إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. البدعة
  5. البدعة - ما يصل للميتين باتفاق المسلمين

البدعة - ما يصل للميتين باتفاق المسلمينللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من رحمة الله بعباده أن رتب الثواب على أعمالهم الصالحة وجعله موصولاً بهم بعد موتهم، ومن رحمته تعالى أن جعل الميت تبرأ ذمته مما علق بها من حقوقه تعالى كالحج والنذر وغيرها، أو حقوق الآدميين كالدين إن قضاه عنه غيره من المسلمين.

    1.   

    مقدمة

    الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين شرع لنا ديناً قويماً وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير.

    اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3] .

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد: معشر الإخوة الكرام! تقدم أن الابتداع في الإسلام يؤدي إلى سوء الخاتمة للإنسان -نسأل الله حسن الخاتمة، وأن يجعل خير أيامنا يوم لقائه- وهذا الأمر -أعني البدعة- قلنا: سنتدارسه ضمن ثلاثة مباحث:

    أولها: في تعريف البدعة.

    وثانيها: في النصوص المحذرة من البدعة.

    وثالثها: في أقسام البدعة.

    ولا زلنا نتدارس المبحث الأول إخوتي الكرام ألا وهو تعريف البدعة، وقلت فيما مضى: إن البدعة هي الحدث في الإسلام عن طريق الزيادة أو النقصان، مع زعم التقرب بذلك إلى الرحمن، وذلك الحدث لا تشهد له نصوص الشريعة الحسان.

    إخوتي الكرام! وهذا التعريف السديد الرشيد الذي قرره أئمتنا الكرام ضل نحوه فرقتان من الأنام:

    فرقة غلت وأفرطت في تعريف البدعة، فأدخلت فيها ما ليس منها.

    وفرقة قصرت وفرطت في تعريف البدعة فألغت البدعة وابتدعت ما شاءت، وعبدت ربها على حسب هواها، وهي تزعم أنها تعبد مولاها.

    أما الفرقة الأولى فتقدم معنا مناقشتها ولا زلنا في التحذير منها، قلت: إنهم أهل غلو وشطط، ودين الله بين الغالي والجافي، وهذا الغلو انحصر في أمرين اثنين:

    الأمر الأول: حكموا بالبدعة والتضليل على ما شهد له الدليل، وقال به إمام جليل، بل زادوا على هذا ضلالة ثانية: فحكموا بالبدعية على ما صرحت به النصوص الشرعية، بأنه ما راق لعقولهم الردية، وتذاكرنا أمثلةً كثيرةً حكم عليها بالبدعية من قبل هؤلاء السفهاء المبتدعين، ولا تدخل في تعريف البدعة عند أئمتنا الراسخين، وسأختم الكلام على أمر أيضاً يزعم هؤلاء أنه بدعة وليس ببدعة، إنما هو هدىً ورشاد، وهذا الأمر هو إهداء القربات، إهداء الطاعات، إهداء الخيرات والحسنات، إهداء الأعمال الصالحات إلى الأموات.

    1.   

    انتفاع الميت بما تسبب في وجوده

    إخوتي الكرام! مسألة إهداء القربات والطاعات إلى الأموات لها شقان:

    الشق الأول منهما عليه اجتماع واتفاق، ولا يخالف فيه إلا أهل الضلال والبدع والأهواء.

    والشق الثاني حصل فيه اختلاف وافتراق بين أئمتنا الأتقياء، لكن الراجح ما قرره جمهور العلماء كما سيأتينا إن شاء الله.

    وكلامنا سيكون في الأمور المتفق عليها، وأما الأمور المختلف فيها مثل: هل يصح إهداؤها إلى الأموات بعد موتهم، فسأتكلم عليها لاحقاً إن شاء الله.

    إخوتي الكرام! قرر أئمتنا الأتقياء أن أربعة أشياء تصل إلى الأموات بعد موتهم، وينتفعون بها في قبورهم عند ربهم بعد رحيلهم ومفارقتهم للحياة الدنيا، وهذه الأمور الأربعة من خالف في شيء منها فهو ضال مبتدع، وكما قلت: عليها الإجماع والاتفاق.

    أولها: ما تسبب الإنسان في عمله ووجوده بعد موته.

    وثانيها: دعاء المؤمنين واستغفارهم للأموات بعد موتهم.

    وثالثها: الحج والعمرة عن الأموات.

    ورابعها: قضاء الديون عنهم، والتصدق عنهم.

    فهذه الأمور الأربعة تصل إلى الأموات وينتفعون بها بعد موتهم باتفاق علمائنا الكرام.

    وسأذكرها مفصلةً مقررةً بأدلتها الثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    أما الأمر الأول منها: ما تسبب الإنسان في وجوده وفعله وبقائه بعد موته، فيكتب له أجره ما دام ذلك العمل قائماً يعمل به بعد موته، ولو استمر ذلك العمل إلى يوم القيامة، فالأجور تكتب للإنسان ما دام ذلك العمل مستمراً باقياً، وقد قرر الله هذا في كتابه فقال جل وعلا: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12]، أي: نكتب ما قدموه من أعمال صالحة أو طالحة، من أعمال حسنة أو سيئة، ونكتب (آثارهم) أي: ما خلفوه من أعمال بعد موتهم يعمل بها بعد انقضاء حياتهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وهذا أحد القولين في تفسير الآية وهو أظهرهما وأوجههما.

    والقول الثاني: يدخل في التفسير الأول في ما قدمه الإنسان في حياته ألا وهو: وَآثَارَهُمْ [يس:12] قالوا: هو الأثر والخطا، أي: الذهاب إلى بيوت الله وإلى المساجد في الأرض، فالله يكتب لهم هذه الخطا ويثيبهم عليها، وهذا يدخل فيما قدموه، والآية تدل على القول الثاني وهو الذي قرره أئمتنا المفسرون، ما قدموه من عمل وما خلفوه؛ لأنه يعمل بسببهم، يكتب لهم في الخير وفي الشر، وهذا كقول الله جل وعلا: يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة:13]، وهذا كقول الله أيضاً: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار:5] ، ما قدمته من خير وما أخرته من خير، وما قدمته من شر، وما أخرته من شر.

    استمرار الأجر بعد الموت لمن سن سنة حسنة ما دام يُعمل بها

    وهذا المعنى الذي دلت عليه الآيات ورد في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الصريحة عن خير البريات على نبينا صلوات الله وسلامه، فمن تلك الأحاديث ما ثبت في المسند وصحيح مسلم والسنن الأربعة، والحديث رواه الإمام الدارمي في مسنده أيضاً وهو صحيح صحيح، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ). فمن دعا إلى هدى فاهتدى الناس بدعوته، وما دامت هذه الدعوة قائمة وينتفع بها أناس يقرءون كتابه، يسمعون محاضرته، يعملون بنصحه، فإنه يكتب له أجر ذلك ما دام باقياً، والعكس بالعكس، فإذا عمل معصيةً وبقيت هذه المعصية بعد موته والناس يتبعونه فيها من غناء وبلاء وتمثيليات وكفر وغير ذلك، كل هذا يكتب عليه وزره أيضاً، وهذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام.

    وثبت أيضاً في مسند الإمام أحمد والسنن الأربعة إلا سنن أبي داود ، والحديث رواه الإمام الدارمي أيضاً والبيهقي في السنن الكبرى، والحديث أيضاً من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من سنَّ في الإسلام سنةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنةً سيئةً فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيء ).

    وصول الأجر إلى الميت بسبب صدقته الجارية أو علمه أو دعاء ولده الصالح

    والأحاديث في ذلك كثيرة وفيرة أيضاً، منها ما في المسند والسنن الأربعة إلا سنن ابن ماجه، والحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه، والبخاري في الأدب المفرد من رواية أبي هريرة أيضاً رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ).

    إخوتي الكرام! الأحاديث التي تقرر هذا كثيرة وفيرة منها ما في سنن ابن ماجه أيضاً وصحيح ابن خزيمة ، والسنن الكبرى للإمام البيهقي ، والحديث إسناده حسن كما نص على ذلك شيخ الإسلام الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، وقد صحح الحديث شيخ الإسلام إمام الأئمة الإمام ابن خزيمة عليهم جميعاً رحمة الله، ولفظ الحديث أيضاً من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن مما يلحق المسلم من حسناته وعمله بعد موته -مما يلحقه مما يكتب له بعد موته- علماً علّمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه، ومسجداً بناه، وبيتاً لابن السبيل بناه، ونهراً أجراه، وصدقةً أخرجها من ماله في حال صحته وحياته تلحقه بعد موته ). هذه سبعة أمور من باب التمثيل، أي: ما تسبب الإنسان في فعله من الخيرات والطاعات يكتب له بعد مفارقته هذه الحياة، ولقائه رب الأرض والسماوات.

    وهذا الأمر إخوتي الكرام متفق عليه، لا يخالف فيه إلا أهل البدع والأهواء، وهذه الأعمال كلها من سعي الإنسان وقد تسبب فيها، ولا يشكلن عليك أمر الولد، فالولد هنا من أعظم ثمرات كسبك، وهو حصل بسببك، فأنت تنتفع أيضاً بما يصدر منه من طاعة، وبالدعاء الذي يصدر منه لك، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن أعظم كسب للإنسان هو ولده.

