إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مباحث النبوة - ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه [3]

مباحث النبوة - ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه [3]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من المنافع التي يعود بها النكاح على الزوجين أنه من أسباب الغنى واليسار، فقد تعهد الله عز وجل في كتابه بسعة الرزق للمتزوجين، وجاء في السنة المطهرة الحث على النكاح مع الفقر، وأن من سعى إليه يريد العفاف كان حقاً على الله أن يعينه ويسهل له أمره.

    1.   

    دلالة الارتفاق بين الزوجين في قوله تعالى: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس مقاصد النكاح الخمسة، وقد مر الكلام على أربعة منها وشرعنا في مدارسة الخامس، وأعيدها على سبيل الإجمال ثم أكمل شرح ما وصلنا عنده إن شاء الله.

    أول هذه المقاصد: تحصين النفس البشرية من كل آفة ردية حسية كانت أو معنوية.

    وثانيها: إيجاد الذرية التي تعبد وتوحد رب البرية.

    وثالثها: تحصيل الأجر للزوجين عن طريق حسن عشرة كل منهما لصاحبه ولمساعدته لزوجه.

    ورابع المقاصد: تذكر لذة الآخرة.

    وخامسها وهو الذي كنا نتدارسه: ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه وبأهل زوجته وقرابته.

    إخوتي الكرام! كنت أذكر على الأمر الخامس بخمس آيات من كلام رب الأرض والسموات، ذكرت الآية الأولى من سورة الذاريات: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات:49] ، وقلت: في هذه الآية يبين الله جل وعلا أن كل فرد منا بحاجة إلى الفرد الآخر الذي يزاوجه، كما قرر الله جل وعلا هذا في سورة الروم فقال: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21] .

    فكل فرد يأوي بعد ذلك إلى صاحبه وزوجه وإلى قريب مما أحل الله الاجتماع عليه بين الذكر والأنثى، فيحصل الود والرحمة، ثم بعد ذلك عندما يجتمعا يحصل الصهر بينهما على أتم ما يكون، وهذا ما أشارت إليه آية الفرقان: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54].

    وتقدم معنا إخوتي الكرام ضمن معاني هذه الآية أن النسب ما لا يحل نكاحه، والصهر ما يحل نكاحه، والصهر جامع للقرابات من طرف الزوجين، فأقرباء الزوجة بالنسبة للزوج يقال لهم: أصهار، وأقرباء الزوج بالنسبة للزوجة ولأهل الزوجة يقال لهم: أصهار، أما الأختان فهذا خاص بالقرابات من جهة المرأة، وأما الأحماء فهذا خاص بالقرابات من جهة الزوج.

    قال الإمام الماوردي : سميت المناكح صهراً لاختلاط الناس بها كما يختلط الشيء إذا صهر، وهنا اختلط هذان الزوجان وهاتان الأسرتان ببعضهما عن طريق هذا الرباط الشريف المحكم الذي عقده الله بينهما، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54]، وهذه آخر الآيات الثلاث التي تكلمت عليها في الموعظة الماضية.

    وبقي معنا آيتان كما قلت: آية من سورة النحل، والآية الثانية من سورة النور نتدارسهما في هذه الموعظة بإذن العزيز الغفور، وفي هذه الآيات تقرير لما قلت: أن كل زوج يرتبط بزوجه وبأهل زوجه وقراباته، وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات:49]، فيرتفق بزوجه يأوي إليه ويسكن إليه، ثم بعد ذلك يحصل الصهر بينهما عن طريق المصاهرة، ويحصل هذا الامتزاج والاختلاط، ولذلك قلت إخوتي الكرام: الزوجان اثنان في الصورة وواحد في الحقيقة، حصل الصهر بينهما: نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54]، فسبحان الملك الوهاب الذي خلق أصل الإنس من تراب، وهو أبونا آدم على نبينا عليه الصلاة والسلام، وخلق منه زوجه بلا ارتياب: وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء:1]، وفي ذلك عبرة لأولي الألباب، ثم ربط الله بينهم بأعظم الوشائج والأسباب عن طريق المصاهرة والأنساب، إنه كريم وهاب سبحانه وتعالى.

    ثم الآية الرابعة إخوتي الكرام مر الكلام عليها ضمن الثمرة الثانية من ثمرات النكاح والمقصد الثاني من مقاصده، ألا وهي: إيجاد الذرية التي تعبد وتوحد رب البرية.

    الآية الثانية كنت ذكرت الكلام عليها عند تلك الثمرة وذلك المقصد، وهي في سورة النحل، وفيها يقول ربنا عز وجل: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [النحل:72].

    انظر لهذا الامتنان وهذه المنة في سورة النعم (سورة النحل) كما ورد تسميتها بسورة النعم عن قتادة في تفسير ابن أبي حاتم ، انظر لهذه المنة: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [النحل:72]، فهذا الفرد يأوي بعد ذلك إلى هذا الزوج، وكل منهما يأنس بصاحبه ويستريح إليه، ثم بعد ذلك جعل من هذا الزواج مغانم يرتفق بها الزوجان، يستعينان بها في هذه الحياة وبعد الممات، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ [النحل:72]، وتقدم معنا الفوائد في إيجاد الذرية عند المقصد الثاني من مقاصد النكاح، وقلت في ذلك فوائد متعددة؛ أولها: السعي في إبقاء جنس البشر المكلفين لعبادة رب العالمين. والأمر الثاني: إقرار عين نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام بكثرة أمته وأتباعه عليه الصلاة والسلام.

    والأمر الثالث: الانتفاع بالولد إن عاش عن طريق مساعدته في هذه الحياة، وتقوي الظهر به، وعن طريق الانتفاع بدعائه أيضاً في الآخرة، فتنتفع بالولد إن عاش عن طريق المنافع الدنيوية، وعن طريق المنافع الأخروية.

    ورابع الثمرات من الولد كما تقدم معنا: الانتفاع بالولد إن مات، وتقدم معنا إن مات صغيراً أو كبيراً ماذا يحصله الإنسان من الأجر عند فقد ولده.

    وآخر هذه الأمور: تحصيل الأجور الكثيرة عن طريق تربية الأولاد والنفقة عليهم وهي -كما قلت- خمسة خيرات يحصلها العباد من الأولاد: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحل:72] ، والحفدة تقدم معنا أن أقوال أئمتنا في بيان المراد بهم ستة أقوال، قلت: كلها حق مقبول يمكن أن تدخل في هذه الآية:

    المعنى الأول: المراد بالحفدة البنات، وإنما عبر عن البنات بلفظ الحفدة لأنها من: حفد يحفد حفداً، وحفداناً واحتفد، إذا خف في الخدمة وأسرع، فهو خادم لكن بسرعة ونشاط، وعبر الله عن البنات بهذا اللفظ لسرعة الخدمة فيهن، فلا أنس في البيت إذا لم تكن فيه أنثى تخدم هذا البيت، وترتبه وتنظفه وتجمله، (بنين وحفدة)، هذا المعنى الأول لهذا اللفظ.

    والمعنى الثاني: أن المراد من الحفدة هم البنون، وقلت: نزل تعدد وتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات، فعطف الله الحفدة على البنين، والحفدة هم البنون، لكن لما كان في البنين صفتان مختلفتان صفة بنوة يتقوى بها الإنسان في هذه الحياة يشد ظهره ويشتد ظهره، ثم صفة أخرى: أن هؤلاء يخدمونه، فإذاً هو ابن قرة عين، وهو أيضاً خادم.

    وقلت: عند هذا القول يدخل فيه قولان يبقى ضمن القول الثاني المراد من الحفدة قيل: الأولاد الكبار؛ لأن الخدمة فيهم أقوى، وقيل: الأولاد الصغار، فالبنون هم مطلق الأولاد الذكور، والحفدة الأولاد الصغار؛ لأن الخدمة فيهم أسرع، ذاك أقوى، وهذا أسرع.

