الله. وقد ثبت في مسند الإمام أحمد من رواية أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه: ( أنه قال لنبينا صلى الله عليه وسلم: أوصني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أسأت فاعمل بعدها حسنة تمحها، فقال سيدنا أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه: يا رسول الله! - صلى الله عليه وسلم - أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هي أفضل الحسنات )، إذاً: لا إله إلا الله أفضل الحسنات.

    والحديث كما قال الإمام الهيثمي في المجمع: رجاله ثقات، كلهم رضي الله عنهم وأرضاهم، لكن في إسناد الحديث شمر بن عطية الكاهلي الأسدي ، وهو ثقة كما قال الهيثمي، وهو من رجال الإمام النسائي في السنن، والإمام الترمذي في السنن، وأخرج له أبو داود في مراسيله، وحكم عليه الحافظ في التقريب: بأنه صدوق.

    إذاً: هذا العبد الصالح وهو: شمر بن عطية روى الحديث عن أشياخه ولم يسم أحداً منهم عن أبي ذر رضي الله عنهم أجمعين، والحديث تشهد له نصوص كثيرة سيأتي بعضها إن شاء الله.

    فقول: لا إله إلا الله هي أفضل الحسنات، كما أخبرنا عن ذلك نبينا خير البريات عليه صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! أفضل الحسنات, وأعلى شعب الإيمان, وأعظم الطاعات, وأفضل الأذكار كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وقد ثبت في مسند الإمام أحمد والسنن الأربع إلا سنن أبي داود، والحديث في صحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، وإسناده صحيح كالشمس، من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله ).

    وقد تقدم معنا توجيه الشق الثاني من هذا الحديث الصحيح الثابت: ( أفضل الدعاء الحمد لله )، وقلت: لأن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء مسألة، ودعاء عبادة، وهذه من صيغ دعاء العبادة، وهي من أعظم الصيغ: (الحمد لله) وإذا أثنى السائل على المسئول فقد تعرض لإجابة سؤله وإن لم يسأله حاجته، كما تقدم معنا تقرير هذا من كلام العبد الصالح أبي محمد سفيان بن عيينة سيد المسلمين في زمانه عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا أنه قال: إذا كان مخلوق يقول لمخلوق مثلما كان أمية بن أبي الصلت يقول لـعبد الله بن جدعان عندما يمدحه:

    أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء

    إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضه الثناء

    إذاً: أفضل الذكر لا إله إلا الله, وأفضل الدعاء الحمد لله، فأعظم الطاعات, وأفضل الأذكار التي يتقرب بها المخلوق إلى خالقه كلمة التوحيد: لا إله إلا الله.

    1.   

    أفضل كلمة خرجت من بين شفتي الأنبياء

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن أفضل كلمة خرجت من بين شفتيه الطاهرتين الكريمتين ومن بين شفاه أنبياء الله ورسله، منذ أن أرسل الله آدم إلى أن ختم رسله بنبينا محمد على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، أن أفضل كلمة خرجت من تلك الأفواه الطيبة المباركة من أفواه أنبياء الله ورسله هي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله.

    ثبت الحديث بذلك في موطأ الإمام مالك من رواية طلحة بن عبيد الله بن كريز بغير التصغير: (كريب)، وهو ثقة من أئمة التابعين الطيبين، وهو من رجال صحيح مسلم وسنن أبي داود ، فالحديث من رواية طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلاً إلى نبينا صلى الله عليه وسلم.

    والحديث رواه الإمام الترمذي في سننه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير ).

    فأفضل كلمة نطق بها أنبياء الله ورسله على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه كلمة التوحيد: لا إله إلا الله.

    1.   

    ذكر بعض أجور الذاكر بصيغة كلمة التوحيد

    إخوتي الكرام! سأستعرض شيئاً من الأجور التي يحصلها الذاكر لله جل وعلا بهذه الصيغة، أعني بكلمة التوحيد: (لا إله إلا الله)، سأذكر الأجور التي يحصلها الإنسان على قول هذه الصيغة إذا قالها مطلقاً، دون أن يتحدد ذلك بوقت أو مكان، ودون أن أتحدث على فضائلها الحسان وأحكامها العظام، إنما سأخص شيئاً من الحديث على فضل النطق بهذه الكلمة مرة أو عشر مرات أو مائة أو مائتين أو أكثر دون أن يتحدد ذلك بوقت أو مكان، ودون أن أبحث في بقية أحكامها الحسان: ما أجر من نطق بها؟ ما أجر من كررها؟ ما أجر من عبد الله بها؟

    أجر من قال كلمة التوحيد مرة

    إخوتي الكرام! لذلك أجور كثيرة, وخيرات وبركات، فالكلمة الواحدة من هذه الصيغة إذا قلتها تعدل عدل رقبة عند الله جل وعلا، فقد ثبت هذا في مسند الإمام أحمد ، والحديث رواته رواة الصحيح كما قال الإمام الهيثمي في المجمع، رواته محتج بهم في الصحيح، والحديث صححه الإمام المنذري وغيرهما من أئمتنا عليهم جميعاً رحمة الله، والحديث من رواية البراء بن عازب رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من منح منحة ورق, أو منحة لبنٍ, أو هدى زقاقاً كان كعتاق رقبة، ومن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كان كعتق رقبة ) .

    وقوله: ( من منح منحة ورق ) الورق هي: الفضة وهي المال، أي: من أقرض إنساناً ومنحه مساعدة، وليس المراد هنا العطية بلا مقابل، إنما عطية لتستردها فهو في حاجة فأقرضته، إن أقرضته مالاً فلك عند الله أجر عتق رقبة، وسيأتينا ما في عتق الرقبة من الأجور، ( والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ).

    وهكذا من منح منحة لبنٍ فكأنه أعتق رقبة، فإذا أعطيته شاة أو بقرة أو ناقة لينتفع بدرها ولتستردها بعد ذلك فلك أجر عتق رقبة. وقوله: (ومن هدى زقاقاً)، الزقاق هو: الشارع والطريق، ممثلاً: إنسان ضال تائه ضائع، فسرت معه وأوصلته إلى مكان حاجته فلك عند الله أجر عتق رقبة، وهذه الأمور الثلاثة كلها فيها شفقة على المخلوق.

    وديننا يقوم على دعامتين: تعظيم للخالق, وشفقة على المخلوق، فإذا أشفقنا على المخلوق لنا هذا الأجر العظيم عند ربنا الكريم، فماذا نحصل من أجر إذا عظمنا الخالق, وأثنينا عليه بما هو أهله؟ فمن قال مرة واحدة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير كان كعتق رقبة.

    والحديث في المسند، ورواته محتج بهم في الصحيح أي: رجاله رجال الصحيح، وهو حديث صحيح. وقد رواه الإمام أحمد في رواية ثانية، وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، وهكذا ابن أبي شيبة في مصنفه، والضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، ورواه الإمام الطبراني في الكبير بلفظ عشر مرات بدل مرة: ( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كعتق رقبة ).

    وسيأتينا إن شاء الله توجيه الاختلاف بين الروايات التي نقلت عن نبينا خير البريات عليه صلوات الله وسلامه.

    هذا المعنى ثبت أيضاً في معجم الطبراني الكبير بسند صحيح، كما نص على ذلك الإمام الهيثمي والمنذري عليهما رحمة ربنا، من رواية سيدنا أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير مرة واحدة كان كعدل محرر أو محررين ) وقوله: (كان كعدل محرر أو محررين) أي: كمن حرر عبداً أو أمةً أو حرر عبدين أو أمتين.

    وفي رواية أيضاً: في معجم الطبراني وإسنادها صحيح أيضاً من رواية أبي أيوب رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير كان كمن أعتق أربعة من ولد إسماعيل ) على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه.