    ثبت الحديث بذلك في المسند، والحديث في السنن الأربعة أيضاً، ورواه الإمام البخاري في التاريخ الكبير، ورواه الإمام الدارمي في سننه، والبيهقي في السنن الكبرى، والإمام الطيالسي في مسنده، والإمام البغوي في شرح السنة من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن أفضل ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه، فكلوا من كسب أولادكم ).

    وفي رواية: ( إن أفضل ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم )، هذا الأمر الأول ينتفع الإنسان به بعد موته ما وجد من خير بعد موته بسببه يكتب له أجره ما دام ذلك الخير باقياً، ولذلك لما وعى أئمتنا الكرام وسلفنا الكرام هذا الأمر، تنافسوا في فعل الخيرات التي تنفعهم بعد الممات، فأوقفوا الوقوف الكثيرة التي نستظل نحن الآن بظلها من مساجد، ووقفاً على المساجد، ومن دور لرعاية المنقطعين، ومن دور لرعاية طلبة العلم، ومن أوقاف سخية كانت تنفق على ذلك من أجل أن يبقى الأجر للإنسان بعد موته، نعم، كانوا يقدرون الله والدار الآخرة، ويقدمون إلى ما بين أيديهم، وحصلوا ثمرة جهدهم.

    1.   

    انتفاع الميت بدعاء الأحياء واستغفارهم له

    الأمر الثاني الذي ينتفع به الإنسان بعد موته: دعاء المؤمنين واستغفارهم له ينتفع به الإنسان بعد موته باتفاق أئمتنا، وقد قرر الله هذا في كتابه، وذكره نبينا صلى الله عليه وسلم في أحاديثه.

    الله جل وعلا يقول في سورة الحشر بعد أن قسم هذه الأمة إلى ثلاثة أقسام: إلى مهاجرين صادقين، وإلى أنصار مفلحين، وإلى من عداهما ممن يأتي بعدهما، نسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه إنه أرحم الراحمين، جاءوا بعد هذين الصنفين المباركين فتأدبوا بأدب الشرع، وما نسوا معروف من سبقهم في إحسانهم إليهم، فكانت ألسنتهم تلهج بالثناء والدعاء لهم في جميع أوقاتهم، يقول الله جل وعلا بعد ذكر المهاجرين والأنصار: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10]، وهذا الدعاء نافع قطعاً، والله لا يأمرنا بأن ندعو لمن سبقنا وقد مات إذا كان الدعاء لا ينفع.

    ورضي الله عن السيد الجليل الشريف الحصيف الإمام الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، عندما جاءه أناس من السفهاء من الغوغاء ووقعوا في السلف الصالح، فقال لهم هذا الإمام التقي النقي المبارك رحمة الله ورضوانه عليه: هل أنتم من أهل هذه الآية: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8]؟ أي: من المهاجرين والله عناكم بها؟ قالوا: لا. قال: هل أنتم من أهل هذه الآية: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9]؟ فنعت الله المهاجرين بالصدق، ونعت الله الأنصار بالفلاح، صادقون ومفلحون، أنتم من أهل هذه الآية؟ قالوا: لا. قال: أما والله إني أشهد أنكم لستم من أهل هذه الآية، ثم تلا: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    هذا هو الإمام الباقر الذي هو إمام ثقة عدل رضا من أئمة الخير، وأجمعت الأمة على جلالته وتوثيقه وإمامته وخيره وصلاحه، وقد توفي سنة بضع عشرة بعد المائة قيل: سنة أربع عشرة ومائة، وقيل: سنة سبع عشرة ومائة، والعلم عند الله جل وعلا، وحديثه في الكتب الستة في الصحيحين والسنن الأربعة رحمة الله ورضوانه عليهم وعلى أئمة المسلمين أجمعين.

    إذاً: هذا هو الدعاء والاستغفار للأموات: يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر:10].

    شفاعة الأحياء الموحدين للأموات بالصلاة عليهم

    إخوتي الكرام! إن الدعاء للأموات أعظم من الهدايا للأحياء بكثير، وإذا أهديت لحي هديةً ثمينةً يسر بها فإن الدعاء للميت أعظم من الهدية إلى الحي، وقد شرع الله لنا أن ندعو لإخواننا، فقبل أن نوسد الميت في قبره، وقبل أن نضعه في لحده شرع الله لنا الدعاء والاستغفار له في صلاة الجنازة، وقد شفع الله هذه الأمة بعضهم في بعض، وصلاة الجنازة أول دعاء يقدمه المسلم لهذا الميت، وقد شهد نبينا صلى الله عليه وسلم لهذا الميت بأنه من أهل الخير، وأن ذنوبه تغفر ومن أهل الجنة، إذا صلى عليه المسلمون واستغفروا الله له، فالله سيشفعهم فيه، فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    ثبت في المسند وصحيح مسلم وسنن الترمذي والنسائي ، والحديث رواه الإمام البيهقي وأبو داود الطيالسي ، من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما من ميت يموت من المسلمين فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائةً -إذا بلغوا هذا العدد- كلهم يشفعون له إلا شفعهم الله فيه ).

    والحديث أيضاً رواه الإمام أحمد في المسند، والإمام مسلم في صحيحه، والنسائي في سننه والبيهقي في السنن الكبرى من رواية أنس بن مالك أيضاً رضي الله عنهم أجمعين، ورواه الإمام ابن ماجه في سننه من رواية أبي هريرة بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من صلى عليه مائة من المسلمين غفر الله له )، وبمثل رواية ابن ماجه رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، وهذا حد أقصى، لكن إذا نزل العدد عن ذلك فرحمة الله واسعة.

    أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أيضاً أن من صلى عليه أربعون من المسلمين من أهل التوحيد، لا يشركون بالله المجيد، واستغفروا الله له، وشفعوا له، فالله سيغفر لهذا الميت وسيشفعهم فيه، فهو أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين.

    ثبت الحديث بذلك في المسند وصحيح مسلم، والحديث رواه الإمام أبو داود وابن ماجه والبيهقي في السنن الكبرى من رواية كريب مولى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: ( مات ابن لـعبد الله بن عباس فقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين: يا كريب ! اخرج فانظر كم اجتمع له من الناس، فخرج كريب من البيت ونظر إلى الحاضرين الذين جاءوا لتشييع ولد عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، ثم جاء فقال له عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين: يا كريب ! تقول: إنهم أربعون؟ قال: نعم أو يزيدون. قال: أخرجوه، أي: أخرجوا ولدي إلى لحده وقبره، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من ميت يموت فيصلي عليه أربعون من المسلمين لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه )، إذا اكتمل العدد إلى أربعين نرجو لهذا الولد الخير العظيم عند رب العالمين، هذه شفاعة، وهذا دعاء، وهذا استغفار، يحصل من الحي للميت، بل إذا نقص العدد عن ذلك فرحمة الله واسعة بشرط أن يكون عند الناس فقه بكيفية صلاة الجنازة.

    فإذا قل العدد عن أربعين، وجعلوا الصفوف ثلاثةً تكمل صفوفهم بملائكة الله الأطهار، ويشفع الله فيه أهل الأرض وأهل السماء، ويرحمه وهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    ثبت الحديث بذلك في المسند والسنن الأربع إلا سنن النسائي، والحديث رواه الإمام الحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن الكبرى، من رواية مالك بن هبيرة ، والحديث قد نص شيخ الإسلام الإمام النووي على تحسينه، وتبعه الحافظ ابن حجر في الفتح، وهكذا نص على تحسينه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، وصححه الحاكم وأقره عليه الذهبي ، ولفظ الحديث عن مالك بن هبيرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من رجل من المسلمين يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف إلا أوجب ) أي: أوجب الله له الجنة، وأوجب له الله العتق من النار، فكان مالك بن هبيرة رضي الله عنه وأرضاه إذا استقل العدد أي: نقصوا عن أربعين جزأهم ثلاثة صفوف، ثم تقدم بهم فصلى على هذا الميت من المسلمين.

    وقد ورد في معجم الطبراني الكبير من رواية أبي أمامة رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة ومعه سبعة نفر، فجزأهم ثلاثة صفوف، فجعل ثلاثة صفاً، واثنين صفاً، واثنين صفاً )، بحيث جعلهم ثلاثة صفوف، ثم تقدمهم وصلى بهم على هذه الجنازة التي توفيت من أجل تحصيل هذا الأجر.

    إذاً: ( إذا صلى عليه ثلاثة صفوف أوجب )، و( إذا صلى عليه أربعون شفعهم الله فيه )، و( إذا صلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة غفر الله له وشفع الله المصلين فيه )، هذا كله مما ينتفع به الميت بعد موته من دعاء واستغفار إخوانه.

    ترتب الأجر على الصلاة والدعاء للجنازة

    إخوتي الكرام! وإذا كان الحي يدعو للميت وينتفع الميت بهذا الأمر العظيم بالدعاء والاستغفار فاعلم أيها العبد المسلم أنه لك جائزة كبيرة عند الله عندما تدعو لإخوانك وتستغفر لهم، لا سيما إذا كانوا موتى وقد انقطع عملهم، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الله يعطي عظيم الأجر لمن يدعو للأموات، ولمن يستغفر لهم، ولمن يصلي عليهم، ويشهد جنازتهم ودفنهم.

    ثبت في المسند، والحديث في الكتب الستة في الصحيحين والسنن الأربعة، ورواه الإمام الدارمي في مسنده، والإمام البيهقي في السنن الكبرى، ورواه الإمام ابن الجارود في المنتقى، وغير هؤلاء من أئمة الحديث، والحديث مروي في دواوين السنة، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من شهد جنازةً حتى يصلي عليها كتب له عليها قيراط، ومن شهدها حتى تدفن كتب له قيراطان. قالوا: يا رسول الله وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين ) وفي رواية: ( أصغرهما كجبل أحد )، فأنت عندما تدعو أيضاً للأموات وتستغفر لهم يأتيك خير كثير من الله الجليل، وكما قلت: شفع الله هذه الأمة المرحومة المباركة بعضها في بعض، فالأحياء يستغفرون للأموات، والله يغدق عظيم الأجر بعد ذلك على الأموات وعلى الأحياء، وهو واسع الفضل والمغفرة، فالدعاء والاستغفار ينفع الأموات، وهو لهم بمنزلة الهدايا للأحياء.

    إخوتي الكرام! نبينا عليه الصلاة والسلام كما أمرنا بالصلاة على الجنازة أمرنا بعد الصلاة أيضاً أن نقف عند القبر، وأن ندعو للميت، وأن نسأل الله له التثبيت، وهذا كله دعاء ينفع ويقبل عند الله عز وجل.

    ثبت الحديث بذلك أيضاً في سنن أبي داود ، والحديث رواه الحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن الكبرى، ورواه الإمام البزار والبغوي في شرح السنة، وإسناده صحيح من رواية أمير المؤمنين ذي النورين عثمان رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت وقف على شفير القبر عليه صلوات الله وسلامه وقال: استغفروا الله لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل ).

    وهكذا شرع لنا أن نزور الأموات، وأن ندعو لهم، وهذا دعاء ينتفعون به.

    وتقدم معنا حديث المسند وصحيح مسلم وسنن النسائي وغير ذلك من دواوين السنة، عن أمنا الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها وعن سائر المسلمين، عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( قلت: يا رسول الله! ماذا أقول إذا زرت القبور؟ قال: قولي: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ).

    1.   

    انتفاع الميت بثواب الحج والعمرة

    هنا أمر ثالث إخوتي الكرام، ينتفع به الميت بإجماع علماء الإسلام وهو الحج والعمرة، فمن حج عن ميت واعتمر وردت النصوص الصحيحة الصريحة بأن الأجر يصل إلى الميت، وأن هذه العبادة قربة عن الميت، وأن الله يكتب ثواب ذلك للميت، والأحاديث كثيرة وفيرة ثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    فمن هذه الأحاديث ما ثبت في المسند والصحيحين والسنن الأربعة، والحديث رواه الإمام مالك في موطئه والدارمي في سننه، وهو في دواوين السنة التي تجمع حديث النبي عليه الصلاة والسلام كسنن البيهقي ومسند أبي داود الطيالسي وسنن الدارمي وغير ذلك، وهو في أعلى درجات الصحة فهو في الصحيحين من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: ( جاءت امرأة من خثعم إلى النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع، فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يستطيع الركوب على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: حجي عنه ).

    وفي رواية في المسند، وصحيح البخاري ، ومعجم الطبراني الكبير، والسنن الكبرى للإمام البيهقي والدارمي ، ومسند أبي داود الطيالسي ، والمنتقى لـابن الجارود وغير ذلك عن ابن عباس أيضاً: ( أن رجلاً قال للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله! إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟ فقال: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء )، يعني: اقضوا فالله أحق بالقضاء.

    وثبت أيضاً في بعض روايات الحديث المتقدمة عن ابن عباس رضي الله عنهما ( أن امرأةً من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الحج أدركت أبي وهو لا يستطيع أن يحج لأنه شيخ كبير أفأحج عنه؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: حجي عن أبيك ).

    وهذا الحديث الثابت من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما روي نظيره من رواية عدة من الصحابة الكرام.

    ثبت في المسند، وسنن النسائي من رواية عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ( أن رجلاً من خثعم ) وفي رواية عبد الله بن عباس المتقدمة: أن امرأةً من خثعم، ولعل القصة تكررت من الصحابة الكرام، فسأل عن هذا الرجال والنساء ( أن رجلاً من خثعم قال: يا رسول الله! إن فريضة الحج أدركت أبي وهو لا يستطيع الركوب على الراحلة، أفأحج عنه؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم ).

    والحديث أيضاً ثبت من رواية أبي رزين وهو لقيط بن عامر بن المنتفق من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ثبت حديثه في السنن الأربعة بإسناد صحيح، عن أبي رزين ( أنه جاء إلى نبينا الأمين -على نبينا وآله وصحبه الطيبين الطاهرين جميعاً صلوات الله وسلامه- فقال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير، وإنه لا يستطيع الحج والعمرة ولا يستطيع الظعن -يعني السفر فيشق عليه- أفأحج عن أبي وأعتمر؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: حج عن أبيك واعتمر، حج عن أبيك واعتمر ).

    وثبت في صحيح مسلم وسنن الترمذي من رواية بريدة رضي الله عنه ( أن امرأةً قالت لنبينا على نبينا وصحبه صلوات الله وسلامه: إن أمي ماتت ولم تحج، أفأحج عنها؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم، حجي عن أمك ).

    وهذه أحاديث -كما قلت إخوتي الكرام- كثيرة صحيحة صريحة تدل على أن الحج والعمرة يفعلان عن الميت، ويصل ثوابهما إلى الميت كرماً من الله وفضلاً، وهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    إذاً: هذه طاعة ثالثة يصح إهداؤها للأموات، وهذا باتفاق أئمتنا، فلا خلاف ولا نزاع في ذلك، ولا يخالف في ذلك إلا أهل البدع، فما تسبب الميت في فعله بعد موته، ودعاء الأحياء واستغفارهم له بعد موته، وإذا حجوا واعتمروا عنه بعد موته فإنه يصل له ثواب ذلك وينتفع به بفضل الله ورحمته.

    1.   

    انتفاع الميت بأداء الدين عنه

    والأمر الرابع وهو آخر الأمور: أداء الديون عن الميت، والتصدق عنه، وهو باختصار كما قال أئمتنا: الأمور المالية، سواء كان عليه ديون فقضيتها عنه، أو تصدقت عنه، سواء حصل هذا من أقاربه أو من غيرهم فإنه ينتفع بذلك الميت، فدينه يقضى عنه ممن قضاه، وإذا تصدقت عنه يصل ثواب الصدقة إليه بفضل الله ورحمته.

    أدلة انتفاع الميت بأداء الدين عنه

    إن الأحاديث الدالة على ذلك كثيرة صريحة صحيحة منها: ما ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي ، والحديث رواه البزار والإمام الطيالسي ، ورواه الحاكم في المستدرك، والإمام البيهقي في السنن الكبرى من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( مات رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلناه وكفناه وحنطناه، ثم وضعناه في المكان الذي يصلى فيه على الموتى، ثم دعونا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام ليصلى عليه، فلما وصل إلينا تقدم نحوه خطوات -خطا خطوات نحو الميت- ثم التفت إلينا بوجهه الشريف عليه صلوات الله وسلامه فقال: هل على صاحبكم دين؟ قلنا: يا رسول الله! استقرض دينارين ومات ولم يؤدهما إلى صاحبهما، قال: هل ترك وفاءً؟ قلنا: لا، فتأخر النبي عليه الصلاة والسلام ولم يصل عليه، وقال: صلوا على صاحبكم، فقام أبو قتادة -صاحب الأريحية، وصاحب المعروف والنجدة، وصاحب الكرم والجود- وقال: يا رسول الله! هما علي، فصل عليه )، إذا كان الديناران سيمنعانك من الصلاة عليه أتحمل عن أخي المسلم دينارين وألف دينار، صل عليه وهما علي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( هما في مالك أنت الذي تؤدي؟ قلت: نعم يا رسول الله! فاستدار النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا الصحابي الجليل وصلى عليه، ثم لقي في اليوم الثاني أبا قتادة وقال: هل قضيت الدينارين يا أبا قتادة ؟ قلت: إنه مات البارحة يا رسول الله، قال أبو قتادة : فسكت عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رآني في اليوم الثاني قال: هل قضيت الدينارين يا أبا قتادة ؟ قلت: نعم، قال: الآن بردت جلده )، أي: أنه كان في حرارة الحساب، وشدت العتاب، كيف مات ولم يؤد الحقوق إلى أربابها.

    وهذا إخوتي الكرام نص صريح من نبينا عليه الصلاة والسلام بأن هذا الميت انتفع بقضاء هذا الدين عنه، وبهذه الصدقة التي حصلت من أبي قتادة نحو هذا الصحابي الجليل رضي الله عنهم أجمعين.

    والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده أيضاً، وهو في السنن الأربعة إلا سنن أبي داود ، ورواه الإمام الدارمي في سننه من رواية أبي قتادة نفسه رضي الله عنه وأرضاه قال: ( توفي رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه سأل: هل عليه دين؟ قالوا: نعم -وما حدد مقداره في هذه الرواية- قال: هل ترك وفاءً؟ قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة : دينه علي يا رسول الله -أنا أقوم بقضائه وسداده- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: بالوفاء تفي بذلك وتتحمل؟ قلت: بالوفاء يا رسول الله، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ).

    والحديث رواه الإمام أحمد أيضاً في مسنده والبخاري في صحيحه، والإمام النسائي في سننه من رواية سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: ( مات رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما تقدم النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه سأل: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير )، ولعل القصص تكررت، وكان صاحب الأريحية والمعروف والنجدة أبو قتادة يتحمل الدين في جميع هذه الحوادث ( قال: هل ترك وفاءً؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة : الدنانير علي يا رسول الله، فتقدم النبي عليه الصلاة والسلام فصلى عليه ).

    وهذا إخوتي الكرام كان في أول الأمر قبل أن يفتح الله على رسوله عليه الصلاة والسلام، وقبل أن تأتي الخيرات والمغانم والأرزاق، وأما بعد أن فتح الله عليه فكان يصلي على الميت ولا يسأل عن الدين، وإذا كان على الميت دين كان يتحمله سيد الكونين نبينا عليه صلوات الله وسلامه، كما في الصحيحين وغيرهما من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم -يعني في أول الأمر- إذا أراد أن يصلي على ميت سأل: هل عليه دين؟ فإذا قالوا: ليس عليه دين تقدم فصلى عليه، وإذا قالوا: عليه دين سأل: هل ترك وفاءً؟ فإن قالوا: نعم، تقدم فصلى عليه، وإن قالوا: لم يترك وفاءً تأخر وقال: صلوا على صاحبكم، فلما فتح الله عليه قال: أنا أولى بكل مؤمن، من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك ديناً وضياعاً فإلي وعلي ) أي: من ترك ديناً ضياعاً أسرةً يضيعون، أولاداً صغاراً ييتمون، أنا وليهم، وأنا أرعاهم، وأنا أبوهم على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، هذا بعد أن فتح الله عليه الفتوح، وفي أول الأمر إذا لم يترك الميت وفاءً لدينه ما كان يصلي عليه مبالغةً في تعظيم حقوق العباد.

    حقوق العباد مبنية على المشاحة

    إخوتي الكرام! إن حقوق العباد مبنية على المشاحة والمماسكة، وحقوق الله مبنية على المسامحة والمساهلة، وإذا مات الإنسان وعليه شيء من الحقوق نحو عباد الرحمن فأمره شديد فظيع، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن هول الدين وفظاعته وشناعته، وأن الإنسان إذا لقي ربه به فأمره على خطر.

    ثبت في مسند الإمام أحمد ، وسنن الإمام النسائي ، ومستدرك الإمام أبي عبد الله الحاكم ، والسنن الكبرى للإمام البيهقي ، والحديث رواه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط، وإسناده صحيح ثابت من رواية محمد بن جحش رضي الله عنهما، ومحمد بن عبد الله بن جحش أمنا زينب أم المؤمنين تكون عمته رضي الله عنهم أجمعين، من رواية محمد بن جحش رضي الله عنه، قال: ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر نبينا عليه الصلاة والسلام إلى السماء ثم وضع يده على جبهته وقال: سبحان الله! ماذا أنزل من التشديد، سبحان الله! ماذا أنزل من التشديد، قال محمد بن جحش رضي الله عنه: ففزعنا وخفنا وسكتنا وأطرقنا، فلما كان اليوم الثاني قلت: يا رسول الله! ما التشديد الذي أنزل؟ ما التشديد الذي نزل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قتل في سبيل الله ثم أحيي، ثم قتل ثم أحيي، ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة إلا أن يقضى عنه دينه ).

    إن الدين شأنه شديد فظيع؛ ولذلك ثبت في مسند الإمام أحمد ، ومسند البزار أيضاً من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: ( أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أرأيت إن قاتلت في سبيل الله بنفسي وبمالي، ثم قتلت صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر أأدخل الجنة؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم، فأعاد الرجل السؤال فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم، فأعاد الثالثة فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: نعم، إلا إذا كان عليك دين ليس عندك وفاؤه ) أي: لا تدخل.

    وهذا الجواب والاستثناء وضحته روايات أخرى في المسند من رواية أبي هريرة ، ومن رواية محمد بن جحش ، وفي الطبراني من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: ( سارني بذلك جبريل ) أي: إذا قتلت بعد أن قاتلت في سبيل الله بنفسك ومالك، وقتلت صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر تدخل الجنة إلا إذا كان عليك دين ليس عندك وفاؤه، وقوله: (سارني) أي: أخبرني بذلك الآن جبريل سراً أن هذا الشهيد إذا كان عليه دين وما عنده وفاء لدينه لا يدخل الجنة إلا أن يقضى عنه دينه.

    وثبت في معجم الطبراني الكبير من رواية سهل بن حنيف ، وإسناد الحديث رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( يغفر للشهيد بأول قطرة من دمه جميع ذنوبه كل ذنب له إلا الدين )، الدين لا بد من قضائه، لا بد من وفائه.

    إذاً: إخوتي الكرام! أداء الدين عن الميت ممن يقضيه ويتحمله عنه ينفع الميت كما ثبت هذا عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وصول ثواب الصدقة إلى الميت

    وهكذا الصدقة إلى الميت أيضاً تنفعه ويصل ثوابها إليه ممن تصدق عنه.

    وقد ثبت هذا عن نبينا عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة صحيحة صريحة شهيرة، منها: ما في المسند والكتب الستة في الصحيحين والسنن الأربعة إلا سنن الترمذي ، والحديث رواه الإمام مالك في موطئه أيضاً، والبيهقي في السنن الكبرى من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها -أي ماتت فلتةً دون سابق إنذار من مرض ووعك وشدة وعناء- وأظنها لو تكلمت لأوصت، أينفعها إن تصدقت عنها؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم )، وهذه المرأة هي أم سعد بن عبادة ، والسائل هو سعد بن عبادة كما ثبت هذا في المسند وصحيح البخاري .

    والحديث رواه أهل السنن الأربع إلا سنن ابن ماجه من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين ( أن سعد بن عبادة جاء إلى نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فقال: يا رسول الله! إن أمي ماتت وأنا بعيد عنها ) أي: لم أكن معها مقيماً، كنت في سفر وأنا بعيد عنها، ( أينفعها إن تصدقت عنها؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم، فقال سعد بن عبادة : أشهدك يا رسول الله أن حائط المخرافة صدقة عنها )، أي: البستان المخراف المثمر الذي يأتي منه الخريف ويخرف منه ويأتي الثمر، ( أشهدك أن حائط المخرافة صدقة عنها ). والحديث -كما قلت- في صحيح البخاري وغيره.

    والأحاديث في ذلك إخوتي الكرام كثيرة وفيرة منها: ما في مسند الإمام أحمد، وصحيح مسلم، وسنن النسائي وابن ماجه، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه ( أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن أبي مات ولم يوص، أينفعه إذا تصدقت عنه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم ).

    إذاً: هذه العبادة ينتفع بها الميت، وهذه الأمور الأربعة إخوتي الكرام -كما قلت- ينتفع بها الميت من أهل الإسلام باتفاق علماء الإسلام: ما تسبب الميت في فعله بعد موته من أمر الخير وطاعة لله عز وجل، دعاء الأحياء واستغفارهم للأموات ينتفع به الأموات، الحج والعمرة عن الميت، قضاء الدين عنه والصدقة عنه، كل هذا ينتفع به الميت بعد موته، وهذه الأمور محل اتفاق وإجماع، وما خالف فيها إلا أهل الابتداع.

    وأما الشق الثاني من بحثنا فيما يتعلق ببقية أمور الطاعات من قراءة القرآن، وذكر الرحمن، ومن الصلاة والصيام، هل يصح إهداء ذلك إلى الأموات؟ نعم، كما هو قول الجمهور، وسيأتينا تقرير هذا بأدلته إن أحيانا الله، أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء إن أحيانا أن يحيينا على الإسلام، وإن أماتنا أن يتوفانا على الإيمان، أقول هذا القول وأستغفر الله.

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    إخوتي الكرام! كل ما تقدم معنا وما سيأتي من إهداء القربات والطاعات إلى الأموات جار على حسب القواعد الشرعية، وعلى الأقيسة السليمة السوية، والأمر كما قرر علماؤنا الكرام أن الثواب حق للعامل، يجوز أن يهديه إلى من شاء، كما أن المال الذي عند الإنسان حق لمالكه يجوز أن يهديه وأن يهبه إلى من شاء، وإذا جاز للحي أن يدعو للميت، وجواب الدعاء موقوف على مشيئة الله جل وعلا، فمن باب أولى يصح للحي أن يهدي ما يقوم به من طاعة ووعد عليه ثواباً معلوماً، كل هذا -كما قلت- جار على الأقيسة الشرعية والقواعد السوية، وما تقدم معنا من الأمور الأربعة لا خلاف ولا نزاع بين أئمتنا الكرام البررة بأن الميت ينتفع به، ويصل الثواب إليه في هذه الأمور، وأما بقية الأمور فكما قلت سيأتينا تفصيل الكلام عليها إن شاء الله.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم إنا نسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، ونعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار.

    اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.

    اللهم اجعلنا من أحب خلقك إليك، ومن المقربين لديك، وإذا أردت فتنةً بعبادك فاقبضنا إليك غير مفتونين.

    اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].