    والمعنى الثالث: أولاد الأولاد؛ لأنه بسبب الأزواج، أيضاً يخدمونك كما يخدمك أولادك وهكذا أولاد أولادك.

    المعنى الرابع: والحفدة هم أولاد المرأة من زوج آخر، فهم يخدمونك لأنك زوج أمهم، وهم بمثابة أولادك، فتنتفع بهم وترتفق بهم في هذه الحياة.

    والمعنى الخامس: المراد الأختان وهم القرابات من جهة الزوجة، جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحل:72]، بنين تنجبهم هذه الزوجة لك، وأيضاً قرابات ليساعدوك وتأنس بهم، وتستعين بهم بعد الله جل وعلا في هذه الحياة، وهم أهل الزوجة، وقلت: إن لفظ الأختان يتوسع به أيضاً في الاستعمال فيطلق على القرابات من الزوجين، وإن كان في الأصل على القرابات من جهة الزوجة، وقلت: سبب تسميتهم أختاناً: أن الصلة بيننا وبينهم بسبب التقاء الختانين.

    والمعنى السادس: المراد من الحفدة: الخدم والأعوان، وعليه: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ [النحل:72] ، على القول الخامس والسادس: وجعل لكم أيضاً بسبب أزواجكم أختاناً يساعدونكم، وجعل لكم أيضاً من يخدمكم في هذه الآية من الخدم والأعوان وإن لم يكونوا بسبب الزوجة، وهذا من جملة نعم الله على عباده.

    وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [النحل:72]، إخوتي الكرام! تقدم معنا الكلام على هذه الآية الكريمة، وفيها تقرير لهذا المقصد الخامس من مقاصد النكاح، ألا وهو ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه وبأهله وقرابته، فهنا تحصل من هذه الزوجة الأولاد، والزوجة تساعدك، وأهلها يساعدونك، وأنت تساعدها، وأهلك أيضاً يساعدونها ويساعدون أهلها، ويحدث ارتباط بين هذا العالم عن طريق النكاح الذي أحله الله جل وعلا.

    1.   

    دلالة الارتفاق بين الزوجين في قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ...)

    خامس الآيات إخوتي الكرام وسأختم الكلام بها على هذه الثمرة الخامسة وهذا المقصد الخامس، وهي من سورة النور، وفيها يقول ربنا العزيز الغفور: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32] .

    النكاح كما قلت سبب لارتفاق كل من الزوجين بصاحبه، وسيأتينا أن من أسباب الغنى النكاح، وسبب كون النكاح سبباً للغنى له عدة اعتبارات سأقررها ضمن عشرة اعتبارات: أن المتزوج يحصل يساراً وغنىً وفضلاً، من جملة هذه الأسباب أنه يكون عن طريق غنى زوجتك، عن طريق غنى أهلها، وكم من إنسان فقير يتزوج من أسرة غنية فيصبح من الأغنياء الكبار، وهم يرون أن صهرهم بحاجة، وليس من المروءة أن يتركوا صهرهم بلا مساعدة، وكم من إنسان غني يتزوج من أسرة فقيرة، فيصبح الغنى في تلك الأسرة الفقيرة بسبب هذا الزواج المبارك لهذا الصهر الطيب المبارك، إذاً هذا كما قلت يحصل فيه ارتفاق: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32].

    معنى النكاح في اللغة والاصطلاح

    قبل أن أقرر الشاهد من الآية وأن الآية فيها عدة كريمة من رب كريم لإغناء المتزوجين والله خير الرازقين، يحسن بنا أن نقف وقفةً يسيرةً عند مفردات الآية ومعانيها لننتقل بعد ذلك إلى بيان المقصود منها ضمن بحثنا إن شاء الله.

    اللفظ الأول إخوتي الكرام: وَأَنكِحُوا [النور:32] لفظ النكاح معناه في اللغة بمعنى: الجمع والضم، جمع وضم، ومنه قول القائل:

    ضممت إلى صدري معطر صدرها كما نكحت أم الغلام صبيها

    معنى نكحت: جمعت وضمت، التي عندها غلام تريد أن ترضعه تضمه وتلتزمه إليها، فهذا معنى النكاح: الضم والجمع.

    ضممت إلى صدر معطر صدرها: عن طريق الالتقاء بين الزوجين الذي أحله الله، ثم قال: هذا الضم يكون كما تضم أم الغلام صبيها ووليدها، فمعنى (نكحت) هنا ضمت وجمعت، هذا معنى النكاح في اللغة.

    وأما المراد منه في الاصطلاح فلأئمتنا في ذلك ثلاثة أقوال:

    قول الحنفية في معنى النكاح في الشرع

    القول الأول: ذهب إليه السادة الحنفية، كما في الفتح القدير للإمام الكمال بن الهمام (3/185): النكاح عندنا بمعنى الوطء، ويطلق على العقد مجازاً، لكن عندنا في الاصطلاح النكاح معناه: الوطء، وهذا قرره أئمتنا أيضاً بأدلة كثيرة واستعمل في كلام العرب، يقول بعض الشعراء في هجو فرقة من الناس سفهاء:

    التاركين على طهر نساءهم والناكحين بشطي دجلة البقرة

    أي: نساؤهم طاهرات ليس فيهن آفة، ويتركون نساءهم ثم يفعلون الرذيلة مع البقر، فهنا المراد من النكاح الوطء.

    يقول: هذا النكاح يأتي بمعنى الوطء، وقد غلطهم الزجاج في ذلك على زعمه وقال: ما جاء النكاح بمعنى الوطء في الكتاب ولا في السنة ولا في لسان العرب، وهو من أئمة اللغة لكنه واهم في الأمور الثلاثة، جاء النكاح بمعنى الوطء في كتاب الله عز وجل، فالله يقول في سورة البقرة في قصة المطلقة إذا طلقت في المرة الثالثة: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229] ، ثم قال الله جل وعلا: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230] ، ما المراد بالنكاح العقد أم الوطء؟ الوطء قطعاً وجزماً، وعقد الثاني عليها لا يحلها للأول إذا طلقها بعد العقد حتى يدخل بها، وحتى يباشرها كما ثبت هذا عن نبينا عليه الصلاة والسلام في مسند الإمام أحمد والصحيحين، والحديث رواه الإمام النسائي والترمذي وابن ماجه ، ورواه الإمام الطبري في تفسيره، وعبد الرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة في مصنفه، ورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى، وفي غير ذلك من دواوين السنة، والحديث في أعلى درجات الصحة، فهو في الصحيحين من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها في قصة الصحابية الجليلة زوجة رفاعة القرظي ، عندما طلقها زوجها رفاعة القرظي ثلاث، وبانت منه، وتزوجها عبد الرحمن بن الزبير ، وجاءت تشكو حاله إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، وأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب، وأنها لا تريد أن تبقى مع زوجها الثاني، قال: ( لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك )، فقوله: (حتى تنكح زوجاً غيره) المراد منه الوطء، وهذا باتفاق أئمتنا، وما أعلم أحداً من المسلمين خالف في هذا إلا سعيد بن المسيب عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وقال أئمتنا: لعل الأثر لم يبلغه مع أنه أعلم التابعين بمسائل النكاح والطلاق، وقال: عقد الثاني على المطلقة ثلاثاً يحلها للأول إذا طلقها وإن لم يدخل بها، وكما قلت: هذا يصادم الدليل الثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام في هذه المسألة.

