إسلام ويب

البدعة - الاجتهاد في الإسلامللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خلق الله العقل وجعل له حدوداً ووظائف، فجعله تابعاً لشرعه، وجعل له مجالات كالأمور المادية يسرح فيها في إطار الشرع، ولما كانت نصوص الشرع لم تنص على كل جزئية في الحياة فقد شرع لنا الاجتهاد وأن نعمل عقولنا شريطة أن نكون ممن أحاط بالعلوم وبذل الجهد في تحصيلها. والمجتهدون مع ذلك أقسام، فمنهم المطلق، ومنهم المقيد بالمذهب أو الفتيا والترجيح، فمن اجتهد بعلم فأصاب أو أخطأ أجر، ومن اجتهد بجهل فعليه وزر ولو أصاب.

    1.   

    موقف العقل من النقل

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.

    اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد: معشر الإخوة الكرام! تقدم معنا أن البدعة من أسباب سوء خاتمة الإنسان، وقلت: إننا سنتدارس هذا المبحث الخطير ضمن ثلاثة أمور:

    أولها: في تعريف البدعة.

    وثانيها: في النصوص المحذرة من البدعة.

    وثالثها: في أقسام البدعة.

    ولازلنا في المبحث الأول، في أول هذه الأمور الثلاثة، وتقدم معنا أن البدعة: هي الحدث في الإسلام عن طريق الزيادة أو النقصان، مع الزعم بذلك التقرب إلى الرحمن، ولا تشهد لذلك نصوص الشرع الحسان، ولا يحتمل هذا الحدث قواعد الإسلام. هذا هو تعريف البدعة.

    وتقدم معنا أن التعريف السديد الرشيد ضل نحوه فرقتان من الأنام: فرقة غلت وأفرطت ووسعت مفهوم البدعة فأدخلت فيها ما ليس منها، فحكمت بالبدعة والتضليل على ما احتمله الدليل، وقام به إمام جليل. وفرقة فرطت وقصرت فألغت البدعة من الدين كلاً أو بعضاً، والفريقان -كما تقدم معنا- على ضلال، ودين الله بين الغالي والجافي.

    إخوتي الكرام! وقد ناقشنا الفرقة الأولى وبينا شططها وانحرافها وغلوها بأمثلة حكموا عليها بالبدعية وهي مقررة عندنا في الشريعة الإسلامية، وكان -كما قلت- ينبغي أن ننتقل إلى الفرقة الثانية لنتدارس أيضاً تفريطها وتقصيرها لنحذرها، لكنني قلت: سأضع معالم بعد دراسة الفرقة الأولى وانحرافها، ثم سأبدأ الرد على الفرقتين.

    وهذه المعالم -كما ذكرت- هي ثلاثة معالم:

    المعلَم الأول: أن تشريع الشرائع من اختصاص الإله الخالق سبحانه وتعالى.

    والمعلم الثاني: أن أركان هداية الإنسان ركنان متينان: شرع قويم وعقل سليم. وتقدم معنا: أنه لا يتعارض عقل صريح مع نقل صحيح.

    والمعلَم الثالث الذي ينبغي أن نعيه: منزلة الاجتهاد في الإسلام.

    إخوتي الكرام! تقدم الكلام على الأمرين المتقدمين الأوليين: على أن الشرائع من اختصاص الله جل وعلا، فهو الذي لا يشرك في حكمه أحداً، وعلى موقف العقل من النقل، وختمت الكلام بأن أهل السنة الكرام أسسوا دينهم على المنقول وجعلوا المعقول تبعاً، وقد عكس أهل البدع هذا الأمر فأسسوا دينهم على المعقول وجعلوا المنقول تبعاً، وبينت فساد طريقتهم فيما سبق.

    إخوتي الكرام! إن العقل مع النقل كالجاهل مع العالم، وكالعامي مع المفتي، ولذلك إذا توهم معارضة بين عقل الإنسان وشرع الرحمن فالواجب على الإنسان أن يطرح عقله وأن يقدم شرع ربه.

    نعم، إن العقل إذا كان ذكياً فإنه لا يمكن أن يتعارض مع شرع الله جل وعلا، لكن لو قدر أنه قامت معارضة؛ لوجود لوثة في العقل فيطالب الإنسان في هذا الوقت أن يجعل عقله تبعاً لشرع الله جل وعلا، فالله قد ضمن العصمة لشرعه ووحيه ولم يضمن العصمة لعقولنا، وقلت: إن هذا الأمر ليس من باب ازدراء العقل واحتقاره، إنما هذا من باب حفظ العقل وضبطه؛ لئلا يزل الإنسان؛ ولئلا يبتعد عن الحق والصواب.

    بحث العقل في الماديات وما يلزم مراعاته أثناء ذلك

    إخوتي الكرام! إن العقل مع النقل كالجاهل مع العالم. وأما الميادين التي يسرح فيها العقل ويمرح، ويصول ويجول والله جل وعلا ترك له حرية التقرير؛ ليثبت ما يشاء وليقرر ما يشاء، وهذا يكون في المسائل المادية البحتة الخالصة، كما هو الحال في علم الجيولوجيا، وفي علم الفلك وفي علم الكيمياء وفي علم الرياضيات وفي علم الفيزياء وفي علم الطب وفي غير ذلك من الأمور، إذاً: العقل هو مكلف بأن يبحث ويجد، وهو يقرر ما يتوصل إليه ولا حجر عليه في ذلك.

    إن الأمور المادية هي مجال بحث العقل ليقرر ما يشاء وليثبت ما شاء، لكنه عندما يبحث في هذه الأشياء فغاية ما عنده أنه يثبت المشاهدات، ويستطيع أن يقف على كيفية عمل الأشياء، لكن حقيقة هذه الأشياء وكنهها لا يعلمها إلا الذي خلقها سبحانه وتعالى، ويبقى قول الله جل وعلا لن يتخلف فينا: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].

    العلم للرحمن جل جلاله وسواه في جهلائه يتغمغم

    لا للتراب وللعلوم وإنما يسعى ليعلم أنه لا يعلم

    إذاً: ابحث ما شئت في هذه الأمور المادية، وقرر ما شئت فلا حظر عليك ولا حجر، لكن مع ذلك لابد أن تعلم أن غاية ما تستطيع أن تثبته هو مشاهدات وكيف تعمل الأشياء، لكن حقيقة هذه الأشياء لا يعلمها إلا رب الأرض والسماء: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].

    والواجب علينا عندما تبحث عقولنا في هذه الأمور المادية البحتة التي لا تتدخل فيها شرائع الله المطهرة أن نبحثها بطريقة شرعية؛ لأن هذا الكون هو خلق الله ونحن عبيد الله، ولا يجوز أن نتصرف في هذا الكون إلا بمشيئة الله وباسمه، ونطلب المعونة منه في جميع أمورنا.

    ولذلك إذا أراد الإنسان أن يبحث في هذه الأمور المادية فليفتتح بحثه باسم خالقها وخالقه وخالق كل شيء (وكل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر أجذم) أي: ممحوق البركة.

    ثم بعد ذلك ينبغي أن تكون الطريقة التي يحصل الإنسان فيها هذه العلوم المادية تتصف بأمور:

    الأمر الأول: ينبغي أن تكون الطريقة شرعية، فليس هناك اختلاط بين الرجال والنساء عندما نتلقى هذه العلوم المادية وعندما نبحث فيها، فمن أشنع الأشياء في شريعتنا الغراء أن يختلط الرجال بالنساء، وخلطة النساء بالرجال في شرعنا من أقبح الخصال، وسمة الفساق والجهال في كل وقت، وعلى كل حال، ومن أكبر موجبات الطرد.

    والأمر الثاني: أن نفتتح هذه العلوم باسم الله، بطريقة شرعية يرضاها الله.

    والأمر الثالث: أن نجعل هذه العلوم وسيلة لخدمة الشرع المطهر، فالرياضيات وغيرها عندما نذللها نجعلها لخدمة الدين وخدمة المسلمين.

    والأمر الرابع: أن نعتبر بهذه العلوم عندما نتعلمها، فإذا درسنا الفلك ودرسنا الجيولوجيا، ودرسنا التشريح فكل هذا عندما ندرسه ونقوم به ينبغي أن نعتبر بما جعل الله في هذا الكون وفي هذه المخلوقات من أسرار عظيمة تدل على عظيم قدرته سبحانه وتعالى.