    أجر من قال كلمة التوحيد عشر مرات

    إخوتي الكرام! ذكرنا الأجر لمن يقول هذه الصيغة مرة واحدة وأما إذا قالها أكثر من ذلك إلى عشر مرات فاستمع للأجر العظيم الذي نص عليه نبينا خير البريات عليه صلوات الله وسلامه.

    ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين، والحديث رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير، ورواه البيهقي في كتاب الدعوات الكبير وهو في أعلى درجات الصحة، من رواية أبي أيوب رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل ) . على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه.

    أي: كان كمن أعتق أربعة أنفس من خير أنواع العبيد، من العرب إذا استرقوا، وهم من نسل هذا النبي المبارك، على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فكم تنال أجراً في تحريرهم؟ إذا قلت هذه الكلمة عشر مرات لك هذا الأجر العظيم عند رب الأرض والسموات.

    وروى البخاري وابن أبي شيبة في مصنفه والنسائي في كتاب (عمل اليوم والليلة) ، رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه موقوفاً عليه من قوله أنه قال: ( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل ) على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه.

    وهذا الكلام له حكم الرفع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام قطعاً وجزماً, فمثله لا يقال من قبل الرأي، وعليه فهو مرفوع من رواية هذين الصحابيين المباركين: من رواية أبي أيوب ، ومن رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وفي بعض روايات عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: ( لأن أقول عشر مرات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير أحب إليَّ من أن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل ) على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه.

    أجر من قال كلمة التوحيد مائة مرة

    أخي الكريم! إذا زدت في العدد والمقدار وقلت هذه الصيغة مائة مرة فلك من الأجر الشيء الكثير، كما جاء عن نبينا البشير النذير عليه صلوات الله وسلامه، فقد ثبت في موطأ الإمام مالك ومسند الإمام أحمد ، والحديث في الصحيحين وسنن الترمذي وابن ماجه ، ورواه الإمام النسائي في كتاب (عمل اليوم والليلة)، ورواه الإمام البغوي في (شرح السنة) وابن حبان في صحيحه، كما رواه الإمام ابن أبي شيبة في مصنفه، وهو في أعلى درجات الصحة فهو في الصحيحين, من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كان كعدل عشر رقاب, وكتب له مائة حسنة, ومحيت عنه مائة سيئة, وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا من عمل أفضل منه ) .

    فإذا قلت هذه الصيغة مائة مرة كأنك أعتقت عشرة أنفس، ولك بعد ذلك هذه الأجور؛ يكتب لك مائة حسنة ويمحى عنك مائة خطيئة، وتكون في ذلك اليوم في حصن حصين وحرز مكين من الشيطان الرجيم، ولا يأتي أحدٌ بأفضل من عملك إلا من قال مثلك أو زاد عليك.

    وتوجيه هذه الروايات في الاختلاف في الأجور التي يحصلها الإنسان عند النطق بهذه الكلمة، فإذا قالها مرة له رقبة، أو أربعة رقاب أو أجر محرر أو محررين، وهكذا إذا قالها عشر مرات له أجر عتق أربع رقاب. فما هو الجمع بين هذه الروايات؟

    لأئمتنا في ذلك عدة أقوال أذكر ثلاثة منها باختصار, فالذي مال إليه الحافظ ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا الترجيح بين هذه الروايات، وهو فيما يظهر فيه بُعد.

    والقول الثاني مال إليه الإمام القرطبي في كتابه (المفهم في شرح صحيح مسلم) وهو من أحسن الأجوبة, وأحسن منه الجواب الثالث, ألا وهو: أن ذلك يختلف باختلاف حال الذاكرين، فمن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وقد امتلأ قلبه بتعظيم الله جل وعلا، وكأنه حاضر بين يديه، فكأنه أعتق بهذه الجملة الواحدة أربعة أنفس من ولد إسماعيل عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه، وإذا خف حضوره بين يدي الله نقص من أجره لكنه لا ينقص عن أجر إعتاق رقبة مؤمنة.

    وتقدم معنا مثل هذا التوجيه في الأجور التي يحصلها الإنسان عندما يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، وتقدم معنا رواية في المسند بإسناد صحيح من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة )، وقلت: لا تعارض بين هذا الحديث، وبين الروايات الثابتة الصحيحة التي أخبرت أن الله يصلي عشر مرات على من يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام مرة واحدة، فقلت: هذا على حسب ما يقوم بالقلب من تعلق بالنبي عليه الصلاة والسلام، وميل إليه ومحبة له عليه صلوات الله وسلامه وفداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا، والأمر هنا كذلك. وهذا جواب الإمام أبي العباس القرطبي وهو جواب معتبر قوي.

    وأحسن منه فيما يظهر لي: وهو الذي يفهم من كلام الإمام النووي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، أنه لا منافاة بين هذه الأجور لدخول القليل في الكثير، كما يقرر هذا بكثرة في شرح صحيح مسلم والعدد لا مفهوم له.

    وعليه، إذا نيط بهذه الصيغة أجر إعتاق رقبة، لا يتنافى مع أجر محررين أو مع أجر أربعة رقاب، والعلم عند الكريم الوهاب.

    إخوتي الكرام! إذا قال الإنسان هذه الصيغة مرة أو عشر مرات أو مائة مرة ينال هذه الأجور، منها عتق الرقاب وأجور أخرى كثيرة تصاحبها.

    وعتق الرقاب وما أدراكم ما عتق الرقاب؟ له أجر عظيم عند الكريم الوهاب سبحانه وتعالى، فمن أعتق رقبة في هذه الحياة فهي فكاكه من النار، كما أخبر عن ذلك نبينا المختار عليه الصلاة والسلام.

    ففي مسند الإمام أحمد والصحيحين, والحديث في سنن الترمذي ورواه الإمام البيهقي في (السنن الكبرى) وفي كتاب الدعوات الكبير، كما رواه الإمام البغوي في شرح السنة، والحديث من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار، حتى فرجه بفرجه )، أي: إذا أعتقت رقبة مسلمة، فكما أنك حررت أعضاءه من الرق، وجعلته طليقاً يتصرف في هذه الحياة، كذلك يعتقك الله من النار، كل عضو منه بعضو منك، فعندما أعتقت يده يعتق الله يدك من النار، وعندما أعتقت رجله يعتق الله رجلك من النار، وعندما أعتقت وجهه ورأسه يعتق الله وجهك ورأسك من النار، كل عضو منك بعضو منه، حتى الفرج بالفرج.

    ومعنى هذا: أنك إذا أعتقت عبداً كاملاً بنفسك، سيعتقك الله بكاملك من نار جهنم، وهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح، من رواية عمرو بن عبسة أبي نجيح رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أعتق رقبة مؤمنة كانت فكاكه من النار )، سبحان ربي العظيم! إذا قلت: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، يكتب لك كعتق رقبة، أو كعتق محرر أو محررين، أو كعتق أربع رقاب، فما هذا الأجر العظيم الذي يغدقه ربنا الكريم على عباده المؤمنين، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.

    أجر من قال كلمة التوحيد مائتي مرة

    أخي الكريم! إذا زدت في العدد فقلت هذه الصيغة مائتين فلك أجر عظيمٌ عظيم، لا يسبقك من تقدمك ولا يدركك من لحقك إلا إذا قالوا أكثر منك، فقد ثبت الحديث بذلك في مسند الإمام أحمد ، ومعجم الطبراني الكبير ومستدرك الحاكم بإسناد صحيح، من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائتي مرة، لا يسبقه من كان قبله, ولا يدركه من يأتي بعده، إلا من عمل بأفضل من عمله ).

    فإذا قلت هذه الصيغة مائتي مرة، لا يسبقك من سبقك، ولا يدركك من يأتي بعدك إلا إذا قالوا هذه الصيغة مثلك، أو زادوا في العد عليك، سبحان الله! لا يسبقه من كان قبله، ولا يدركه من يأتي بعده، إلا من أتى بأفضل وأكثر من عمله.