    إخوتي الكرام! وهذا الذي ذكرته لكم عن الإمام سعيد بن المسيب عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا كنت قرأته من فترة طويلة في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة ربنا، ينقله عن الإمام سعيد بن المسيب ويلتمس العذر له في أنه لم يبلغه الدليل، وقد قرر أئمتنا هذا في كتب الفقه وبينوا أنه لم يأخذ بقول سعيد أحد من أئمتنا الكرام.

    يقول الإمام ابن قدامة في المغني (8/471): ولا خلاف بينهم في أن المطلقة ثلاثاً بعد الدخول لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، لقول الله سبحانه وتعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230] ، ثم ذكر الأحاديث في ذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام في ذوق العسيلة، ثم قال: وفي إجماع أهل العلم على هذا غنية عن الإطالة فيه، وجمهور أهل العلم على أنها لا تحل للأول حتى يطأها الزوج الثاني وطئاً يوجد فيه التقاء الختانين، إلا أن سعيد بن المسيب من بينهم قال: إذا تزوجها زواجاً صحيحاً لا يريد به تحليلاً فلا بأس أن يتزوجها الأول، قال الإمام ابن المنذر : لا نعلم أحداً من أهل العلم قال بقول سعيد بن المسيب هذا إلا الخوارج، أخذوا بظاهر قوله سبحانه وتعالى: حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230]، ومع تصريح النبي صلى الله عليه وسلم ببيان المراد من كتاب الله تعالى، وأنها لا تحل للأول حتى يذوق الثاني عسيلتها وتذوق عسيلته، لا يعرج على شيء سواه، ولا يسوغ لأحد المصير إلى غيره مع ما عليه جملة أهل العلم منهم علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة رضي الله عنهم أجمعين، وممن بعدهم مسروق والزهري ومالك وأهل المدينة والثوري وأصحاب الرأي والأوزاعي وأهل الشام والشافعي وأبو عبيد وغيرهم رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين.

    وهذا الحديث إخوتي الكرام صحيح مروي عن عدة من الصحابة الكرام، مروي عن أنس وابن عمر وأبي هريرة وغيرهم، انظروا الروايات المفصلة في ذلك في الدر المنثور (1/283)، فهذا شاهد من كتاب الله إلا على أن النكاح بمعنى الوطء، وهذا ثابت أيضاً في سنة نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام.

    وتقدم معنا إخوتي الكرام حديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر كنت ذكرته عند معاشرة نبينا عليه الصلاة والسلام لنسائه، كيف كان يعاشرهن عليه الصلاة والسلام ويقترب منهن في حال حيضهن، وقلت: إنه في المسند والكتب الستة إلا صحيح البخاري ، فهو في صحيح مسلم والسنن الأربع، ورواه أبو داود الطيالسي والبيهقي في السنن الكبرى من رواية سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( كانت اليهود إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوها، يعني في البيوت )، و(يجامعوها) المراد منه يجتمع معها ويسكن معها، إنما كانوا يعزلونها عنهم، فلا يسكنون معها في حجرة واحدة، فذكر ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح )، ما المراد بالنكاح؟ الوطء، الوطء ليس المرد منه العقد.

    ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح، فقام أسيد بن حضير وعباد بن بشر رضي الله عنهما وعن الصحابة أجمعين فقالوا: يا رسول الله عليه الصلاة والسلام أفلا نجامعهن؟ يعني نكايةً في اليهود، هم يبتعدون عن الحائض ابتعاداً تاماً ونحن نصنع كل شيء إلا النكاح، حتى النكاح وهو الوطء نفعله نكاية في اليهود لنخالفهم مخالفةً تامة؟ فتغير وجه النبي عليه الصلاة والسلام ولم يجبهما بشيء، وسكت عنهما فظنا أنه وجد عليهما، فخرجا ليطيب خاطر النبي عليه الصلاة والسلام ثم يسترضيانه بعد ذلك، فجاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام هدية من لبن فأرسل في آثارهما فسقاهما، فعلما أنه عليه الصلاة والسلام لم يتأثر منهما ولم يجد في قلبه عليهما ).

    الشاهد هنا: ( أفلا نجامعهن؟ )، وهنا: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ) المراد منه الوطء.

    وثبت هذا في لسان العرب كما تقدم من الشعر، وقال بأن النكاح بمعنى الوطء جم غفير من سلفنا، وفي مقدمتهم سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه، وهو عربي قح، فعندنا يفسر النكاح بالوطء، هذا دليل على أن هذا اللفظ مستعمل في لغة العرب، رواه عنه الإمام الثوري في تفسيره بسند صحيح كما قال الإمام ابن كثير في تفسيره (3/362)، وروي هذا التفسير في الآية التي سأذكرها عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير ، والضحاك ومكحول وعن غيرهم من أئمة التابعين، ويقول هؤلاء: إن النكاح بمعنى الوطء لقول الله جل وعلا في أوائل سورة النور: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3] ، فسر عبد الله بن عباس رضي الله عنهم ومن معهم من التابعين النكاح هنا بمعنى الوطء، وعليه الآية ليس معناها معنى التزويج.

    لا ينكحها: يعني لا يطؤها، وليس المراد لا يتزوجها على هذا التفسير، لا ينكحها أي: لا يطؤها، أي: لا يزني بها إلا خبيث مثلها زانٍ أو مشرك لا يرى تحريم الزنا، وهذا أحد القولين في تفسير الآية، وقيل: إن النكاح هنا بمعنى عقد التزويج، وذهب شيخنا إلى إعمال المعنيين في هذه الكريمة وليس هذا محل بسط ذلك.

    وخلاصة القول في ذلك إخوتي الكرام: أن ما ورد من آثار في سبب نزول هذه الآية الكريمة: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3]، تفيد أن النكاح هنا بمعنى عقد التزويج، كما ثبت ذلك في سنن الترمذي وحسنه، والحديث رواه أبو داود والإمام النسائي والبيهقي وابن المنذر والحاكم في المستدرك من رواية عمرو بن شعيب في قصة مرثد بن أبي مرثد الغنوي عندما أراد أن ينكح عناق وكانت بغية، فأنزل الله جل وعلا هذه الآية: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [النور:3] إلى آخر الآية الكريمة، انظروا الأثر إخوتي الكرام في جامع الأصول (2/246) وثبت أيضاً في تفسير ابن جرير ومستدرك الحاكم (2/396)، وصححه وأقره عليه الذهبي أيضاً عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم أجمعين، قال: كن نساءً معلومات، فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه فنهوا عن ذلك.

    هذه الآثار وما شاكلها تدل على أن المراد من النكاح في الآية بمعنى عقد التزويج، لكن ذكر المشرك والمشركة في الآية لا يلائمه تفسير النكاح بمعنى عقد التزويج؛ لأنه لا يحل للمسلم أن يتزوج المشركة، ولا يحل للمسلمة أن يتزوجها مشرك، ولذلك فسر عبد الله بن عباس ومن معه رضي الله عنهم أجمعين النكاح هنا بمعنى الوطء، قال شيخنا عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة ربنا: هذه الآية الكريمة من أصعب الآيات تحقيقاً، ولا أعلم مخرجاً واضحاً من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعض تعسر، وهو أن أصح الأقوال عند الأصوليين وما حرره الإمام ابن تيمية وعزاه لأجلاء علماء المذاهب الأربعة من جواز حمل المشترك على معنييه أو على معانيه المتعددة، فإذا قلت: غدا اللصوص على عين زيد، يصح أن تريد أنهم عوروا عينه الناظرة وغوروا عينه الجارية، وسرقوا ذهبه الذي هو بمعنى العين.

