إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مباحث النبوة - العدد المباح من الزوجات

مباحث النبوة - العدد المباح من الزوجاتللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أباح الله تعالى للرجل أن يتزوج من النساء مثنى وثلاث ورباع، وهذا الأمر مرتبط بالعدل بينهن، فإن خاف ألا يعدل بينهن فليكتف بواحدة، ثم بين أن الاقتصار على الواحدة أبعد من الظلم والجور والحيف بإحدى الزوجات عند الجمع بينهن، ومن لم يقدر على الواحدة استمتع بما ملكت يمينه من الإماء والذي ليس له حد في الشرع كالزوجات.

    1.   

    سبب نزول قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ...) وذكر الخلاف في ذلك

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس مبحثاً مستطرداً ضمن مباحث النبوة على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وهذا البحث المستطرد يدور أصالةً حول ترجمة أمهاتنا أزواج نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فبعد أن انتهينا من مدارسة خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع أهله الكرام، قلت: لا بد من الوقوف على أحوال أمهاتنا وأسرة نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وهذا الأمر قلت: من أن أمهد له ببعض الأمور:

    أولها: في بيان الحكمة من مشروعية النكاح ومقاصد النكاح، وانتهينا من هذا، وبينت مقاصده الخمسة في مواعظ متعددة.

    والأمر الثاني: الحكمة من التعدد في حق الأمة، فقد أباح الله لهم أن ينكحوا مثنى وثلاث ورباع، فإن خشي الواحد منهم على نفسه من الجور وعدم العدل فليقتصر على زوجة أو ليتخذ سرية.

    ثم المبحث الثالث وهو: الحكمة من تعدد أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام زيادةً عما أبيح لأمته.

    وآخر المباحث: ترجمة أمهاتنا أزواج نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    انتهينا من المبحث الأول من هذه المباحث، وشرعنا في آخر الموعظة الماضية في المبحث الثاني ألا وهو: التعدد، وقلت: مبحثنا سيدور حول الآية التي تضمنت هذا الحكم، وهي قول الله جل وعلا في سورة النساء: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3] .

    وقلت: مبحثنا الثاني سيدور حول هذه الآية الكريمة ضمن أربعة أمور:

    أولها: في بيان سبب نزول الآية الكريمة.

    وثانيها: في بيان معنى الآية الكريمة.

    وثالثها: في بيان الحد المقدر لنا في العدد من الأزواج، بحيث لا يجوز للإنسان أن يتجاوزه.

    ورابعها: حكم التعدد وحكمه.

    القول الأول في سبب نزول قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ...)

    شرعنا في مدارسة الأمر الأول من هذه الأمور الأربعة ألا وهو سبب نزول الآية الكريمة، وقلت: لها خمسة أسباب، ذكرت السبب الأول، وهو ثابت في الصحيحين وغيرهما كما تقدم معنا من رواية أمنا الطيبة المباركة عائشة رضي الله عنها وأرضاها: أن هذه الآية نزلت عندما تكون اليتيمة في حجر الرجل، فيعجبه جمالها ومالها، ويرغب في نكاحها، لكن بما أنها يتيمة، وهي تحت كنفه وفي رعايته، فلا يقسط في صداقها، فنهوا عن نكاحهن -أي: اليتيمات- حتى يقسطوا في صداقهن، وأن يبلغوا بهن أعلى قمتهن في الصداق، فإذا خشي الإنسان على نفسه من الجور في حق اليتيمة وعدم القسط في صداقها فليتركها، وهناك له سعة سواها، فلينكح ما شاء مما عداها مثنى وثلاث ورباع، فإن خشي على نفسه من الجور إذا عدد فليتزوج واحدةً حرة، فإن خشي على نفسه من عدم إعطاء الحرة حقها فليتسرَّ، وليتخذ أمةً عن طريق ملك اليمين، فليس لها ما للحرة من حقوق وواجبات، هذا السبب الأول في نزول الآية الكريمة، وقد ذكرته وفصلت الكلام عليه قبل أن أنتقل إلى السبب الثاني.

    ويدخل في هذا السبب أيضاً ما رواه الطبري في تفسيره، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم في تفسيرهم أيضاً، عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: نزلت هذه الآية في اليتيمة تكون عند الرجل، وهي ذات مال، فلعله ينكحها لمالها وهي لا تعجبه. هناك: يعجبه حسنها وعندها مال، لكن لا يقسط في صداقها، أما هنا فهي ذات مال، فلعله ينكحها لمالها فهي لا تعجبه، ثم يضر بها ويسيء صحبتها، فوعظ الرجال في ذلك فأنزل الله هذه الآية: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3].

    وعليه خلاصة السبب الأول: يدور على أمرين اثنين: عند الإنسان يتيمة في حجره وكنفه وتحت رعايته وهو يلي أمرها فهو وليها وكيل عليها، ويحل له أن يتزوجها، فيعجبه جمالها ومالها، لكن لا يقسط في صداقها.

    الصورة الثانية: يعجبه مالها، لكن لا تميل نفسه إليها، فلا يرغب فيها لأجل النكاح الذي أحله الله، إنما يريد أن ينكحها من أجل مالها، وبما أنها يتيمة فلا يقسط في صداقها، ثم يسيء عشرتها بعد ذلك، فوعظوا ونهوا، فيصبح معنى الآية: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى [النساء:3]: إذا خفتم ألا تقسطوا في اليتامى إذا نكحتموهن فتتركوهن ولا تتزوجوهن فتزوجوا من عداهن مثنى وثلاث ورباع، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا [النساء:3]، إذا عددتم فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3].

    يصبح معنى الآية على هذا القول: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى لو نكحتموهن وتزوجتموهن فلا تنكحوهن، فانكحوا سواهن مثنى وثلاث ورباع، هذا السبب الأول.

    القول الثاني في سبب نزول قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ...)

    السبب الثاني: نقله الإمام الطبري في تفسيره، وابن أبي حاتم في تفسيره أيضاً، وعبد بن حميد ، عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ونقل الأثر أيضاً عن تلميذه سعيد بن جبير في تفسير الطبري وسنن سعيد بن منصور ، ورواه عبد بن حميد وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير ، وروي الأثر عن الضحاك بن مزاحم أيضاً في تفسير الطبري ، ونسبه الإمام ابن الجوزي في زاد المسير في الجزء الثاني صفحة ست عشرة إلى قتادة والسدي ومقاتل ، وعليه هو عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وعن سعيد بن جبير ، وعن الضحاك، وروي عن قتادة والسدي ومقاتل رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين.

    وخلاصة هذا السبب: أن الناس في العصر الأول رضوان الله عليهم أجمعين وهم الصحابة الأبرار الأخيار كانوا يتحرجون من ولاية اليتيم، ويتحرجون من أخذ شيء من ماله غاية التحرج، فهو ضعيف يتيم، فالاعتداء عليه منقصة كبيرة، لو أخذت مال الغني لكان ظلماً، فكيف لو أخذت مال اليتيم الضعيف الفقير؟ فكانوا لا يريدون أن يلوا على يتيم، وإذا ولي أحدهم على يتيم يتحرج من ماله غاية التحرج، وهذا خلق نبيل، لكن كانوا على حسب عادتهم في الجاهلية يتزوجون من النساء ما شاءوا، وسيأتينا أن بعضهم كان يتخذ عشرا وبعضهم تسعاً وبعضهم ثمانياً وبعضهم خمساً، فإذا زاد العدد على الأربع لا يمكن للرجل أن يقوم بالعدل بعد ذلك بين نسائه، فكأن الله يقول في هذه الآية: كما تتحرجون من ولاية اليتيم، وكما تتحرجون غاية التحرج من ماله فلا تأخذون منه درهماً واحداً، فينبغي أن تتحرجوا أيضاً من عدم العدل بين النساء، فالذي يعدد ويزيد التعدد على أربع إلى عشر، هذا لا يمكن أن يقوم بالعدل نحوهن، وعليه فكما تتحرجون من عدم العدل في حق اليتامى فتحرجوا أيضاً من عدم العدل في حق الزوجات.

