إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. البدعة
  5. البدعة - عبادة الذكر والابتداع فيه

البدعة - عبادة الذكر والابتداع فيهللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أفضل وأيسر العبادات ذكر الله، وتعتبر هذه العبادة بمثابة الروح للجسد والماء للسمكِ، فمن خلالها نستمد طاقاتنا وتطمئن نفوسنا، وأجل وأعلى أنواع الذكر تلاوة كلام الله عز وجل، وأما ما أحدثه المبتدعة الصوفية من الأذكار والرقص والتصفيق فما أنزل الله به من سلطان.

    1.   

    مقدمة

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه, ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهد الله فهو المهتد, ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين, شرع لنا ديناً قويماً, وهدانا صراطاً مستقيماً, وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.

    اللهم لك الحمد كله, ولك الملك كله, وبيدك الخير كله, وإليك يرجع الأمر كله, أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, ولي الصالحين, وخالق الخلق أجمعين ورازقهم وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله, أرسله الله رحمة للعالمين, فشرح به الصدور, وأنار به العقول, وفتح به أعيناً عمياً, وآذاناً صماً, وقلوباً غلفاً, فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته, ورضي الله عن أصحابه الطيبين, وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد: معشر الإخوة الكرام!

    تقدم معنا أن البدعة من أسباب سوء خاتمة الإنسان, وقلت: سنتدارس هذا البحث ضمن ثلاثة أمور:

    أولها: في تعريف البدعة, وثانيها: في النصوص المحذرة من البدعة والابتداع, وثالثها: في أقسام البدعة.

    ولا زلنا -إخوتي الكرام- نتدارس الأمر الأول ألا وهو تعريف البدعة، فهي: الحدث في الإسلام عن طريق الزيادة أو النقصان مع زعم التقرب بذلك إلى الرحمن, وذلك الحدث لا تشهد له نصوص الشرع الحسان.

    إخوتي الكرام! تقدم معنا أنه نحو هذا التعريف ضل فرقتان: فرقة اشتطت وغلت وبغت واعتدت فوسعت مفهوم البدعة, وأدخلت فيها ما ليس منها, وقد نسب كثير من أهل الشطط في هذه الأيام أنفسهم إلى السلفية وإلى الدعوة المحمدية على نبينا صلوات الله وسلامه, ثم شغلوا أنفسهم بتضليل المسلمين, ولعنهم في كل حين.

    وفرقة أخرى فرطت وقصرت في تعريف البدعة, فألغتها كلها أو بعضها, فخرفت ما شاءت أن تخرف, ثم جعلت تخريفها ديناً تزعم أنها تتقرب بذلك إلى رب العالمين, وقد وجد في هذا الزمن ممن ينتسب إلى الصوفية, فابتدعوا في الشريعة الإسلامية بدعاً ردية, ثم نسبوها بعد ذلك إلى شريعة رب البرية، والفرقتان على ضلال, ودين الله بين الغالي والجافي.

    إخوتي الكرام! وقد تقدم معنا مناقشة الفرقة الأولى, وبيان ضلالها وزيغها بالأدلة القيمة القويمة, وشرعنا في مدارسة تخريف الفرقة الثانية, وبينت منزلة الدعاء في الإسلام, وأنها عبادة عظيمة ينبغي أن تصرف لذي الجلال والإكرام, ثم بينت موقف المخرفين في هذا الزمان نحو هذه العبادة العظيمة كيف صرفوها إلى المخلوقين من أحياء وميتين, ومن بشر وحجر.

    1.   

    منزلة الذكر وفضله

    وفي هذه الموعظة سنتدارس عبادة جليلة أخرى تدخل فيما تقدم, وقد خرف المخرفون نحوها, وابتدعوا ابتداعاً فيها, وهذه العبادة هي ذكر الله جل وعلا.

    إخوتي الكرام! كما أن دعاء العبد ربه من أعظم الطاعات, فذكر العبد لله من أعظم القربات.

    إن عبادة الذكر عبادة جليلة قيمة كريمة, وقد كنت ذكرت منزلة الذكر وفضائله، وإنما أريد أن أذكر شيئاً مما لم يتقدم ذكره ليتبع الموضوع بعضه بعضاً.

    الآيات الواردة في فضل الذكر

    إخوتي الكرام! إن هذه العبادة -أعني: عبادة الذكر على الخصوص من سائر العبادات- أمرنا الله أن نكثر منها في جميع الأوقات, فالله عندما يذكر عبادة الذكر يطالبنا بالكثرة فيها, قال الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا [الأحزاب:41-44]، فقوله: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب:41] إي: عندما ترد هذه العبادة يطالبنا الله بالإكثار منها.

    وقد أخبرنا الله جل وعلا أن الذين يذكرون الله هم أحق الناس بالاقتداء بخير خلق الله بسيدنا وحبيبنا محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام, أشار الله إلى هذا أيضاً فقال: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21] فمن اتصف بهذه الصفة فهو أحق الناس بالاقتداء بإمام الأكياس, وأفضل الناس نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وهكذا أخبرنا الله أيضاً بأن من أكثر من ذكر الله من الذكور والإناث يعد الله لهم يوم القيامة أجراً عظيماً, فقال جل وعلا: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35], فعندما أتى إلى هذه العبادة طالبنا بالكثرة منها, وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35] نعم, هذه العبادة ينبغي أن نكثر منها في جميع شئون حياتنا, في بيوت ربنا, وفي شوارعنا وفي أسواقنا وفي سياراتنا وعلى فرشنا وفي مزارعنا وأينما كنا.

    وقد أشار الله إلى هذا فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة:9-10].

    ونظير هذه الآية قول الله جل وعلا في سورة النساء بعد أن شرع لهذه الأمة صلاة الخوف في الحرب, قال جل وعلا: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103].

    فلا بد للإنسان من أن يذكر الله على جميع أحيانه ليعتبر بمخلوقات الله, وليتفكر في ملك الله, وليحيا قلبه بنور الله, قال الله جل وعلا: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191].

    نعم -إخوتي الكرام- لا بد من الإكثار من هذه العبادة -عبادة الذكر- في جميع الأحوال والأوقات في حال السلم وفي حال الحرب؛ كما قال ذو العزة والجلال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45].