    والنكاح أيضاً مشترك بين معنى الوطء وبين عقد التزويج، وعليه نقول: الزاني لا ينكح أي: لا يتزوج إلا زانيةً مثله، وعندما نأتي للفظ المشركة هنا أَوْ مُشْرِكَةً [النور:3] نقول: الزاني لا يطأ وطئاً محرماً إلا مشركةً لا ترى تحريم الزنى، والزانية لا ينكحها أي: لا يتزوجها إلا زان ولا يطؤها بعد ذلك إلا مشرك وطئاً محرماً لا يعتقد تحريم الزنا، وعليه إذا فسرنا النكاح بمعنى الوطء فهذا يكون في حق المشرك والمشركة دون عقد التزويج، وإذا فسرناه بمعنى عقد التزويج فيكون في حق الزانية والزاني من المسلمين، والعلم عند رب العالمين، هذا خلاصة ما قرره شيخنا في أضواء البيان عليه وعلى أئمتنا رحمة ذي الجلال والإكرام.

    الشاهد أنه ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما تفسير النكاح هنا بمعنى الوطء، وما قاله الحنفية: النكاح بمعنى الوطء في الشرع هذا مستعمل في لغة العرب وفي القرآن وفي سنة نبينا عليه الصلاة والسلام.

    مذهب الشافعي في معنى النكاح في الشرع

    وذهب الإمام الشافعي إلى عكس هذا القول فقال: إنه حقيقة في العقد مجاز في الوط.

    وحقيقةً أكثر آيات القرآن استعمل فيها النكاح بمعنى عقد التزويج، ومنه هذه الآية: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ [النور:32] المراد: زوجوا من ليس له زوجة، والأيم سيأتينا أنه كل من ليس له زوج من أحد الصنفين، وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ [النور:32] أي: زوجوا.

    وآيات كثيرة النكاح فيها بمعنى عقد التزويج، ومن تلك النصوص التي فيها استعمال النكاح بمعنى عقد التزويج قول الله جل وعلا في سورة النور التي نتدارس آيةً منها: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33]، فالمراد من النكاح هنا الذين لا يتيسر لهم أن يتزوجوا ولا أن يعقدوا الزواج الذي أحله الله، وليس المراد منه الوطء.

    وهكذا كما تقدم معنا أيضاً إخوتي الكرام من حديث نبينا عليه الصلاة والسلام وهو ثابت في المسند والكتب الستة إلا سنن الترمذي ، ورواه ابن حبان والبيهقي في السنن الكبرى، كما رواه الإمام الدارمي وأبو نعيم في الحلية، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك )، فالمراد من تنكح أي: تزوج، والناس يرغبون فيها لهذه الأمور.

    وهذا الحديث روي أيضاً من رواية أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وأمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين، كما روي مرسلاً من طريق مكحول ويحيى بن جعدة ، وذكرت قصةً طريفةً حوله للإمام سفيان بن عيينة في حلية الأولياء (7/290).

    مذهب المالكية والحنابلة في معنى النكاح

    ولذلك القول الثالث يجمع القولين وهو قول المالكية والحنابلة قالوا: إنه حقيقة فيهما، فيطلق النكاح على عقد التزويج كما يطلق على الوطء، وعليه فالنكاح يستعمل بمعنى عقد التزويج وبمعنى الوطء أيضاً، وهو حقيقةً فيهما عند هذين المذهبين المباركين: مذهب الإمام مالك ومذهب الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله جل وعلا.

    الحنفية قالوا: إن قولنا أقوى من هذا، قالوا: لأنه أصالةً في الوطء، وأطلق على عقد التزويج؛ لأنه يؤدي إلى الوطء، فهو سبب للوطء، فأطلق عليه ما يطلق على ما يترتب عليه وعلى مسببه ألا وهو الوطء، فالعقد سبب للوطء، فلذلك أطلق عليه ذلك.

    على كل حال هذه أقوال أئمتنا، والذي يظهر أنه استعمل كما قلت في الكتاب والسنة بالمعنيين، وهذا ما ذهب إليه إمامان من الأئمة الأربعة، وفيه جمع بين القولين أنه يأتي بمعنى عقد التزويج، ويأتي بمعنى الوطء: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ [النور:32]، والمراد هنا عقد التزويج الذي يترتب عليه بعد ذلك وطء نافع يخرج عنه أثر شرعي.

    معنى (الأيامى) في قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم ...)

    اللفظة الثانية: الأَيَامَى [النور:32] جمع أيم، وهو من لا زوج له من الرجال والنساء، فمن ليس عنده زوجة من الرجال زوجوه، من ليس عندها زوج من النساء زوجوها، سواء تزوج قبل ذلك أم لا.

    نعم أكثر ما يستعمل لفظ الأيم في حال الفراق بموت أو طلاق، يعني من فارق زوجته أو فارقت زوجها بطلاق أو موت يقال لها: أيم، هذا في الغالب، وهو في النساء أكثر منه في الرجال، لكن لفظ الأيم في اللغة يقال لمن ليس عنده زوج سواء سبق له الزواج أو لا.

    اللفظة الثالثة: قوله جل وعلا: مِنْكُمْ [النور:32] قال أئمتنا: مفهوم المخالفة يدل على أن من عدانا ليسوا كذلك، فقوله: (منكم)، أي: معشر المسلمين، وعليه من لم يكن من المسلمين فلا تزوجوه ولا تتزوجوه، وهذا المفهوم صرحت به آيات كثيرة، فقال جل وعلا في حق النساء: وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ [البقرة:221].

    وقال في حق الرجال الذين ليسوا منا: وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [البقرة:221] .

    إذاً هنا (منكم) مفهوم المخالفة معتبر، وصرحت بمعناه آيات أخر، وخص من هذا العموم الكتابيات فقط؛ لقول الله جل وعلا: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [المائدة:5] إلى آخر الآية الكريمة.

    فإذاً: يجوز للمسلم أن يتزوج كتابية، وهي خصوص النصرانية أو اليهودية، والجواز ليس معناه الاستحباب، ومن باب أولى ليس معناه الوجوب، إنما من ناحية الجواز جائز، فإن رأيت مصلحةً في الزواج منها بحيث تسلم هي وأهلها فهو زواج مبارك، وإلا فالأمر ينبغي أن تحتاط لنفسك ولذريتك.

    إذاً: هذا العموم يستثنى منه فقط خصوص الكتابية من النساء، وأما العموم في حق الرجال فهو باق على عمومه لم يخص منه شيء، ولا يجوز لمشرك أن يتزوج مؤمنةً مهما كان شأن المشرك.

    معنى قوله تعالى: (والصالحين من عبادكم وإمائكم)

    اللفظة الرابعة، وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32] ، لما جاء ذكر العبيد الأرقاء اشترط الصلاح ولم يشترط هذا في الأحرار، وهذا لأمرين معتبرين:

    الأمر الأول: الغالب في الأحرار الصلاح، في حر، حر له شأن ثم يفعل الفساد هذا لا يليق بالأحرار، فالغالب فيهم أن يكون كريماً عفيفاً طيباً صالحاً مطيعاً لله، وأما ذاك فلجانب الابتذال الذي يقع فيه، قد يقع في المنكر، والغالب عليه أنه غير صالح، فكان مشركاً ثم بعد ذلك صار في حوزتنا عبداً أو أمة.

    فالصلاح هو الغالب في الأحرار منا، وأما ذاك فالغالب عليه خلاف هذا، جاء مثلاً من غزوة من غزوات لنا وفيه ما فيه، ثم بعد ذلك ضبطناه ورتبناه؛ لكن يبقى حاله ليس كحال الحر المسلم الذي نشأ في بلاد الإسلام، ولذلك هنا قال: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32]، وهذا بناءً على أن المراد من الصلاح الصلاح الشرعي، وأمرنا بإنكاح الصالح أي الطيب التقي الملتزم من العبيد والإماء؛ لنساعدهم على حفظ دينهم، وعلى تمام صلاحهم، وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32] .