    إلا أن الحديث رواه الحاكم في المستدرك، وضبط العد بمائة، وهل هذا تصحيف في طباعة المستدرك، أو أن الرواية مائة ومائتين؟ العلم عند الله جل وعلا، لكن رواية الإمام أحمد ورواية الطبراني العد فيهما مائتان، وقد قال الإمام الهيثمي في المجمع في كتاب (الأذكار) باب التهليل بمائة أو أكثر، وكما قلت: إن إسناد الحديث صحيح، وقد حسنه الإمام المنذري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في كتاب (الترغيب والترهيب) ، فهذه الأجور العظيمة يحصلها من يذكر الله جل وعلا.

    1.   

    أجر من قرأ سورة الإخلاص

    إخوتي الكرام! وإذا كان في هذه الصيغة هذا الأجر عند الله جل وعلا، فتقدم معنا أيضاً أن أعلى الأذكار وأفضلها كلام الله جل وعلا. وإذا كان في صيغ الأذكار صيغة هي أفضل الأذكار ففي كلام الله جل وعلا أيضاً سورة هي أعظم السور عندما تتلوها، ولك عليها أجر عظيم عند ربنا الكريم سبحانه وتعالى.

    وقد تقدم معنا الأجور العامة المطلقة التي يحصلها الإنسان عند قراءة كلام الرحمن دون تحديدٍ لسورة منه, وهناك أجور كثيرة مضاعفة لبعض السور إذا قرأتها يزداد أجرك، كما أن هناك صيغاً من الأذكار إذا قلتها لها أجر زائد عند ربنا سبحانه وتعالى.

    أجر من قرأ حرفاً من القرآن

    إخوتي الكرام! كل حرف من القرآن تؤجر عليه بعشر حسنات ولا ينقص الأمر والثواب عن هذا الحد، كما أخبر عن ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، والحديث في سنن الترمذي ومستدرك الحاكم ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب. ورواه الإمام البخاري في (التاريخ الكبير) كما رواه الإمام الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد)، والحديث رواه الإمام ابن الضريس في كتابه (فضائل القرآن)، ورواه الإمام البيهقي في (شعب الإيمان)، وكما قلت: إسناده صحيح، من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة, والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف. ولكن: ألف حرف, ولام حرف, وميم حرف ) فلك على النطق بهذه الحروف الثلاثة ثلاثون حسنة وعند الله المزيد، قال: ( لا أقول: ألم حرف. ولكن: ألف حرف, ولام حرف, وميم حرف ) فكل حرف تقرؤه من كتاب الله لك عليه عشر حسنات، لكن بعض السور -كما قلت- لها أجور مضاعفة، كما أن بعض صيغ الأذكار لها منزلة وأجور مضاعفة.

    سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن

    إخوتي الكرام! إن أفضل السور التي تحصّل عليها أجراً كبيراً عند قراءتها سورة الإخلاص، كما أن أفضل الأذكار كلمة الإخلاص، وسورة الإخلاص هي سورة الصمد قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 1-4]. وهذه السورة تعدل ثلث القرآن عند ربنا الرحمن، وإذا قرأتها عشر مرات يبني الله لك قصراً في الجنة، وإذا زدت فالله جل وعلا أكثر وأطيب وأوسع سبحانه وتعالى.

    وهذه المعاني كلها ثابتة عن نبينا صلى الله عليه وسلم، ثبت في مسند الإمام أحمد، والحديث في صحيح البخاري وسنن أبي داود والنسائي ورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى، وابن الضريس في فضائل القرآن من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه: ( مر رجل على رجل في الليل وهو يصلي يقرأ سورة الإخلاص ويرددها، فلما طلع الصبح جاء هذا الرجل الذي سمع رجلاً يردد سورة الإخلاص، جاء ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم عما رأى وسمع وشاهد، وكأنه يتقالها، يقول: فلان، يقوم الليلة بسورة الإخلاص يرددها, وكأن هذا المخبر من الصحابة يتقال هذه السورة ويستقل أجرها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن ).

    وهذا المعنى متواتر عن نبينا عليه الصلاة والسلام، أجزم بذلك وأقطع به وأسأل أمام الله عز وجل، وقد روي هذا المعنى عن أكثر من عشرة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين, عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وفي هذه الروايات التصريح بأن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن.

    فمن هذه الروايات رواية سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه، وهي في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم، وهي أيضاً في كتاب (فضائل القرآن)، لـابن الضريس، وهي أيضاً في سنن النسائي، ورواها الإمام أبو عبيد في كتابه (فضائل القرآن) ومثلها رواية أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، وهي أيضاً في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي ورواها أبو عبيد في (فضائل القرآن) ، وابن الضريس في (فضائل القرآن)، كما رواها الإمام البخاري في (التاريخ الكبير)، ورواها البيهقي في (شعب الإيمان).

    ولفظ روايتي أبي الدرداء وأبي أيوب رضي الله عنهم وأرضاهم أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال للصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين: ( أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فقالوا: يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم نحن أضعف من ذلك وأعجز ) أي: أن نواظب على قراءة ثلث القرآن.. على قراءة عشرة أجزاء كل ليلة، وتحتاج هذه على أقل تقدير إلى ثلاث ساعات في كل ليلة مع ما نقوم به من عبادات، قالوا: ( نحن أضعف من ذلك وأعجز، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده إن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن )، فإذا جن عليك الليل فاقرأ هذه السورة مرة واحدة كأنك قرأت ثلث القرآن.

    وثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وسنن الترمذي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( احشدوا حشدكم ) أي: اجتمعوا جموعاً كثيرة غفيرة وثيرة، قال: ( فلما اجتمع الصحابة الكرام خرج عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فقرأ سورة الإخلاص ) فداه أبي وأمي وعليه صلوات الله وسلامه، ( ثم دخل حجرته المباركة المنورة عليه صلوات الله وسلامه.

    فقال الصحابة: ما ذهب النبي عليه الصلاة والسلام، ودخل بيته إلا لأمرٍ طرأ من السماء، ثم خرج النبي عليه الصلاة السلام وهم جموع لا زالوا مكانهم، قال: ما لكم؟ قالوا: قلت لنا ستقرأ علينا ثلث القرآن، وقرأت سورة الإخلاص. ثم دخلت إلى بيتك المبارك على نبينا صلوات الله وسلامه، فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن ), فهذه روايات أبي سعيد وأبي الدرداء وأبي أيوب وأبي هريرة .

    وروي هذا المعنى من رواية عدة من الصحابة الكرام، انظروها في كتب السنة المشرفة، وهي من رواية أنس وأبي بن كعب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود ، ومن رواية معاذ بن جبل ومن رواية النعمان بن بشير ومن رواية أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنهم أجمعين، وفيها هذا المعنى؛ أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن.

    وقد اختلفت أنظار أئمتنا في توجيه المراد بهذا الحديث، وأبرز ما قيل في ذلك قولان:

    القول الأول: تعدل ثلث القرآن من حيث الثواب والأجر، والله يختص ما يشاء بما يشاء سبحانه وتعالى، فمن قرأ سورة الإخلاص له كأجر من قرأ عشرة أجزاء من القرآن الكريم.

    والثاني: هي ثلث القرآن من حيث الموضوع، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وألف كتاباً في ذلك سماه: (جواب أهل العلم والإيمان بتحقيق ما أخبر به رسول الرحمن صلى الله عليه وسلم من أن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن).

    وحاصل كلامه وكلام غيره في هذا الشأن أن القرآن من حيث الموضوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد، وأحكام شرعية من عبادات ومعاملات وغير ذلك، وقصص، والقصص جاء لتقرير هذين الأمرين وتوكيدهما وإثباتهما لتقرير التوحيد وإثبات الأحكام الشرعية، فالقرآن لما كان ينقسم إلى ثلاثة أمور: توحيد، وأحكام شرعية، وقصص، فإن سورة الإخلاص تمحضت في توحيد الخالق جل وعلا، فهي ثلث القرآن من هذا الاعتبار.