    فكأن الله جل وعلا يقول: إذا عددت وظلمت كما لو وليت أمر يتيم وظلمته، فهذا ظلم، وهذا ظلم، فكما تتحرج من ظلم اليتيم ينبغي أن تتحرج من ظلم المرأة التي هي مسكينة عندك، والإنسان إذا زاد عدد النساء عنده على أربع فيقع في الجور والظلم والشطط في عدة أمور، فلذلك نهي الناس عن التعدد فيما زاد على أربع، هذا معنىً ثانٍ منقول -كما ذكرت- عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقال به جم غفير من التابعين.

    والمعنى الأول هو الذي اقتصر عليه الإمام ابن كثير ، والمعنى الثاني هو الذي رجحه الإمام ابن جرير في تفسيره، فقال في الجزء السابع صفحة أربعين وخمسمائة من تفسيره في الطبعة المحققة التي عليها تحقيق الشيخ أحمد شاكر عليه وعلى المسلمين أجمعين رحمة رب العالمين، يقول في ترجيح هذا القول وتوجيهه: بأن هذا القول هو المعتمد في سبب نزول الآية، وهو أولى من الأقوال الأخرى، وسيأتينا أنه لا داعي لترجيح قول على قول، فهذه الأسباب كلها كانت حاصلة فنزلت الآية وهي تتحدث عن هذه الأمور جميعاً.

    يقول الإمام ابن جرير عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: إن الله افتتح الآية التي قبلها بالنهي عن أكل مال اليتيم، الله جل وعلا يقول في أول سورة النساء: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، ثم قال: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2] ، والآية الثالثة: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3] إلى آخر الآيات الكريمات.

    يقول الإمام ابن جرير : إن الله افتتح الآية التي قبلها بالنهي عن أكل مال اليتيم، فكما أن أكل مال اليتيم ظلم وجور، وهم كانوا يتحرجون من ذلك وهذا حسن، فظلم النساء أيضاً شين وجور ينبغي أن يتحرجوا منه، فأتبعه الله بنوع آخر ينبغي أن يتحرجوا منه ألا وهو عدم العدل بين النساء، كما كانوا يتحرجون من أكل مال اليتيم وظلمه وأخذ ماله، يقول الإمام ابن جرير عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: إنهم إذا اتقوا الله في ذلك وما ظلموا اليتيم، فكذلك الواجب عليهم أن يتقوا الله في النساء، وأن يعدلوا بينهن، وأعلمهم ربنا جل وعلا كيف يتخلصون من الجور في حقهم فقال: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3]، هذا أقصى حد، وما زاد ستقع في الحيف والجور، ثم أعلمهم الله أنه إذا لم يكن عندهم قدرة على التعدد، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء:3]، تخلصوا من جور التعدد، ثم إذا ما أمكنه أن يقوم بحق الحرة فليتركها وليتسر ليتخذ أمة، فكما نهوا عن الجور في حق اليتامى نهوا عن الجور في حق النساء.

    هذا هو الأمر الثاني في سبب نزول الآية، وكما قلت: هو منقول عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وعن جم غفير من التابعين منهم: سعيد بن جبير ، والضحاك وقتادة والسدي ومقاتل رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين.

    القول الثالث في سبب نزول قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ...)

    السبب الثالث: نقله الطبري أيضاً في تفسيره، والإمام الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه أيضاً، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه، وابن المنذر في تفسيره عن عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين.

    إذاً: الأثر الثالث عن ابن عباس رضي الله عنه، وعن مولى ابن عباس ألا وهو عكرمة رضي الله عنهم أجمعين.

    خلاصة هذا السبب الثالث: أنهم كانوا يتزوجون بلا حد معين يقفون عنده كما تقدم معنا، وسيأتينا أن بعضهم كان عنده عشر زوجات، وبعضهم كان عنده ثمان زوجات، فكانوا يتزوجون بلا حد مقدر معين محدد يقفون عنده، وكانوا يلون أمر اليتامى، ويشرفون عليهم، والإنسان إذا عدد في الزواج وزاد على الأربع يحتاج إلى نفقات زائدة من مهور ونفقة على الزوجات، وماله قد لا يكفي، فهذا يدعوه بعد ذلك إلى الاعتداء على مال اليتيم، وظلم اليتيم، وأخذ شيء من ماله من أجل أن يتوسع في النكاح ليتزوج أكثر من أربع إلى عشر إلى ما شاء الله، فكأن الله جل وعلا يقول: يا عبادي! إذا عددتم وزدتم على الأربع، ستضطرون إلى أخذ مال اليتيم إذا كنتم تلون أمره، وكما أنكم تعلمون أن أخذ مال اليتيم ظلم عظيم، وعليه فاقصروا أنفسكم وقفوا عند الأربع؛ لئلا تضطروا إلى أخذ شيء من مال اليتيم، فكأنه عندما كانوا يزيدون في الزواج على أربع، وهم يشرفون على يتامى، قد يضطرون إلى أخذ شيء من مال اليتيم عندما يتوسعون في النكاح، فقيل لهم: قفوا عند الأربع، وإذا لم يكن عندك مال من مالك يمكن أن تنفق منه فتزوج واحدةً، وإذا خشيت أن تتزوج واحدة، وألا تعدل في حقها، وأن تأخذ من مال اليتيم، فتسر ولا تتزوج حرة، هذا السبب الثالث.

    القول الرابع في سبب نزول قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ...)

    السبب الرابع في نزول الآية: مروي في تفسير ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ورواه الإمام الطبري في تفسيره، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وابن المنذر ، عن مجاهد بن جبر تلميذ سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين.

    وخلاصته: أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتيم، وأكل ماله ظلماً، لكنهم كانوا لا يتحرجون من الزنا، وكان العرب في الجاهلية يقعون فيه، فالله جل وعلا نهاهم عن الزنا، وأخبرهم أنه جريمة من الجرائم، وكبيرة من الكبائر، كما هو الحال في أكل مال اليتيم، ثم رخص الله لهم وأباح لهم وشرع لهم ما يعفهم ويكفهم عن الزنا الذي حرمه الله عليهم ألا وهو النكاح، فكما تتقون الله إيماناً به وتصديقاً له، ووقوفاً عند حدوده، ولا تعتدون على مال اليتيم، فصونوا فروجكم واحفظوها، ولا تستعملوها فيما حرم الله، إنما شرع الله لكم طريقاً واحداً لاستعمال الفرج ألا وهو النكاح الحلال، فتزوج إن شئت مثنى وثلاث ورباع، وإذا خشيت على نفسك من الجور وعدم العدل فاقتصر على واحدة أو تسرَّ.

    إذاً: كما أنكم تمتنعون عن أخذ مال اليتيم طاعةً لرب العالمين، فامتنعوا أيضاً عن الزنا الذميم طاعةً لرب العالمين، ولا شك أن من ينكح نكاحاً حلالاً فإنه يحصن فرجه عن الحرام، فكانوا يقعون في الزنا ولا يبالون، ويحتاطون في مال اليتيم، ويتقون الحي القيوم، فقيل لهم: احذروا الزنا كما تحذرون أكل مال اليتيم، ثم شرع الله لهم طريقاً يحصنون به أنفسهم، ويحفظون به فروجهم ألا وهو النكاح، ووسع عليهم فيه مثنى وثلاث ورباع، فإن خفت الجور فواحدة أو ما ملكت يمينك.

    وهذا الأمر أيضاً ثابت عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وعن التابعين، وعليه فالأثر الأول تقدم معنا عن أمنا عائشة ، والآثار الثلاثة بعده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، مع من قال بها أيضاً من التابعين الأبرار.

    القول الخامس في سبب نزول قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ...)

    السبب الخامس: وهو آخر الأسباب في نزول الآية، وهو منقول عن الحسن البصري ، والتابعي إذا قال قولاً لا يعرف بالرأي فله حكم الرفع، وهذا الأثر عن الحسن ثابت في تفسير الطبري في المكان الذي أشرت إليه في الجزء السابع صفحة أربع وخمسمائة في تفسير هذه الآية من تفسير الإمام الطبري ، وذكره الإمام ابن الجوزي في زاد المسير، ونسبه إلى الإمام الطبري .

    وخلاصة هذا القول: أن الله جل وعلا عندما أنزل في شأن اليتامى ما أنزل، وهي الآية التي تقدمت معنا: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2]، تحرج الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم من معاملة اليتيم غاية التحرج، فتحرجوا من أخذ شيء من ماله، ومن خلط مال اليتيم بمالهم، فتحرجوا نحو المال، ثم ذلك التحرج توسعت دائرته وامتدت، فإذا كان الإنسان يلي يتيمةً أو هو وصي عليها، ويرغب في نكاحها، وسيتقي ربه في زواجها، ويقسط في صداقها، ويحسن عشرتها، لكن عندما أنزل الله في شأن اليتامى ما أنزل، كان يتحرج من نكاح اليتيمة، يقول: بما أنني وعظت في مالها، وإن كان لي رغبة في الزواج فلا أتزوجها، بل أبتعد عنها، وقد لا يرغب فيها غيره فتتضرر من أجل تحرجه، وهذا التحرج من أجل ورع في نفسه، يقول: أخشى أن أتزوج اليتيمة وأن أظلمها، فكما احتطت في مالها أحتاط أيضاً في معاشرتها وزواجها، فرخص الله لهم في هذه الآية في الزواج باليتيمات بشرط العدل وعدم الجور: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3]، فقصرهم على عدد يمكن وقوع العدل فيه غايته أربع زوجات كما تقدم معنا.

    هذا -إخوتي الكرام- ملخص ما قيل في سبب نزول الآية من أسباب خمسة مذكورة في كتب أئمتنا الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    1.   

    تفسير قول الله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء...)

    معنى قوله تعالى: (وإن خفتم...)

    أما معنى الآية -وهو المبحث الثاني من مباحثنا في تفسير هذه الآية الكريمة- فقول الله جل وعلا: وَإِنْ خِفْتُمْ [النساء:3]، فسر بأمرين اثنين: قيل: الخوف هنا بمعنى العلم، وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى أي: وإن علمتم عدم القسط منكم في حق اليتامى، فلا تتزوجوهن وتزوجوا من شئتم من النساء مثنى وثلاث ورباع، وهكذا التوجيه على الأسباب الأخرى التي تقدمت معنا.

    إذاً: خفتم بمعنى علمتم، وقد أطلق الله جل وعلا على ذلك العلم لفظ الخوف للإيذان بأن المعلوم مخوف الوقوع، وينبغي أن يحذره العقلاء، والله جل وعلا قد استعمل هذا اللفظ بهذا المعنى في كتابه، فقال جل وعلا: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:180-182].

    (فمن خاف) أي: فمن علم، مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:182]، هذا المعنى الأول.

    والمعنى الثاني: قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه مجاز القرآن، قال الإمام ابن عطية في كتابه المحرر الوجيز: واختاره الحذاق من المفسرين، وهو أن الخوف هنا بمعنى: غلبة الظن، ليس بمعنى العلم الذي هو العلم القطعي اليقيني، إنما إن ظن من نفسه عدم العدل فينبغي أن يقف عند حده، وألا يعدد، (وإن خفتم) أي: إن ظننتم.

    إذاً: الخوف هنا بمعنى العلم، أو بمعنى الظن، للإيذان بأن المعلوم أو المظنون مخوف الوقوع ينبغي أن يحذره العقلاء، والخطاب في قول الله جل وعلا: وَإِنْ خِفْتُمْ ، لأولياء اليتامى، أو للأوصياء؛ لأن الآية تتحدث عن هذا الموضوع، وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى [النساء:3]، فيمن يلي أمر اليتيمات، وهو وصي عليهن، فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3].

    معنى قوله تعالى: (ألا تقسطوا ...)

    وقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا ، (تقسطوا) مضارع أقسط بمعنى عدل، (وإن خفتم ألا تقسطوا)، أي: ألا تعدلوا وتقوموا بالمعاملة الحقة التامة السليمة المستقيمة، إذا خشيتم من أنفسكم هذا، ظننتم من أنفسكم هذا، توقعتم من أنفسكم هذا؛ فلا تنكحوا اليتيمة وانكحوا من شئتم من النساء سواها مثنى وثلاث ورباع، فإن خشيتم من أنفسكم عدم العدل عند التعدد فاقتصروا على زوجة أو على سرية.

    إذاً: أقسط بمعنى عدل، ومنه قول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة:42]، أي: العادلين، وأما قسط من غير همزة في أولها، فهي بمعنى ظلم وجار، ومنه قول الله جل وعلا: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن:15]. والقراء العشرة هنا على قراءة هذه الآية كما ذكرتها: (ألا تقسطوا) مضارع (أقسط) أي: ألا تعدلوا، وهناك قراءة شاذة تذكر من باب توجيهها وذكر معناها لا من باب القراءة بها، وهي: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَقْسِطُوا)، وهي من قسط بمعنى: ظلم وجار، وعليه فتكون لا زائدة على هذه القراءة، ويصبح المعنى: وإن خفتم أن تقسطوا، كقول الله جل وعلا: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ [الحديد:29]، أي: ليعلم أهل الكتاب، معنى هذه القراءة: (وإن خفتم ألا تقسطوا)، أي: ألا تجوروا، أي: إن تحققتم أن تعدلوا، وعلى هذا لا يراد منهم تحقق العدل، إنما يراد منهم خشية وقوع الظلم والجور، فعلى هذه القراءة الشاذة توجيه الآية: لا: زائدة، (تقسطوا) مضارع قسط بمعنى جار، ويصبح المعنى: وإن خفتم أن تقسطوا في اليتامى لو تزوجتموهن فاتركوهن وتزوجوا ما شئتم من النساء سواهن مثنى وثلاث ورباع، فإن خشيتم عدم العدل عند التعدد فتزوجوا واحدةً أو اقتصروا على سرية.

    معنى قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء)

    وقوله تعالى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3]، لفظ (النكاح) تقدم معنا معناه عند المقصد الخامس من مقاصد النكاح العامة عند آية النور: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32]، وتقدم معنا أنه في اللغة بمعنى: الضم والجمع، وهو يطلق على العقد، وعلى الوطء، كما هو قول الحنابلة والمالكية، وقلت: قولهما يجمع بين قول الحنفية والشافعية؛ لأن الحنفية قالوا: إن النكاح حقيقة في الوطء، والشافعي قال: حقيقة في العقد، والحنابلة والمالكية قالوا: هو حقيقة فيهما، وقلت: الآثار تدل على هذا، والعلم عند الله جل وعلا.

    فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ، طاب بمعنى: لذ وحل، أمران موجودان في هذا اللفظ، حلال لذيذ، أي: من تستحسنونه مما أحله لكم ربنا جل وعلا، فهو حسن وهو حلال مبارك لذيذ، تستريح إليه النفس، وأسهل الأشياء على النفس وأحب الأشياء إلى النفس ما اجتمع فيه هواها وطاعة مولاها، فالزوجة إذا كانت جميلة فأنت مأمور بنكاحها، ولك في مضاجعتها صدقة وأجر عند الله جل وعلا، والنفس تميل إلى هذا، فهذا أسهل الأشياء على النفس، طاعة الله وهوى النفس، فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3]، أي: ما حل ولذ لكم، استحسنتموه ومالت أنفسكم إليه.

    وقلت: إذا ضم إلى هذين العنصرين أمر ثالث فقد حصل الطيب بأكمله: حلال، لذيذ، رخيص، إذا اجتمعت هذه الأمور فقد اجتمع الطيب بكامله، الشيء إذا كان حلالاً لذيذاً رخيصاً فهو أطيب الطيبات، وقلت: هذا موجود، فالمرأة الصالحة إن كانت جميلة تميل النفس إليها، وليس لها كلفة في مهرها، فقد اجتمعت أنواع الطيب فيها، ومثل ذلك مطعومات كثيرة ومنها: التمر، فهو حلال، لذيذ، رخيص، فهو أرخص المطعومات التي يتداولها الناس مما هو حلوى، لعل أقل نوع من أنواع الحلوى أغلى منه، فهذه حلوى الفقراء، فشتان ما بين التمر وبين الحلوى، حلال لذيذ رخيص، وهنا (ما طاب)، أي: ما حل ولذ لكم من النساء.

    توجيه استعمال (ما) بدل (من) في قوله تعالى: (ما طاب لكم)

    إخوتي الكرام! لقد عبر الله جل وعلا من النساء بـ(ما) وهو يستعمل في الأصل لغير العاقل، والأصل أن يقال: فانكحوا من طاب لكم من النساء، وأئمتنا في كتب التفسير ذكروا عدة أجوبة معتبرة في سبب مجيء (ما) هنا بدل من:

    الجواب الأول: وهو معتبر، ولا يحتاج إلى قيل وقال، وتكلف في التماس علة لذكر (ما) بدل (من)، يقولون: ما ومن تتعاقبان، فقد تأتي ما للعاقل، وتأتي من لغير العاقل، فيحصل تعاقب بينهما، فهنا ما بمعنى من: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ [النساء:3]، أي: فانكحوا من طاب لكم، والله قد استعمل هذا في كتابه بكثرة، كقوله: وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس:5]، فلم يقل: ومن بناها، بل أخبر عن ذاته المقدسة المباركة بهذا الاسم الذي هو ما، ولم يقل: ومن، وهكذا قول الله جل وعلا في سورة النور: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ [النور:45]، فاستعمل (من) في حق من لا يعقل، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ [النور:45]، وهذا شامل للإنسان وشامل للدجاج أيضاً فإنه يمشي على رجلين، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ [النور:45].

    الشاهد: أن تستعمل (من) للعاقل ولغير العاقل، و(ما) تستعمل أيضاً للعاقل وغير العاقل، وهنا كذلك (ما) بمعنى (من)، أي: فانكحوا من طاب لكم من النساء. هذا التوجيه الأول.

    القول الثاني: قيل: المراد بـ (ما) هنا الوصف، ولا يراد منه الذات، والوصف ينزل ويعامل معاملة غير العاقل؛ لأنه لا يراد منه الذات، و(ما) تأتي بمعنى الوصف عند البصريين من النحويين، يقال: ما عندك؟ فيقول: الكريم الطيب، أي: من يوصف بالكرم، ومن يوصف بالطيب، ولا تقصد ذاته، فتخبر عنه بأنه كريم طيب فيه هذه الصفة مع أن السؤال وجه بصيغة ما، إذاً (ما) يراد منها الوصف، ويصبح معنى الآية (فانكحوا ما طاب لكم من النساء)، أي: الطيبة من النساء، فلا يقصد ذاتها، إنما يقصد صفة الطيب فيها، فاستعمل (ما) لأنها تعود على الصفة، ولا تعود على الموصوف التي هي المرأة الذات المعروفة.

    وقيل: إن (ما) هنا بمعنى العقد، وعليه (فانكحوا)، أي: اعقدوا عقداً طيباً أحله الله جل وعلا، هذه أجوبة ثلاثة معتبرة: بمعنى الوصف، وبمعنى العقد، وأن ما بمعنى من.

    رد قول من قال أنه استعمل في حق النساء (ما) بدل (من) للدلالة على النقص الذي فيهن

    وأما من قال: إن ذكر (ما) هنا بدل (من) للإشارة إلى نقصان النساء، فعبر الله جل وعلا عنهن بلفظ (ما) للنقص الذي فيهن، حيث يؤخذن بالعوض عن طريق المهر، ولما في عقولهن من نقص، فهذا في الحقيقة معنى بعيد، وفيه شيء من الحيف والظلم، وعدم تمشيه مع الحقيقة.

    إخوتي الكرام! أما أنهن يؤخذن بالعوض، فنعم يؤخذن بالعوض، لكن الله عبر عنه بأنه نحلة فقال: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء:4]، أي: هدية عن طيب قلب، وطيب نفس، ويعبر به الإنسان ويبرهن عن محبته ورغبته في تزوجه من هذه المرأة، وليس هذا من باب البيع كما تباع الدابة، ولو كان هذا المهر بيعاً للمرأة فوالله إن الرجل لا تسمح نفسه ولا تقبل أن يعطي ابنته.

    وأما في الحدود فتقدم معنا أنه أسقطت شهادة النساء مطلقاً، فلم يقبل شهادة امرأة في حد، لو شهد رجل في حد من الحدود من قتل أو غير ذلك، وشهد ألف امرأة ليكملوا شهادة اثنين في القصاص، أو ليكملوا شهادة ثلاثة رجال في حد الزنا، فلا يقام الحد ويعطل، فلا تقبل شهادة النساء في الحدود مطلقاً، وهذا ليس من باب امتهان النساء، أو لشيء في عقولهن، إنما من باب إكرامهن، فلأن يعطل حد الزنا أيسر علينا من أن نقود المرأة إلى المحكمة لتقول: إنها رأت ذاك من الرجل في ذاك من المرأة، تعطيل الحد في الدنيا أيسر من أن نمتهن المرأة إلى هذا الحد، وإذا عطل الحد في الدنيا كان ماذا؟ سيئولون إلى الله، والأصل في الجزاء أن يكون في الآخرة، فهب أن الحد ما أقيم في الدنيا فماذا جرى؟ لا شيء، فلا بد من ضبط هذا -إخوتي الكرم- فهذا ليس لآفة عندهن، إنما لأنها لا تعتني بضبط هذه الأمور فتذهل عنها، ولذلك لا بد أن نعزز شهادتها بمثلها، هذا أمر أول.