    وقيل: إن الحكمة من ذكر الصلاح في حق العبيد والإماء هنا من أجل أن تعطف النفس عليهم، فالإنسان إذا زوج عبده أو أمته هذا سيكلفه إنفاقاً عليهما ورعاية لهما، والأمة كانت عنده فخرجت عنه، وهذا العبد عندما زوجه سينفق عليه وعلى زوجته وعلى أولاده، والنفس على من تعطف؟ تعطف على الصالح، فلو كان هذا فاسداً فاسقاً لا يستحق رعايةً ولا معونةً؛ ولذلك قال الله: إن كان من تملكونه من العبيد والإماء صالحاً فتحملوا نحوه ما تتحملون طلباً للأجر عند الحي القيوم، وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32].

    وكما قلت: هذا بناءً على أن المراد من الصلاح الصلاح الشرعي، وقيل: إن المراد منه الصلاح اللغوي، وعليه يصبح المعنى: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ [النور:32] للنكاح من عبيدكم وإمائكم، أي: الذين يقومون بحقوقه ويقدرون على مزاولته، فإذا كانت أبدانهم تؤهلهم لذلك ويتطلعون إلى هذا فزوجوهم، كما قال الله جل وعلا: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32].

    حكم إعفاف الرقيق في الإسلام

    قبل أن ننتقل إلى الجملة الخامسة وهي آخر المفردات معنا إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32] وفي هذا تقرير للارتفاق بالنكاح، وأنه سبب للغنى كما سأقرر، قبل هذا إخوتي الكرام يقرر أئمتنا الفقهاء كما هو مذهب الحنابلة قولاً واحداً وهو أحد القولين للإمام الشافعي ، وانظروا هذا في المغني للإمام ابن قدامة (9/315)، أنه يجب على السيد إعفاف مملوكه، فإذا طلب المملوك من عبد أو أمة النكاح وجب على السيد أن يزوجه وجب، وخالف في هذا الإمامان المباركان أبو حنيفة ومالك فقالا: لا يجب على السيد أن يزوج عبده ولا أن يزوج أمته، قالا: لأن في ذلك ضرراً على السيد؛ لأنها تخرج منه، وهو يريدها للخدمة، وهذا أيضاً يحتاج أن ينفق عليه وهو يريده للخدمة، وبعد ذلك سيستقل بزوجته، وسيأتينا إذا تزوج له حقوق، ولذلك يقولان: لا يجب على السيد أن يزوج عبده وأمته، لأن في هذا ضرراً على السيد، وأمر ثان علة ثانية عند هذين الإمامين قالا: لا تتوقف قيام بنية العبد والأمة على النكاح، فهو ليس بحاجة ضرورية.

    إنما هذا كما لو طلبا الحلوى، لا يلزم السيد أن يحضر لهما الحلوى ليأكلاها، هو مكلف بإحضار القوت، أما أن يطلب بعد ذلك أشكالاً وألواناً يقول: هات حلوى، وهات تفاح، وهات موزاً، وهات وهات .. فلا يلزم السيد أن يحضر له، إنما يجب عليه أن يقدم له القوت الذي تحتاجه بنيته وجسمه.

    وما ذهب إليه الإمام أحمد وهو أحد القولين للشافعي فيما يظهر أظهر وأقوى وأرجح لعدة أمور:

    أولها: لظاهر الأمر في الآية: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32] ، وظاهر الأمر يفيد الوجوب، ولا يوجد ما يصرف هذا الأمر عن ظاهره، فإذاً هذا للوجوب، فإذا طلب المملوك الزواج وجب على سيده أن يزوجه.

    الأمر الثاني: قالوا: ثبت عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: من كانت له جارية فلم يزوجها ولم يصبها، يعني يباشرها ليعفها، أو عبد فلم يزوجه، فما صنعا من شيء كان على السيد، أي: إذا كان عنده أمة فزنت إثمها عليه؛ لأنه ما حصنها ولا زوجها، أو عنده عبد فزنى فإثمه عليه على السيد، لأنه ما زوجه وما حصنه وستره.

    قال الإمام ابن قدامة في المغني : ولولا وجوب إعفافهما لما وجب الإثم على سيدهما، وهذا دليل ثاني.

    دليل ثالث: قالوا: إن العبد والأمة كل منهما مكلف محجور عليه، وهو بحاجة إلى الزواج، فيجب على من حجر عليه وعلى سيده الذي حجر عليه؛ لأن هذا لا يستطيع أن يتصرف في مال فهو لا يملك شيئاً، إنما هو ملك لسيده، يجب على سيده إذاً أن يجيبه إذا طلب الزواج؛ لأنه لو لم يكن محجوراً عليه لزوج نفسه، فبما أنه لا يملك أن يزوج نفسه يجب على سيده أن يزوجه.

    الدليل الرابع عندهم: أن الحاجة تدعو إلى النكاح، والإنسان يتضرر بدنه لتركه، وتقدم معنا عند أوائل مباحث النكاح أن أئمتنا بحثوا فيه هل هو قوت أو فاكهة، وقلت: أظهر القولين أنه قوت، ولذلك كان الإمام الجنيد عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا يقول: أحتاج إلى الجماع كما أحتاج إلى القوت، وتقدم معنا هذا عند أول مقصد من مقاصد النكاح: حفظ النفس البشرية من كل آفة ردية، وقلت: إن ترك النكاح مضر بالصحة كما هو مضر بدين الإنسان، وعليه بما أن الحاجة تدعو إليه فيجب على السيد أن يزوج عبده وأمته.

    قال أئمتنا الكرام: فإذا طلبت الأمة الزواج هو بالخيار بين أمور ثلاثة: إما أن يحصنها بنفسه وأن يطأها، وإذا ولدت منه فهنيئاً لها، صارت أم ولد لا تباع، وإذا مات السيد صارت حرة، هذه أم ولد صار لها في هذا البيت حجرة وشجرة، فلا تباع، وإذا لم يرد أن يطأها فليزوجها ليحصنها ذاك، وإذا لم يفعل هذا ولا ذاك فهو بين أمرين رغم أنفه: إما أن يعتقها لوجه الله لتصبح حرة وتزوج نفسها، ويزوجها المسئول عن أمور المسلمين، وإما أن يبيعها ليشتريها واحد آخر إما أن يحصنها وإما أن يزوجها، أما امرأة تعطل عن النكاح في البلاد الإسلامية فلا لأنه لا ضرر ولا ضرار.

    هذا من حقوق الرقيق في الدولة الإسلامية، إذا قالت لك زوجني وأبيت فلها أن ترفع عليك دعوى في المحكمة الشرعية، يقول القاضي: اختر إما أن تعفها بنفسك ولا نلزمك أن تخرجها عن ملكك، وإما أن تزوجها، وإما أن تعتقها لوجه الله أو تبيعها، وإذا أبيت يبيعها القاضي رغم أنفك، ويخرجها من ملكك من أجل أن تحصن نفسها، هذا في الأمة.

    وأما العبد فلا يمكن أن تحصنه أنت، فإذا طلب الزواج فأنت بين أمرين اثنين على رغم أنفك: إما أن تزوجه، وإذا لم تزوجه فإما أن تعتقه وإما أن تبيعه، يعني إما أن يخرج عن ملكك وإما أن تزوجه، إذا زوجته يجب عليك أن تنفق عليه وعلى زوجته، قال أئمتنا: فإذا غربت الشمس لا يجوز أن تستعمله في خدمة، تقول: اذهب الآن يذهب إلى زوجته ليعاشرها وليستأنس بها.

    ما شاء الله على حقوق الرقيق في الإسلام لعل كثيراً من الأحرار لا يحصلونها في البلاد التي تنادي بالحرية في هذه الأيام، هذا حق الرقيق عندنا، تزوجه وتنفق عليه وعلى زوجته، وإذا جاء المغرب فليس لك حق أن تقول له: هات لي قدحاً من ماء، بل يذهب إلى زوجته ليعاشرها وليأت الأولاد تنفق عليهم جميعاً، فأنت مسئول عنهم.