    والآيات -إخوتي الكرام- كثيرة وفيرة التي تتحدث عن شأن الذكر ومكانته وفضله ومنزلته وتطالبنا بالكثرة منه, والسبب في ذلك أن الذكر -كما قلت- عبادة جليلة القدر والمقدار, ولها أثر طيب في البشر, ولا يستغني عنها الإنسان في حال من الأحوال, وكلما صح قلب الإنسان كلما كثر ذكره لذي الجلال والإكرام.

    الأحاديث الواردة في فضل الذكر

    إن ذكر الله لحياتنا كالماء للسمك، فذكر الله ضروري للبشر في هذه الدار, وكما قلت: كلما صح القلب وقوي وصفا ونقي كلما أكثر من ذكر الله جل وعلا, ولذلك لما كانت قلوب أهل الجنة أطهر القلوب يكثرون من ذكر علام الغيوب, ومع كل نفس يتنفسونه تحميد وتسبيح لله جل وعلا.

    كما ثبت هذا في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أهل الجنة يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفَس ) أي يلهمون قول: سبحان الله والحمد لله كما يلهمون النفس.

    نعم، إن حياة القلب يقابلها كثرة ذكر الرب, فكلما حيي قلب الإنسان في هذه الدار وفي دار القرار كلما أكثر من ذكر العزيز الغفار, وقد وضح لنا هذا نبينا المختار عليه صلوات الله وسلامه, فبين لنا أن الفارق بين الذاكر والغافل كالفارق بين الحي والميت.

    ففي الصحيحين وصحيح ابن حبان من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: ( مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت ) وفي رواية صحيح مسلم : ( مثل البيت الذي يذكر فيه الله والبيت الذي لا يذكر فيه الله كمثل الحي والميت ).

    إن ذكر الله ضروري لقلوبنا, وهو ضروري لبيوتنا, فلا تتنور القلوب والبيوت إلا بذكر علام الغيوب سبحانه وتعالى, أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    ولذلك -إخوتي الكرام- إن المتمسك القوي الذي يتمسك به الإنسان في هذه الحياة ويستعين به على سائر الطاعات وعلى ترك المخالفات كثرة ذكر رب الأرض والسماوات.

    كما أشار إلى ذلك نبينا خير البريات عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه, ففي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه والحديث رواه الإمام ابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه والبيهقي في شعب الإيمان, وإسناده صحيح كالشمس من رواية عبد الله بن بسر رضي الله عنه وأرضاه أنه قال لنبينا عليه الصلاة والسلام: ( يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ فمرني بشيء أتشبث به ) أي: أتعلق به يكون ذلك دافعاً لي ومعيناً لي على الالتزام بجميع شرائع الإسلام, ( فمرني بشيء أتشبث به, فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله ).

    نعم، ما زلت تذكر الله فأنت حي, وإذا غفلت عن ذكره فأنت ميت، فحالك كحال السمك إذا أخرج من الماء عطب وهلك, وما دام في الماء فهو في حياة وفي سعادة.

    قال: (مرني بشيء أتشبث به)؛ لأن شرائع الإسلام كثيرة, ولا بد لنا من شيء يعيننا عليها, قال: ( لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله ), وقد وصى نبينا صلى الله عليه وسلم بذلك معاذ بن جبل أيضاً رضي الله عنه كما ثبت الحديث بذلك في معجم الطبراني الكبير ومسند البزار وفي صحيح ابن حبان , والحديث رواه ابن أبي الدنيا وإسناده صحيح أيضاً, عن معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه, ويروي الأثر عنه مالك بن يخامر وهو مخضرم من التابعين الكرام, وقيل إنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ورآه وله صحبة معه, وحديثه في صحيح البخاري والسنن الأربع, وتوفي سنة70 هـ .

    يقول مالك بن يخامر : حدثنا معاذ بن جبل فقال: ( إن آخر كلام فارقت عليه النبي عليه الصلاة والسلام أن قلت: يا رسول! على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه أخبرني بأحب الأعمال إلى الله عز وجل؟ فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله ) وفي رواية البزار : قال معاذ بن جبل لنبينا المختار على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه: ( يا رسول الله! أخبرني بأفضل الأعمال وأقربها من الله عز وجل؟ فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله ).

    نعم, إن الذكر له هذه المنزلة, ولذلك أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن أحب عمل يقوم به الآدمي يتقرب به إلى الله القوي ذكر الله في هذه الحياة, ثبت الحديث بذلك في معجم الطبراني الأوسط والصغير بسند رجاله رجال الصحيح كما نص على ذلك شيخ الإسلام الإمام المنذري وشيخ الإسلام الإمام الهيثمي عليهما وعلى أئمتنا جميعاً رحمة ربنا.

    ولفظ الحديث من رواية سيدنا جابر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله, قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد إلا أن يضرب بسيفه في الكفار حتى ينقطع )، وهذا الحديث روي أيضاً من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وموطأ الإمام مالك , ورواه الإمام الحاكم في مستدركه موقوفاً على معاذ , ويشهد له ما تقدم من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين.

    بعض فوائد عبادة الذكر

    إخوتي الكرام! إن عبادة الذكر لها هذه المنزلة, فوالله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن للذكر من فائدة إلا أن الله يذكر من ذكره لكفى ذلك، فهي فائدة تطيش لها القلوب, وتطير بها العقول, إذا ذكرت الله يذكرك, فأي فضيلة بعد هذه الفضيلة؟ والله معك بنصره وتأييده وحفظه ورعايته وكلاءته وتوفيقه ما ذكرت ربك وتحركت بذكره شفتاك.

    ثبت الحديث بذلك في مسند الإمام أحمد وهو في الكتب الستة إلا سنن أبي داود ورواه ابن حبان , وهو في غير ذلك في دواوين الإسلام التي تجمع حديث نبينا عليه الصلاة والسلام, والحديث في أعلى درجات الصحة فهو في الصحيحين وغيرهما من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي, وأنا معه إذا ذكرني ) سبحانك ربنا ما أعظمك! ليس العجب من ذكرنا لك ونحن الفقراء إليك، إنما العجب من ذكرك لنا وأنت الغني عنا!

    قال: ( أنا عند ظن عبدي بي, وأنا معه إذا ذكرني, فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي, وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم, وإن تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً, وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً, وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ).

    سبحان الله العظيم! إذا ذكرنا الله يذكرنا, وإذا مجدناه وعظمناه بين خلقه يتحدث بفضلنا ويثني علينا ويخبر عن رضاه عنا بين ملائكة الله الأطهار, بين حملة العرش والكروبيين والملائكة العظام في الملأ الأعلى.