    أمر ثانٍ: لنصون كرامتها عن الابتذال، ولا تقاد إلى المحاكم أمام الرجال لتشهد في أمور مالية، ومن باب أولى في أمور أخرى.

    الأمر الثالث: أن المرأة عندها ضعف خلقي، وعندها بعد ذلك عرض هو أثمن ما تملكه، وهو أعز شيء عندها وعند أهلها، وقد تهدد من قبل أغلى شيء عندها، من قبل الفجرة المزورين، إما أن تشهد لهم في قضية من القضايا زوراً، وإما أن يتهموها بعرضها، فهي قد تتنازل تحت الضغط من أجل ألا يفترى على عرضها، فتذهب وتشهد، ولذلك قال الشرع: أما في الحدود فلا تقبل شهادة النساء؛ لئلا يضغط عليها ضاغط في يوم من الأيام.

    وأما في الأمور المالية فالواحدة نصف شهادة الرجل، فلا بد من أن تكثر الشهادات من النساء لتتقوى حتى لا يكون هناك مجال ريبة، لم وحتى لا يكون هناك مجال للضغط، أن يأتي رجل مفسد ويضغط على المرأة إما أن تشهد وإما أن يتكلم على عرضها، فهي بين بليتين: شهادة الزور محرمة، وكلام الناس على عرضها شنيع فظيع، وهذا عندها له شأن، فقد تضعف أمام هذا التهديد، أما الرجل فلو قلت له: إما أن تشهد بالزور، وإما أن نتكلم على عرضك، فسيقول: إذا تكلمت على عرضي قطعت رقبتك، وساحتي معروفة وأنت معروف، أما المرأة فهي في الأصل مستورة، وقد يطلع هذا الشرير العاتي على شيء من الخفايا التي في جسمها بواسطة امرأة، ثم يتصل بها ويقول: فيك كذا وفيك كذا في صدرك في شعرك في ظهرك من العلامات، أنا ممكن أنشر هذا، وأنه حصل اجتماع من فلان وفلان بك، وإذا رأى الناس هذه العلامات تحققوا من ذلك، فقد تميل من أجل هذا، ولذلك قيل: أما في الحدود فلا تقبل شهادة النساء لاعتبارات ثلاثة كما ذكرت، فليس من أجل أنه يوجد آفة في عقلها، ونقصان عقلهن معناه كما تقدم معنا في كلام نبينا عليه الصلاة والسلام: (شهادة امرأتين تعدل واحدة)، لكن هذا له اعتبارات شرعية مقررة في شريعة ربنا.

    والأمر الثاني: نقصان الدين، وضحه نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، وتقدم معنا أن بعض المخرفين في هذا الحين قال: إن هذا الحديث لا يصح ولا يثبت، وهو حديث منكر، صاحب الفقه على المذاهب الأربعة وهذا هوس فالحديث صحيح، وسيأتينا -إن شاء الله- ذكر رواياته ضمن مبحثنا هذا في التعدد بعون الله، لكن توجيهه كما ذكر نبينا عليه الصلاة والسلام، فلا داعي للزيادة على كلام النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    إذاً قوله: (ما طاب)، لها ثلاث معانٍ: أن ما بمعنى من، فهما يتعاقبان، أو أن المراد منها الوصف لا الذات، أي: الطيبات، أو أن ما بمعنى العقد، اعقدوا عقداً طيباً، وأما القول: بأنه عبر عنهن بما وهي لغير العاقل إشارةً إلى نقصانهن؛ لأنهن يؤخذن بالعوض وهو المهر، ولنقصان عقولهن، فهذا لا يتمشى مع مكانة النساء في شريعة الله الغراء.

    وقد تقدم معنا -إخوتي الكرام- أن النساء يساوين الرجال في أبرز العناصر بين المكلفين: في الخلق والتكليف، والجزاء، فهي مخلوقة كالرجل، وهي مكلفة كالرجل، ثم تجزى كما يجزى الرجل، إلا ما قام عليه دليل وتخصيص كل من الصنفين بما يناسبه على حسب طبيعته، فهذا له شأن آخر.

    وبعض المفسرين قال فهذا المعنى المردود، وكما قلت: لا حجة في قول أحد إلا إذا قام عليه دليل شرعي.

    يقول الإمام الخطيب الشربيني في السراج المنير في الجزء الأول صفحة ثلاث وثمانين ومائتين عند تفسير هذه الآية: أخبر عنهن بما وهي لغير العاقل؛ لأنه أجراهن مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهن. وهذا القول مردود، وكما قلت: نقصان عقلهن وضحه نبينا عليه الصلاة والسلام، فلا بد من وعي هذا وضبطه.

    معنى قوله تعالى: (مثنى وثلاث ورباع)

    قال تعالى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3].

    إخوتي الكرام! صيغة (مثنى وثلاث ورباع)، مثنى معدولة عن اثنتين اثنتين، وثلاث عن ثلاث ثلاث، ورباع عن أربع أربع، فبدلاً من أن يقول: اثنتين اثنتين، ثلاثاً ثلاثاً، أربعاً أربعاً، وعدداً مكرراً إلى ما لا نهاية له، بدلاً من هذا قال: مثنى، فهي معدولة عن العدد المكرر، وليس المراد من مثنى اثنتين اثنتين فقط، ومن ثلاث ثلاثاً ثلاثاً فقط، ومن رباع أربعاً أربعاً فقط، بل أربعاً أربعاً أربعاً إلى ما لا نهاية يقال له: رباع، وثلاثاً ثلاثاً ثلاثاً إلى ما لا نهاية يقال لها: ثلاث، واثنتين اثنتين اثنتين إلى ما لا نهاية يقال لها: مثنى، يقول علماء اللغة: الأعداد من واحد إلى عشرة إذا كررت وأردت أن تخبر عنها بصيغة العد (واحد واحد واحد واحد)، ثم أردت أن تأتي بالصيغة التي تدل على هذه الأعداد وهي صيغة معدولة، فلك صيغتان: أُحاد وموحد، على وزن فعال ومفعل، ثناء ومثنى، ثلاث ومثلث، رباع ومربع، خماس ومخمس، سداس ومسدس.. وهكذا إلى نهاية الأعداد.

    إذاً: مثنى معدول عن اثنتين اثنتين إلى ما شئت من الأعداد، وثلاث معدول عن ثلاث ثلاث، ورباع عن أربع أربع أربع، فهي أعداد مكررة، وأتى الله جل وعلا بهذه الصيغة -بصيغة مثنى وثلاث ورباع- ليجعل الأمة في سعة، كأن الله جل وعلا يقول لعباده: أنتم بالخيار يا عبادي، ليتزوج بعضكم اثنتين اثنتين اثنتين اثنتين، ولنفرض أن ملايين يتزوجون اثنتين اثنتين فالأمر فيه سعة، وبعضكم يتزوج ثلاثاً ثلاثاً ثلاثاً، وبعضكم أربعاً أربعاً أربعاً، فكل واحد يختار واحداً من هذه الأعداد، يا معشر الأمة! تزوجوا مثنى وثلاث ورباع، بعضكم يتزوج اثنتين، وبعضكم ثلاثاً، وبعضكم أربعاً، من شاء أن يأخذ هذا أو هذا أو هذا فهو في سعة، إن أراد أن يعدد، والتعدد يبدأ من ثنتين وينتهي عند أربع، فإن خشيتم من الجور في حق النساء إذا عددتم فواحدةً، وإن خشيتم من الجور في حق الحرة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:3].

    والزواج باثنتين وثلاث وأربع أو واحدة من النساء الحرائر ممكن حالياً، وأما التسري فنسأل الله أن يعيده عما قريب إنه سميع مجيب.

    سيدنا الإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمة الله ورضوانه عليه لما تزوج أراد أن يجمع مع سنة النكاح التسري، ونبينا عليه الصلاة والسلام جمع بينهما، فتزوج ووطئ بملك يمينه، فاشترى سريةً من أجل تحصيل فضيلة الاقتداء بنبينا خاتم الأنبياء على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وسيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه وهو أزهد الصحابة وخير الصحابة على الإطلاق في خلافته، فهو رابع الخلفاء الراشدين، وفي خلافته هو أفضل خلق الله أجمعين، وأفضل الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وفي خلافة علي هو أفضل الخلق رضي الله عنه وأرضاه، عندما مات مات وعنده أربع حرائر، وسبع عشرة سرية، مات عن إحدى وعشرين امرأة رضي الله عنه وأرضاه.

    إذاً: إذا خشيت من الجور في حق الواحدة فتسرَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:3]، فلا يجب عليك من الحقوق نحو الإماء كما يجب نحو الحرائر من الزوجات.

    إذاً: هذا معنى مثنى وثلاث ورباع، ولو أتى بصيغة الإفراد دون الصيغة المعدولة وهي (مثنى)، لو قال: فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، لو أتى بالصيغة الأصلية دون الصيغة المعدولة لفهم تجويز الجمع بين هذه الأعداد، لو قال: فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين وثلاثاً وأربعاً، لفهم تجويز الجمع بين هذه الأعداد، ولذلك أتى بصيغة (مثنى)، حتى لا يفهم تجويز الجمع بين هذه الأعداد؛ لأن الواو للعطف، فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين وثلاثاً وأربعاً، فسيكون المجموع تسع نسوة، وهذا غير مقصود أبداً.

    وقد يقول قائل: كان يمكن أن يؤتى في الآية بالصيغة الحقيقية دون المعدولة مع (أو)، فيقال: فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين، أو ثلاثاً، أو أربعاً، أو: مثنى أو ثلاث أو رباع، فلماذا لم يأتِ بصيغة أو وأتى بصيغة الواو؟ نقول: لأنه لو أتى بصيغة أو لفات تجويز الاختلاف في العدد؛ لأنه لو قال: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى أو ثلاث أو رباع، يعني اختاروا عدداً من هذه الأعداد، فانكحوا يا أمة النبي عليه الصلاة والسلام اثنتين اثنتين إن شئتم، وقفوا عند هذا الحد لا تزيدوا، أو ثلاثاً ثلاثاً، أو أربعاً أربعاً، اختاروا عدداً؛ لفات تجويز الاختلاف في العدد، والمراد أن الأمة في سعة، إن شاءت مثنى، وإن شاءت ثلاث، وإن شاءت رباع، ولذلك أتى بالصيغة المعدولة وبالواو دون أو، فانتبه لهذين الأمرين.

    معنى قوله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم)

    ثم قال: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء:3].

    قوله: (فواحدةً) قال علماؤنا: مفعول لفعل مقدر تقديره: اختاروا واحدةً، الزموا واحدةً، ولا يصح أن يقدر بـ: فانكحوا، فلا يجوز أن نقول: تقديره فانكحوا واحدةً؛ وذلك لأنه عطف عليه التسري فقال: فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:3]، والتسري ليس عن طريق النكاح، فلا يجوز أن نقول: فانكحوا واحدةً أو ما ملكت أيمانكم، إنما تختار واحدةً أو سريةً، فلو قدرت الفعل المحذوف (فانكحوا) لفسد المعنى؛ لأنه عطف عليه، أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:3]، وهي تكون عن طريق ملك اليمين، لا عن طريق العقد الذي هو عقد النكاح.

    قوله: (أو ما ملكت أيمانكم) يراد من ذلك الإماء مهما بلغت الأعداد، فملك اليمين ليس له حد مقدر، فالحرائر أربع، وأما ملك اليمين فقد أطلق الله العدد فيه فقال: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:3]، فليس له حد محدود.

    وإنما عبر عن الإماء بملك اليمين، لأن الأصل في ملك الرقيق من الذكور والإناث، من الأرقاء والرقيقات، من العبيد والإماء، الأصل فيه الجهاد، ولا يمكن استرقاق الإنسان إلا عن طريق الجهاد عندما ينتصر المؤمنون على الكافرين، فلولي الأمر أن يسترق، إذاً الجهاد الذي يحصل به الاسترقاق لليمين مدخل كبير فيه؛ لأن الجهاد تم عن طريق الضرب باليمين، ولذلك قال تعالى: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:3]، أي: عن طريق الجهاد، والجهاد لا بد فهي من ضرب باليمين، فكأنك حصلتها عن طريق الضرب باليمين عندما قاتلت في سبيل رب العالمين، فإن قيل: قد يشتري الإنسان الأمة، فنقول: أصلها كان عن طريق الجهاد، ثم إذا اشتراها فإن الصفقة التي تكون بين البائع والمشتري جرت عادة المتبايعين أن الواحد يمسك يد ويسلم الثمن من يده ليد الآخر، فصار لليمين مدخل في حصول الأمة، سواء عن طريق الجهاد أو عن طريق الشراء والعلم عند الله جل وعلا.

    معنى قوله تعالى: (ذلك أدنى ألا تعولوا)

    وقوله تعالى: ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3].

    إخوتي الكرام! العول معناه: الميل والجور، يعني: إن تزوجتم ثلاثاً أو اثنتين أو أربعاً، ذلك أدنى ألا تجوروا ولا تظلموا؛ لأن ما زاد على ذلك سيوقعكم في الجور، فإذا خشيتم من الجور فتزوجوا واحدة، أو تسروا عن طريق ملك اليمين، فهذا أقرب إلى دفع الجور عنكم إذا عددتم وخشيتم الجور من أنفسكم.

    والعول يأتي في اللغة بمعنى الزيادة، وبمعنى الارتفاع، كما يأتي بمعنى النقصان، ويأتي بمعنى الغلبة، ويأتي بمعنى القيام بكفاية العيال، ويطلق في الفرائض على الزيادة في السهام والنقص من مقاديرها، وهو العول في مبحث الفرائض، فالمسألة إذا كانت من ستة وعالت إلى عشرة، فهو زيادة في السهام ونقص من مقاديرها.

    ويطلق العول أيضاً على من كثر عياله؛ لأنه يعولهم، فإذا كثر عياله فقد عالهم واتصف بالعول، أي: بكثرة العيال، فهو يقوم بنفقتهم ويشرف عليهم.

    إذاً: قوله تعالى: ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3]، أي: ألا تميلوا، ألا تظلموا، ألا تجوروا، فهذا القول هو الذي عليه جماهير المفسرين.

    نقل عن سيدنا الإمام الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا أنه قال: ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3]، أي: ألا تكثر عيالكم. والمصريون لا يحفظون في تفسير هذه الآية إلا هذا القول، وأقصد بهم من يدعون الآن إلى تحديد النسل باسم تنظيمه، ويقولون: قال الإمام الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3]، ألا تكثر عيالكم. يعني إذا لم تعدد وتزوجت واحدة أو سرية فهذا أقرب إلى ألا يكثر العيال، وحقيقة إذا كان عندك أربع زوجات كل سنة تنجب أربعة أولاد، وزوجة واحدة في كل سنة تنجب ولداً، هذا إذا كانت الولادة مسرعة مستمرة لا يوجد انقطاع.

    إخوتي الكرام! هذا التفسير معتبر سديد لا شك فيه، وقد جرى حوله لغط واعتراض من بعض المفسرين، نتدارس هذا بإذن رب العالمين.

    قال الرازي في تفسيره عند هذه الآية في الجزء التاسع صفحة سبع وسبعين ومائة: المختار عند أكثر المفسرين: أَلَّا تَعُولُوا : ألا تجوروا ولا تميلوا، اختصم أعرابي مع إنسان إلى حاكم، فقال للحاكم: أتعول علي؟ أي: أتظلم وتجور علي؟ إياك أن تعول، أي: إياك أن تظلم، وأن تجور، فالعول بمعنى الظلم والجور، قال الشاعر:

    قالوا تبعنا رسول الله واطرحوا قول الرسول وعالوا في الموازين

    أي: يدعون اتباع النبي عليه الصلاة والسلام، ثم طرحوا قوله ولم يهتدوا بهديه، فقد عالوا في الموازين، أي: ظلموا وجاروا وبخسوا الناس حقهم في الموازين، وقال بعض العرب يخبر عن أسرته وعن نفقته، وعن ماله:

    ثلاثة أنفس وثلاث ذود لقد عال الزمان على عيالي

    يقول: نحن ثلاثة أنفس، وما نملك إلا ثلاث ذود، والذود هي الجماعة من الإبل، من ثلاثة إلى عشرة، وثلاث ذود، أي: ثلاث من الإبل، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام كما في المسند والصحيحين والسنن الأربعة وهو في موطأ الإمام مالك وسنن الدارمي وغير ذلك من دواوين السنة، من رواية سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس فيما دون خمس ذود صدقة)، أي: ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة، وأول نصاب الإبل خمس من الإبل، فلو ملك أربعاً سائمة فلا تجب الزكاة فيها حتى يملك خمساً، (وليس فيما دون خمس أواق صدقة)، والأقية أربعون درهماً اضربها في خمسة تصبح مائتا درهم، وهو نصاب الفضة، (وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة).

    الشاهد: أن الذود هي الإبل، يقول هنا الأعرابي: لقد عال الزمان على عيالي، عال بمعنى: جار ومال على عيالي؛ لأن الأسرة كثيرة فنحن ثلاثة، لكننا لا نملك إلا ثلاث جمال.

    إذاً: هذا هو قول الجمهور: (ألا تعولوا)، أي: ألا تجوروا، ألا تظلموا، وقال الإمام ابن كثير في تفسيره في الجزء الأول صفحة إحدى وخمسين وأربعمائة: والصحيح قول الجمهور: (ألا تعولوا): ألا تميلوا، ولا تظلموا، ولا تجوروا، يقال: عال في الحكم إذا قسط وظلم وجار.

    وهذا التفسير مروي عن نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن الصحيح أن الأثر موقوف إلى أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، أما الرواية المرفوعة فقد رواها ابن حبان في صحيحه، انظروا موارد الظمآن صفحة ثمان وعشرين وأربعمائة، والأثر رواه ابن مردويه في تفسيره، وابن أبي حاتم في تفسيره عن أمنا عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ قول الله جل وعلا: ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3]، فقال: ألا تجوروا)، قال أبو حاتم : الصحيح أنه موقوف، ورفعه خطأ، يعني هو من كلام أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، والعلم عند الله جل وعلا، والرواية في صحيح ابن حبان كما قلت لكم مرفوعة، وهكذا في تفسير ابن أبي حاتم ، وهكذا في تفسير ابن مردويه ، لكن السيوطي في الدر المنثور في الجزء الثاني صفحة تسع عشرة ومائة يقول: إن أبا حاتم بعد أن روى هذا في تفسيره قال: الرفع خطأ، والصحيح أنه موقوف على أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    إذاً: هذا المعنى حق معتبر عليه جماهير المفسرين.

    ذكر المعنى الثاني لقوله: (ألا تعولوا...) وذكر من قال به

    المعنى الثاني الذي قاله سيدنا الإمام أبو عبد الله الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا قول حق رشيد، والشافعي ينبغي أن تعلموا أنه حجة اللغة، كلامه يستدل به في اللغة، فإذا تكلم تؤخذ قواعد النحو وقواعد اللغة من كلامه، ولا يمكن للشافعي أن ينحرف في اللغة، وهو من أئمة الشريعة، إمام في اللغة، وإمام في الشريعة، فعندما يقول هذا المعنى فهو معتبر من حيث اللغة، ومعتبر من حيث الشرع. وهذا المعنى الذي قاله الإمام الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا قد سبق به، فقد قاله أئمتنا قبله، وقد نسب إلى الإمام الشافعي لأنه أبرز من قال بهذا القول، لكن قد قال به غيره كما سأذكر، بل قرئ هذا اللفظ في قراءة شاذة بالمعنى الذي فسره الإمام الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    فقد روي عن زيد بن أسلم ، وهو من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين أنه فسر قوله: ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3] أي: ألا تكثر عيالكم، وقرأ قول الله: ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا : (ألا تعيلوا)، وسيأتينا أن هذه القراءة شاذة، وزيد بن أسلم ثقة عالم فاضل، حديثه مخرج في الكتب الستة، وتوفي سنة ست وثلاثين ومائة للهجرة قبل الإمام الشافعي الذي توفي سنة أربع ومائتين، قال الإمام الذهبي في ترجمته في السير في الجزء الخامس صفحة ست عشرة وثلاثمائة: هو الإمام الحجة القدوة، روى عن أبيه -وهو أسلم - وكان مولى لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وروى عن أنس وسلمة بن الأكوع رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وبلغ من جلالة قدره أن زين العابدين علي بن الحسين عليه وعلى آل البيت الطيبين الطاهرين رضوان الله وصلواته وسلامه كان يجلس في حلقة زيد بن أسلم ، فقيل له: أنت أنت وتجلس عند زيد بن أسلم وتتعلم منه؟ قال: المرء يجلس حيث ينتفع في دينه. فخذ هذه الشهادة من زين العابدين رضي الله عنهم أجمعين، وكان يجلس في مجلس زيد بن أسلم أربعون فقيهاً، كانوا يقولون: أقل خصائهم الإيثار، والإيثار هو خلق الأبرار الذي هو أعلى مرتبةً من العدل، فهو فضل؛ لأن الأمور: جور وعدل وفضل، والفضل هو الإيثار، الجور أن تظلم، والعدل أن تعطي الناس حقهم، والفضل أن تحسن إليهم، فأقل خصلة عندهم الإيثار، رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وممن قال بهذا القول سفيان بن عيينة رحمه الله، وقد تقدمت معنا ترجمته في المواعظ السابقة والإمام الجصاص وهو من أئمة الحنفية عليه وعلى أئمتنا رحمات رب البرية، مع احترامنا وحبنا له أخطأ في حق سيدنا الإمام الشافعي عليه رحمة الله، ومع حبنا له إلا أن الشافعي أحب إلينا منه، قال في أحكام القرآن في الجزء الثاني صفحة خمس وثلاثمائة: قال الإمام الشافعي : أَلَّا تَعُولُوا . ألا تكثر عيالكم، ثم قال: خطأه الناس في ذلك من ثلاثة أوجه، يعني أن كلام الشافعي مردود من ثلاثة أوجه.

    ذكر من قال بأن معنى قوله: (ألا تعولوا): ألا يكثر عيالكم

    الجصاص -إخوتي الكرام- من أئمة الحنفية الكرام، وهو الإمام أحمد بن علي الذي توفي سنة سبعين وثلاثمائة للهجرة، وكان مع براعته في العلم على جانب عظيم من الزهد والورع والتعبد، وقد عرض عليه القضاء فأبى، وانظروا ترجمته الطيبة في سير أعلام النبلاء في الجزء السادس عشر صفحة أربعين وثلاثمائة، وكان مع مكانته وجلالة قدره عنده لوثة الاعتزال، وكان يذهب إلى أن الله لا يرى في الآخرة من قبل المؤمنين في جنات النعيم، وهذه ضلالة اعتزالية نسأل الله أن يغفر له وللمسلمين أجمعين، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، قال الإمام الذهبي بعد أن ترجمه: وفي كتبه شواهد لهذه المحنة، وهي لوثة الاعتزال، وكل إنسان يعطى ما يستحقه، فهذه اللوثة ترد عليه، وهو بعد ذلك إمام من أئمة الخير والصلاح والهدى، فقال: إن الناس خطئوا الإمام الشافعي من ثلاثة أوجه في تفسيره: ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا أي: ألا تكثر عيالكم.

    الأمر الأول: يقول: أن هذا القول ما قاله أحد من السلف، فـالشافعي كأنه اخترع هذا القول، وهذا الكلام مردود، وقد قلت: إنه سبق الشافعي إلى ذلك زيد بن أسلم الذي توفي سنة ست وثلاثين ومائة للهجرة، وأبو محمد سفيان بن عيينة ، وهؤلاء من السلف رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، فقوله: إن الإمام الشافعي ما سبق إلى ذلك، هذا كلام غير مسلَّم، ولذلك علق الإمام الرازي في تفسيره، وهو فخر الدين الرازي الذي يقال له: ابن الخطيب عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، صاحب كتاب مفاتيح الغيب والتفسير الكبير، في الجزء التاسع صفحة سبع وسبعين ومائة، يقول: قول الجصاص في غاية الركاكة، أولاً: قال بهذا زيد بن أسلم ، وقال به أبو محمد سفيان بن عيينة ، ثم زاد الرازي فقال: وقال به طاوس وطلحة بن مطرف ، وقرآ قول الله جل وعلا: (ذلك أدنى ألا تعيلوا)، أي: ألا تكثر عيالكم، وهذه القراءة -إخوتي الكرام- شاذة، (ألا تعيلوا) من أعال إذا كثر عياله، أما طاوس فهو العبد الصالح طاوس بن كيسان ، ويقال: اسمه ذكوان ، وطاوس لقب له، أبو عبد الرحمن ، ثقة فاضل فقيه، توفي سنة ست ومائة، حديثه في الكتب الستة، وهو قبل زيد بن أسلم ، فقد قرأ بذلك وفسر الآية بذلك، أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3]، أي: ألا تعيلوا، وهو من التابعين، روى عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وعن أبي هريرة ، وعن زيد بن ثابت ، وروى عن شيخه عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، ولازمه فترةً طويلة.

    و طلحة بن مطرف أيضاً قرأ الآية: (أدنى ألا تُعيلوا)، وقلت: إنها قراءة شاذة، لكنها توجه من حيث اللغة، والقراءات الشاذة تنزل منزلة خبر الآحاد، من حيث الاستدلال بها على الأحكام الشرعية، وتوجه بعد ذلك ويؤخذ منها الفوائد اللغوية، وطلحة بن مطرف هو ثقة قارئ فاضل، حديثه في الكتب الستة، توفي سنة اثنتي عشرة ومائة، قبل زيد بن أسلم ، وقبل ابن عيينة ، وقبل الإمام الشافعي .

    إذاً: هنا خمسة قالوا بهذا القول: أولهم: طاوس وهو أسبقهم، وبعده طلحة بن مطرف ، وزيد بن أسلم ، وابن عيينة ، والإمام الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله، فسروا ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3] أي: ألا تكثر عيالكم، وطاوس وطلحة بن مطرف قرءوا: أَلَّا تَعُولُوا (ألا تعيلوا): من أعال الرجل إذا كثر عياله وقام بنفقتهم، وطلحة بن مطرف كما قلت: حديثه في الكتب الستة، وانظروا ترجمته الطيبة في سير أعلام النبلاء في الجزء الخامس صفحة إحدى وتسعين ومائة، وقال: هو الإمام الحافظ المقرئ المجود، ونعته بأنه شيخ الإسلام.

    إذاً: قول: الجصاص : لم يقل بذلك أحد قبل الشافعي ، مردود غير مسلَّم بأنه لم يقل هذا القول أحد قبل الشافعي ، وعليه فلا مانع من أن يستنبط الإمام الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا معنىً آخر يوافق قواعد اللغة ونصوص الشرع دون طعن في تفسير المتقدمين، فهو ما أنكر تفسير المتقدمين، وما قال: إن هذا قول باطل، وإذا استنبط المتقدمون معنىً دلت عليه الدلائل الشرعية، فلا مانع أن يستنبط المتأخرون معنىً تدل عليه الدلائل الشرعية، فـالشافعي ما طعن في تفسير المتقدمين، إنما قال قولاً آخر تشهد له الأدلة المعتبرة كما سيأتينا في توجيه قوله إن شاء الله.

    ولذلك قال الإمام الرازي في رد كلام الجصاص : إن الشافعي ما طعن في كلام المتقدمين، إنما استنبط معنىً آخر، دلت الأدلة الشرعية على اعتباره فقال به، ولا حرج عليه ولا على غيره إذا قال قولاً تشهد له الأدلة المعتبرة، وعليه فالمطعن الأول الذي وجهه الجصاص إلى قول الإمام الشافعي لا قيمة له، وهو مردود.

    الاعتراض الثاني أذكره وأقف عنده إن شاء الله: قال الجصاص : إن تفسير الشافعي خطأ من حيث اللغة، وهذا سيأتينا الكلام عليه في الموعظة الآتية إن شاء الله، لكن من باب الرد الإجمالي أقول: إن قول الشافعي حجة في اللغة، وعليه فلا يمكن للجصاص الذي جاء بعد الإمام الشافعي بقرابة قرنين أن يرد كلام الإمام الشافعي من جهة اللغة، فـالشافعي أعلم باللغة من الجصاص ، وممن كان في زمان الجصاص وبعد الجصاص عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة ربنا، وسوف أكمل هذا في الموعظة الآتية إن شاء الله.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا، ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.