    وأنا أقول: لا مانع من الجمع بين الأمرين: هي ثلث القرآن من حيث موضوعها، وهي ثلث القرآن من حيث ثوابها والأجر على قراءتها, والله ذو الفضل العظيم.

    أجر من قرأ سورة الإخلاص عشر مرات

    إخوتي الكرام! هذه السورة لها شأن عظيم فمن قرأها عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة، فقد ثبت هذا في مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير, وكتاب (عمل اليوم والليلة) لـابن السني من رواية معاذ بن أنس الجهني ، ورواه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، ورواه الإمام الدارمي في سننه من رواية أبي عقيل زهرة بن معبد عن سعيد بن المسيب مرفوعاً إلى نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من قرأ سورة الإخلاص عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة )، وفي رواية أبي هريرة والرواية المرسلة لـسعيد بن المسيب : ( ومن قرأها عشرين مرة بني له قصران، ومن قرأها ثلاثين مرة بني له ثلاثة قصور، فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه وأرضاه الحريص عن الخير- إذاً نستكثر قصوراً يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم ).

    فإذاً: هذا هو الأجر على هذه السورة، هذا الذي تحدث عنه خير خلق الله عليه الصلاة والسلام، قصر لكل عشر مرات نقرأ هذا السورة، سبحان ربي العظيم! وقصر في أي دار؟ في دار باقية لا تفنى ولا تزول.

    إخوتي الكرام! كم نتنافس ونشقى ونتعب ونتعنى في تحصيل كوخ في هذه الحياة؟ ثم نزهد بعد ذلك في قصور الجنات، إن هذه هي السفاهة والحماقة بعينها: ( إذاً نستكثر قصوراً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: الله أكثر وأطيب ) وفي رواية الدارمي : ( الله أوسع ) وملكه سبحانه وتعالى لا ينقضي ولا يحيط به إلا هو سبحانه وتعالى.

    إخوتي الكرام! وهذه الروايات لا تنزل عن درجة الحسن بحال، أما رواية سعيد بن المسيب فهي مع إرسالها حكم عليها الإمام ابن كثير عليه وعلى أئمتنا رحمات ربنا بأن هذا المسند جيد الإسناد، ومن بحث في رجال إسنادها يرى أن جميع رجال الإسناد رجال أئمة ثقات أثبات من رجال الصحيحين، إلا عبداً واحداً صالحاً تقياً ولياً وهو: أبو عقيل زهرة بن معبد ، فهذا خرج له البخاري فقط وأهل السنن الأربعة ولم يخرج له الإمام مسلم ، وقد توفي سنة خمس وثلاثين ومائة للهجرة.

    وقد قال عنه الإمام الدارمي بعد أن روى الحديث من طريقه عن سعيد بن المسيب , عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: وكانوا يزعمون أنه كان من الأبدال.

    ولذلك عندما ترجم له الإمام ابن حجر في (التقريب) قال: ثقة عابد، ولما ترجم له الإمام الذهبي في (الكاشف) قال: كان من الأولياء.

    يقول الإمام الدارمي : كان من الأبدال، وتقدم معنا ما يتعلق بتعريف الأبدال والأحاديث الواردة فيهم, فلا يغيبن ذلك عن أذهانكم.

    وأما رواية أبي هريرة رضي الله عنه ففيها ضعف من حيث الإسناد، وهكذا رواية معاذ بن أنس الجهني ، لكن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن بحال، وهذا ثابت من كلام نبينا المختار عليه صلوات الله وسلامه: ( من قرأ هذه السورة عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة, ومن قرأها عشرين مرة بني له قصران، ومن قرأها ثلاثين مرة بني له ثلاثة قصور) والله على كل شيء قدير.

    إخوتي الكرام! هذه هي الأجور والمغانم التي يحصلها من يذكر الله بأعظم صيغ الذكر بكلمة الإخلاص: لا إله إلا الله.

    وهذه هي الأجور والمغانم التي يحصلها من يذكر الله بكلامه في السورة التي أنزلها في بيان نسبته ونسبه سبحانه وتعالى؛ وهي سورة الإخلاص.

    وإذا كان الإنسان عاقلاً كيساً فطناً فليلهج بكلمة التوحيد, ويكثر من قراءة هذه السورة المباركة وهي سورة الإخلاص.

    1.   

    الصوفية والابتداع في الذكر

    إخوتي! ما الذي حصل بعد ذلك؟ إن الأمر تغير بانتكاس العقول وفساد الفطر، وعبد الناس أنفسهم وهم يظنون أنهم يعبدون ربهم. قال الله: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:43-44]. وقال: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23].

    إخوتي الكرام! حصل في هذه الأمة فرقة ضالة ونبتت فيها نابتة، حرفت وغيرت الأذكار الشرعية المأثورة عن خير البرية عليه الصلاة والسلام، وعكفوا على أذكار مبتدعة زعموا أن شريعة الله المطهرة تدل عليها، ولا يشهد لذلك كتاب ولا سنة ولا قول عالم معتبر.

    من هذه الأذكار اللهج باللفظ المفرد بكلمة (الله، الله) ، (حي، حي) ، (قهار، قهار)، (سميع، سميع)، (أحد، أحد) ومنها اللهج بالاسم المفرد مضمراً (هو، هو، هو، هو) فتراهم يعكفون على هذه الصيغ (الله، الله، الله) ثم يحرفون الصيغة أيضاً، بحيث يسقط الألف واللام أحياناً، والهاء يبدلها إلى حاء فتراهم من سرعة كلامهم يقولون: (إح إح إح) عندما يتكلمون، وبعد ذلك يقولون: (هو، هو)، يعوون ويمدون هذه الكلمة، يا عبد الله علام هذا؟! علام هذا؟!

    ألا ذكرت الله بأفضل كلمة نطق بها خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه، ونطق بها أنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه: (لا إله إلا الله)، علام هذا التكلف: (حي، حي، قهار، قهار، أحد، أحد، هو، هو) علام هذا؟؟ واشتط هؤلاء، ففريق قال: إن هذا جائز. وفريق قال: هذا هو أفضل الأذكار، فلا إله إلا الله ذكر العوام، و(الله، الله) بالاسم المفرد مظهراً ذكر الخواص، و(هو، هو) بالاسم المفرد مضمراً ذكر خواص الخواص.

    ومن هؤلاء خواص الخواص؟ أنا أريد أن أعلم: إذا ما كان نبينا عليه الصلاة والسلام خير خلق الله هو خاصة الخاصة, وهو أحب الخلق إلى الله، فمن هو خاصة الخاصة الذي يذكر الله بهذه الصيغة (هو، هو)؟!

    وأعرف بعض الناس يجلس كل يوم قبيل الفجر فيذكر الله خمسة آلاف مرة بصيغة (الله، الله)، و(هو، هو) في كل يوم صيغة، فقلت: يا عبد الله! والله ما أشك -إن شاء الله على حسب ما يبدو من حالك- في أنك تريد ذكر الله وعبادة الله، وتحب الله على حسب ما يظهر، لكن هذا الذكر المبتدع المحدث، ما أعلم هل ستخرج رأساً برأس فلا تحصل أجراً ولا ترتكب وزراً، أم سترتكب وزراً بهذا؟ ألا قلت بدل هذا صيغة منقولة عن حبيبك .. عن رسولك .. عن نبيك عليه الصلاة والسلام، اعكف على كلمة التوحيد، على التسبيح، على التحميد، على الحوقلة، على أي صيغة من صيغ الأذكار. خمسة آلاف مرة، كل يوم قبيل الفجر.