    إخوتي الكرام! هذه هي حقوق الرقيق في الإسلام، ولذلك: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32].

    1.   

    النكاح مفتاح الرزق

    الأمر الخامس وهو الذي يحصل فيه ارتفاق بالنكاح: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ [النور:32].

    قال أئمتنا الأتقياء: في هذه الآية عدة كريمة من رب كريم لإغناء المتزوجين، وكما قلت: سبب غنى المتزوج أمور كثيرة سأوصلها إلى عشرة في نهاية المبحث إن شاء الله، إنما هنا الزواج مفتاح للرزق، وباب للغنى، إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32]، والله لا يخلف الميعاد.

    والسبب في ذلك إخوتي الكرام: أن النكاح طاعة، ومن أطاع الله فسيرزقه الله من حيث لا يحتسب، ودل على هذا المفهوم كلام الحي القيوم، وسنة نبينا الميمون عليه الصلاة والسلام، وهو المنقول من الآثار عن السلف الأبرار، وهو الذي قرره أئمة التفسير الأخيار، فانتبهوا لهذه الأمور الأربعة.

    الأدلة من القرآن على أن النكاح مفتاح الرزق

    أما آيات القرآن التي توضح هذا المعنى يقول الله جل وعلا في كتابه في آخر سورة طه: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا [طه:132] ، لا نكلفك أن ترزق نفسك ولا الزوجة ولا أحداً من خلق الله، إنما رزقك ورزق أسرتك على رازق هذا العالم من عرشه إلى فرشه، نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132]، وأنت خلقت لمهمة وهي عبادة الله عز وجل، والرزق هذا هذا ليس من وظيفتك، هذا من عمل ربك جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58].

    ولذلك أثر عن سفيان الثوري وعن غيره من أئمتنا الكرام رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين أنهم قالوا: لو أن أهل مصر كلهم عيال وكانت السماء لا تمطر، والأرض لا تنبت، وشككت في رزقي لحكمت بكفري.

    علينا أن نعبده كما أمر، وعليه أن يرزقنا كما وعد وأخبر: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:2-3] ، وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132].

    وقد وضح هذا المعنى نبينا عليه الصلاة والسلام، ففي مسند الإمام أحمد والحديث رواه الإمام الترمذي وابن ماجه في السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، ورواه البيهقي في شعب الإيمان، والحديث إسناده صحيح كالشمس، صححه الحاكم ، وأقره عليه الذهبي ، وصححه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، وصححه أئمتنا الكرام، ولفظ الحديث من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( أتيت النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ قول ذي الجلال والإكرام: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20] من سورة الشورى، فقال عليه الصلاة والسلام بعد أن تلا هذه الآية: يقول الله عز وجل: ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً، ولم أسد فقرك ). والحديث كما قلت من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه الإمام الحاكم في المستدرك (2/326)، والإمام الطبراني في معجمه الكبير كما في المجمع (10/283) من رواية معقل بن يسار ، وصححه الحاكم وأقره عليه الذهبي ، لكن الإمام الهيثمي في المجمع يقول: فيه سلام الطويل وهو متروك، وسلام الطويل هو من رجال ابن ماجه ، وقد حكم عليه الإمام ابن حجر في التقريب عليهم جميعاً رحمة الله، وتوفي سنة سبع وستين ومائة للهجرة.

    لكن المذكور في سند الحاكم ، وأما معجم الطبراني الكبير فليس بين يدي أنظر في سنده، فهل هو وهم من الإمام الهيثمي ، أو أن الحديث مروي من طريق سلام الطويل ، ومن طريق سلام بن أبي مطيع الذي في مستدرك الحاكم ، وهذا بين يدي، ولذلك حددته في الجزء الثالث كما قلت لكم، وأما حديثه المتقدم في المستدرك في الجزء الرابع فيختلف عن هذا، هنا في الجزء الثالث الذي هو رواية معقل بن يسار ، يقول هنا: الحديث من رواية سلام بن أبي مطيع عن معاوية بن قرة ، عن معقل بن يسار رضي الله عنه، وسلام بن أبي مطيع ثقة صاحب سنة، وهو معاصر لـسلام الطويل ، ذاك توفي سنة (167هـ)، وهذا سنة (164هـ)، فبينهما ثلاث سنين، لكن هذا حديثه مخرج في الصحيحين، ثقة صاحب سنة، وخرج له أهل السنن الأربعة إلا أبا داود لم يخرج له في السنن؛ لكن أخرج له في كتاب مسائل الإمام أحمد وكتاب مسائل الإمام أحمد جمعها أبو داود فيما سأل عنه الإمام أحمد ، معروف بمسائل الإمام أحمد لـأبي داود السجستاني ، فـأبو داود خرج لـسلام بن أبي مطيع في كتاب مسائل الإمام أحمد لا في السنن.

    وكما قلت هو ثقة صاحب سنة، ولذلك صحح الحاكم الحديث، وأقره عليه الذهبي من طريق معقل بن يسار ، وقلت: في الإسناد سلام بن أبي مطيع ، أما الهيثمي في المجمع فيقول: فيه سلام الطويل وهو متروك، فهل ورد في معجم الطبراني سلام الطويل أو سلام فقط فظنه الهيثمي سلام الطويل ؟ العلم عند الله جل وعلا، لكن كما قلت: كلاهما في وقت واحد، ووفاتهما قريبة، هذا من رجال الكتب الستة إلا سنن أبي داود ، وروى له في المسائل، وذاك ما خرج له إلا ابن ماجه ، ذاك متروك، وهذا ثقة صاحب سنة، والذي في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح هو سلام بن أبي مطيع وليس بـسلام الطويل ، وكما قلت: العلم عند الله جل وعلا، بلفظ متقدم، وهنا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( قال ربكم: يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك )، رواية معقل ورواية أبي هريرة كما قلت بمعنى واحد، هناك (يقول الله)، وهنا (قال ربكم سبحانه وتعالى).

    إذاً: هذا المعنى دلت عليه آيات القرآن: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132]، النكاح طاعة، والله يقول في سورة الأعراف: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96]، يعني أقل ما يصاب به من يعرض عن النكاح الخواطر الرديئة، وتظلم قلبه وتدنسه، هذا أقل ما يصاب به، إذاً: نزل عن درجة التقوى، وديننا الآن يذم صاحبه لإعراضه عن النكاح ولتأخره فيه، إنسان يجاوز العشرين تقول له: تتزوج؟ يقول: بدري. ما هو البدري؟ لا نعلم، عشرون سنة مثلك عنده أولاد، تعد نفسك صغيراً. تقول: متى؟ حتى ينتهي من الجامعة، كأن الجامعة ستغنيه، ساء ظن الناس بربهم في هذه الأيام، وربطوا رزقهم بأمور محسوسة، أما (نحن نرزقهم وإياكم) هذه ما عمل بها إلا سلفنا الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم.

    ونسأل الله أن يحسن ختامنا، ومن أراد أن يجرب فليجرب، وأنا من جملة المجربين، يعني ما حصل الغنى إلا بسبب هذا النكاح الذي أخبرنا ربنا جل وعلا أنه مفتاح للزرق: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32]، يعلم الله عندما تزوجت ليس لي مورد محدد، ولو شرح الإنسان أحواله -نسأل الله أن يسترنا- لربما تعجبتم، لكن الوضع عليه أن يرزقنا كما وعد، وما أخلف الميعاد سبحانه وتعالى، وفتح أبواب الرزق من غير حساب.