    عظيم صنع الله بخلقه الأسنان للإنسان وما في ذلك من العبرة

    أخي الكريم! إذا كنت تبحث في الطب وهو علم مادي بحت، تقرر بعد ذلك ما يتعلق ببدن الإنسان عن طريق التجارب التي تجريها، وعندما تبحث في هذا وغيره من العلوم تأمل الأسرار التي أودعها الله في بدن هذا الإنسان، فإذا كنت تبحث في طب الأسنان مثلاً، فلا ينبغي أن تمر على الأسنان -كما يقال- مرور الكرام، لا ثم لا، انظر ما في هذه الأسنان من عبر عظيمة تدل على عظيم قدرة ذي الجلال والإكرام، حيث جعل الله جل وعلا في فم الإنسان اثنين وثلاثين ما بين سن وضرس، اثنا عشر سناً وعشرون ضرساً، وهي موزعة كالآتي: ثنايا أربعة: اثنان في الفك الأعلى واثنان في الفك الأسفل، ثم يليها بعد ذلك الرباعيات وهي أربعة أيضاً: اثنان في الفك الأعلى واثنان في الفك الأسفل، يليها الأنياب وهي أربعة أيضاً: اثنان في الفك الأعلى واثنان في الفك الأسفل، يليها بعد ذلك الضواحك، -إذا تبسم الإنسان ظهرت- وهي أول الأضراس وتلي الأنياب وهي أربعة أيضاً: اثنان في الفك الأعلى واثنان في الفك الأسفل، يليها الطواحن وهي اثنا عشر طاحناً، جعلها الله لتطحن الطعام بعد أن قطعته الأسنان، وآخر شيء النواجذ وهي أربعة: اثنان في الفك الأعلى واثنان في الفك الأسفل.

    تأمّل يا عبد الله ما في هذه الأسنان من عظيم العجائب التي تحار فيها الأذهان، فالأسنان جعلها الله محددة تقطع كالسكاكين الحادة، وشد أصولها سبحانه وتعالى، والأضراس جعلها الله جل وعلا أرحاء -جمع رحى، أرحاء وأرحية- تطحن هذا الطعام بعد أن قطعته الأسنان، ثم انظر لعظيم التركيب وبهي المنظر وجميل الصنعة في هذه الأسنان، زين الله بها فم الإنسان، جعلها منظومة مرتبة بيضاء مشرقة، كأنها عقد من اللؤلؤ، أو كأنها لؤلؤ منظوم.

    ثم انظر يا عبد الله! في هذه الأسنان عندما تطحن هذا الطعام بعد أن يقطع، جعل الله جل وعلا الأسنان في الفكين، وجعل الفك الذي يتحرك هو الفك الأسفل، ولا يوجد رحى على وجه الأرض يتحرك أسفلها ويثبت أعلاها، إنما الرحى التي تطحن هي العليا والسفلى ثابتة. وهذه الرحى أو الطاحون على العكس مما يصنعها بنو آدم، فالفك الأسفل هو الذي يتحرك وهو الذي يقطع الطعام ويطحنه، والفك الأعلى ثابت لا يتحرك؛ وذلك لأسرار عظيمة:

    أولها: هذا أجمل بحال الإنسان عندما يأكل الطعام.

    وثانيها: إن الفك الأعلى يكون فوقه ويكون في أعلاه أعضاء خطرة شريفة جليلة لو تحرك الفك الأعلى لأدى ذلك إلى وقوع خطر عليها، فيلي الفك الأعلى حاسة الشم، والعين، والدماغ، والسمع، وهذا كله يكون في الفك الأعلى، فلو أن الفك الأعلى يتحرك لحصل ارتجاج لهذه الأعضاء وربما تأثرت. ألا تعتبر بهذا عندما تدرس هذه العلوم؟!

    من الذي جعل الأسنان بهذه الكيفية ويليها الأضراس وبعد ذلك فك أسفل يتحرك وفك أعلى ثابت على خلاف المعروف في أرحية بني آدم؟

    ثم انظر يا عبد الله! إلى هذه الأسنان كيف جعل الله عليها حائطين، أو طبقين يغطيانها، شفتان: شفة سفلى وشفة عليا، وانظر لحكمة الحكيم العليم، شفتان لا عصب فيهما ولا عظم ليسهل انطباقهما وانفتاحهما، وليسهل مص الماء وشربه بهما. هذا تقدير العزيز العليم.

    فيا عجباً! كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد؟!

    وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد

    وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21]، سبحانه وتعالى هو الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ [السجدة:7].

    فميادين العقل ومجالاته التي يسرح فيها ويمرح ويصول ويجول ميادينه الأمور المادية الخالصة البحتة، وكما قلت: ليبحث فيها ما شاء، وليقرر ما شاء بعد أن يحقق هذه الأمور الأربعة: يفتتحها باسم الله الذي خلقها وخلق كل شيء، ويدرسها ويحصلها بطريقة شرعية، ويجعلها مطية للعلوم الشرعية ولخدمة المسلمين، ويعتبر بما جعل الله فيها من أسرار تدل على أن موجدها إله عظيم سبحانه وتعالى، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21].

    ولذلك -إخوتي الكرام- عندما جعل الشرع العقل تابعاً له جعل الله بعد ذلك للعقل ميداناً يسرح فيه ويمرح، ألا وهو الأمور المادية البحتة الخالصة، وأما ما يتعلق بسلوك الإنسان -كما تقدم معنا- من حلال وحرام، وفضيلة ورذيلة، وخير وشر، ومعروف ومنكر فمرد ذلك إلى الله سبحانه وتعالى، له الحكم ولا يشرك في حكمه أحداً.

    إخوتي الكرام! هذا كله يتعلق بالأمرين المتقدمين: تشريع الشرائع من خصائص الله الخالق، ولابد لهداية الإنسان من شرع قويم وعقل سليم، ولا يتعارض عقل صريح مع نقل صحيح.

    1.   

    الاجتهاد ومعناه في الإسلام

    وأما الأمر الثالث: وهو الاجتهاد في الإسلام، وإنما ذكرته -إخوتي الكرام- لأنه قد يقول قائل: إن النصوص الشرعية لم تنص على كل جزئية وقضية في هذه الحياة، وقلنا نحن: إن العقل ينبغي أن يكون تابعاً للشرع، فما لا نص فيه ما هو الحكم فيه؟ وما هو الموقف نحوه؟ يأتي معنا منزلة الاجتهاد، ولابد من البحث في هذه القضية لنكون على علم بها.

    إخوتي الكرام! الاجتهاد معناه كما قرر علماؤنا اللغويون: افتعال من الجهد وهو الوسع والطاقة، ويعرف في اللغة بأنه: بذل الوسع، أو بذل الطاقة، أو بذل الجهد لتحصيل أمر ما، وفي الغالب لا يقال: اجتهد إلا إذا بذل جهداً شاقاً مضنياً في تحصيل أمر صعب.

    والمراد بالاجتهاد عندنا في شريعة الله المطهرة: بذل الوسع والجهد في النظر في الأدلة الشرعية المعتبرة للوصول إلى القطع أو الظن بحكم شرعي في شريعة الله المطهرة. فيبذل الإنسان جهده في الأدلة الشرعية ليقيس النظير على النظير, والمثيل على المثيل، والشبيه على الشبيه، ليصل بعد ذلك إلى قطع أو غلبة ظن بحكم من الأحكام بأن هذا الحكم ثابت في شريعة الرحمن.

    هذا معنى الاجتهاد: أن يبذل الإنسان ما في وسعه وجهده وطاقته بحثاً في الأدلة الشرعية المعتبرة؛ ليصل عن طريق القطع أو الظن بحكم شرعي مقرر في شريعة الله المطهرة.

    1.   

    القسم الأول من أقسام المجتهدين: المجتهد المطلق

    لقد جعل أئمتنا الكرام الاجتهاد ثلاثة أقسام، ولا بد من وعي هذا، لا سيما في هذه الأيام؛ لنرى موقعنا وكيف نتعامل مع أئمتنا الكرام.

    القسم الأول: المجتهد المطلق: وهو الذي يستقل بنفسه في معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، هذا يقال له: مجتهد مطلق، ولابد من أن توجد فيه ستة شروط بعد وجود مناط التكليف فيه، أعني: ركني التكليف: العقل والبلوغ، فإذا كان عاقلاً بالغاً فينبغي أن توجد فيه ستة شروط؛ ليكون مجتهداً مطلقاً ينظر في أدلة الشرع، ويستنتج منها حكماً شرعياً لواقعة من الوقائع، فهذا هو المجتهد المطلق.

    والشروط الستة هي:

    أولها: أن يحيط بالنصوص الشرعية من الآيات القرآنية وأحاديث نبينا خير البرية عليه الصلاة والسلام، وما بني على هذين الأمرين من إجماع حق، وقياس صدق.

    ثانيها: أن يعلم أقوال السلف الطيبين -من صحابة ومن تابعين رضوان الله عليهم أجمعين- في هذه القضية وفي مسائل الدين؛ لأن خير من فهم القرآن وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام وعمل بهما هم سلفنا الكرام، من صحابة وتابعين عليهم جميعاً رحمات ورضوان رب العالمين.

    ثالثهما: مما ينبغي أن يكون في هذا المجتهد المطلق: أن يكون على إلمام واسع بلغة العرب، فيعرف مدلول الكلام، ويعلم ما يتعلق باللغة من نحو وبلاغة وصرف.

    رابعها: أن يكون على علم تام بعلم الأصول، وأريد بالأصول هنا: الأصول الثلاثة: أي: أصول الدين وأصول الفقه وأصول الحديث، أي: علم المصطلح.

    خامسها: أن يكون على فطنة وذكاء، فإذا نظر إلى اللفظ الشرعي يعلم ما وراءه من دلالة شرعية معتبرة، ويعرف مراد المتكلم من كلامه؛ لما وهبه الله من ذكاء لا يوجد عند كثير من الناس.

    سادسها: أن يكون -هذا المجتهد- فيه صفة الطهارة والصدق والذكاء، فبعد أن وجد فيه الذكاء والألمعية ينبغي أن يوجد فيه الإخلاص لرب البرية سبحانه وتعالى، فإذا اجتمعت هذه الأمور الستة فيه فهذا هو المجتهد المطلق الذي -كما قلت- ينظر في الأدلة التفصيلية فيستنبط منها الأحكام الشرعية، وهو على هدى في جميع أحواله كما سيأتينا ضمن مراحل البحث.

    إذاً: هو مجتهد مطلق أحاط بالنصوص الشرعية، وعلم بعد ذلك -كما قلت- أقوال السلف الكرام -ليستضيء بأقوالهم وليعلم محل الإجماع لئلا يخالفه؛ لأن مخالف الإجماع ضال- وعلم بعد ذلك لغة العرب.

    وكيف سيفقه نصوص الشرع إذا كان لا يستطيع أن يفهم لغة العرب؟ ولا يميز بين الفاعل والمفعول؟ فحاله في عداد الأعاجم ثم هو مع ذلك يريد أن يتسور على كلام الله جل وعلا، لا ثم لا، وحال من أراد أن يستنبط أحكاماً شرعية من النصوص الشرعية دون أن يحيط علماً باللغة العربية حاله كما قال الإمام الواحدي في البسيط -وهو كتاب كبير في التفسير للإمام الواحدي - يقول: حال من أراد أن يفسر كلام الله، ويشرح حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام ويستنبط الأحكام منهما دون علم بلغة العرب كحال من شهد الهيجاء بغير سلاح، وكحال من رام أن يطير في الهواء بغير جناح.

    فهذا شهد المعركة ولا سلاح عنده، أو أراد أن يطير ولا جناح له، وهذا أراد أن يستنبط أحكاماً شرعية من هذه النصوص الحقة الثابتة الشرعية وليس عنده علم باللغة العربية.

    والإمام الشافعي عليه رحمة الله -في كتابه الرسالة- أفاض في بيان هذا الشرط، وبين أن جُمل القرآن وأحكامه لا تُفهم إذا لم يحط الإنسان علماً بلغة العرب وأساليبهم.

    ورحمة الله على الإمام الأصمعي عندما يقول: تعلموا العربية فإن النصارى كفروا بسبب خطئهم في حرف واحد، قال الله لنبيه وروحه وكلمته عيسى -على نبينا وعلى آله الصلاة والسلام- يا عيسى! أنت نبي وأنا ولّدتُك. -يعني: أخرجتك من بطن أمك، والله جل وعلا على كل شيء قدير، وكونه في بطن أمه دون أن يحصل اتصال عادي كما هو المعروف بين البشر يدل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى- (أنت نبي وأنا ولّدتُك). قال الأصمعي : فخففوها (أنت نبي وأنا ولدتك)، يعني: أنت نبي وأنت ولدي فكفروا بحرف واحد.

    ولذلك لابد من إدراك لغة العرب.

    والأمر الرابع-كما قلت إخوتي الكرام- أن يحيط بعلم أصول الدين وأصول الفقه وأصول الحديث.

    والخامس: أن يكون على ذكاء وألمعية، والناس لا يستوون في هذا، فالله جعل للحديث رجالاً وجعل للفقه رجالاً، وجعل للصنفين رجالاً، وكل واحد ينبغي أن يقف عند حدِّه.

    الفرق بين منزلة المحدثين والفقهاء

    وإذا كان الإنسان يعنى بالحديث وليست عنده ملكة فقهية فينبغي له أن يقف عند حده وإلا سيخبط في دين ربه.

    ولذلك -إخوتي الكرام- كان للمحدثين منزلة، وكان للفقهاء منزلة، ومنزلة الفقهاء كمنزلة الأطباء، كما أن منزلة المحدثين كمنزلة الصيادلة، وهذا يقوله أئمة الحديث أنفسهم عندما كانوا يجتمعون مع فقهاء هذه الأمة المباركة المرحومة.

    وما يقوله بعض الناس في هذه الأيام: كيف يعلم الإنسان الحديث وهو لا يعلم الفقه؟ وأي غرابة في ذلك؟! لو علمت الحديث لما أوردت هذا الكلام فهو من لهو الحديث. أما بلغك قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( رب حامل فقه ليس بفقيه )، أما بلغك قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( رُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه )، والحديث صحيح متواتر: رواه الإمام أحمد في المسند، والترمذي في سننه، وابن ماجه في سننه، وابن حبان في صحيحه من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. ورواه الإمام أبو داود في سننه والترمذي في سننه، وابن ماجه في سننه أيضاً وابن حبان في صحيحه، ورواه الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة من رواية زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن ماجه في سننه والحاكم في مستدركه من رواية جبير بن مطعم ، ورواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه من رواية أنس بن مالك ، وروي عن أبي هريرة وغيره، وقد نص أئمتنا على تواتره كما بينت سابقاً.

    ولفظ الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه )، إذاً: قد يكون الإنسان محدثاً ويحمل الحديث وليس عنده ملكة الفقه، وليس عنده درجة الاستنباط، فليقف عند حده.

    وسأذكر ثلاث قصص وقعت في الزمن القديم بين الفقهاء والمحدِّثين رضوان الله عليهم أجمعين، وكيف أن فيها هذه الدلالة وهي: أن حامل الفقه قد لا يكون فقيهاً، وأن من يحمل الحديث قد لا يكون عالماً بمدلوله وبمراد نبينا صلى الله عليه وسلم منه.

    قصة الأعمش المحدث مع أبي حنيفة الفقيه

    القصة الأولى: يذكرها شيخ الإسلام الإمام ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله في الجزء الثاني صفحة إحدى وثلاثين، جرت بين إمامين: بين شيخ الإسلام في زمنه في الحديث بلا نزاع ألا وهو الإمام الأعمش سليمان بن مهران ، الذي توفي سنة سبع وأربعين ومائتين للهجرة، والإمام الثاني: فقيه هذه الأمة وهو أول الفقهاء الأربعة، وهو الإمام المبجل المبارك أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين.

    اجتمعا فسُئل الإمام الأعمش عن مسألة فأحالها على أبي حنيفة فأجاب فيها فقال: من أين لك هذا يا نعمان ؟! قال: مما حدثتناه أنت، ثم روى له الحديث، فقال: أنتم الأطباء ونحن الصيادلة. فـأبو حنيفة يقول للأعمش : أنت حدثتني بحديث يدل على هذه القضية، فقال الأعمش : أنتم الأطباء ونحن الصيادلة.

    وقبل هذه القصة يذكر الإمام ابن عبد البر أيضاً في الكتاب المشار إليه في نفس الصفحة أنه جرى نظير هذه القصة مع الإمام الأعمش وتلميذ أبي حنيفة أبي يوسف يعقوب رحمة الله ورضوانه عليه وعليهم أجمعين، فعندما أجاب أبو يوسف قال له الأعمش : من أين لك هذا يا يعقوب ؟! قال: مما حدثتني أنت، فقال: والله إنني أعلم هذا الحديث قبل أن يجتمع أبواك، أي: قبل أن يتزوج أبواك وأنا أعلم هذا الحديث، لكن هذه الدلالة ما لاحت لي ولا ظهرت لي.

    نعم، إن المحدِّثين كانوا يقرّون بهذا، فلابد من ملكة فقهية، والله يعطي الحكمة لمن يشاء سبحانه وتعالى.

    قصة أبي سليمان الدمشقي المحدث مع أبي جعفر الطحاوي الفقيه

    القصة الثانية: ويذكرها الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء، في الجزء السادس عشر صفحة أربعين وأربعمائة، وهي مذكورة في تذكرة الحفاظ في ترجمة العبد الصالح أبي سليمان الدمشقي ، وتوفي سنة تسع وسبعين وثلاثمائة للهجرة، وهو محمد بن عبد الله بن أحمد أبو سليمان الدمشقي ، اجتمع مع إمام الفقهاء الحنفية في زمنه الإمام أبي جعفر الطحاوي ، واستعار منه كتبه في الحديث، ونظر فيها فأُعجب بها أبو جعفر ، ثم قال لهم: أنتم معشر المحدثين صيادلة، ونحن معشر الفقهاء أطباء. وهذا ما أقر به -كما قلت- جهابذة المحدثين.

    قصة ابن معين المحدث مع أبي ثور الفقيه

    أختم هذه القصص بالقصة الثالثة: يرويها الإمام الرامهرمزي الذي توفي سنة ستين وثلاثمائة للهجرة، في كتابه: المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، في صفحة خمسين ومائتين، خلاصتها: أن امرأة كانت تغسل الموتى -من مات من نساء المسلمين- فجاءت إلى مجلس أبي زكريا يحيى بن معين إمام الجرح والتعديل في هذه الأمة، وهو قرين وصاحب الإمام أحمد رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين للهجرة. فجاءت هذه المرأة إلى مجلس أبي زكريا يحيى بن معين فقالت: يا أبا زكريا ! هل يجوز للحائض أن تُغسِّل الموتى؟ أي: إذا ماتت امرأة مسلمة، وهذه المُغسِّلة حائض فهل يجوز لها أن تغسِّلها؟ قال: لا أدري، لكن عليكِ بهذا الرجل، ويريد به أبا ثور إبراهيم بن خالد الذي توفي سنة أربعين ومائتين للهجرة، وهو من أبرز تلاميذ الإمام الشافعي ومن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.

    عليكِ بهذا الرجل، ثم عودي إليّ فأخبريني، فذهبت إلى أبي ثور فقالت: يا أبا ثور ! هل يجوز للحائض أن تغسل الموتى؟ قال: نعم يجوز. قالت: وما دليلك؟ قال: حديثان عن نبينا عليه الصلاة والسلام، الحديث الأول: ثابت في المسند، ورواه أهل الكتب الستة إلا سنن الإمام الترمذي ، وهو في موطأ الإمام مالك ومسند الدارمي ، وهو أيضاً في السنن الكبرى للإمام البيهقي ، وهو حديث صحيح، ولفظ الحديث: عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ( ناوليني الخمرة ) وهي شيء صغير بحجم الكف يظفر من خوص أو خرق يضع الإنسان جبهته عليها عندما يسجد في الأيام الحارة، ومن المعروف أن مسجد نبينا عليه الصلاة والسلام في العصر الأول ومساجد المسلمين منها ما لم تفرش، وكانوا يُصلّون على البطحاء وعلى الحصى، وإذا اشتد الحر يؤذي الجبهة غاية الأذى، فكانوا أحياناً يسجدون على هذه الخمرة؛ ليقوا الجبهة من الحر.

    قال: ( ناوليني الخُمرة، فقالت أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: إنني حائض، فقال عليه الصلاة والسلام: إن حيضتكِ ليست في يدكِ )، ولفظ (الحيضة) هنا بالفتح وهو المعتمد، والمراد: الدفعة من الدم، وليس المراد كما قال بعض علماء اللغة: (إن حِيضتك) وهي الحالة التي تعتري الحائض، لا، بل هذا وهم كما قال الإمام الخطابي عليه رحمة الله.

    فقوله: ( إن حيضتكِ ) أي: إن هذا الدم الذي يخرج ليس في يدكِ، وإذا أنتِ مُنعتِ بعد ذلك من الصلاة والصيام لأمر شاءه الرحمن ليس معنى هذا أنكِ نجسة.

    والحديث الثاني: رواه الإمام أحمد أيضاً في المسند وأهل الكتب الستة -الصحيحان وأهل السنن الأربعة- ورواه أيضا الإمام مالك في الموطأ، والإمام الدارمي في سننه، والبيهقي في السنن الكبرى، وأبو داود الطيالسي في مسنده أيضاً عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكأ في حجري، فكنت أرجل رأسه وأنا حائض )، فقال أبو ثور : الحيضة ليست في اليد، وإذا أبيح للحائض أن ترجل وتسرح شعر الحي فيباح لها أن تغسل بدن الميت.

    قالت: جزاك الله خيراً أبا ثور ، ثم ذهبت إلى أبي زكريا إمام الجرح والتعديل في هذه الأمة فقال لها: ماذا قال لكِ هذا الرجل الإمام؟ قالت: يجوز؛ لهذين الحديثين، قال: أحفظ كلاً منهما من كذا وكذا طريقاً، وبدأ يورد الطرق هو وأصحابه لهذين الحديثين، فلما انتهوا من سرد الطرق ومن استحضار حفظهم نحو هذين الحديثين قالت المرأة: فأين كنتم آنفاً عندما سألتكم؟ أي: سألتكم وبدأت بكم أين كنتم؟ تحفظون هذه الروايات ولا تستنبطون منها هذه الأحكام.

    وانظر لشهادة الإمام المبجل شيخ أهل السنة في هذه الأمة الإمام أحمد رحمة الله ورضوانه عليه، وهو أخبر الناس بقرينه أبي زكريا يحيى بن معين ، وهو أخبر الناس بشيخه أبي عبد الله الإمام الشافعي رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين.

    قيل للإمام أحمد : إن ابن معين ينال من الشافعي ويقول: إن الشافعي ليس بثقة، فقال الإمام أحمد : إن ابن معين لا يعرف الشافعي ولا يفقه ما يقول الشافعي ، أي: إذا تكلم الإمام الشافعي في الفقه فـابن معين لا يعي هذا، ولا يدركه، فهل يؤخذ بكلامه في هذا الإمام العظيم المبارك؟

    قال الإمام ابن عبد البر معلقاً على هذا في جامع بيان العلم وفضله: وقد سئل ابن معين عن مسألة في التيمم فلم يعرفها.

    هذه منزلة الفقهاء، ولذلك قال الإمام ابن عبد البر : وما مثال من يقع في الإمام الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد إلا كما قال الأعشى :

    كناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

    فالوعل إذا جاء إلى صخرة من أجل أن يُفتِّتها، وضربها بقرونه فإنه ينكسر قرنه والصخرة هي هي.

    يا ناطح الجبل العالي ليكلمه أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل

    والله لو اجتمع أهل الحديث قاطبة على النيل من الإمام الشافعي لما زاده إلا رفعة وقدراً، فإذا كانوا لا يعلمون الفقه فليقفوا عند حدهم، فالإمام ابن معين عندما جرى منه ما جرى -وهو معذور ونسأل الله أن يغفر لنا وله- يقول قرينه تلميذ الإمام الشافعي الإمام أحمد يقول: اعذروه، هو لا يعرف الشافعي ولا يفقه ما يقول الشافعي ، وعليه فكلامه في هذا الإمام العظيم لا قيمة له.

    نعم، إخوتي الكرام! لا بد من فطنة، لابد من ذكاء، لابد من ملكة، فالله فاوت بين خلقه في هذه الأمور وكما فاوت بين أبدانهم فقد فاوت بين عقولهم، فينبغي أن نضع الأمر في موضعه الشرعي. هناك أطباء وهناك صيادلة، ولا يجوز أن تذهب إلى الصيدلي ليعالجك وليجري لك عملية جراحية، فلن تُحصِّل بعد ذلك إلا السقم والموت، إنما هذا اختصاص الطبيب. وينبغي أن يستعان على كل صنعة بصالح أهلها.

    إخوتي الكرام! هذا هو المجتهد المطلق الذي يستقل بنفسه في معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية؛ لأنه أحاط بالنصوص الشرعية وما بُني عليها من إجماع صحيح، وقياس صدق؛ لأنه أحاط بقول السلف الكرام من صحابة وتابعين رضوان الله عليهم أجمعين، علم اللغة وأساليبها واستعمالاتها، علم أصول الدين وأصول الفقه وأصول الحديث، وهبه الله ذكاء وفطنة يعلم ما وراء اللفظ من معنى، فإذا كانت أمنا عائشة رضي الله عنها تُرجل رأس نبينا عليه الصلاة والسلام وهي حائض فيجوز للحائض أن تُغسّل الموتى.

    والأمر السادس في هذا الفقيه -الذي هو مجتهد مطلق كما قلت-: أن فيه طهارة وذكاء، فمن كان فيه ذكاء وفيه طهارة، وفيه صدق، وفيه إخلاص لرب الأرض والسماء فهذا هو المجتهد المطلق.

    وأول من يدخل في هذا التعريف أئمتنا الكرام، سادتنا رضوان الله عليهم أجمعين: الفقهاء الأربعة: وأولهم فقيه هذه الأمة بلا نزاع وكل من تفقه بعده فهو عيال عليه: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين. فكل واحد منهم مجتهد مطلق.

    1.   

    القسم الثاني من أقسام المجتهدين: مجتهد المذهب

    القسم الثاني: مجتهد المذهب، وهو دون المجتهد المطلق، فلا يستقل بنفسه في إدراك الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، إنما أحاط علماً بنصوص إمام المذهب، وفي وسعِه أن يُخرج غير المنصوص على المنصوص، ولا يستطيع أن يستقل بنفسه في استنباط حكم، لكن مأخذ إمامه وطرق استنباط الإمام أحاطها وهضمها، فإذا عُرضت عليه قضية فإنه يستطيع أن يُخرجها على أصول الإمام التي وضعها للاجتهاد والاستنباط، أما أن يضع هو طريقة للاستنباط ليستنبط فلا ثم لا، هذا يقال له مجتهد المذهب، وهو دون الأول قطعاً.

    1.   

    القسم الثالث من أقسام المجتهدين مجتهد الفتوى والترجيح

    القسم الثالث: مجتهد الفتوى والترجيح، وهو دون الثاني، فما أحاط علماً بمأخذ إمامه، ولا يستطيع أن يخرج غير المنصوص على ما نص عليه إمامه، إنما علم بهذا المذهب ويستطيع أن يرجّح بين نصوص المذاهب، فإذا وجد للإمام قولان أو أكثر فعنده قدرة على الترجيح؛ لأنه أحاط بهذا المذهب وعرف مراد الإمام.

    هؤلاء الثلاثة هم الذين ينبغي أن يُستفتوا من قبل من عداهم: المجتهد المطلق، ومجتهد المذهب، ومجتهد الفتوى والترجيح، وهؤلاء ينطبق عليهم ما قال الله تعالى في سورة النحل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:44]، ونظير هذه الآية قول الله جل وعلا في سورة الأنبياء: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7]، أي: من عندهم الفتوى كما قلت: مجتهد مطلق، مجتهد المذهب، مجتهد الفتوى والترجيح.

    قال الإمام ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين في الجزء الرابع صفحة اثنتي عشرة ومائتين، إلى صفحة خمس عشرة ومائتين في أربع صفحات يقرر هذا الكلام، وهكذا قرر هذا سائر أئمتنا الكرام أيضاً، ونظير هذا القول مذكور في جمع الجوامع للإمام تاج الدين عبد الوهاب بن السبكي عليهم جميعاً رحمة الله وفي شرحه للجلال المحلي وفي حاشية العطار عليه في الجزء الثاني صفحة عشرين وأربعمائة إلى صفحة خمس وعشرين وأربعمائة.

    وخلاصة كلام الإمام ابن القيم ، وما في هذه الكتب من حاشية العطار ، وشرح الجلال المحلي على جمع الجوامع للإمام السبكي عليهم جميعاً رحمة الله، خلاصتهم: أن هؤلاء الثلاثة الذين هم: مجتهد مطلق، مجتهد المذهب، مجتهد الفتوى والترجيح، قال الإمام ابن القيم : وهكذا سائر أئمة كتب أصول الفقه مثال هؤلاء مثال ثلاث توقيعات تقع من العباد، فالمفتي الذي هو مجتهد مطلق توقيعه كتوقيع الملوك، والمفتي الذي هو مجتهد المذهب توقيعه كتوقيع نواب الملوك، والمفتي الذي هو مجتهد الفتوى والترجيح توقيعه -أي فتياه- كتوقيع نواب نوّاب الملوك.

    الأول -كما قلت- كأنه ملك، لكن يوقع نيابة عن الملك الحق جل وعلا، نعم. إن الإنسان عندما يُفتي في قضية ينوب بذلك عن رب البرية، وهذا ما أشار إليه الإمام ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين وعباده المرسلين، أنت عندما تُفتي وتقول: هذا حلال وهذا حرام، توقع عن ذي الجلال والإكرام، فمن الذي يتأهل للفُتيا؟ مجتهد مطلق، مجتهد المذهب، مجتهد الفتيا والترجيح، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

    إخوتي الكرام! الشروط المتقدمة في المجتهد المطلق، وما يتبعه من مجتهد المذهب ومجتهد الفتوى والترجيح هؤلاء كما قلت: من وُجدت فيهم هذه الصفات يحق لهم أن يُفتوا، وهؤلاء هم الذين يُسألون، وعندما يبذلون جُهداً واجتهاداً للوصول إلى حُكم الله في قضية يُثابون ويُؤجرون في جميع الأحوال؛ لوجود الشروط المتقدمة فيهم، فتلك الشروط هي الحَكَم الفيصل بين الاجتهاد المقبول والاجتهاد المرذول، وهي الحَكَم الفارق بين كون المجتهد يُثاب أو يُعاقب، فإن وُجدت فيه فيُثاب على جميع أحواله أصاب أو أخطأ، وإذا لم توجد فيه فيُعاقب على جميع أحواله أصاب أو أخطأ.

    1.   

    أدلة تحريم الاجتهاد والقول بلا علم في الفتيا والقضاء

    إن الذي يتكلم في دين الله دون أن يُعد العُدّة هو على ضلال، وعليه غضب ذي العزة والجلال، أصاب الحُكم الشرعي أو لا. لا يجوز للإنسان أن يتكلم في دين الله إلا بعد أن يُعد العُدة التي تُؤهله لذلك، وهذا ما أشار إليه نبينا عليه الصلاة والسلام فاستمعوا لتقرير هذا إخوتي الكرام؛ لأننا نشهد في هذه الأيام فوضى لا نهاية لها تحت ستار العودة إلى الكتاب والسنة، أو تحت ستار عدم التقيد بمذاهب الأئمة، ثم كل واحد يهرف بما لا يعرف ويقول: إنني مجتهد، وضمن الله لي الأجر، إن أصبت فلي أجران وإن أخطأت فلي أجر، بل أنت عليك إثم الضال المضل في جميع أحوالك، فانتبهوا لإشارة نبينا عليه الصلاة والسلام؛ لئلا يُسند الأمر إلى غير أهله.

    الدليل الأول: حديث (القضاة ثلاثة...)

    ثبت في المسند، والحديث في السنن الأربع إلا سنن النسائي ، ورواه الحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن الكبرى، ورواه الإمام الطبراني في معجمه، ورواه سعيد بن منصور في سننه، والإمام الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة بسند صحيح كالشمس وضوحاً من رواية بريدة بن الحصيب رضي الله عنه وأرضاه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( القضاة ثلاثة، فقاض في الجنة وقاضيان في النار ).

    ولا يراد من هذا الحديث نسبة من يدخل الجنة من القضاة، أي: ثلث إلى الجنة وثلثان إلى النار فلعل نسبة من يدخلون النار من القضاة تزيد على تسعين بالمائة، فليس المراد نسبة وتناسباً: ثلث وثلثان، إنما هنا وصف وهنا وصف، فقد لا يتصف بالصنف الأول إلا واحد من مائة، وقد يتصف بالوصف الأول مائة بالمائة، وليس المقصود أن القضاة سيجمعون عند الله ثلثهم إلى الجنة وثلثان إلى النار، لا ثم لا، فاستمع لإشارة النبي عليه الصلاة والسلام ولتوضيحه لهذا الذي سيدخل الجنة عندما سيقضي، ولذاك كيف سيدخل النار عندما سيقضي.

    قال عليه الصلاة والسلام: ( رجل عرف الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فجار ) أي: انحرف عنه وتبع الهوى، ( فهو في النار، ورجل قضى على جهل فهو في النار )، ليس عنده عدة القضاء، ولا شروط الفتيا فاقتحم هذا الطريق ونصب نفسه قاضياً ومفتياً لعباد الله، فضلّ وأضلّ فهو في النار أصاب أو أخطأ، فمن قضى على جهل في النار، ومن عرف الحق وانحرف عنه في النار، ومن عرف الحق وقضى به فهو في الجنة.

    والحديث رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير والأوسط، ورواه أبو يعلى بسند جيد من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن نبينا عليه الصلاة والسلام بلفظ قريب من اللفظ المتقدم، ولفظ الحديث: ( القضاة ثلاثة: فقاض ناج وقاضيان في النار، أما القاضي الناجي فهو من عرف الحق وقضى به ) (وأما القاضيان اللذان في النار: فرجل قضى بالهوى ) وهذا يساوي صنف من عرف الحق وجار، قال: ( والثاني: من قضى بغير علم)، وهذا هو القاضي الثاني من القاضيين اللذين هما في النار: هناك قضى على جهل، وهنا قضى بغير علم، وهنا قضى بالهوى، وهناك عرف الحق وجار.

    إخوتي الكرام! هذا الأمر لابد من وعيه وضبطه، إن الذي لا يعد العدة ثم يقحم نفسه في الفتيا في تحليل وتحريم وتشريع وليس عنده عدة في ذلك، وينسب هذا إلى دين الله فيا ويله أصاب أو أخطأ.

    الدليل الثاني: حديث (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)

    ثبت في سنن الإمام الترمذي ، والحديث رواه الطبري في تفسيره، ورواه الإمام البغوي في شرح السنة وفي معالم التنزيل بسنده وإسناده صحيح، قال عنه الإمام الترمذي : هذا حديث حسن صحيح. ولفظ الحديث من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من قال في القرآن برأيه -أي: بما لا يعلم- فليتبوأ مقعده من النار )، أي: بغير علم، وبغير عدة، تكلم عن طريق الرأي، والحديث روي من رواية جندب بن عبد الله في سنن أبي داود وسكت عنه، ورواه الإمام الترمذي وقال: غريب؛ لأن فيه سهل بن أبي حزم القطيعي وحديثه مخرج في السنن الأربع، لكن في حديثه ضعف، ولعل سكوت أبي داود عليه لوجود الشواهد له، فالحديث المتقدم يشهد له وأدلة الشرع المطهر تقرره.

    إذاً: الحديث رواه أبو داود والترمذي ، ورواه الطبري أيضاً في تفسيره، والبغوي في الكتابين المتقدمين في شرح السنة ومعالم التنزيل، ورواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان، والإمام النسائي في السنن الكبرى، وكما قلت: من رواية جندب بن عبد الله أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ )، تكلم برأيه وأصاب الحكم الشرعي فهو مخطئ عند الله، وعليه إثم ووزر أصاب أو أخطأ.

    قال الإمام ابن كثير عليه رحمات ربنا الجليل في مقدمة التفسير في الجزء الأول صفحة خمس: وإنما اعتبره النبي عليه الصلاة والسلام مخطئاً وإن كان مصيباً -أصاب ومع ذلك مخطئ- لأنه أتى الأمر من غير بابه، والإصابة هنا ليست مقصودة، وإذا أصاب مرة فيخطئ مرات، ولذلك عندما لم يأت الأمر من بابه، هو غير مأذون له في كلامه، فعليه وزر أصاب أو أخطأ، نعم، إن وزره أقل مما لو أخطأ؛ لأنه لو أخطأ فقد تكلم برأيه وأخطأ، وهنا تكلم برأيه وأصاب فالوزر أخف، لكن عليه وزر، وإذا أخطأ فهو ضال مضل.

    الدليل الثالث: أثر علي في النهي عن التصدر للتعليم وغيره في حق من يجهل ناسخ الحديث من منسوخه

    إذاً: لابد من ضبط هذا الأمر، لا سيما في هذه الأيام، ولذلك ثبت في السنن الكبرى للإمام البيهقي في الجزء العاشر صفحة عشرة ومائة عن أمير المؤمنين رابع الخلفاء الراشدين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه وعن سائر الصحابة الكرام، موقوفاً عليه من كلامه لكنه يوضح المعنى الذي في حديث ابن عباس وحديث جندب بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين: ( القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، أما القاضيان اللذان هما في النار: فرجل عرف الحق ثم جار متعمداً ) أي: انحرف عنه متعمداً كما تقدم معنا صاحب هوى. والثاني يقول: ( ورجل اجتهد فأخطأ في اجتهاده فهو في النار، والذي في الجنة: رجل اجتهد في الحق فأصاب فهو في الجنة )، قال قتادة لـأبي العالية : ما بال هذا إذا أخطأ في النار؟ أي: اجتهد وأخطأ فهو في النار؟ فقال أبو العالية : كان في وسعه ألا يجلس للقضاء إذا لم يكن يحسن القضاء. وعليه يريد علي رضي الله عنه وأرضاه فمن اجتهد وأخطأ فهو في النار، أي: إن اجتهد وأخطأ من غير أن يكون عنده عدة الاجتهاد ولا آلة الاجتهاد ولا شروط الاجتهاد فهو في النار أصاب أو أخطأ، ولذلك قال أبو العالية : كان في وسعه أن يجلس في بيته وألا يجلس للقضاء إذا كان لا يحسن القضاء. فإذا كان لا يحسن فلم يقضي ولم يفتي؟

    وثبت في السنن الكبرى للإمام البيهقي في المكان المشار إليه آنفاً، والأثر رواه الإمام الحازمي في أول كتاب الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار من صفحة ست إلى صفحة سبع: أن علياً وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين.. وقد تكرر هذا مع هذين الصحابيين الجليلين المباركين، وورد لهذا الأثر آثار كثيرة تشبهها نظائر لها في كتاب الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار -كما قلت- للإمام الحازمي ، ولفظ الأثرين أثر علي وأثر عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين: أن كلاً منهما دخل المسجد فرأى قاصاً يقص، فدعاه علي رضي الله عنه وقال له: أتعرف ناسخ الحديث من منسوخه؟ قال: لا، قال: ويحك! هلكت وأهلكت، اخرج من مسجدنا ولا تحدث فيه.

    فقوله: أتعرف ناسخ الحديث من منسوخه؟ أي: أتعرف ما هو المتقدم وما هو المتأخر من نصوص الشرع؛ لأجل أن تضع الأمر في موضعه؟

    إن الذين يبلغون دعوة الله ينبغي أن يعدوا عدة كافية عندما يقومون بالدعوة والتبليغ، وإذا ما أعد الإنسان عدة لذلك فهو آثم عاص عند الله جل وعلا، ويكفي أنه عندما يتصدر الأمر وهو غير أهل له أنه منع الناس عن الذهاب إلى طلب العلم، وعن حضور حلق العلم، عندما شغلهم بنفسه وبأمور لا يتقنها ولا يعرفها ولا يميز بين ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه.

    إخوتي الكرام! لابد من وضع هذا الأمر في موضعه، ولذلك قال الإمام البيهقي عليه رحمة الله: وأثر علي رضي الله عنه قال: هذا -أي: اجتهد وأخطأ هو في النار- فيمن لم تكن عنده عدة الاجتهاد، وأما من كانت عنده عدة الاجتهاد واجتهد وأخطأ قال: فالخطأ مرفوع عنه، وهو مأجور، كما دل على ذلك حديث عمرو بن العاص وحديث أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين.

    الجمع بين الأحاديث الواردة في إثبات أجر المجتهد والأحاديث الدالة على التحذير منه

    أختم الموعظة بهذين الحديثين وهما برواية واحدة عن صحابيين مباركين:

    أما حديث عمرو بن العاص فقد رواه الإمام أحمد في المسند، ورواه أهل الكتب الستة إلا سنن الإمام الترمذي ، ورواه أيضاً ابن حبان في صحيحه، والبيهقي في السنن الكبرى.

    وأما أثر أبي هريرة فقد رواه الإمام أحمد في المسند، وأهل الكتب الستة معهم الإمام الترمذي ، ورواه ابن حبان في صحيحه أيضاً، والبيهقي في السنن الكبرى، والحديث في الصحيحين من رواية أبي هريرة -كما قلت- وعمرو بن العاص ، ولفظ الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم الحاكم فأخطأ فله أجر )، لا يشكلن هذا مع ما تقدم، فهنا حاكم عنده أهلية الحكم، وعنده عدة الاجتهاد فاجتهد فأصاب فله أجران، فإن أخطأ فله أجر.

    وهل كل مجتهد مصيب؟ أي: هناك مصيب ومخطئ.

    إخوتي الكرام! الذي ذهب إليه الجمهور، وهذا هو الذي نقله الإمام المازري عن الفقهاء الأربعة وقال: هو قول المحققين من الفقهاء والمتكلمين، كما في كتاب فتح الباري للحافظ ابن حجر في الجزء الثالث عشر صفحة عشرين وثلاثمائة، والإمام المازري : هو محمد بن علي بن عمر ، توفي سنة سبع وثلاثين وخمسمائة للهجرة، يقول: كل مجتهد مصيب، وكل مجتهد له أجران. وليس بين كلامه وبين الحديث معارضة، فاستمع إليه يقول: كل من اجتهد في قضية فله أجران، إذاً: كيف هنا من حكم واجتهد وأخطأ فله أجر؟ قال: هذا إذا حكم الحاكم مجتهداً في قضية من القضايا وخالف اجتهاده نصاً شرعياً، فاجتهاده باطل وملغى، ولو فعل هذا مستحلاً لذلك فقد كفر، فيرفع عنه الخطأ ويؤجر أجراً واحداً، أما إذا اجتهد في فهم نص ولم يقابل اجتهاده نصاً فله أجران، والمجتهد أيضاً الآخر الذي يخالفه في هذا الفهم له أجران.

    فإن قيل: الحق يتعدد؟ قال: وما المانع؟ عندما صلى الصحابة رضوان الله عليهم صلاة العصر في الطريق وبعضهم أخروها إلى بني قريظة، كما تقدم معنا في الصحيحين من رواية ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين، هؤلاء على حق وهؤلاء على حق، والله يقول: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37] وهي النيات الخالصة، فهذا عظم ربه حسب ما في وسعه، وذاك الفقيه الذي فهم خلاف ما فهمه هذا الفقيه عظم ربه حسب ما في وسعه، فمن تبع هذا على هدى ومن تبع هذا على هدى، وهذا له أجران وهذا له أجران.

    فإن قيل: إن الحديث قال: ( إذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر ). قال: هذا في قضية أخرى، هذا عندما يلغى الاجتهاد ولا يجوز العمل به ويقابل الاجتهاد نصاً لعدم علم المجتهد بذلك النص، فنطرح اجتهاده ولا يجوز أن يتبع ونقول: نرى ذلك له أجر وهو معذور، وخطؤه مغفور ومثاب عند العزيز الغفور سبحانه وتعالى.

    وأما إذا اجتهد ولم يصادم نصاً فهو مصيب وله أجران، وإلى مثل هذا ذهب الإمام أبو بكر بن العربي الذي توفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة للهجرة، فقرر هذا في عارضة الأحوذي في الجزء السادس صفحة اثنتين وسبعين، ونقله عنه الإمام ابن حجر في المكان المشار إليه أيضاً آنفاً فقال: (إذا حكم فاجتهد فأخطأ) قال: هذا في قضية خاصة -يقول: هذا في حال حكم القاضي بين خصمين: مدعي ومدعى عليه، فأحدهما على حق، قال: فالقاضي له حالتان: حق متعدٍ، وصواب متعدٍ، وصواب قاصر، فإذا اجتهد القاضي في الحكم وأوصل الحق إلى صاحبه فقد تعدى الحق منه، فهو مجتهد، إذا أخطأ فله أجران، وإذا كان بعض الخصمين ألحن بحجته من بعض، فخدع القاضي وما تعرف على حقيقة الأمر فقضى للمبطل على المحق فقضاؤه مغفور، وهو الآن مأجور؛ لأنه هنا في هذه القضية لا يمكن أن يتعدد الحق، هذا محق وهذا مبطل، خصمان، فقال: هذا في هذه القضية، أما ما عداها في الاجتهاد في الأمور الشرعية فكل مجتهد مصيب وله أجران.

    وخلاصة الكلام: إذا أعد الإنسان العدة واجتهد في دين الله جل وعلا فهو على خير، سواء قلنا: بأن الحق يتعدد وكل مجتهد مصيب، وسواء قلنا بقول القلة القليلة أيضاً ممن يقولون: إن الحق واحد، والمجتهدون ينقسمون إلى مصيب ومخطئ؛ ونهاية الأمر، كل من المجتهدين مأجور، لكن ما هي نسبة الأجور التي يحصلونها؟ لا يعلم هذا إلا الله جل وعلا، ولذلك لابد من أن نعي هذا الأمر، وأن مرتبة الاجتهاد في الإسلام ينبغي أن تكون لمن عنده أهليتها، وهذا الذي وجد في أئمتنا الكرام.

    أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يعرفنا بقدر أنفسنا، وقدر أئمتنا لنتأدب معهم في جميع أحوالنا، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    أقول هذا القول وأستغفر الله.

    1.   

    خوف الأئمة من الفتيا واحترامهم للآخرين

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    إخوتي الكرام! يتعلق بهذا المبحث أمران نبينهما إن شاء الله وذلك أن اجتهاد المجتهدين يعتبر حكماً شرعياً، لكن التشريع -كما سيأتينا- من خصائص الله جل وعلا، وسأبين ما في هذا الأمر وما في الذي بعده بعون الله جل وعلا.

    لكن لابد من الكلام في الأمر السادس ألا وهو: أن يكون عند المجتهد -كما قلت- طهارة وصدق وذكاء وخشية لرب الأرض والسماء.

    إخوتي الكرام! لابد أن نميز بين من يوجد من العلماء في هذه الأيام، وبين علمائنا الكرام، لابد من أن نميز، فأولئك اشتهروا بالصدق والطهارة والخير الذي في قلوبهم، فقد شهدوا عصور النور، وعصرهم خير العصور، وقد ثبت في المسند، وصحيح البخاري ، وسنن الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يأتي عليكم عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم )، إن بطوننا امتلأت من الشبهات ومن الحرام، ونحن نخوض في المنكرات في سائر الأزمان، فلنعرف قدرنا وقدر أئمتنا الكرام.

    موقف ربيعة الرأي من الفتيا

    رحمة الله على الإمام ربيعة -ربيعة الرأي- شيخ الإمام مالك ، الذي توفي سنة ست وثلاثين ومائة للهجرة، حديثه مخرج في الكتب الستة، إمام ثقة عدل رضا، وهو أكبر شيوخ الإمام مالك . يقول الإمام مالك ، كما نقل عنه ذلك حافظ المغرب ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله، ونقله حافظ المشرق الإمام الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه، وقد توفي هذان الإمامان في سنة واحدة سنة ثلاث وستين وأربعمائة للهجرة.

    يقول: دخل رجل على ربيعة وهو يبكي قال: ما لك؟ أنزلت بك مصيبة؟ قال: لا، قال: فما الذي يبكيك؟ قال: استفتي من لا يعلم وحصل في الأمة شر عظيم.

    وكان يقول هذا العبد الصالح: والله إن بعض من يفتي أحق بالسجن من السراق. نعم، إن كثيراً من المفتين والقضاة في هذه الأيام أحق بالسجن من قطاع الطريق والبغاة، عندما يتطاولون على هذا الأمر، وكل واحد يدعي أنه مجتهد مطلق، ثم يهرف بما لا يعرف.

    لابد للمجتهد من ذكاء، من صدق، من إخلاص لرب الأرض والسماء.