    فهو يقول هذا بقرابة ساعتين إلى ثلاث ساعات. واعجباً من جد أهل الباطل وأهل البدع في باطلهم وبدعهم، وعجزنا عن حقنا! فالذي يدندن صباح مساء في التوحيد ما أظن أنه يقوم قبل الفجر ربع ساعة ليقول هذه الصيغة المباركة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير) إلا من رحم ربك.

    فانظر لأهل البدع، وجدهم في ضلالهم وبدعهم، وعجزنا وضعفنا وخورنا عن حقنا وعن الهدى الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم.

    إخوتي الكرام: هناك أذكار مبتدعة قيلت، ثم غيرت في الصيغة ثم (هو، هو) قد عكفوا على هذا في خاصة أنفسهم وفي بيوت ربهم، وحولوا بيوت ربهم إلى مكان للذكر المبتدع من قبل أنفسهم، كما حولها الصوفية إلى مكان للقصائد والأشعار والرقص مع تبرير فعلهم، ووجد أيضاً في هذا الوقت من يبرر هذا الفعل، ويتلمس له أدلة من هنا وهناك، وغاية ما أيدوا به هذا ثلاثة أمور.

    قالوا: إن هذا يدل على جوازه كتاب الله، وسنة رسول عليه الصلاة والسلام، والتعليلات العقلية.

    1.   

    استدلالات باطلة على الأذكار البدعية

    أولاً: استدلالهم بالقرآن

    أما القرآن: فقالوا إن الله تعالى نص على جواز الذكر بالاسم المفرد بكلمة (الله) في كتابه, فقال جل وعلا: قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام:91].

    والآية إخوتي الكرام! بدايتها: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ [الأنعام:91]، أي: الله هو الذي أنزل ذلك الكتاب والكتب السماوية سبحانه وتعالى، قل: الله أنزله، قال: قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام:91] أي: ليس (قل: الله) يعني: اذكر الله بهذه الصيغة أي: قل: (الله، الله، الله) أو (قهار، قهار، قهار) لا ثم لا، واستمع إلى الآية: قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ [الأنعام:91]، والقراطيس هي الصحف المفرقة, وكان أهل الكتاب عليهم لعنات الكريم الوهاب، يكتبون التوراة والإنجيل بصحف مفرقة ليظهروا ما أرادوا وليكتموا ما أرادوا، فإذا الشيء لم يوافق أهواءهم كتموا الصحيفة التي فيها هذا الأمر, وإذا وافق أهواءهم نشروا الصحيفة التي فيها هذا الأمر.

    ومن أجل هذا كره من كره من أئمتنا تجزئة القرآن, وأمروا بأن يطبع كاملاً ليتبع آخره أوله، من أجل ألا نتشبه بأهل الكتاب الذين كانوا يقطعون كتبهم، وإذا حصل هذا من باب التيسير على النشر فلا حرج، إنما من أجل ألا نتصف بهذه الصفة، فكان أئمتنا يكرهون تجزئة القرآن، قال: تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ [الأنعام:91] أي: تكتبونه على أوراق متفرقة، فإذا أردتم أن تستدلوا بشيء لكم أخرجتم هذه الصحيفة، وإذا الشيء فيه حجة عليكم كتمتم تلك الصحيفة وقلتم: هذه الصحف ليس فيها ذلك الكلام، قال: تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ [الأنعام:91].

    إذاً: من أنزل الكتاب؟ قال: قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام:91] أي: الله أنزله مبتدأ والخبر محذوف مقدر لا يخفى على أحد، وأئمتنا يقولون المحذوف إذا دل عليه مذكور كان في حكم الملفوظ فقال: قُلِ اللَّهُ [الأنعام:91].

    وكان رؤبة بن الحجاج عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا إذا سئل: كيف أصبحت؟ يقول: خير عافاك الله، أي: أصبحت بخير عافاك الله، حتى حرف الجر يحذفه.

    وأما أن تقول: قل الله, يعني أذكر الله بهذا الاسم المبارك (الله، الله، الله)، فهذا من باب التلاعب بكلام الله جل وعلا.

    ولما مر بعض الأعراب على مؤذن يؤذن فنصب لفظ الرسالة من نبينا عليه الصلاة والسلام في الآذان فقال: (أشهد أن محمداً رسولَ الله)، فوقف الأعرابي، فلما انتقل المؤذن! إلى الجملة الثانية: (حي على الصلاة)، نادى الأعرابي بأعلى صوته: أيها المؤذن أمجنون أنت؟ قف. أين الخبر؟ (أشهد أن محمداً رسول الله)، بأي شيء ستخبر عنه، هل بأنه صادق؟ أو كاذب؟ أو رسول الله حقاً وصدقاً؟ أخبر عنه.

    فهذا المؤذن جعل الرسول بدلاً من محمد فأين الخبر؟ إنما الخبر رسول بالرفع (أشهد أن محمداً رسولُ الله)، فالخبر حصل بصفة الرسالة، أخبرت بكلام تام الفائدة يحسن السكوت عليه.

    أما (أشهد أن محمداً رسولَ الله)، بنصب رسول أين الخبر؟ هذا الرسول ما شأنه، حي، ميت، صادق، كذاب، أخبرنا، قال: أمجنون أنت؟ ولا تعي الأذان، ولا تعرف الكلام.

    وهنا: قول: (الله الله)، لو قالها الشيوعي مليار مرة لما صار من العباد الموحدين، حتى يقول: لا إله إلا الله.

    فقولك: (الله، الله) ماذا تقصد بـ(الله، الله)؟ الله جليل كريم أم بخلاف ذلك؟ الله حق أو باطل، أخبر وتكلم بكلام يحسن السكوت عليه, ويفيد فائدة معلومة واضحة، أما قول: (الله، الله، الله) فلا فائدة معلومة منها، ثم إذا طرأ عليه تحريف فهو أشنع وأشنع، إذاً: الآية لا تدل على هذا بوجه من الوجوه.

    ومرة ناقشت بعض الزائغين في بلاد مصر من الذين لهم هذا الشأن، فقال: هذا مذكور في كتاب الله، قلت: الذكر بالاسم المفرد مذكور في كتاب الله؟ قال: نعم. قلت: أين هو؟ قال: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:74]، واسم الله هو الله. فنقول: الله. وقال جل وعلا في سورة الأعلى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل:8].

    قلت: يا عبد الله! هل سنفهم في كلام الله جل وعلا على حسب أهوائنا وكما نريد، أم عندنا طريق سديد بينه لنا نبينا الحميد عليه صلوات الله وسلامه؟ قال: فما نقل عن النبي عليه الصلاة والسلام وعن أئمتنا؟

    قلت: لما نزلت فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:74] قال نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام: ( اجعلوها في ركوعكم )، ولما نزلت: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1] قال: ( اجعلوها في سجودكم )، والحديث في المسند, وسنن ابن ماجه وسنن أبي داود وسنن الدارمي، ورواه ابن مردويه في تفسيره وابن المنذر في تفسيره وإسناده صحيح كالشمس، من رواية عقبة بن عامر رضي الله عنه وأرضاه قال: ( لما نزلت: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:74] قال: اجعلوها في ركوعكم )، ماذا نقول في ركوعنا: (الله، الله)، أو نقول: سبحان ربي العظيم؟ ( ولما نزلت: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1] قال النبي عليه الصلاة والسلام: اجعلوها في سجودكم )، فماذا نقول في سجودنا: (الله)، أو نقول: سبحان ربي الأعلى؟

    فهذا معنى قوله: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:74]، وقوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وقوله: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل:8]، كما بين لنا نبينا صلى الله عليه وسلم.

    أما أن تذكر الله بكلمة لا تدل على شيء، لا على إيمان ولا على كفران، لا على حب ولا على بغض، لا على تكريم ولا على تحقير، فهذا ليس بذكر لله الجليل سبحانه وتعالى.

    وأشنع من هذين المسلكين ما ذكره الإمام الرازي في تفسيره، عند تفسير سورة الإخلاص سورة الصمد في الجزء الثاني والثلاثين صفحة تسع وسبعين ومائة، قال: في هذه الآية فائدة معتبرة أشير بها إلى المقامات الثلاثة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] فقال: (هو) للمقربين، (الله) لأصحاب اليمين، (أحد) لأصحاب الشمال.

    أي: الذكر بـ(هو) يقول: هذا للمقربين، قال: لأنهم لا يتصورون الله بكيفية فلا يعرف كيف الله إلا الله، فهم يقولون: (هو، هو، هو) ولا يشهدون غيره، وأما الذين شاهدوه وشاهدوا الأغيار وعظموه فهم يقولون: (الله، الله، الله)، وأما أهل الشمال فهؤلاء الذين جعلوا التعدد لله جل وعلا والشركاء، فيقال لهم: أحد.

    فقوله: (هو) للمقربين، (الله) لأصحاب اليمين، (أحد) لأصحاب الشمال) والله هذا من باب تفسيرات الباطنية والتلاعب بكلام رب البرية، ومن باب تفكيك كلام الله والتلاعب بمدلوله.

    والإمام الرازي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا صاحب كتاب (مفاتيح الغيب والتفسير الكبير) توفي سنة ستمائة وستة للهجرة، فنحن نحبه ونكن له ولأئمتنا كل احترام وتقدير، لكن الحق أحق بالاتباع، وهذا الكلام ينبغي أن ينزه عنه كلام الله جل وعلا.

    فقوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] إذا تأتي تفكك هذه الجملة وتقول: كلمة (هو) لصنف، و(الله) لصنف، و(أحد) لصنف، فنقول: ما هو الدليل على هذا يا عبد الله؟!

    إخوتي الكرام! بحث شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء العاشر صفحة ست وعشرين ومائتين إلى ست وثلاثين ومائتين، وأعاد المبحث في صفحة ست وخمسين وخمسمائة إلى صفحة ست وستين وخمسمائة في هذه القضية في عشرين صفحة، وبين أن الذكر بالاسم المفرد لم ترد به شريعة الله المطهرة سواء كان مظهراً أو مضمراً، فارجعوا إلى تفصيل الكلام على ذلك في هذين المكانين المشار إليهما.

    إخوتي الكرام! هذا ما استدل به من آيات القرآن على زعم الزاعمين أنه هناك أدلة من كلام رب العالمين تدل على جواز الذكر بالاسم المفرد.

    ثانياً: استدلالهم بالسنة

    وأما أدلة السنة فقد استدلوا على ذلك بأدلة كثيرة أبرزها دليلان: دليل مكذوب بإجماع أئمتنا، ودليل صحيح باتفاق أئمتنا، ولا دلالة فيه على ما يقولون.

    أما الحديث المكذوب: فقالوا: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم لقن علياً الذكر بالاسم المفرد، فعلمه أن: يقول (الله، الله، الله، الله) ). قال أئمتنا كما في (مجموع الفتاوى) في المكانين المشار إليهما، وهذا ما قرره أئمتنا رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، قالوا: هذا حديث مكذوب باتفاق أهل العلم بالحديث، وهو لا يوجد في دواوين الإسلام.

    والحديث الثاني صحيح، لكن لا دلالة فيه على المطلوب، وقد استدل به كثير من الناس, وقابلني بعضهم بهذا الدليل, وقال: ما تقول فيه؟ قلت: ما أقول فيه إلا ما قال أئمتنا فاستمعوا إلى الحديث إخوتي الكرام! ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم ، ورواه الإمام الترمذي في سننه، وهو في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ، ورواه عبد بن حميد في مسنده ورواه أبو يعلى في مسنده والإمام أبو نعيم في (حلية الأولياء)، وإسناد الحديث صحيح كالشمس, من رواية سيدنا أنس بن مالك خادم نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تقوم الساعة على رجل يقول: اللهُ، اللهُ )، ( اللهَ، اللهَ ) بالضبطين أي: (بالرفع والنصب) وسيأتي توجيههما إن شاء الله.

    وفي رواية: ( لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله ) أي: لا يقول أحد: (الله الله)، فإذا حصل هذا تقوم الساعة، فقال هذا الرجل: هذا الحديث ثابت، يقول: الله، قلت: يقول الله، قال: معناها يذكر الله، قال: لا، قلت: استمع إلى رواية الحديث.

    هذا الحديث رواه الحاكم في المستدرك بسند صحيح أيضاً من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تقوم الساعة حتى لا يقال: الله، الله )، والحديث رواه أبو نعيم في (حلية الأولياء) في الجزء الثالث صفحة ثلاثمائة وخمسة) من رواية أنس ، ثم نقله أيضاً عن مجاهد من رواية ثلاثة من الصحابة آخرين؛ من رواية عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين، وقال: رواية مجاهد عن مجموع هؤلاء غريبة، والرواية الصحيحة الثابتة عن أنس . وأنا أقول: ورواية عبد الله بن مسعود أيضاً صحيحة ثابتة في المستدرك.

    وهذه الرواية إخوتي الكرام! المراد منها ما وضحته الروايات الأخرى, وهو الذي فهمه أئمتنا، فالإمام النووي في (شرح صحيح مسلم ) في الجزء الثاني (صفحة ثمانٍ وسبعين ومائة) في كتاب (الإيمان) بوب على هذا فقال: (باب ذهاب الإيمان في آخر الزمان) وليس الحديث مسوقاً لإثبات الذكر بهذه الصيغة أو بغيرها.

    إنما المراد: خروج الناس من الدين، وتغير الزمان، وعدم وجود أحد من الموحدين، وهذا يكون عند مجيء الريح اللينة الطيبة من بلاد اليمن عندما تأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة, ولا يبقى إلا شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة.

    فإذاً: هذا هو المراد من الحديث؛ ويدل على هذا رواية ابن حبان والحاكم في المستدرك وعبد بن حميد: (لا تقوم الساعة حتى لا يقول أحد: لا إله إلا الله )، وفي رواية: ( حتى لا يقال: لا إله إلا الله )، زاد الحاكم في بعض الروايات والخطيب البغدادي في كتاب (تاريخ بغداد) من رواية أبي هريرة أيضاً، ورواية الحاكم من رواية أنس رضي الله عنهم أجمعين: ( حتى لا يقال: لا إله إلا الله, ولا يؤمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر )، والحديث ورد ما يقرر هذا المعنى له في كتاب (تهذيب الآثار) للإمام الطبري ، (وتاريخ نيسابور) للإمام الحاكم من رواية بريدة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تقوم الساعة حتى لا يعبد الله في الأرض قبل ذلك مائة سنة ). يعني: ينحرف الناس عن عبادة الله، ويشركون ولا يوجد عابد لله مائة سنة، ثم بعد ذلك تقوم الساعة.

    وعليه: لا يقول: الله، ليس المراد لا يذكر الله بهذه الصيغة, إنما لا يوجد من يوحد الله، ولذلك قال أئمتنا: (الله، الله)، إما أن تكون مبتدأ والخبر محذوف، الله ربنا، الله إلهنا، وإما أن تقول: منصوب على التقدير؛ كما تقول: الأسد، الأسد، وعليه لا يقال: (الله، الله)، أي لا يقول أحد: اتقوا الله، خافوا الله، لا يقول أحد: الله ربنا، أي: لا يوجد مؤمن موحد في ذلك الزمن، وليس المراد من الحديث: ذكر الله بهذه الصيغة (الله، الله) فكل هذا -كما قلت- إخوتي الكرام! استدلال على المطلوب، وليس في الحديث دلالة على ذلك بوجه من الوجوه.

    ثالثاً: استدلالهم بالعقل

    إخوتي الكرام! وأما الأدلة العقلية فحقيقة هي كثيرة حول الذكر بالاسم المفرد المظهر (الله، الله) والاسم المضمر (هو) سأذكر بعض هذه التعليلات العقلية العليلة التي ذكروها، وبقية التعليلات عندهم خاصة في ما يتعلق بلفظ (هو)، أذكرها مع مقدمة لفضل ذكر الله بكلمة الإخلاص وسورة الإخلاص فيما يأتي إن شاء الله.

    نقل عن بعض من يقولون بالذكر بالاسم المفرد كـالشبلي، وهو دلف بن جحدر أبو بكر الشبلي كان شيخ النساك والصوفية في زمنه, وقد توفي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة للهجرة، كان يعكف على ذكر الله بهذه الصيغة (الله، الله)، فقيل له: ألا تقول: لا إله إلا الله؟ فانظر إلى التعليل العليل, والفلسفة الفارغة التي هي أبرد من الثلج, وأنتن من النتن، ألا تقول: لا إله إلا الله؟ قال: أخشى أن أموت بين النفي والإثبات، يعني: أخشى إن قلت: (لا إله) أن أموت فأكون قد كفرت، سبحان الله العظيم!

    وإذا حصل هذا ماذا جرى؟ إنما الأعمال بالنيات، أفرض لو أن لسانك أخطأ وقلت: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، كما فعل صاحب الراحلة أخطأ من شدة الفرح، ماذا جرى؟ الله هو الذي يعلم ما في القلوب سبحانه وتعالى، فهل أنت تريد نفي الألوهية عن رب البرية، حتى يلزم من ذلك محذور إذا مت بين النفي والإثبات؟

    وهذا كلام باطل إخوتي الكرام! والإمام الشبلي كان يعتريه شيء أحياناً من جفاف الدماغ لشدة مجاهدته، فأئمتنا قالوا: ما حصل منه هو من باب الخطأ المعذور لا من باب السعي المشكور، فلا يقتدى به في هذا الأمر, ونلتمس له عذراً, ونرد قوله وقول كل قائل إذا لم يكن القول له مستنداً عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    والإمام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في (مجموع الفتاوى) في المكانين المشار إليهما آنفاً قال: يغفر للإمام الشبلي لقوة إيمانه بربه, وكثرة مجاهدته لنفسه، ولوقوع هذا الكلام منه في حال سكره ووجده, ويراد بالسكر الهيام الذي يعتريه عند ذكر الرحمن يغفر له لهذا، لكن هذا من باب الخطأ المعذور، لا من باب السعي المشكور.

    قال: وقد وافقه على ذلك أبو يزيد البسطامي وهو طيفور بن عيسى توفي سنة إحدى وستين ومائتين للهجرة، وافقه في ذلك وهو على شاكلته في ذلك، ثم قال: والمشايخ الذين هم أصح حالاً من هؤلاء ما كانوا يذكرون الله بهذه الصيغة لا مظهرةً ولا مضمرة، ثم قال: وإذا تنازع الناس فينبغي رد الأمر إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، هل هذا ورد عنه أم لا؟

    إخوتي الكرام! انظروا ترجمة الشبلي إن شئتم في (سير أعلام النبلاء) في الجزء الخامس عشر صفحة سبع وستين وثلاثمائة، وقد أنصفه الإمام الذهبي ، ونقل شيئاً من كلامه الحسن: أنه عندما سئل عن العارف الموحد الصادق؟ فقال له: صدر مشروح, وقلب مجروح, وجسم بين يدي الله مطروح، وهو من الكلام الحسن الذي نقل عن هذا العبد الصالح، وهكذا العبد الصالح أيضاً أبو يزيد البسطامي , وإن نقل عنه ما نقل فيرد ما خالف السنة، ولا نحتكم إلا إلى سنة نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وانظروا أيضاً إلى ترجمته في (سير أعلام النبلاء) في الجزء الثالث عشر صفحة ثمان وثمانين، ونقل من كلامه شيئاً كثيراً بعدما نعته بأنه سلطان العارفين، ومن كلامه الطيب العذب أنه كان يناجي الله جل وعلا فيقول: ليس العجب من حبي لك وأنا عبد فقير، إنما العجب من حبك لي وأنت ملك قدير.

    وكان يقول لله جل وعلا: هذا فرحي بك في حال خوفي منك، فكيف يكون فرحي بك إذا أمنتك؟! سبحان ربي العظيم! كلام حق يقوله هذا العبد الصالح، ومن كلامه وختم به الإمام الذهبي ترجمته أنه كان يقول: لو صفت لي تهليلة ما باليت بعدها، فما جرى من هذا وذاك ومن أمثالها في حال غيبوبة العقل عنهما، فكما قلت: خطأ يعذر إن شاء الله فاعله، ولا يجوز الاقتداء به.

    1.   

    أهمية الالتزام بالذكر المأثور

    إخوتي الكرام! ينبغي أن نذكر الله بما أثر عن نبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أمرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن نكثر من قول: لا إله إلا الله، وأخبرنا بأن من قالها وكانت آخر كلامه دخل الجنة، كما ثبت في المسند وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم ، والحديث إسناده صحيح كالشمس من رواية معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة ) .

    وقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نلقن الموتى كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله), وما أمرنا أن نلقنهم: (الله)، ولا (هو)؛ لئلا يموتوا بين النفي والإثبات على زعم الزاعم، والأحاديث في ذلك كثيرة وفيرة متواترة أيضاً، أقطع بها وأسأل أمام الله أن أحاديث تلقين الميت كلمة التوحيد لا إله إلا الله متواترة، منقولة عن عشرة من الصحابة الكرام أو أزيد رضي الله عنهم وأرضاهم.

    فمن هذه الروايات ما في المسند وصحيح مسلم والسنن الأربع، والحديث في صحيح ابن حبان والسنن الكبرى للإمام البيهقي والمصنف لـابن أبي شيبة من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ) والحديث في صحيح مسلم أيضاً، وسنن ابن ماجه ورواه ابن حبان والبيهقي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ) وروى هذا المعنى الإمام النسائي عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، والطبراني في معجمه الكبير عن عبد الله بن مسعود ، والروايات كلها مرفوعة إلى نبينا المحمود عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه .

    وروي أيضاً حديث التلقين من رواية عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وروي من رواية حذيفة بن اليمان ، وروي من رواية عروة بن مسعود الثقفي وغير هؤلاء، انظروا مجمع الزوائد في الجزء الثاني صفحة اثنين وعشرين وثلاثمائة في كتاب (الجنائز) باب في تلقين الميت لا إله إلا الله.

    إخوتي الكرام! فلا بد من العكوف على الأذكار الشرعية المنقولة عن نبينا خير البرية عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    أما هذه الأذكار المبتدعة (الله)، و(هو)، والتغيير بعد ذلك في صيغ هاتين اللفظتين فهذا زيادة ضلال وبدع إلى ضلال وبدع، والصالحون من أهل السلوك ينكرون هذا، ينقل الإمام الأخبري في منظومته التي ألفها في التصوف, وقد توفي سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة للهجرة عن أئمة التصوف الصادقين إنكار هذا فيقول:

    وقال بعض السادة المتبعة في رجز يهجو به المبتدعة

    ويذكرون الله بالتغيبر, أي: يغيرون الصيغة, ويغبرون معها آلة الطرب والعزف واللهو.

    ويذكرون الله بالتغيير وينهقون النهق كالحمير

    وينبحون النبح كالكلاب طريقهم ليست على الصواب

    وليس فيهم من فتى مطيع فلعنة الله على الجميع

    أي: من انحرف عن شريعة النبي عليه الصلاة والسلام, وابتدع من البدع ما لم يأذن به الله، فيستحق هذه العقوبة عند الله.

    أسأل الله أن يجعل هوانا تبعاً لشرعه, إنه أرحم الراحمين, وأكرم الأكرمين، أقول هذا القول وأستغفر الله.

    1.   

    حكم الزيادة على مائة في الذكر

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    إخوتي الكرام! ما تقدم معنا من أن كلمة التوحيد لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لقولها أجور كثيرة, إذا قالها الإنسان مرة أو عشر مرات أو مائة مرة أو مائتين مرة.

    في هذا دلالة واضحة على أن الأذكار الشرعية ورد لها قدر وعدد عن خير البرية عليه الصلاة والسلام بما يزيد على مائة، وما قاله بعض الناس في هذه الأيام: إنه ما وقف على رواية فيها ذكر بعدد يزيد على مائة، فالرواية التي تقدمت من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ترد هذا القول وتبطله.

    ثم رتب على هذا فقال: فما يقوله بعض الناس من أنه لا بد من اتخاذ سبحة لعد التسبيح بها؛ لأنه يصعب علينا أن نعد بأصابعنا، قال: هذا جاء -أي هذه البدعة جاءت- من بدعة أخرى، وهي أنهم أرادوا أن يذكروا الله بعدد معين، ما ورد في الشرع اعتباره، وغاية ما ورد في الشرع الذكر بعدد مائة، فما ورد أكثر من هذا, ومائة يمكن أن تضبط عدها بعقد الأصابع، وعليه اتخاذ السبحة باطل وهو بدعة.

    وختم الكلام بأنه سبق إلى هذا من قبل بعض السلف الكرام كـإبراهيم النخعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا بأن السبحة بدعة، ثم بعد ذلك قال: مفاسد السبحة لا تحصى، وقد ذكر هذا في سلسلة الأحاديث الضعيفة في الجزء الأول صفحة مائة وعشرة، وطول الكلام ولم يأت بطائل, فذكر في ذلك سبع صفحات, وما تقدم معنا كما قلت إخوتي الكرام! نص صريح من أنه ورد من الأذكار ما يقدر بما يزيد على مائة.

    1.   

    حكم السبحة

    إخوتي الكرام! إن القول بأن السبحة بدعة، ما أعلم أحداً من سلفنا الكرام المتقدمين قال هذا، ونسبة هذا إلى الإمام النخعي وهو حدد المكان، سأذكر هذا المكان, وأشير إلى نسبة حقيقة فيها شيء من التحريف في المعنى كما ستسمعون.

    وأما اتخاذ السبحة فهي تدخل في دائرة الإباحة، فحذاري أن تفتري على سنة النبي عليه الصلاة والسلام، تقول سنة ولها شأن، وحذاري أيضاً أن تكذب على النبي عليه الصلاة والسلام، تقول: إنها بدعة وخلاف سنته وخلاف هديه، أقول: اتق ربك إنها تدخل في دائرة الإباحة، وهي شكل من أشكال العد، فإن عد بالحصى أو بالنوى أو بالسبحة أو بالأصابع بأي ذلك حصل منه أجزأ, وإن كان العد بالأصابع أفضل.

    وهذا ما قرره أئمتنا، وكنت قد بينت أن شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية قرر هذا في مجموع الفتاوى في الجزء الثاني والعشرين صفحة خمسمائة وسبع فقال: والتسبيح بالخرز لا بأس به، بل هو مستحب إذا أحسنت النية فيه، والاستحباب لا يقصد منه أنه استحباب لدليل ثابت بالخرز، إنما يقصد منه أن هذا مشروع بالجملة ولا حرج فيه، وهذا ما قرره أئمتنا، انظروه في بذل المجهود في شرح سنن أبي داود في الجزء السابع, صفحة إحدى وخمسين وثلاثمائة, وانظروه أيضاً في عون المعبود في شرح سنن أبي داود في الجزء الأول, صفحة خمس وخمسين وخمسمائة.

    والإمام السيوطي ألف رسالة في ذلك في أول المجلد الثاني من الحاوي، في الجزء الثاني صفحة مائتين فما بعدها, سماها المنحة في السبحة.

    وأما أثر الإمام النخعي الذي استدل به على كراهية السبحة, ولا دليل فيه كما قلت على ذلك، هو موجود في المصنف الجزء الثاني, صفحة إحدى وتسعين وثلاثمائة.

    ونحن إخوتي الكرام! عندما ننقل عن كتب سلفنا، نحن واسطة بيننا وبين القراء, فينبغي أن نتقي الله أولاً في الصدق في النقل، ثم في الصدق في بيان المراد بهذا النقل، وكل من انحرف عن واحد من هذين فيتصف بصفة الخيانة عند رب الكونين.

    فالإمام ابن أبي شيبة في كتابه المصنف عقد بابين لذلك:

    الباب الأول: قال: (باب في عقد التسبيح وعدد الحصى) يعقد بالتسبيح ويأتي أيضاً بالحصى ويعد بها، وأورد هذا في صفحتين متتاليتين عن عدد من السلف من صحابة وتابعين كانوا يعدون بالتسبيح والنوى والخرز وغير ذلك. ثم قال: (باب من كره عقد التسبيح) ولا يريد من ذلك اتخاذ سبحة, إنما يريد عد التسبيح، فاسمعوا لما ترجم به الإمام ابن أبي شيبة وللآثار التي أوردها.

    الأثر الأول: نقله عن إبراهيم أي النخعي قال: كان عبد الله يعني: ابن مسعود يكره العدد, ويقول: أيمن الله حسناته؟ فما كان إذاً يكره السبحة لأجل السبحة، ولا يكره العد بالأصابع لأجل الأصابع، ولا يكره العد بالحصى لأجل الحصى، إنما سلفنا الكرام يريدون من الذاكرين أن يكونوا على همة عظيمة، أن يذكر كل واحد منهم ربه آناء الليل وأطراف النهار, وألا يقتصر على عدد معين.

    ثم يقول: أنت تعد حسناتك على الله جل وعلا؟ المقصود: اذكر الله كثيراً دون أن تعد لذلك قدراً، نعم هذا همم الصحابة، وأما نحن فضعفنا لا يعلمه إلا ربنا، ولا بد من أن ننظم أمورنا مع ربنا؛ لئلا يلبس الشيطان علينا، فإذا أردنا أن نذكر دون عدد معين قد يأتي الواحد منا بذكر ربه عشر مرات يقول: ذكرت ربك مائة ألف قم يكفيك، فلذلك لا بد من أن نضبط الأمر لما حصل فينا من نقص وتفلت.

    الأثر الثاني يورده بعد ذلك فيقول: سألت ابن عمر عن الرجل يذكر الله ويعقد؟ فقال: تحاسبون الله؟ فليس موضوع سبحة أو حصى أو يد، تحاسبون الله؟ يعني: أنت تجلس تقول أنا ذكرت الله خمسة آلاف مرة تريد أن تحاسب الله، تعدون حسناتكم.

    ثم آخر الآثار وهو الذي ذكره قال: كان إبراهيم النخعي ينهى ابنته أن تعين النساء على فتل خيوط التسابيح التي يسبح بها، لمِ؟ من أجل كراهية العد؛ لئلا يمن الإنسان بحسناته؛ ولئلا يحاسب ربه على طاعاته، وهذا ما عقد عليه الإمام ابن أبي شيبة باباً فقال: (باب من كره عقد التسبيح) .

    وليس الكلام كما قلت في سبحة أو في عد لأصابع يد أو عد بحصى، إنما كان سلفنا يريدون من المؤمنين أن يكونوا على همة عالية, وأن يستغرق الإنسان في ذكر ربه آناء الليل وأطراف النهار.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا.

    اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق العصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم اجعلنا من أحب خلقك إليك، ومن المقربين لديك، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.

    اللهم اجعل حبك وحب رسولك صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من كل شيء، أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا، أحب إلينا من الماء البارد في اليوم القائظ.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم أنزل علينا من بركات السماء, وأخرج لنا من بركات الأرض بفضلك ورحمتك.