    النكاح مفتاح للرزق، إن أردت أن تستغني فتزوج، ولذلك: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32] ، واسع الفضل، عليم يضع الأمور في مواضعها، فمن أراد بالنكاح التعفف حاشا لله أن يتركه ليلجأ إلى باب فلان وعلان، إذا أراد لنفسه الإحصان، لا يمكن أن يترك، هذا سيتولى الله أمره، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96]، الطاعات مفتاح أرزاق رب الأرض والسموات، ولذلك قال نبي الله نوح على نبينا عليه الصلاة والسلام لقومه: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح:10-12].

    الأدلة من السنة على أن النكاح مفتاح الرزق

    إخوتي الكرام! هذا لا بد من أن نعيه: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32] ، هذا الدليل الأول الذي يقرر هذا.

    الدليل الثاني سنة النبي عليه الصلاة والسلام وضحت هذا غاية الإيضاح، وبينت أن النكاح سبب للغنى والزرق، فاستمع لكلام نبينا عليه الصلاة والسلام وهو الذي لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام.

    ثبت في المسند والسنن الأربع إلا سنن أبي داود ، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه (2/160) وقال: صحيح على شرط مسلم ، وأقره عليه الذهبي ، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (10/318) ورواه عبد الرزاق كما في الدر المنثور (5/45)، وكما قلت: الحديث صحيح صحيح من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثلاثة حق على الله عونهم والله لا يخلف الميعاد: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والمجاهد في سبيل الله ).

    ثلاثة حق على الله عونهم: الأول: من نكح ليعف نفسه، ولينجب الذرية توحد رب البرية، حق على الله واجب أن يعينه من حيث لا يحتسب.

    والثاني: مكاتب يريد أن يتحرر لأجل أن يتفرغ لطاعة سيده رب العالمين أكثر وأكثر؛ لأنه إذا كان عبداً مشغولاً بخدمة سيده من البشر، فقد يمنعه ذلك عن كثير من الواجبات، ولذلك صلاة الجمعة لا تجب على العبد؛ لأنه مشغول في خدمة سيده، إذاً: هو يريد أن يكون حراً ليطيع الله أكثر، كما قلت: إن أراد أن يتزوج بإذن سيده ما عنده مال يكتسب ليتصدق، فأراد أن يكاتب سيده على مبلغ من المال ليصبح حراً، يقول: أنا أدفع لك مائة ألف ريال لتحررني، قال: اذهب فاكتسب واجمع هذا المال لتصبح حراً، حق على الله أن يعينه.

    والثالث: المجاهد في سبيل الله عز وجل، والحديث كما قلت إسناده صحيح.

    وورد أيضاً حديث آخر بمعناه من رواية سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه، رواه الإمام الطبراني في معجميه الكبير والأوسط، وانظروه في المجمع (4/257) في كتاب النكاح، بوب عليه الإمام الهيثمي باباً فقال: باب عون الله للمتزوج، والحديث رواه الخطيب في تاريخ بغداد (12/332) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (10/318).

    ولفظ الحديث من رواية سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثلاث من فعلهن ثقةً بالله واحتساباً كان حقاً على الله أن يعينهم وأن يبارك لهم: من سعى في فكاك رقبة ثقةً بالله واحتساباً كان على الله أن يعينه وأن يبارك له، ومن تزوج ثقةً بالله واحتساباً كان حقاً على الله أن يعينه وأن يبارك له، ومن أحيا أرضاً ميتة ).

    هناك ذكر المجاهد، وهنا صنف رابع يزيد على الأصناف الثلاثة، أما فك الرقبة والنكاح موجود في الحديث المتقدم، ( ومن أحيا أرضاً ميتةً ثقةً بالله واحتساباً كان حقاً على الله أن يعينه وأن يبارك له )، رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عبيد الله بن الوازع الكلابي البصري ، روى عنه حفيده عمرو بن عاصم فقط، وبقية رجاله ثقات، وتقدم معنا مراراً أن الجهالة لا ترتفع إلا برواية راو، ولذلك ترجم له الحافظ في التقريب فقال: مجهول، وهو من رجال الترمذي وسنن النسائي ، وهو عبيد الله بن الوازع الكلابي البصري مجهول؛ لأنه ما روى عنه معنا إلا حفيده عمرو بن عاصم فقط، وبقية رجاله ثقات، ومعنى الحديث ثابت كما تقدم معنا في رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه.

    هذا حديث أول إخوتي الكرام ورد في سنة نبينا عليه الصلاة والسلام يقرر فيه نبينا عليه الصلاة والسلام أن النكاح سبب للغنى، ومفتاح للرزق.

    الحديث الثاني رواه الإمام الحاكم في المستدرك في المكان المشار إليه آنفاً، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبي .

    وسيأتينا إخوتي الكرام أن بعض الرواة ليسوا من رجال الصحيحين، فالحديث صحيح لكن قوله: على شرط الشيخين فيه شيء من التساهل في العبارة.

    يقول الحاكم : وما أخرجه الشيخان من تفرد سلم بن جنادة بسنده ثم قال: وسلم بن جنادة ثقة مأمون، طيب هو ثقة مأمون لا إشكال فيه، لكنه ليس من رجال الصحيحين، قال الحافظ في ترجمته: ثقة ربما أخطأ، وتوفي سنة (254هـ)، وهو من رجال الترمذي وابن ماجه ، وعليه لا يستقيم المقال إنه على شرط الشيخين، الحديث صحيح لا شك فيه، ولذلك قال الإمام الهيثمي في المجمع (4/255): رواه البزار ، تقدم معنا الحاكم في المستدرك، وعلى حسب شرط الهيثمي في المجمع رواه البزار بسند رجاله رجال الصحيح غير سلم بن جنادة الكوفي وهو ثقة، فقوله أدق من قول الإمام الحاكم : الإسناد على شرط الشيخين، نعم الحديث صحيح.

    إذاً هو في المستدرك ورواه البزار أيضاً، والحديث رواه ابن عساكر وابن مردويه والديلمي كما في الدر المنثور (5/45)، وكما في جمع الجوامع (1/170)، ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (9/147)، فإذاً هو في المستدرك ومسند البزار وغير ذلك من الكتب التي ذكرتها، والحديث صحيح من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( تزوجوا النساء يأتين بالأموال )، أي: هن سبب لمجيء المال، وكما قلت: أول سبب معونة الله، ثم قد تأتي المرأة عندها حرفة، أو بغنى أهلها، بل هي أمور عشرة سأذكرها، إنما إذا تزوجت فهذا مفتاح للغنى والرزق.

    والحديث إخوتي الكرام رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (4/127)، كما رواه أبو داود في مراسيله، والخطيب في تاريخ بغداد (9/147)، رووه من رواية عروة بن الزبير مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام مرسلاً دون ذكر أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فهو مرسل في هذه الرواية، وكما قلت: الوصل يقدم، والوصل ثابت في الطرق الماضية، فالحديث مروي مرسلاً، ومروي متصلاً من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تزوجوا النساء يأتين بالأموال ).

    وأما الحديث الأخير الذي سأذكره في هذا الأمر فقد رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد وسمعته مراراً من شيوخي الكرام، وبعض شيوخنا ذكره في كتابه رحمة الإسلام بالنساء، وهو الشيخ محمد الحامد عليه وعلى أئمتنا ومشايخنا جميعاً رحمة ربنا، وذكر أن الفقهاء يوردونه بصيغة أخرى، ولفظ الحديث مروي في كتاب من الكتب لكن في الإسناد ضعف، هذا بعد بحث وتعب في بيان تحقيق قيمة سند الحديث كما ستسمعون.