    وثبت في مسند البزار بسند صحيح من رواية سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله عز وجل: يا ابن آدم! إذا ذكرتني خالياً ذكرتك خالياً, وإذا ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير من الملأ الذين ذكرتني فيهم ) فهذا فضل عظيم لهذه العبادة الجليلة أن الله يذكرك, وينوه بشأنك, وهو معك عندما تذكره, والله يقرر هذا في محكم كتابه فيقول: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة:152].

    1.   

    أفضل أنواع الذكر وفضل التعبد به

    هذه العبادة العظيمة الجليلة عبادة الذكر أفضل الأذكار وسيدها وأعلاها وأجلها كلام الله جل وعلا, ففضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر المخلوقات, كلام الله ذكر, وعندما تتلو القرآن فأنت تذكر الرحمن، وقد نص الله على أن كتابه ذكر في كثير من الآيات, فقال جل وعلا: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ * وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [الأنبياء:48-50].

    إنه ذكر عظيم لا يتطرق إليه خطأ ولا وهم ولا نقص من أي جهة من جهاته، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:41-42].

    إننا عندما نقرأ القرآن نذكر الله, ويحصل لنا بذلك موعظة وتذكير, ويحصل لنا ذكر وقدر في هذه الحياة كما قال الله جل وعلا أيضاً في سورة الأنبياء على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه: لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء:10].

    وقد بين لنا نبينا منزلة ذكر الله بهذه العبادة بتلاوة القرآن, فأخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام ( أن من قرأ القرآن فقد استدرجت النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه ) ليس هناك فارق بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن النبي تلقى هذا بواسطة جبريل عن ربنا الجليل, وأنت أخذته بوسائط العلماء الثقات عن خير البريات على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    ثبت الحديث بذلك في مستدرك الحاكم وكتاب شعب الإيمان للإمام البيهقي , والحديث رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قرأ القرآن فقد استدرجت النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه, وما ينبغي لقارئ القرآن أن يجهل مع من يجهل وفي جوفه كلام الله ).

    وهذا الأثر رواه عنه الإمام ابن الضريس في كتاب فضائل القرآن عن عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفاً عليه من قوله، وكما قلت: ومرفوعاً في الكتب المتقدمة إلى نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه, وإذا قرأت القرآن يستمع الله إليك, ويفرح بتلاوتك, ويصغي سبحانه وتعالى ويستمع إصغاءً واستماعاً عجيباً، فاستمع إلى حال استماع الله إلى عبده عندما يتلو كلامه.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه , والحديث رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه ورواه الإمام الآجري في كتاب آداب حملة القرآن وأخلاق حملة القرآن, والحديث إسناده حسن, وقد صححه الحاكم وصححه ابن حبان وأورده الحافظ في الفتح مستشهداً به، فهو حديث حسن من رواية فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لله أشد أذناً إلى الرجل حسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته ) قوله: (لله أشد أذناً) أي: إصغاء واستماعاً إلى الرجل حسن الصوت عندما يقرأ بتجويد وترتيل, ويحسن صوته بكلام الله الجليل، يستمع الله إليه ويصغي أشد من إصغاء واستماع صاحب القينة إلى قينته.

    والقينة هي: الجارية المغنية صاحبة الصوت الشذي العذب, ولا يراد في الحديث أن الغناء حلال؛ لأنه غناء فيما حرم، ولا يراد أيضاً استماع لما حرم الله, وإنما لو قدر أن عند الإنسان جارية شابة جميلة الصوت فغنته بما هو مباح فالمراد كيف أنه يطرب من سماعها عندما يحبها ويصغي إليها ويستمع فالله جل وعلا أشد إصغاءً واستماعاً لقارئ القرآن عندما يتلذذ هذا الإنسان بكلام الرحمن.

    قال: ( لله أشد أذناً -أي: استماعاً- إلى الرجل حسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته )والأذن هنا بمعنى الإصغاء والاستماع، ومنه قول الله جل وعلا: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق:1-2] أذنت أي: استمعت, وحق لها أن تستمع وأن تطيع أمر ربها.

    وأذن يأذن إذناً, وأذن يأذن أذناً مختلفان في المصدر متفقان في الماضي والمضارع، ومختلفان في المعنى والمصدر, فأذن يأذن إذناً بمعنى أباح ورخص, وأما يأذن أذناً بمعنى استمع وأصغى, فالفعل في الماضي والمضارع واحد في معنى أذن فهو بمعنى رخص وأباح وسهل, وبمعنى استمع وأصغى، فصيغة الفعل واحدة في الماضي والمضارع: أذن يأذن, فعندما تريد الإصغاء والاستماع تقول: أذناً, وعندما تريد الترخيص والإباحة تقول: إذناً.

    إن الإنسان عندما يتلو كلام الرحمن يصغي الله إليه, فقارئ القرآن من أهل الله وأحبابه وخاصته, وقد أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند والنسائي في السنن الكبرى وابن ماجه في سننه, والحديث رواه الدارمي في سننه وأبو داود الطيالسي في مسنده, ورواه الإمام الحاكم في مستدركه وأبو نعيم في الحلية, كما رواه الخطيب في تاريخ بغداد, ورواه الإمام أبو عبيد في كتابه فضائل القرآن, وهكذا ابن الضريس في كتابه فضائل القرآن، وهو في كتاب الآجري أيضاً في كتابه أخلاق حملة القرآن, وإسناد الحديث صحيح, من رواية سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن لله أهلين من الناس -له أهل من خلقه- قالوا: من أهل الله منا؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته )، وفي بعض روايات أبي نعيم في الحلية: ( إن لله أحبة من خلقه, قالوا: من هم يا رسول الله؟! قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته ).

    إخوتي الكرام! فالذكر له شأن, وسيد الأذكار وأعلاها كلام الله جل وعلا, وقد ثبت في ترجمة الإمام المبجل أحمد بن حنبل إمام أهل السنة الكرام عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا, وهذا الأثر يرويه عنه الإمام ابن الجوزي في كتابه مناقب الإمام أحمد في ص34, وقد ذكره أئمتنا في ترجمة هذا الإمام المبارك, وذكره الإمام الغزالي في الإحياء.

    ولفظ الأثر أن هذا الإمام المبارك -أعني سيدنا أحمد بن حنبل عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا- رأى رب العزة جل وعلا في المنام, ورؤية الله في المنام جائزة عند أهل السنة الكرام في كيفية يعلمها الله ولا نعلمها, ويشاهد الإنسان نوراً, ويقع في قلبه أنه رأى ربه, وأما رؤيتنا لربنا في غرف الجنات فهذه متواترة من القطعيات, وردت بها آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم, ومنكرها كافر, ونسأل الله أن يكرمنا بالنظر إلى نور وجهه في جنات النعيم إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    فهذا الإمام المبجل أحمد بن حنبل رأى رب العزة جل وعلا في المنام, فقال: ربي! ما أفضل وما أحب ما يتقرب به المتقربون إليك؟

    يعني: أي قربة وأي طاعة أفضل وأحبها إليك مما يتقرب به إليك عبادك؟

    فقال: يا أحمد بكلامي؛ أفضل عبادة وأحب عبادة يتقرب المتقربون بها إلي كلامي, بتلاوة ذكري, وهو هذا القرآن الذي أنزله الله علينا ليخرجنا من الظلمات إلى النور.

    فقلت: ربي! بفهم أو بغير فهم؟ قال: بفهم أو بغير فهم.

    فتلاوة كلام الله تؤجر عليها على كل حال, وهذه أفضل الأذكار التي تذكر بها ذا العزة والجلال.

    إذاً: أفضل ما يتقرب المتقربون به إلى الحي القيوم هذا القرآن الميمون.

    1.   

    بدع الصوفية في الذكر

    إخوتي الكرام! وهذا الأمر، أعني: عبادة الذكر ورأسه -كما قلت- تلاوة القرآن هذه العبادة هي التي كانت عند سلفنا، ويعكف عليه سلفنا؛ فيذكرون الله بتحميده وتسبيحه وتمجيده, ويتلون كلامه آناء الليل وأطراف النهار, فما الذي حصل؟

    إن الأمر تغير، تغيراً كبيراً بعدهم ورضي الله عنهم وأرضاهم, فنبت في هذه الأمة نابتة من المخرفين ممن ينتسبون إلى الصوفية, وأئمة الصوفية الصادقون المخلصون منهم براء، نبتت نابتة فاخترعوا الأشعار والقصائد, وعكفوا على استماعها وإنشادها في بيوت الله آناء الليل وأطراف النهار, ثم قاموا يتواجدون ويرقصون ويزعمون أنهم يعبدون الحي القيوم, كما أنهم ابتدعوا من الأذكار ما لم يرد عن نبينا المختار عليه صلوات الله وسلامه, وقالوا: هذه الأذكار هي أفضل مما ورد عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    فهنا بدعتان نحو عبادة الذكر:

    البدعة الأولى: أشعار ورقص وتواجد.

    والبدعة الثانية: أذكار ما أنزل الله بها من سلطان, قالوا: إن ذكر الله بها أعظم ذكر يقوم به الإنسان في هذه الحياة, ورتبوا عليها من الأجور ما لم يرد به شرع العزيز الغفور.

    وسنتدارس البدعة الأولى من هاتين البدعتين.

    وأما البدعة الثانية: وهي الأذكار المبتدعة التي جلعوا عليها أجوراً كثيرة, وجعلوها من أذكار الخاصة وخاصة الخاصة سيأتي الكلام عليها مع مقدمة للذكر.

    إخوتي الكرام! أما عبادة التواجد والرقص وعبادة القصائد والأشعار التي حدثت من هذه الفرقة الضالة, وعكفوا عليها في بيوت الله جل وعلا فهي عبادة مبتدعة مخترعة, أعرضوا عن ذكر الله كما شرع نبينا رسول الله عليه الصلاة والسلام, وأعرضوا عن تلاوة كلام الله, ثم بعد ذلك اخترعوا أشعاراً وقصائد على زعمهم, يثنون بها على الله جل وعلا, وأن هذا يحرك قلوبهم للطرب, وأنهم يفرحون بالله.

    وهذه الأشعار والقصائد والرقص والتواجد انتشرت في بلاد المسلمين, وحولت بيوت رب العالمين إلى منزلة كمنزلة الكنائس عند النصارى والبيع عند اليهود, وإلى ربنا المعبود نشكوا أحوالنا وغربتنا في هذه الأيام.

    إخوتي الكرام! هؤلاء يقولون: إننا نريد بهذا تعظيم الله، وإننا عندما ننشد القصائد والأشعار ونتواجد ونرقص نفرح بالله, وإذا سلمنا لهم نيتهم -والله أعلم بما في القلوب- فلا نقرهم على هذا بحال من الأحوال, فالعمل لا يقبل عند الله عز وجل إلا بوجود شرطين بعد إيمان صاحبه:

    أولهما: إخلاص لله.

    وثانيهما: متابعة خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه, فهل هذا الأمر -أعني: الأشعار والقصائد والتواجد والرقص- مأخوذ من مشكاة نبينا عليه الصلاة والسلام؟ هل هذا شرعه نبينا عليه الصلاة والسلام؟ وهل كان الصحابة الكرام يجلسون في بيوت الله ينشدون ويتواجدون ويرقصون؟ إن كان ما تقولونه في هذا الأمر ثابتاً عنهم فحقيقة إن الأمر مشروع، ولكن الأمر ليس كذلك, فسواء كانت النية صالحة أو فاسدة فهذا العمل باطل مردود.

    1.   

    أبيات شعرية صوفية في تبرير الوجد والرقص ورد شيخ الإسلام ابن تيمية

    وأما ما قاله بعضهم من تحسين هذا الضلال بعبارات معسولة فهذا من هذيان الشعراء:

    ما في التواجد إن حققت من حرج ولا التمايل إن أخلصت من بأس

    فقمت تسعى على رجلين وحق لمن دعاه مولاه أن يسعى على الرأس

    فهل هذه آية من كلام الله؟ أو هذا حديث من كلام نبينا خير خلق الله عليه الصلاة والسلام؛ لنحتكم إليها؟

    وقوله: (فقمت تسعى على رجلين) أي: ترقص في بيت الله.

    وهكذا هذيان الآخر:

    أنكروا رقصاً وقالوا حرام فعليهم من أجل ذاك سلامُ

    واعبد الله يا فقيه وصل والزم الشرع فالسماع حرام

    بل حرام عليك ثم حلالٌ عند قومٍ أحوالهم لا تلامُ

    يقصد بقوله: (بل حرام عليك) أي: هذا السماع والرقص.

    ثم قال:

    مثل قومٍ صفوا وبان لهم من جانب الطور جذوة وكلام

    فإذا قوبل السماع بلهوٍ فحرام على الجميع حرام

    يقول: هذا السماع والرقص حرام عليك أيها الفقيه الذي تلتزم بشريعة نبينا عليه الصلاة والسلام, ولكنه مباح عند من حاله لا يلام ولا يعترض عليه, مثل من كانت قلوبهم صافية وبان لهم من جانب الطور جذوة وكلام.

    يعني: حالهم كحال نبي الله موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه عندما آنس من جانب الطور ناراً ثم كلمه الله جل وعلا، يقول: ونحن نسمع كلام الله فلا يعترض علينا, وحالكم ليس كحالنا, وليس عندنا في هذه الأمة من يُسلم له حاله, ويقتدى به إلا نبينا عليه الصلاة والسلام, وكل من عداه يعرض على ميزان شرع رسول الله عليه الصلوات والسلام من صديق وولي وسابق وتقي وشهيد وغير ذلك, فإن أحسن فهو على هدى, وإلا فكل واحد يرد عليه خطؤه، وما عندنا أحد يسلم حاله إلا من لا ينطق عن الهوى -عليه الصلاة والسلام- وأما من عداه فيخطئ ويصيب, ويحسن ويسيء, وليس هناك أحد له العصمة إلا المصطفى عليه صلوات الله وسلامه.

    وقد سئل الإمام ابن تيمية شيخ الإسلام عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا عن رجل يحب السماع والرقص, فأنكر عليه بعض المسلمين، فقال هذا المنكر عليه الذي يحب السماع والرقص هذه الأبيات وأنشدها كما في مجموع الفتاوي 11/605.

    قال الإمام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا معلقاً على هذا السفيه في إنشاده ما تقدم من الشعر, قال: هذا الشعر يتضمن منكراً من القول وزوراً، بل أوله يتضمن مخالفة الشريعة المطهرة, وآخره يفتح باب الإلحاد والزندقة، والمخالفة للحقيقة الإلهية الدينية النبوية, وذلك أن قول القائل:

    مثل قوم صفوا وبان لهم من جانب الطور جذوة وكلام

    يتضمن تمثيل هؤلاء بنبي الله موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه, الذي نودي من جانب الطور لما رأى النار قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [القصص:29] إلى آخر ما ذكره الإمام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمات رب البرية.

    1.   

    أمثلة واقعية لبدع الأذكار عند الصوفية

    ومن الأمثلة الواقعية في هذا ما رأيته في بلدة القاهرة, عندما كنت في بلاد مصر -وهذا موجود في سائر البلدان- ومررت في شارع يسمى بشارع السيدة زينب , ووقع مروري في ذلك الوقت في احتفال الناس بمولد السيدة زينب على تعبيرهم, والناس يختلطون رجالاً ونساء, يدخنون ويحششون, يغنون ويرقصون, فقلت: ما هذا؟ قالوا: يذكرون الحي القيوم, سبحان الله! آلات العزف والطرب والنساء تختلط بالرجال, ودخان يصدع رأس الإنسان, وحشيش ومنكر مع ذلك ذكر لله, كيف هذا؟!

    فقال: يا مولانا! كل واحد يذكر الله على مزاجه, واحد يذكره بتلاوة القرآن, وواحد يذكره بالصلاة, وواحد يذكره بالعود, وواحد يذكره بالناي, وواحد بالمزيكة, وواحد يرقص, كل واحد يذكر الله على مزاجه.

    هذا في أي شريعة يذكر الله على مزاجه؟! هذا ليس من شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وقد حضرت بعض الضالين الكبار ممن لهم شأن يدرس في المسجد الجامع في جامع الأزهر, فقال في تفسير قول الله عز وجل: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:77] يقول وهو يتحدث بلهجته العامية هناك, ومعنى كلامه: لا يوجد في الإسلام شيء اسمه بدعة على الإطلاق, فكل ما تفعله وترى أنه خير وتريد التقرب به إلى الله فأنت تثاب عليه؛ لأن الله يقول: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [الحج:77] فلا يوجد في الإسلام شيء اسمه بدعة.

    وأين إذاً حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي ثبت في الصحيحين وغيرهما كما سيأتينا في النصوص المنفرة والمحذرة من البدعة, من رواية أمنا سيدتنا الطيبة المطيبة الفاضلة المباركة أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) وفي رواية لـمسلم : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) أي: مردود عليه.

    والله لا يقبل العمل إلا إذا كان صالحاً, ولوجهه خالصاً مشروعاً تريد به وجه الله عز وجل, وهذان هما ترجمان كلمة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه فلا يعبد إلا الله حسب ما شرع وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أخوتي الكرام! هذا التواجد وهذا الرقص الذي حدث في بيوت الله ضلال وبدعة، والزعم بأنه أيضاً ذكر لله أشنع ضلالاً وأشنع بدعة, وإذا استحل الإنسان هذا وعلم ما فيه من تحريم فقد خرج من دين الله العظيم.

    ومن يستحل الرقص قالوا بكفره لاسيما بالدف يلهو ويزمرُ

    دف وزمارة ويقوم يرقص في بيوت الله ويقول: أنا أذكر الله.

    حضرت مرة بعض المجالس في بلاد الشام أيام المولد النبوي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه, ولا يخفى عليكم أن هذه الموالد التي حدثت في هذه الأمة كلها من ابتداع الضالين وما أنزل بها من سلطان, وقد حضرت في ذلك المسجد وهم يحتفلون بمولد النبي عليه الصلاة والسلام, وكان هذا بعد صلاة الجمعة, وكنت أخطب في تلك الأيام, وكنت دون العشرين بكثير, فلما انتهيت من الخطبة قالوا: يا شيخ! تشارك في المولد؟ قلت: لعله موعظة ونصيحة ولا يوجد شيء من البلاء, وإذا بهم أحضروا جميع آلات الطرب من الصنجات ومن الدفوف ومن ومن، وأحضروا بعد ذلك عدداً من الشباب اللذين ما نبت لواحد منهم شعرة في وجهه من المردان، ولبسوهم الملابس الفضفاضة الواسعة بحيث إذا أراد أن يرقص يستظل عشرة تحت ثيابه، وفخذاه مكشوفتان, ويوجد أيضاً في أطراف الثياب ما بين كل شبر, وفي حدود كل شبر قطعة من حديدة صغيرة؛ من أجل إذا انتفش الثياب تكون هذه كأنها مظلة, ثم بدءوا يضربون بهذه الآلات ويذكرون الله ذكراً محرفاً, وواحد في الوسط كالشيطان ينشدهم, وهؤلاء يرقصون, والنساء في الجهة الثانية أيضاً تخرج الأصوات وتخرج الزغاريد على زعمهم.

    فلما انتهى الفصل الأول خرجت فتبعني مؤذن المسجد, قال: ماذا رأيت؟ قلت: يا عبد الله! إذا كان هناك في الحياة أشرار وسيدخلون النار فهؤلاء من الأشرار, وهم أول أهل النار, قال: الله أكبر تتكلم على أولياء الله؟! قلت: الله أكبر ولله الحمد, من الذي جعلهم أولياء الله وهم أولياء الشيطان! وبيني وبينكم الموعظة الآتية لنتكلم على هذا الضلال على المنبر إن شاء الله, وكان ما كان مما ستر الله بعد ذلك الخاتمة والنتيجة.

    بيوت الله تحول إلى مراقص! آلات عزف ولهو وغناء، وواحد في وسط المجلس كالشيطان ينشد, وأولئك بعد ذلك يهمهمون ويتواجدون, وهؤلاء المردان يرقصون وأفخاذهم مكشوفة في بيوت الله جل وعلا! لا إله إلا الله!

    أقال الله صفق لي وغن وسمّ الرقص والتصفيق ذكراً

    فإن تكن السيادة باخضرار لكان السلق أشرف منك قدراً

    طائفة ينتمون إلى الشيخ المبارك أحمد الرفاعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا, ويدعون أنه من أهل البيت الطيب المبارك الطاهر, ويجعلون علامة لهم اللباس الأخضر, ثم يبتدعون ويخرفون.

    والسلق هو النبت المعروف الذي هو أخضر خالص.

    ثم قال:

    الرقص نقص والسماع رقاعة وكذا التواجد خفة بالراس

    والله ما رقصوا لطاعة ربهم ولكن للذي طحنوه بالأضراس

    بيوت الله حولت إلى مراقص في هذه الأيام باسم ذكر الرحمن وتعظيم ذي الجلال والإكرام!

    1.   

    أقوال العلماء في بدعة الرقص والتصفيق والتحذير منهما

    إخوتي الكرام! هذه عبادة ضالة مبتدعة, تتابع الأئمة على إنكارها, وصاحوا في أهل الباطل من كل جهة, وبينوا أن هذه العبادة هي من إحداث الزنادقة لإضلال الناس عن ذكر رب العالمين وعن القرآن الكريم.

    فهذا سلطان العلماء السيد المبارك العز بن عبد السلام الذي توفي سنة660هـ , يقول في كتابه قواعد الأحكام في مصالح الأنام في 2/86 فما بعدها: الرقص والتصفيق خفة ورعونة مشابهة لرعونة الإناث, ولا يفعل ذلك إلا رعنٌ جاهل أو متصنع.

    ثم قال عليه رحمة الله: ومن كان في قلبه تعظيم الله جل وعلا وهاب الله جل وعلا لا يمكن أن يرقص, ولا يصدر ذلك من عاقل فاضل, إنما يصدر الرقص من جاهل غافل.

    ثم قال عليه رحمة الله: والدليل على جهالة فاعل الرقص أن الشريعة لم ترد به في كتاب ولا سنة, ولا فعل ذلك أحد من الأنبياء ولا من المعتبرين من العلماء، إنما يفعله الجهلة السفهاء الذين اختلطت عليهم الحقائق بالأهواء.

    وهكذا الإمام الطرطوشي أبو بكر عليه رحمة الله, الذي توفي سنة 520هـ, وله كتاب سماه: كتاباً في تحريم السماع, وما وقفت عليه, وسأنقل عنه بواسطة الإمام القرطبي في تفسيره في 11/237 عند قول الله جل وعلا: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ [طه:88] عند هذا الموضع يورد الإمام القرطبي كلام الإمام أبي بكر الطرطوشي فيقول: قال أبو بكر الطرطوشي عليه رحمة الله: التصفيق من إحداث الزنادقة, وأول من فعله عباد العجل وعباد البقر أتباع السامري , عندما أخرج لهم عجلاً جسداً له خوار قاموا حوله يتواجدون ويرقصون, فهو دين الكفار وعباد العجل.

    ثم قال: وأما آلات اللهو التي يعزف عليها عند الرقص, وأما القضيب فأول من أحدثه الزنادقة.

    وهذا كما قال سيدنا الإمام أبو عبد الله الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، يقول: خرجت من بغداد, وخلفت فيها شيئاً ورائي اسمه التغبير آلة يغبرون بها وينغمون ويطربون, أحدثها الزنادقة ليصدوا الناس عن كلام الله جل وعلا.

    وأما القضيب فأول من أحدثه الزنادقة, ثم قال: يجب على ولي الأمر أن يمنعهم, ولا يجوز للمسلم أن يحضر معهم, ولا أن يأكل من طعامهم, هذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد عليه جميعاً رحمة الله ورضوانه. وهذا موجود في تفسير الإمام القرطبي .

    وقد ألف بعض فقهاء الحنفية الكبار من علماء القرن العاشر للهجرة توفي سنة 956هـ , وهو الإمام الحلبي واسمه إبراهيم بن محمد بن إبراهيم , وهو من العلماء الصالحين عليه وعلى أئمتنا رحمة رب العالمين, انظروا ترجمته الطيبة في شذرات الذهب 8/309 , صاحب كتاب ملتقى الأبحر في فقه أبي حنيفة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا, ألف رسالة سماها "الرهسُ والوقص لمستحل الرقص" والرهس: هو العصر الشديد, والوقص: هو دق العود, وبين أن الرقص حرام, ومن استحله فهو كافر بالرحمن, لا سيما إذا جعل ذلك عبادة وقربة يتقرب بها إلى ذي الجلال والإكرام.

    ومن يستحل الرقص قالوا بكفره لاسيما بالدف يلهو ويزمرُ

    وهكذا شيخنا المبارك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عليه رحمة الله في أضواء البيان في تفسير سورة الإسراء عند قول الله تعالى: وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [الإسراء:37] في 3/593 , يقول: وقد استدل العلماء بهذه الآية على تحريم الرقص؛ لأن فاعله -أي: الذي يرقص- هو ممن يفعل المرح وهو الخيلاء وهو الأشر, والرقص هو التمايل وتحريك الرأس بحركات موزونة، وهذا أعظم أنواع الأشر والبطر، وهو المرح.

    فالرقص إخوتي الكرام! مما حرمه ذو الجلال والإكرام, وإن فعله من فعله ممن ينتسب إلى الصوفية فهو ضلال وهذيان.

    وأما سماع الأشعار والقصائد, وهي التي جعلوها بدل ذكر الله وبدل تلاوة كلام الله، فعندها تسكب العبرات, وعندها تتقطع النفوس حسرات, سمعت بأذني من ينشد في بيوت الله جل وعلا:

    فرشت لها خدي وطاءً على الثرى فقالت لك البشرى بلثم لساني

    وأولئك ينهقون كالحمير, هو هو هو, وهذا ينشدهم بهذا الكلام:

    فرشت لها خدي وطاءً على الثرى فقالت لك البشرى بلثم لساني

    ثم يدعي أنه يناجي الله بهذا الكلام المستهجن القبيح المرذول الذي يستحي الإنسان من ذكره, فرش لها خده على الثرى فقالت: لك البشرى بلثم لسانها، ثم يقول: إننا نخاطب الذات الإلهية, وما وجدت أحسن من هذا التعبير حتى تخاطب به ربنا الجليل؟ ألا ناجيته بكلامه جل وعلا! اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23].

    وكذلك أشعار تقال في الغزل والطرب وقلة الحياء لو قيلت في غير بيوت الله لكانت منقصة, فكيف تقال في بيوت الله باسم تعبد الله وذكر الله؟!

    1.   

    الرد على الغزالي في أن الغناء أشد تهييجاً للنفس من القرآن

    إخوتي الكرام! وقد وصل الأمر ببعض العلماء أن التمس لهؤلاء الأعذار, ويعلم الله إنني لا أقصد بذلك شينه ولا تهوين أمره, ولكن الحق أحق بالاتباع, وما في الدين محاباة, وإذا هو خرف في هذه المسألة فيرد كلامه بكلامه الذي قرره في فقهه.

    فالإمام الغزالي حجة الإسلام, وأعجوبة الزمان, وهو من أذكياء العالم, وصاحب التآليف, لما سلك مسلك التصوف ثم تركه بعد أن ترك الفلسفة والتصوف, وعاد إلى مسلك المحدثين المهتدين, وفي كتابه الإحياء جرى على قانون من خرف من الصوفية في كثير من الأمور؛ منها: ما يتعلق بأمر الذكر, فقال في الإحياء 2/ 293-298 في خمس صفحات, قال كلاماً والله لا يقره هو في وسيطه ولا بسيطه ولا وجيزه في الفقه الشافعي الذي ألفه, فنرد كلامه بكلامه, ونرد كلام كل أحد بكلام الله الصمد, وبكلام نبينا عليه الصلاة والسلام، وعندنا شريعة يحاكم إليها الكبير والصغير, ونحتكم إلى شرع الله الجليل.

    يقول في كتابه السماع, ولو حذف هذا الكلام من الإحياء لكان حسناً, ويعلم الله إننا لا نقصد بذلك تحقيره ولا تهوين أمره ولا تنقيصه, وليس من شأن العالم ألا يخطئ, وكل واحد يؤخذ من قوله ويترك إلا المصطفى عليه صلوات الله وسلامه, وهذا كلامه في الإحياء، فلا بد من رده ونبذه على من قاله أياً كان, فاستمع إلى قوله.

    يقول: إذا قلت: إن للقرآن تأثيراً على النفس, فعلام يجتمع الصوفية على المغنين والقوالين وعلى سماع الغناء والقصائد, ولا يجتمعون على المقرئين الذين يتلون كلام رب العالمين؟

    ولم الصوفية في العصور المتأخرة بدءوا يحضرون قوالاً ليغني, بدل من أن يحضروا قارئاً ليتلو كلام الله؟ لم وأنت تقرر أن القرآن له تأثيراً على النفس؟ قال: -وهذا القول حقيقة: ترك به الإنسان عقله، وليس من فقهه عند تقديره, ولكن الجواد يكبو, والصارم ينبو, والحق أحق بالاتباع.

    يقول: فاعلم أن الغناء أشد تهييجاً للنفس من القرآن من سبعة أوجه:

    أولها: قال: القرآن لا يوافق أغراض المستمعين, فمن غلب عليه القبض يريد أشعار البسط, ومن غلب عليه البسط يريد أشعار القبض, وقال: أما كلام الله فإذا قرأ: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] هذا لا يناسب حاله, لذلك يحضرون قوالاً ليغني بما يناسب حاله.

    وإذا كان الناس على ضلالة وعلى جهالة وبطالة، يعني: ينبغي أن نطوع الدين لهم. نقول: القرآن لا يناسب قلوبكم العتنة فنأتي بذكر آخر؛ قراءة الأشعار والقصائد ونأتي بالغناء, كيف ترضى بذلك أيها الفقيه, وأنت أعجوبة الزمان؟! رحمه الله ورحم سائر أئمة الإسلام.

    الأمر الثاني: يقول: القرآن محفوظ, ومتكرر سماعه على الآذان فيقل وقعه على القلوب, وأما القوال فيأتيهم بالشيء الجديد الذي ما سمعوا به, ولكل جديد لذة, ولكل طارئ صدمة, فعندما يأتيهم هذا الجديد يتفاعلون ويتواجدون ويصيحون.

    أنا أريد: ويعوون, والذي لا يؤثر فيه كلام الله فلا خير فيه, لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر:21].

    والله الذي لا إله إلا هو إن الجماد يخشع ويتفتت عند سماع كلام الله, أصارت هذه القلوب أقسى من الحجارة، ولا تتأثر بالقرآن الذي لا يخلق عن كثرة الرد؟! نريد قوالاً وشاعراً ليحرك كوامن نفوسنا!

    الأمر الثالث: يقول: القرآن ليس بموزون على الأوزان الشعرية, وأما القوال يقول كلاماً موزوناً, وللشعر تأثير في النفس البشرية.

    الأمر الرابع: يقول: القرآن لا يجوز التلحين فيه ولا التطريب فيه ولا التمطيط ولا القصر بأن تتلاعب كما تريد, فلا يجوز أن تمد المقصور, ولا أن تقصر الممدود, ولا أن تطرب, يقول: وفي الغناء يلحن ويتبع اللحن والنغم ولا يتقيد بقواعد اللغة العربية.

    الأمر الخامس: يقول: الغناء تصحبه آلات العزف والطرب ولا يجوز هذا في كلام الله, أي: لا يجوز أن تأتي تقرأ القرآن على دف أو على صنجة أو على عود أو مزيكة, وأما في الغناء فهذا يفعل, يفعله مع الغناء فتتضاعف الآثار التي تؤثر في النفس. ومن الذي أباح هذه المعازف والمزامير؟!

    الأمر السادس: يقول: إذا كان الإنسان يسمع الغناء وما أعجبه الغناء بإمكانه أن يقول للقوال: اسكت, ولا يجوز أن تقول: للقارئ اسكت, فكيف تمنعه عن قراءة كلام الله!

    آخر الأمور مما يدل على أن الغناء أشد تهييجاً للنفس من القرآن من سبعة أوجه, يقول: الغناء من باب الحظوظ, والقرآن من باب الحقوق, والنفس تتفلت من الحقوق وتريد الحظوظ، فهذا أشهى لها.

    طيب! وهذه الأمور السبعة, هذه التي ذكرتها في إيثار المتأخرين من الصوفية للغناء والقصائد على كلام الله, يعني: هل هذه حجج معتبرة أو ضلالات منكرة؟ سبحان ربي العظيم! من الذي أباح لنا أن نستعمل آلات العزف؟ وإذا كان القرآن من الحقوق، يعني: أينبغي أن نتفلت منه إلى الحظوظ والشهوات؟ هذا كلام باطل لا يليق مع عقل هذا الإمام, ولا يليق مع فقهه رحمة الله ورضوانه عليه وعلى أئمتنا.

    وكما قلت: ليس من شرط العالم ألا يخطئ, ومن تبع زلل العلماء ضل, ومن أخذ برخصة كل عالم اجتمع فيه الشر كله, وتزندق أو كاد, وعندنا شريعة نحاكم إليها الكبير والصغير.

    ولذلك قال الإمام المقدسي في رد هذا الهذيان, قال عليه رحمة الله:

    جعلوا السماع مطية لهواهمُ وغلوا فقالوا فيه كل محال

    هو قربة هو سنة هو طاعة صدقوا لذاك الشيخ ذي الإضلال

    (وهو إبليس).

    شيخ قديم صادهم بتحيل حتى أجابوا دعوة المحتال

    هجروا له القرآن والأخبار والـ آثار إذ شهدت لهم بضلال

    ورأوا سماع الشعر أنفع للفتى من أوجه سبع لهم بتوال

    تالله ما ظفر العدو بمثلها من مثلهم واخيبة الآمال

    الغناء يقال: إنه أشد تهييجاً للنفس وأعظم أثراً فيها من كلام الله عز وجل, هذا كلام باطل.

    إخوتي الكرام! الغناء, والأشعار, والقصائد, والتواجد, والرقص, الذي حدث في بيوت الله باسم ذكر الله ضلال, ومستحله كافر بذي العزة والجلال, بدعة خبيثة وخيمة ما أنزل الله بها من سلطان, كيف أعرض الناس عن تلاوة كلام الرحمن وأقبلوا على هذا الهذيان؟

    تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة لكنه إطراق ساه لاه

    وأتى الغناء فكالحمير تناهقوا والله ما رقصوا لأجل الله

    دف ومزمار ونغمة شادن فمتى رأيت عبادة بملاهي

    إن قلوبنا لو طهرت لما شبعت من كلام ربنا.

    نسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا, وقرة أعيننا, وجلاء حزننا, وذهاب همنا وغمنا, إنه أرحم الراحمين, وأكرم الأكرمين. أقول هذا القول, وأستغفر الله.

    1.   

    براءة أئمة الصوفية الأوائل من البدع

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين, وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً, وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    إخوتي الكرام! إن الصوفية المهتدين براء من ذلك الفعل الدنيء, فقد كان المتقدمون من الصوفية الذين هم على هدى يعكفون على قراءة كلام الله عز وجل, ويذكرون الله بما شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم, فهذا العبد الصالح أبو زكريا يحيى بن معاذ الرازي الذي توفي سنة 258 هـ, يقول: دواء القلوب خمسة أشياء:

    1. قراءة القرآن بالتدبر.

    2. وخلاء البطن.

    3. وقيام الليل.

    4. والتضرع إلى الله عز وجل عند السحر.

    5. ومجالسة الصالحين.

    وهذا الإمام الجنيد سيد الطائفة, العبد الصالح, الذي توفي سنة 297هـ , يقول: مذهبنا هذا مشيد بالكتاب والسنة, فمن لم يقرأ القرآن, ولم يكتب الحديث فلا يؤبه به.

    إي والله! لا يؤبه بالإنسان ولا يعول عليه إذا لم يلتزم بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام ولو طار في الهواء, ولو مشى على الماء, ولو حصل له ما حصل من خوارق الأشياء.

    إذا رأيت رجلاً يطير وفوق ماء البحر قد يسير

    ولم يقف عند حدود الشرع فإنه مستدرج أو بدعي

    إن الغناء الذي عم في هذه الأيام, وإن القصائد والأشعار, وإن الرقص والتواجد كل هذا من دين الكفار, ومن عباد العجل, ومن اختراعات الزنادقة, وما أنزل الله به من سلطان.

    ألا قل لهم قول عبد نصوح وحق النصيحة أن تستمع

    متى علم الناس في ديننا بأن الغنا سنة تتبع

    وأن يأكل المرء أكل الحمار ويرقص في الجمع حتى يقع

    وقالوا سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا القصع

    كذاك البهائم إن أشبعت يرقصها ريها والشبع

    فيسكرها الناي ثم الغنا ويس لو تليت ما انصدع

    فيا للعقول ويا للنهى! ألا منكر فيكم للبدع

    تهان مساجدنا بالسماع وتكرم عن مثل ذاك البيع

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم ألهمنا رشدنا, اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وحببنا فيه, اللهم أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه وكرهنا فيه, اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا, وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.

    يا حي! يا قيوم! برحمتك نستغيث فأصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

    اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك, اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك ومحبتك, يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا عليه حتى نلقاك به.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا, اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً, اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا, اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا.

    اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك, اللهم اغفر لمن عبد الله فيه, اللهم اغفر لمن جاوره من المسلمين.

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيرا, والحمد لله رب العالمين.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].