    موقف القاضي عافية بن قيس من الفتيا

    انظر لهذا القاضي الرشيد العالم العامل الصالح التقي: عافية بن يزيد بن قيس رضي الله عنه وأرضاه، من تلاميذ أبي حنيفة وأصحابه، وتوفي بعد سنة ستين ومائة للهجرة رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، وخرج حديثه الإمام النسائي في سننه، وقال عنه ابن معين : ثقة مأمون من شيوخ الإسلام الطيبين.

    انظر لهذا الورع الذي في قلبه ثم انظر لأحوالنا.

    طلب الإعفاء من القضاء فأعفي؛ لقصة جرت له، اختصم إليه خصمان فأجل القضية من أجل أن يبحث في جوانبها ليصل إلى حكم الله فيها، وفي الليل جاء أحد الخصمين برطب معه إلى القاضي هدية -وهدايا العمال سحت- فزجره عافية ورد عليه رطبه، ثم جاء في اليوم الثاني للبحث في القضية، فلما مثل الخصمان أمامه رأى في قلبه ميلاً إلى من أهدى إليه رطباً وزجره ورد إليه الرطب، فتوقف عن القضاء وذهب إلى هارون الرشيد وقال له: أستقيل من القضاء وقد خلعت نفسي وفصلت. قال: لم؟ قال: والله يا أمير المؤمنين! ما وجدت قلبي على حاله ووجدت قلبي يميل إليه مع أنني ما قبلت الهدية ورددتها، فكيف سيكون حال قلبي لو قبلت؟ مثلي لا يؤتمن على القضاء، وكان في مجلس هارون فعطس هارون فشمته الحاضرون إلا عافية ، فقال: ويحك! ألا تشمت أمير المؤمنين؟ قال: هلا حمدت رب العالمين، فقال هارون : إن الذي لا يسامح في عطسة لا يسامح في غيرها.

    هؤلاء هم علماؤنا، وهؤلاء هم قضاتنا، وهؤلاء هم أئمتنا الذين نقتدي بهم.

    وانظر بعد ذلك لفتوى كبار العلماء وصغارهم في هذه الأيام، يفتي بجواز لبس الصليب إذا جرت به مراسيم البلاد، أي تقى؟ أي صلاح؟ أي خشية من الله؟ أمير المؤمنين يعطس ولا يشمته؛ لأنه ما حمد الله، ولبس الصليب إذا جرت به مراسيم البلاد جائز ولا حرج فيه!

    احترام أبي حنيفة لغيره من أهل العلم السابقين

    لابد -إخوتي الكرام- من أن نعي وضعنا، فهذا الذي كان في قلوبهم من طهارة وصدق انعدم من قلوبنا.

    انظر للأدب مع كبار أئمتنا وسلفنا، فهذا أبو حنيفة كما يروي عنه هذا الإمام ابن رجب الحنبلي -الذي توفي سنة خمس وتسعين وسبعمائة للهجرة- في كتابه فضل علم السلف على الخلف، والإمام أبو حنيفة من التابعين، ينقل في هذا الكتاب في صفحة تسع عشرة أنه قيل لـأبي حنيفة : أيهما أفضل: الأسود بن يزيد بن قيس أو علقمة بن قيس ؟

    و الأسود بن يزيد ثقة مخضرم حديثه في الكتب الستة، توفي سنة خمس وسبعين. وعلقمة بن قيس توفي بعد الستين، وقيل: بعد السبعين، ثقة، روي حديثه في الكتب الستة، وعلقمة هو عم الأسود ، أيهما أفضل؟ فقال أبو حنيفة : والله ما نحن بأهل لأن نذكرهم فكيف نفضل بينهم؟ أبو حنيفة يذكر مع الأسود ؟! ويذكر مع علقمة ؟! نحن إذا ذكرناهم هذه منقصة لهم ونحن نأتي نفضل بينهم؟!

    وكان عبد الله بن المبارك شيخ الإسلام إذا ذكر من تقدمه من العلماء الكرام يقول:

    لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

    إخوتي الكرام! إن التطاول الذي وجد في هذه الأيام ممن يدعون أنهم سيعيدون مفاهيم الإسلام، إن التطاول الذي وجد في أذهانهم نحو أئمتنا الكرام والله الذي لا إله إلا هو يستحي منه بهيم الحيوان.

    فاستمع لما يقال عن أئمتنا الكرام في تعليق على كتاب من كتب السنة المطهرة، يقال عند سرد حديث نزول نبي الله عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وأنه إذا نزل سيقتل الخنزير ويكسر الصليب.. إلى آخر الحديث وهو متواتر.

    يقول: في هذا الحديث دلالة على أن عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام إذا نزل يحكم بشرعنا ويقضي بالكتاب والسنة، فلا يقضي بالإنجيل ولا بالمذهب الحنفي ونحوه. سبحان الله! لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أولو الفضل، نعم! لا يقضي بالإنجيل وغيره.

    وأنا أريد أن أقول لمن لا يتأدب مع أئمتنا، ولا يتقي الله في أمة نبينا عليه الصلاة والسلام: وهل مذهب أبي حنيفة ليس من شرعنا؟ وهل مذهب أبي حنيفة خرج عن الكتاب والسنة؟ وهل اجتهاده مردود منبوذ، وإذا أردت أن تقول في مذهب أبي حنيفة وغيره هل ترضى أن يقال لك: إن عيسى لم يحكم أيضاً باجتهاداتك؟ وهل ترضى أن نوسع الأمر ونقول: إن نبي الله عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام إذا نزل لم يحكم باجتهاد أبي بكر ولا باجتهاد عمر؟ لم هذه التفاهة؟

    نعم، إذا نزل نبي الله عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام سيحكم بالقرآن والسنة، لكن القرآن والسنة في مذاهب الأئمة، فلعله يوافق اجتهاد أبي حنيفة في بعض الأمور، واجتهاد الشافعي في بعض الأمور، واجتهاد الإمام أحمد في بعض الأمور واجتهاد الإمام مالك في بعض الأمور، أو يقول: كل هذه الأمور معتبرة، وقد فعل هذا مبلغ الشرع الأول وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما صلى أناس في وسط الطريق وأناس أخروا صلاة العصر، فلم يعنف أحداً منهم. علام هذه السفاهة؟ وأن نبي الله عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام إذا نزل لا يحكم بالإنجيل ولا بالمذهب الحنفي ونحوه. سبحان الله! تقرن مذاهب أئمتنا مع الإنجيل المحرف ومع التوراة المبدلة؟ ثم يقال: سيحكم بشرعنا لا بالمذهب الحنفي؟!

    إخوتي الكرام! إنه لا يوجد في قلوبنا تعظيم لربنا، لا يوجد في قلوبنا أدب نحو أئمتنا، إذا كان الإمام أبو حنيفة يقول لك: نحن لسنا أهلاً لأن نذكرهم، فانظر لأدبهم مع بعضهم، وانظر لسفاهتنا نحو أئمتنا.

    وواحد آخر يؤلف في هذه الأيام كتاباً يسميه: الردود والتعقيبات على الإمام النووي عليه رحمة الله، والله لو كان عند هذا الإنسان ذرة من الأدب لاستحى من هذا العنوان ومن هذا الكتاب كما تستحي المرأة الحائض من حيضها أمام الرجال.

    يا عبد الله! سولت لك نفسك هذا وما رأيت إلا الإمام النووي تريد أن تتبعه بكلام المعاصرين؟ وأنا أقول لك ولأمثالك: والله لو ملأت الأرض من كبار العلماء وصغارهم وأشكالهم وألوانهم فكلمة من الإمام النووي -كلمة فقط- لا أقول تعدل هؤلاء، بل ترجح بهم وتجعلهم صفراً إلى الشمال، وقل ما شئت بعد ذلك نحو أئمتنا وسنئول إلى ربنا ليوفي كل نفس بما كسبت.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، اللهم ألهمنا رشدنا، اللهم ألهمنا رشدنا، اللهم ألهمنا رشدنا، اللهم ارزقنا الأدب معك بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم ارزقنا الأدب مع نبيك عليه الصلاة والسلام، اللهم ارزقنا الأدب مع أئمتنا الكرام، اللهم ارزقنا الأدب مع خلق الله أجمعين بفضلك ورحمتك يا رب العالمين.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].