    لفظ الحديث إخوتي الكرام: ( أن رجلاً جاء إلى نبينا عليه الصلاة والسلام يشكو إليه فاقة فقال له: تزوج )، إلى هنا هذا مروي سأبين قيمة الرواية، الفقهاء يزيدون: ( فجاء يشكو الفاقة مرةً ثانية، فقال: تزوج -أي زوجةً ثانية- فجاء يشكو الفاقة فقال: تزوج، فجاء يشكو الفاقة فقال: تزوج ) ما بقي عنده شيء، فلما تزوج الرابعة فتح الله عليه أبواب الرزق وصب عليه الرزق صباً، ورزقه من حيث لا يحتسب.

    أصل الحديث (تزوج) واحدة دون التكملة التي يزيدها الفقهاء، وزيادة الفقهاء ما وقفت عليها في كتاب من كتب الحديث، لكن هذا الرواية الأولى رواها الخطيب في تاريخ بغداد (1/365).

    وقد عزاها إلى الخطيب الإمام السيوطي في الدر (5/45)، ورواها الزمخشري في الكشاف دون أن يعزوها إلى كتاب على عادته في نشر الأحاديث دون تحقيق في أمرها، وأيضاً استشهد بها الإمام الألوسي في روح المعاني (18/149) عند تفسير هذه الآية الكريمة: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32] .

    إخوتي الكرام! وإسناد الحديث حسن لولا وجود سعيد بن محمد مولى بني هاشم في الإسناد، هذا الذي عكر حسن الإسناد فقط، وكما قلت الحديث من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وأنا بحثت في السند في أول الأمر في كلام أئمتنا كما هي عادتي إذا وجدت كلاماً للمتقدمين لا داعي أن يتكلم المتأخرون، لكن علم ربي ما وقفت على كلام لأحد من أئمتنا حول هذا الحديث، إلا بعد البحث في تراجم الرواة، تبين لي الكلام على راو من هؤلاء.

    أما ضمن الأحاديث المشتهرة على الألسن أو كتب السنة المعروفة بين أيدينا فما وقفت على هذا الحديث ولا على كلام لأئمتنا نحو هذا الحديث، فبدأت في البحث عن رجال هذا الإسناد بدءاً من شيوخ الخطيب إلى التابعي الذي هو محمد بن المنكدر الذي يروي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين، ولو عكست كان أولى، يعني لو بدأت بـمحمد بن المنكدر وهو شيخ الإسلام ولا يحتاج إلى ترجمة.

    الراوي عن محمد بن المنكدر هو سعيد بن محمد مولى بني هاشم ، ثم الراوي عنه إبراهيم بن المنذر أبو جعفر الترمذي ، وعنه عبد الباقي بن قانع، وعنه محمد بن الحسين القطان.

    فالبحث عن ترجمة محمد بن الحسين القطان فيها عسر ومشقة، وهكذا الشيخ الذي بعده، لأنه ليس لهم رواية في الكتب الستة فيحتاج البحث عنهم إلى شيء من المشقة، وسأشارككم فيما فعلت في إسناد هذا الحديث إن شاء الله.

    يقول الخطيب البغدادي في ترجمة العبد الصالح محمد بن أحمد بن نصر وهو أبو جعفر الفقيه الشافعي الترمذي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وهو من شيوخ الخطيب البغدادي يقول هنا: أخبرنا محمد بن الحسين القطان .

    إخوتي الكرام محمد بن أحمد بن نصر أبو جعفر الفقيه الشافعي الترمذي ليس من شيوخ الخطيب البغدادي ، إنما هو ممن دخل بغداد، ويترجمه الخطيب في تاريخ بغداد ثم سيورد شيئاً من أخباره والأحاديث من طريقه بواسطة شيوخه إلى أبي جعفر الترمذي الذي هو محمد بن أحمد بن نصر ، وسأذكر لكم ترجمته عند المرور باسمه إن شاء الله.

    يقول الخطيب البغدادي : أخبرنا محمد بن الحسين القطان قال: نبأنا عبد الباقي بن قانع ، قال: نبأنا محمد بن أحمد بن نصر الترمذي ، والآن معنا الراوي الثالث، قال: نبأنا إبراهيم بن المنذر هؤلاء الأربعة أحوالهم كلها سليمة، جئنا إلى الخامس هذا الذي فيه ما فيه، قال: نبأنا سعيد بن محمد مولى بني هاشم، قال: نبأنا محمد بن المنكدر ، هؤلاء ستة رواة عن جابر رضي الله عنهم أجمعين، قال: ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إليه الفاقة فأمره أن يتزوج )، ثم بدأ يورد أخباراً أخرى في ترجمة العبد الصالح أبي جعفر الترمذي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    إخوتي الكرام! كما قلت: الحديث فيه سعيد بن محمد مولى بني هاشم شديد الضعف كما سيأتينا أمره، ولا يجوز الاحتجاج بروايته فالخبر غير ثابت، نعم معناه صحيح ثابت كما تقدم معنا، ألا وهو أن معونة الله ستكون للمتزوجين، وأن النكاح سبب للغنى، فالمعنى ثابت، لكن هذا اللفظ عن نبينا عليه الصلاة والسلام لا يجوز أن نقول: قاله رسول الله عليه الصلاة والسلام، لوجود هذه الآفة في الإسناد.

    وهذا الحديث يقرب من حديث ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره (3/287)، قال: وأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث: ( تزوجوا فقراء يغنكم الله ) فلا أصل له، يعني من ناحية الإسناد والثبوت إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن، وفي القرآن غنية عنه.

    يعني: هذا اللفظ هو في معنى الآية: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32]، وكذا هذه الأحاديث التي أوردناها، ولله الحمد والمنة.

    وهكذا نقول: هذا الحديث لا يجوز أن نجزم بنسبته إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، فضعفه كما قلت شديد، نعم معناه صحيح ثابت.

    أما البحث عن رجال الإسناد فكما قلت: سأشارككم فيما كتبته من تعليقات، وهذا أول ما بحثته في رجال هذا الإسناد.

    الأول كما قلت شيخ الخطيب ، أخبرنا محمد بن الحسين القطان ، ترجمه الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (12/331)، ولا يوجد له ترجمة في التقريب قطعاً وجزماً؛ لأن هذا محمد بن الحسين القطان توفي سنة (415هـ)، هو من شيوخ الخطيب البغدادي ، الخطيب البغدادي توفي سنة (463هـ)، وهذا من شيوخه، يعني توفي في القرن الخامس، لكن في بدايته أو نهايته العلم عند الله، وشيوخ الكتب الستة هم في سنة ثلاثمائة فما دونها إلا الإمام النسائي فهو الذي جاوزها بقليل عليهم رحمة ربنا جميعاً.

    إذاً لا يوجد ترجمة له في التقريب، ولذلك هناك شيء من الصعوبة، لكن يسر الله الوقوف كما قلت عليه في سير أعلام النبلاء، فيقول الإمام الذهبي في ترجمته: مجمع على ثقته، حدث عنه الخطيب البغدادي والإمام البيهقي ، والإمام اللالكائي ، هذا الراوي الأول وهو محمد بن الحسين القطان .

    الراوي الثاني وهو عبد الباقي بن قانع نقف عنده، ونتدارس بقية التراجم من رجال هذا الإسناد إن شاء الله في الموعظة الآتية، لنعتاد أيضاً طريقة البحث في رجال الإسناد، وقد لا يكون في ذلك فائدة كبيرة لكن لا بد من التمرن على ذلك، ونسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، اللهم لا تجعل فينا ولا منا ولا بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم تقبل منا الصلاة والصيام والقيام، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، اللهم اجعلنا من عتقاء شهر رمضان، وأدخلنا الجنة من باب الريان بسلام، بفضلك ورحمتك يا ذا الجلال والإكرام.

    اللهم اجعل هذا الشهر الكريم أوله لنا رحمة، وأوسطه لنا مغفرة، وآخره عتقاً لنا من النار، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين..