إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مباحث النبوة - ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه [2]

مباحث النبوة - ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من نعم الله على الإنسان في هذه الدنيا أن جعل له سكناً فيها، ولا يحصل هذا السكن إلا إذا أوى الزوج إلى زوجة، واقترن كل نظير بنظيره، وقد جعل الله الرباط بين هذين الصنفين وثيقاً محكماً عن طريق ما جعل بينهما من المودة والرحمة، وبنى على هذه العلاقة منافع تعود على كل واحد منهما في الدنيا.

    1.   

    تابع مشروعية العقيقة والرد على من أنكرها في حق الأنثى

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس مقاصد النكاح وحكمه، وتقدم معنا أن مقاصده كثيرة، والحكم من مشروعيته متعددة وفيرة، وقلت: يمكن أن نجملها في خمسة مقاصد:

    أولها كما تقدم معنا: تحصين النفس البشرية من كل آفة ردية، سواء كانت حسية أو معنوية.

    وثانيها: إيجاد الذرية التي تعبد وتوحد رب البرية سبحانه وتعالى.

    وثالثها: تحصيل الأجر للزوجين عن طريقين اثنين: عن طريق حسن عشرة كل منهما لصاحبه، وعن طريق مساعدته في نفقته.

    ورابع المقاصد: تذكر لذة الآخرة. وقد مر الكلام على هذه الأمور الأربعة في المواعظ الماضية مقرراً مفصلاً بأدلته، وشرعنا في مدارسة المقصد الخامس والحكمة الأخيرة من مشروعية النكاح، ألا وهي ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه وبأهل زوجه وقرابته.

    هذا الأمر الخامس إخوتي الكرام سأقرره بخمس آيات كريمات، ذكرت آيتين كريمتين تدلان على هذا الأمر: الآية الأولى من سورة الذاريات: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات:49] ، فقلت: إن التفرد لا يليق إلا بالفرد الواحد الأحد الفرد الصمد سبحانه وتعالى، ومن عداه بحاجة إلى الاقتران بزوجه من أجل أن تحصل الفائدة منه.

    والآية الثانية من سورة الروم، وفيها يقول الحي القيوم سبحانه وتعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21].

    وتقدم معنا شرح هذه الآية الكريمة، وأن السكن لا يحصل للإنسان إلا إذا أوى الزوج إلى زوجة، واقترن كل صنف بنظيره الذي جعله الله نظيراً له وأباح الله الاجتماع بين هذين الصنفين: بين الذكر والأنثى لحكم كثيرة في العاجل والآجل، وربط الله بين الزوجين برباط محكم وثيق عن طريق الود، وهو أتم الحب وأكمله وأدقه وألطفه، وعن طريق الرأفة والرحمة، وجعل: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21] .

    إخوتي الكرام! تقدم معنا كما قلت شرح هذه الآية الكريمة، واستعرضت قول الإمام الرازي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في تفسير هذه الآية، وفي استنباطه معنىً غريباً لم يسبق إليه، حيث قال: إن هذه الآية الكريمة تدل على أن النساء خلقن كخلقة الدواب والنبات والجماد؛ لأن الله يقول: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ [الروم:21] ومن آياته أن خلق لكم، وبينت أن الآية لا تدل على هذا لا من قريب ولا من بعيد، وفندت هذا القول بستة أوجه معتبرة كما تقدم معنا تقرير هذا في الموعظة الماضية.

    إخوتي الكرام! وقفت عند جزئية أحب أن أذكرها وأكملها لأنتقل بعد ذلك إلى الآية الثالثة التي تقرر ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه، هذه الجزئية هي ضمن مراحل البحث، فقد تقدم معنا أن الله سوى بين النساء والرجال في عناصر المماثلة والمشابهة البارزة، وهي ثلاثة أمور: أولها: في الخلق، وثانيها: في التكليف، وثالثها: في الجزاء، فهي مخلوقة من الجنس الذي خلقنا منه، وهي مكلفة بما كلف الذكور به، وستثاب وتعاقب كما يثاب ويعاقب الذكر تماماً، ولذلك لا يجوز أن نقول: إن النساء خلقن كخلقة الدواب والنبات، بل مخلوقة من جنسنا، وتستوي معنا في التكليف، (فالنساء شقائق الرجال) كما تقدم معنا هذا من كلام نبينا عليه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وتستوي معنا بعد ذلك في الجزاء عند رب الأرض والسماء.

    مزية النساء في الرواية للسنة

    ولذلك إخوتي الكرام تقدم معنا أن ما شرع للرجل شرع للمرأة، إلا ما قام عليه دليل التخصيص بأن الله خص المرأة بحكم وخص الرجل بحكم حسب مقتضى شريعته، ولكن ما عدا هذا يستويان فيه، وعندنا أعظم الأمور في شرع العزيز الغفور، ألا وهو نقل حديث نبينا الرسول عليه الصلاة والسلام تستوي المرأة مع الرجل، لو روت المرأة عن النبي عليه الصلاة والسلام حديثها يقبل كما لو رواه الرجل سواءً بسواء، بل تقدم معنا للنساء مكانة ومفخرة في الرواية ما حصلت للرجال، ألا وهي أنه لا يوجد في النساء كذابة على نبينا عليه الصلاة والسلام، بل ما وجد في الراويات متهمة، وما أكثر الكذابين من الرجال الذين يكذبون على نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام. وما أكثر المتهمين! هذه منقبة للنساء في باب الرواية، حفظها أئمتنا للنساء.

    يقول الإمام الذهبي في الميزان (4/604)، والإمام ابن حجر في لسان الميزان (7/522) ينقل هذا عن الذهبي ويقره فيقول: ما علمت في النساء من اتهمت، ولا من تركوها.

    ما وجد في تاريخ هذه الأمة امرأة كذبت على النبي عليه الصلاة والسلام، وما أكثر من يكذب على النبي عليه الصلاة والسلام من الرجال والوضاعين.

    الترجيح عند تعارض رواية المرأة ورواية الرجل عند العلماء

    ذهب بعض أئمتنا إلى أن رواية الذكر إذا تعارضت مع رواية الأنثى تقدم رواية الأنثى، وهذا هو الذي قرره شيخ الإسلام شيخ أهل السنة الكرام الإمام أبو إسحاق الإسفراييني ، وصوبه الإمام الزركشي ، ونقله شيخ الإسلام عبد الرحيم العراقي الأثري، وارتضاه وأقره.

    ثلاثة من فحول أئمتنا: أبو إسحاق الإسفراييني والزركشي والإمام العراقي يرون أن رواية المرأة تقدم على رواية الرجل عند التعارض، قال: لأنها في أمور الديانة أصدق، نعم في أمور الدنيا هي ما خلقت لأن تعتني وأن تجمع الريالات وأن تعد الدراهم والدنانير، لكن أمر الدين هذه مكلفة كما أنك مكلف، فهي تحرص كما أنك تحرص، لكن أنت عندك أحياناً ما يشغلك ويشتت ذهنك، وأما هي فتصدق أكثر، هؤلاء الأئمة الثلاثة يرون أن رواية المرأة تقدم على رواية الرجل عند التعارض، وهذا قول من أقوال أربعة قيلت في المسألة، والجمهور على تقديم رواية الرجل على المرأة عند التعارض، وهناك قول ثالث: إذا كانت الرواية تتعلق بالنساء تقدم رواية المرأة على الرجل؛ لأن هذا الحكم يتعلق بالنساء، فهي له أضبط.

    والقول الرابع: أن المرأة إذا روت حديثاً يتعلق بها وبقصتها فيقدم على الرجل إذا عارضها في هذه الرواية.

    أربعة أقوال، وقول من هذه الأقوال ذهب إليه ثلاثة من أئمتنا الأبرار: أن رواية المرأة تقدم على رواية الرجل عند التعارض في الرواية، وانظروا هذه المسألة إخوتي الكرام في كتاب شرح جمع الجوامع مع حاشية الإمام العطار عليه (2/407)، وجمع الجوامع للإمام ابن السبكي ، فهو في أصول الفقه، وجمعه من مائة كتاب، فشرحه الجلال المحلي ، وعليه حاشية للشيخ العطار في مجلدين كبيرين، كل مجلد يزيد على سبعمائة صفحة من القطع الكبير، والكلام مرصوص كرءوس الإبر والنمل، ولو فرد المجلدان لبلغا على أقل تقدير خمسة مجلدات من الحجم الكبير.

    جمع الجوامع شرحه كما قلت الجلال المحلي ، وعليه حاشية للإمام العطار ، انظروا (2/407) في نقل هذا الكلام عن أبي إسحاق الإسفراييني والزركشي والإمام العراقي ، ونقل هذا أيضاً الشيخ الكتاني في كتابه التراتيب الإدارية، وهو كتاب نظام الحكومة النبوية على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، والكتاب في مجلدين، ينقل هذا في (2/235)، وانظروه في فتح الرحيم وفي شرح مسلم الثبوت في أصول الفقه لـابن عبد الشكور (2/209)، ورأى ترجيح رواية الذكر في غير أحكام النساء، وهذا قول ثان من الأقوال الأربعة التي قيلت في المسألة، وكما قلت إخوتي الكرام: الجمهور على تقديم رواية الرجل، وهذا الذي قرره جمهور الأئمة، انظروا التقييد والإيضاح في شرح مقدمة الحافظ ابن الصلاح لشيخ الإسلام الإمام عبد الرحيم العراقي الأثري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا (ص:286)، فذكر من وجوه الترجيح إذا تعارضت الروايات ما يزيد على مائة وجه من أوجه الترجيح، يقول: أبدأ بالخمسين التي عدها الإمام الحازمي حيث عد خمسين وجهاً من وجوه الترجيح في أول كتابه الاعتبار الناسخ والمنسوخ من الآثار، ثم أكمل عليها ما زيد عليها، فبلغت أسباب الترجيح عنده مائة وعشرة وجه في الترجيح لو تعارضت الروايات، وإذا تعارضت فأول ما نفعله بين الروايات المتعارضة الجمع، فإن أمكن لا نعدل عنه إلى ما بعده، فإذا لم يمكن نبحث هل يوجد نسخ، فإذا لم يوجد نسخ نلجأ إلى الترجيح بمرجح من المرجحات أوصلها شيخ الإسلام الإمام العراقي إلى مائة وعشرة مرجحات في التقييد والإيضاح، المرجح الثاني والستين يقول: كون الراوي ذكراً، وهذا ما ذهب إليه الإمام السيوطي في تدريب الراوي أيضاً (ص:388)، وقال: استوفى وجوه الترجيح الإمام العراقي في نكته على ابن الصلاح وهو التقييد والإيضاح الذي ذكرته لكم، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    إذاً: المرأة تستوي مع الرجل في هذا الأمر، فلا داعي للقول بأنها خلقت كخلقة الدواب والنبات والجماد.

    1.   

    قول الحسن البصري وقتادة بن دعامة في عدم مشروعية العقيقة عن الأنثى

    وقلت في آخر الأمور في رد كلام الإمام الرازي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: إن هذا المفهوم مفهوم جاهلي، وقلت: إن الرأي إذا عارض النص يطرح، وختمت الكلام بأمر انفرد به تابعيان: الإمام الحسن البصري وقتادة بن دعامة السدوسي ، انفردا بقول غريب في أمر العقيقة، ألا وهو أن العقيقة تشرع عن الذكر ولا تشرع عن الأنثى، قالا: لأنها شرعت للسرور، وليس في مجيء الأنثى سرور وبهجة وحبور، وعليه لا يعق الإنسان عن الأنثى، إنما يعق عن الذكر، وقلت: هذا رأي، والرأي إذا صادم نصاً فهو فاسد الاعتبار، فإن كان قائله من أهل الخير والصلاح نستغفر له ونرد قوله ونقف عند هذا الحد، وهذا هو الحاصل في الحسن البصري وقتادة رحمة الله ورضوانه عليهما وعلى أئمتنا أجمعين، وتقدم معنا أن هذا القول نقله الإمام ابن المنذر عنهما، ونقله الإمام ابن القيم في تحفة المودود بأحكام المولود (ص:52)، ونقله الإمام ابن قدامة في المغني (11/120).

    وقلت إخوتي الكرام: إن هذا يصادم الأحاديث التي وردت في أمر العقيقة، ووعدت بأن أذكر بعض الأحاديث في ذلك على وجه الإيجاز لأنتقل بعد ذلك إلى الآية الثالثة التي تقرر ارتفاق كل من الزوجين لصاحبه.

    إخوتي الكرام! تقدم معنا أن العقيقة مستحبة عند أئمة الإسلام، وما نسب إلى سيدنا فقيه هذه الملة الإمام المبارك أبي حنيفة النعمان بن ثابت عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا أنه يقول: ببدعية العقيقة في حق الذكر والأنثى، فقلت: إن القول لا يثبت عنه، نعم حكاه الحافظ ابن حجر عليه وعلى أئمتنا في فتح الباري (9/588)، ونسب القول ببدعية العقيقة إلى الإمام أبي حنيفة ، لكن الإمام العيني في عمدة القاري تعقبه بعبارة قاسية وقلت: لا داعي للقسوة في الكلام، إنما يرد هذا ويقال ما صح عن هذا الإمام أنه يقول ببدعية العقيقة، فالإمام العيني في عمدة القاري (21/83) قال: وقال بعضهم في شرحه -يشير إلى الحافظ ابن حجر - إن أبا حنيفة عليه يقول إن العقيقة بدعة، قلت: هذا افتراء على الإمام، إنما أبو حنيفة لا يرى أن العقيقة سنةً لا يراها سنةً ثابتةً مؤكدةً يطالب الإنسان بها على سبيل الجزم، إنما يراها من باب الاستحباب، ولا يرد ما ورد فيها من أحاديث، إنما يرى أنها مستحبة، أما أنه يقول: إنها بدعة فلا ثم لا، والإمام العيني حنفي المذهب، وأهل مكة أدرى بشعابها، فهو أدرى بأقوال إمامه من الحافظ ابن حجر وغيره في هذه المسألة رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين.

    كما قلت إخوتي الكرام أذكر بعض الأحاديث على سبيل الإيجاز التي تقرر مشروعية العقيقة للذكر والأنثى، وأن ما قاله الحسن وقتادة قول يصادم النص فيطرح ولا يعول عليه.

    حديث عائشة في العقيقة عن الغلام والجارية

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والحديث رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه والإمام البيهقي في السنن الكبرى، والحديث صحيح من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة).

    شاتان مكافئتان أي: خذهما متماثلتين، وكل واحدة تكافئ الأخرى وتساويها، فلا تكن واحدة دون السن المطلوب وواحدة في السن المطلوب؛ لأنه يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية من السن والسلامة من العيوب.

    وهذا هو المستحب في الغلام، وتحصل السنة ويحصل الاستحباب للعق عنه بشاة واحدة، لكن الأكمل في حق الغلام أن تعق بشاتين وعن الجارية بشاة، ولو فعلت شاةً عن الغلام أجزأ، وقد ثبتت في ذلك أحاديث كثيرة عن نبينا صلى الله عليه وسلم.

    الشاهد من هذا الحديث أن فيه عقيقة عن الجارية، فمن قال: لا يعق عنها لأنه لا سرور في مجيئها فهو مفهوم الجاهلية، ولا يجوز أن نقول هذا، وهذه هدية من الله جل وعلا، والله يقول في كتابه: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى:49-50].

    أمر البشرية في عجب عندما يحتكمون إلى عقولهم، فريق قدس المرأة وقدمها على الرجل في الخطاب وفي الكلام كما تسمعون في هذه الأيام في وسائل الإفساد والإعلام: سيداتي آنساتي سادتي، وقد قال بعض شيوخ الأزهر في بدعة تأبين قاسم أمين قسمه الله وألقاه في سجين، وقد أفضى إلى ما قدم، يقول في بدعة تأبين: سيداتي آنساتي سادتي، ثم قال الشيخ الألباني قال: لا تظنوا أنني أقول هذا تقليداً للغرب في تقديم المرأة، إنما أقول هذا اقتداءً بقول الله: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ [الشورى:49]، فقدم الأنثى على الذكر قال: سيداتي آنستي سادتي، لكن أعمى الله قلبه عن آخر الآية أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا [الشورى:50].

    الأمر الثاني: آيات كثيرة إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35] ، قدم الذكر أم الأنثى؟ استمع بعد ذلك لدلالة أوضح في آخر الآية أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ [الأحزاب:35] حذف الأنثى وأدرجها ضمن ضمير الذكور، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35] ، (أعد لهم) ما قال: لهم ولهن أيضاً، هناك يقول: (إن المسلمين والمسلمات) ثم قال: (أعد لهم) فأدرج ضمير الإناث ضمن ضمير الذكور وجعلهن تبع؟

    والآيات في ذلك كثيرة: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71].

    الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة:67] في تقديم الرجل على المرأة، لكن هذا لهوىً في نفسه استدل بآية الشورى وأيضاً أهمل آخرها، يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ [الشورى:49]، لا يا عبد الله، ما فعلت هذا اقتداءً بالآية الكريمة، إنما تقليداً لسنة إفرنجية ملعونة، وما أهان المرأة كالغرب باسم إكرامها، يكرمها ويضحك على ذقنها، لكن ليجعلها بعد ذلك ألعوبةً بين يديه ورجليه، نعم هو يقبل يداها ويفتح لها الباب، لكن جعلها سلعةً مبتذلةً لا قيمة لها، فهذا الذي حصل من الغرب نحو المرأة كما كان شيخ الإسلام الشيخ مصطفى صبري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا يقول: ضحك على ذقنها، ومخادعة لها، واعتداء على عرضها باسم إكرامها وتقديمها في المجالس، فهو يقدمها في الذكر لكن بعد ذلك يرتع هذا وذاك في عرضها وكأنها خرقة بالية، هذا لا يوجد عندنا في الإسلام، نحن عندنا في الإسلام المرأة في الذكر تبع للرجل، بل يطوى الحديث عنها في كتاب الله من أجل ألا تتحرك الأذهان نحوها، والخطاب الذي يوجه إلى هذا القيم: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228] ، تدخل فيه، لكن عندنا أدب أدبنا الله به وهو ألا نذكر النساء إلا لضرورة.

    وهذا إخوتي الكرام كانت الأمة جارية عليه، يعني حقيقةً الواحد منا لا يمكن أن يصرح باسم أمه عندما يسأل، وعندما كنا صغاراً في المدرسة يقال: أنت ابن من؟ ابن فلان، أمك ما اسمها؟ …، لم؟ يرى أن هذا في الحقيقة مهزلة في ذكر اسم أمه، ماذا تريد؟ هذا ينبغي أن يصان عن الذكر، وأخبرني مرةً بعض الشيوخ العميان ابتلي بتدريس النسوان في بعض المدارس، فقال لي: دخلت إلى الفصل أسألهن: ما اسمك؟ ولا واحدة تجيب، قال: الإخبار عن الاسم ليس بعورة.

    هذا في الوقت المتقدم ليس في هذه الأيام، ونسأل الله حسن الختام، الآن الإنسان يباهي أن ابنته -على تعبيره- نجم كذا وخسة كذا بالتمثيليات، وبعد ذلك البلاء الذي يعانيه النساء في هذه الأمة، لكن امرأة لماذا تصرح باسمها لغير ضرورة؟ الأصل أن النساء يصن عن الذكر، وألا يذكرن إلا بمقدار الضرورة.

    وهنا إخوتي الكرام الله جل وعلا يخبر عن هذه الأمة المباركة والدرة الفاخرة بأنها هبة، يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ [الشورى:49] سبحانه وتعالى، قدمها لعظيم العبرة فيها هي المعامل الربانية في إيجاد الذرية، قدمها للاحتياج إليها: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ [الشورى:49].

    إذاً: هذه هبة، وإذا كانت هبة فاشكر الله عليها، ينبغي أن تعق عنها كما تعق عن الولد الذكر، أما الأنثى البنت لا تعق عنها فحالك صار كحال الجاهلية: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [النحل:58].

    حديث عبد الله بن عمرو في العقيقة عن الغلام والجارية

    ومن الأحاديث إخوتي الكرام التي تقرر هذا ما ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي والحديث رواه الإمام الحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن، وإسناده صحيح كالشمس من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العقيقة؟ فقال: أكره العقوق)، كره الاسم، كأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: سموها بغير هذا الاسم، ولذلك لو قيل عن العقيقة: نسيكة لكان أولى، ولو قيل لها: ذبيحة لكان أولى، والنسيكة هي أحسن الأسماء كما قال الحافظ ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، (أكره العقوق) كره الاسم، لكن الذبح عن الغلام وعن الجارية، (أكره العقوق، ثم قال عليه الصلاة والسلام: من أحب أن ينسك عن ولده) لم يقل هنا: أن يعق في هذا الحديث (من أحب أن ينسك عن ولده فلينسك، عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة).

    وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي والحديث رواه ابن حبان في صحيحه والحميدي في مسنده، والدارمي في سننه من رواية أم كرز رضي الله عنها وأرضاها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة).

    والأحاديث في ذلك كثيرة، منها ما في مسند الإمام أحمد من رواية أسماء بنت يزيد رضي الله عنها، ومنها ما في مسند البزار ومعجم الطبراني الكبير من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، وكل هذه الأحاديث فيها كما قلت: (عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة)، انظروا الروايتين الأخيرتين في مجمع الزوائد (4/57)، وأصل العقيقة الأحاديث فيه متواترة، لكن أنا آتي الآن بأحاديث تبين أنه ينبغي أن نعق وأن ننسك عن الجارية، وهذا نطالب به كما نطالب بأن نعق وننسك عن الغلام.

    عدم الذبح عن الجارية من فعل اليهود

    إخوتي الكرام! وأما النسيكة عن الغلام دون الجارية هذا فعل اليهود، وقد أشار إلى ذلك نبينا المحمود عليه الصلاة والسلام، والحديث روي عنه في السنن الكبرى للإمام البيهقي ومسند البزار ، ورواه أبو الشيخ كما في فتح الباري (9/592)، وانظروا رواية البيهقي في السنن الكبرى (9/301).

    وانظروا رواية البزار في مجمع الزوائد (4/58)، ولفظ الحديث من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن اليهود تعق) عق يعق من باب رد يرد، (إن اليهود تعق عن الغلام كبشاً، ولا تعق عن الجارية).

    هذا فعل اليهود، فـالحسن وقتادة رضي الله عنهما هل يريدان أن نوافق اليهود في ذلك؟ لا ثم لا، (إن اليهود تعق عن الغلام شاة، ولا تعق عن الجارية، فعقوا عن الغلام شاتين -لتحصل المخالفة لليهود- وعن الجارية شاة).

    والحديث إخوتي الكرام في إسناده أبو حفص وهو سالم بن تميم ، روى الحديث أبو حفص الشاعر عن أبيه وهو سالم بن تميم ، عن أبيه تميم ، قال الإمام الهيثمي في المجمع: لم أجد من ترجمهما، وبعد البحث عنهما ما وقفت على ترجمة، أبو حفص الشاعر سالم عن أبيه وهو تميم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن اليهود تعق عن الغلام شاةً ولا تعق عن الجارية، فعقوا عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة)، كما قلت: أصل العق عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة، هذا ثابت كما تقدم معنا أننا نعق شاتين وشاةً في الأحاديث الصحيحة الكثيرة، لكن أن اليهود تعق عن الغلام شاةً ولا تعق عن الجارية مطلقاً ثابت في هذا الحديث الذي في راويان يقول الإمام الهيثمي : لم أجد من ترجمهما، والعلم عند الله جل وعلا.

    1.   

    آية الفرقان والدلالة على ارتفاق الزوج بصاحبه

    ننتقل إخوتي الكرام إلى الآية الثالثة التي تقرر ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه، والآية الثالثة من سورة الفرقان وفيها يقول ربنا الرحمن: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54].

    الماء هنا إخوتي الكرام إما أن يراد منه الماء المعروف وهو عنصر الحياة الذي يشرب، والله جل وعلا مزج طينة أبينا آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام بهذا الماء الذي نشربه، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا [الفرقان:54]، وإذا كان المراد من الماء المعنى المعروف والمعنى القريب وهو الماء الذي يشرب، وتحتاجه الكائنات الحية، فالمراد من البشر هنا هم بنو آدم، سموا بذلك لظهور بشرتهم.

    إذاً: خلق من الماء بشراً، إما أن يراد من البشر خصوص آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام؛ لأن الله خلق آدم من طين مزج بماء، فصح أن يقال: إنه مخلوق من ماء، ومخلوق من تراب، باعتبار أنه خلق من كليهما، أي من تراب مزج بماء.

    وقيل: إن المراد من البشر هنا جميع بني آدم (جنس الإنس)، ويدخل فيهم أصلهم وهو آدم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فنحن خلقنا من ذلك؛ لأن أصلنا خلق من تراب وماء، ونحن بحاجة إلى هذا الماء ولا نستغني عنه.

    وقيل: المراد من الماء هنا المعنى البعيد وهو خصوص المني الذي يخلق منه بنو آدم، وإذا كان كذلك فالمراد من البشر هنا ذريته قطعاً وجزماً، ولا يراد أصله وهو أبونا آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام؛ لأنه خلق من غير واسطة التقاء ذكر وأنثى، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا [الفرقان:54] ، وهو الماء المهين الذي خلق الله منه بشراً في أحسن تقويم.

    وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54]، انتبه، هذا الماء سواء كان الماء المعروف المعنى القريب أو البعيد وهو المني، جعله الله جل وعلا ينقسم إلى قسمين: نسباً وصهراً.

    المراد بالنسب والصهر في آية الفرقان

    وفي بيان المراد بالنسب والصهر ثلاثة أقوال:

    أولها: قسم هذا الماء بعد ذلك عندما خلق منه البشر إلى قسمين اثنين: إلى ذوي نسب، أي: ذكور ينسب إليه، وإناث ذوات صهر، أي: إناث يصاهر بهن، أي: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا [الفرقان:54] فجعل من هذا الماء بشراً على قسمين: نسباً، ذكوراً ينسب إليهم، وإناثاً، جاءك ذكور فهؤلاء الذكور أولادهم ينسبون إلى هذا الذكر الأب، (وصهراً) ذوات صهر تصاهر بهن، فإذاً هؤلاء ذكور نسبهم ونسب أولادهم وأحفادهم مهما نزل إليك، وذوات صهر تصاهر بهن:

    بنون بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد

    فإذاً: ابن البنت بعيد عنك ونسبه لا يتصل بك وإن كانت الرحم موجودة، لكن لا ينتسب إليك، النسبة اختلفت، فذاك ينسب إلى أبيه وإلى جده والد أبيه، فإذاً جعل الله هذا الماء بعد ذلك عندما خلق منه بشراً منقسماً إلى قسمين:

    إلى نسب وإلى صهر، أي: إلى ذوي نسب ذكور تنسب إليهم الذرية، وإلى إناث تصاهر بهن، ويربط الله بين خلقه بواسطة هذين الأمرين، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54]، هذا هو المراد من النسب والصهر على القول الأول.

    والقول الثاني: قيل: المراد من النسب والصهر هو أبونا آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، أي خلق من الماء بشراً وهو آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فجعله نسباً وصهراً، أي: خلق منه حواء ليأوي إليها، ولتحصل المصاهرة بينهما.

    خلق من هذا الماء بشراً ثم جعل فيه صفتين مختلفتين: خلق من أحد أضلاعه زوجة وهي أمنا حواء، وأبقى فيه صفة الذكورة، فجعله نسباً ذكراً ينسب إليه، خلق منه زوجه (صهراً) ليسكن إليها.

    والمعنى الثالث الذي تحتمله الآية قاله جم غفير أيضاً من سلفنا:

    قالوا: النسب: هو ما لا يحل لك نكاحه، والصهر: ما يحل لك نكاحه.

    فجعل الله من هذا الماء الذي خلق منه البشر قسمين: قسماً لا يجوز أن تنكحه من محارمك من بناتك وعماتك وخالاتك وأمهاتك، وجعل بعد ذلك من هذا الماء ما يحل لك أن تنكحه وأن يحصل بينك وبين صاحب هذه الأنثى مصاهرة.

    وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54]، كأن الله جل وعلا يقول: لا تعجبوا أن جعل الله من هذا الماء -سواء الماء الذي يشرب وهو مادة الحياة أو من المني- لا تعجبوا أن جعل الله منه زوجين مختلفين ذكورة وأنوثة، فهذا من فعل القدير، والآية التي قبلها وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:53]، جعل الله جل وعلا الماء ينقسم إلى قسمين، وجعل بينهما حاجزاً: عذب فرات وملح أجاج، وهنا جل وعلا جعل من هذا الماء قسمين: ذكوراً وإناثاً.

    يقول الخطيب الشربيني في تفسيره السراج المنير عند هذه الآية: وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54]: كما جعل الله الماء قسمين: عذباً وملحاً، جعل من هذا الماء زوجين: ذكراً وأنثى، وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54]، كما خلق من المادة نوعين وهما الذكور والإناث فهو يوفق من يشاء، فيجعله عذب المذاق، سهل الأخلاق، ويخذل من يشاء ويجعله مر الأخلاق، كثير الشقاق، عريقاً غريقاً في النفاق، وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54] ، أما واحد منه ملح أجاج ومنه عذب سائغ شرابه، والماء واحد منه ذكر ومنه أنثى، فكما جعل الله من المادة جنسين يجعل الله أيضاً في هذا البشر طبيعيتين: طبيعة لينة سهلة منقادة، وطبيعة خبيثة شريرة، وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54].

    وهذه الآية فيها منة على العباد بأن جعل الله لهم من جنسهم ما يسكنون إليه، فهم خلقوا من ماء، وجعلهم ذكوراً وإناثاً، ثم كل واحد بعد ذلك يأوي إلى زوجه، وكان ربك قديراً.

    آية الفرقان والكفاءة المعتبرة في النكاح

    وهذه الآية استنبط منها أمير المؤمنين وشيخ المحدثين الإمام البخاري في صحيحه عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا أمراً ينبغي الانتباه له في أمر النكاح في موضوع الكفاءة، قال: الكفاءة في الدين فقط، والبشر كلهم يتساوون؛ لأن الله جعل البشر مخلوقين من ماء واحد، فكل واحد يكافئ غيره، هذا يكافئ من عداه مهما كان حاله، أي: ما دام هذا من بني آدم وذاك من بني آدم فهما متكافئان، نعم دل الشرع على اعتبار الدين، فالمؤمن لا يكافئه الكافر اللعين، هذا ورد عليه دليل بخصوصه وما عدا هذا لا تعتبر الكفاءة إلا في الدين، يقول في فتح الباري (9/131): باب الأكفاء في الدين.

    قال الحافظ ابن حجر : اعتبار الكفاءة في الدين متفق عليها عند أئمة المسلمين، فلا تحل المسلمة لكافر أصلاً، هذا لا خلاف فيه، يقول: فلما رأى المصنف -وهو الإمام البخاري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا- الحصر وقع بالقسمين وهما الذكورة والأنوثة، صلح التمسك بالعموم لوجود الصلاحية إلا ما دل الدليل على اعتباره، فالكافر يستثنى لا يكافئ المؤمن، وما عدا هذا المؤمنون يكافئ بعضهم بعضاً.

    يقول: وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين فقط الإمام مالك من الأئمة الأربعة رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، يعني ينبغي أن يتزوج المسلمة مسلم، أما بعد ذلك والدها غني والزوج فقير، والدها عربي والزوج من الموالي أو العجم، هذا لا يشترط عند الإمام مالك .

    قال الحافظ ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: ونقل هذا عن ابن عمر ، وابن مسعود ، ومن التابعين عن ابن سيرين ، وعن الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم أجمعين: أن الكفاءة ينبغي أن تكون في الدين فقط، ولا يشترط بعد ذلك شيء زائد.

    قال الحافظ ابن حجر : ونقل ابن المنذر وهكذا الإمام البويطي من أئمة الشافعية هذا القول عن الشافعي ، فهو قول له في المسألة أيضاً: أن الكفاءة تعتبر في الدين فقط، قال: وهو كذلك في مختصر البويطي ، قال الرافعي : وفي المسألة خلاف مشهور، والذي جزم به الإمام النووي في روضة الطالبين (7/84) قال: المشهور ما سبق، أي: أنه يشترط مع الدين أموراً أخرى سأذكرها حسبما قرر الجمهور، لكن عند الإمام مالك : لا يشترط في الكفاءة إلا الدين، فالمسلمة لا يتزوجها إلا مسلم، ولا يبحث بعد ذلك في شرط آخر.

    نعم ذهب الجمهور الحنفية والشافعية على المعتمد عندهم والحنابلة إلى اعتبار الكفاءة في الأمور الأخرى مع الدين، وقد نظمها الإمام الحموي وهو صاحب شرح كتاب الأشباه والنظائر لـابن نجيم ، وتقدم معنا أنه شرحه الحموي في أربع مجلدات، والحموي هو أحمد بن محمد بن مكي الحموي المصري ، من بلاد حما فاستوطن مصر وقبض فيها عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وقد توفي سنة (1098هـ).

    يقول الإمام ابن عابدين في رد المختار على الدر المختار (3/86): نظم الإمام الحموي ما تعتبر به الكفاءة، فاحفظوا هذين البيتين في أمور الكفاءة عند الجمهور، أو عند المذاهب الأربعة إلا الإمام مالكاً عليهم جميعاً رحمة الله.

    وقوله من حيث الدليل أقوى الأقوال، وإليه مال الإمام البخاري في صحيحه فقال: باب الأكفاء في الدين، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54] .

    يقول الإمام الحموي :

    إن الكفاءة في النكاح تكون في ست لها بيت بديع قد ضبط

    نسب وإسلام كذلك حرفة حرية وديانة مال فقط

    إذاً: النسب والإسلام والحرفة والحرية والديانة والمال، النسب فينبغي أن يتكافأ الزوج مع الزوجة في النسب، فلو كان دونها في النسب فالنكاح لا يصح إلا إذا أجاز الأولياء، لكن إن اعترضوا على هذا النكاح فهذا من حقهم.

    وعليه الموالي العجم لا يكافئون العرب، وبعد ذلك العرب أيضاً هم درجات في النسب على هذا القول، وهذا المقرر عند الجمهور.

    والإسلام: هذا محل اتفاق، لا خلاف فيه بين المذاهب الأربعة.

    والحرفة، فبنت بائع الذهب والجواهر لا يكافئها الكناس والزبال والحلاق والجزار؛ لأن المهنة دون تلك المهنة، فأهلها يعيرون بين الناس بأنه تزوجها من لا يكافئهم في مهنتهم.

    وحرية: فالرقيق لا يكافئ الحرة.

    والديانة: ليس المراد الإسلام إنما المراد هنا الصلاح، فالفاسق لا يكافئ الصالح.

    وبعد ذلك المال: فالفقير لا يكافئ الغني، ولا يكافئ بنت الأغنياء على هذا القول، هذا كما قلت قول الجمهور، ولهم أدلة لا أريد أن أخوض الآن في تفصيل شيء منها، لكن قول الإمام مالك ونقل عن صحابيين، وقال به كما قلت سيدنا عمر بن عبد العزيز وابن سيرين وهو أحد القولين للإمام الشافعي : أن الكفاءة لا تعتبر إلا في الدين، فكل مسلم كفؤ لكل مسلمة، وهذا فيما يظهر أقوى الأقوال من حيث الدليل، وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام ينبه عليه ويفعله.

    حديث جليبيب في إسقاط الكفاءة

    ولا أريد أن أرصد الأدلة أذكر حديثاً واحداً فقط في جليبيب وهو العبد الكاسد الذي كان يخبر عن نفسه، دميم الخلقة رضي الله عنه وأرضاه.

    حديثه في مسند الإمام أحمد ، وانظروا الحديث في مجمع الزوائد (9/367) في كتاب الفضائل، فضائل جليبيب ، ورجاله رجال الصحيح من رواية أبي برزة الأسلمي ، وأصل الحديث في صحيح مسلم من رواية أبي برزة لكن دون قصة النكاح، يوجد قصة وردت ضمن الحديث وهو استشهاده، هذه واردة في صحيح مسلم ، وأما قصة النكاح فهي في المسند، ولذلك قال الإمام الهيثمي في المجمع: بعضه في صحيح مسلم دون قصة النكاح، وهي استشهاده والكرامة التي حصلت له كما سأذكرها إن شاء الله عند ذكر الحديث.

    والحديث روي أيضاً من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه في مسند الإمام أحمد والبزار ، ورواه أبو يعلى كما في فتح الباري ، والإصابة للحافظ ابن حجر (1/242)، وإسناد الحديث أيضاً رجاله رجال الصحيح.

    إذاً من رواية أنس ومن رواية أبو برزة الأسلمي ، وخلاصة الحديث: يقول أبو برزة رضي الله عنه وأرضاه: (كان الأنصار إذا أراد الواحد منهم أن يزوج ابنته لا يزوجها حتى يعرضها على النبي عليه الصلاة والسلام، فإن كان له بها حاجة تزوجها، أو زوجها من أراد، فقال النبي عليه الصلاة والسلام مرةً لـجليبيب : ألا تتزوج؟ فقال: ومن يزوجني يا رسول الله؟ -وفي رواية عند أبي يعلى بسند صحيح قال: إذاً تجدني كاسداً، قال: لكنك عند الله لست بكاسد- ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام لبعض الأنصار: أريد أن تزوجني ابنتك، قال: نعم ونعمة عين وكرامة، قال: لا أريدها لي إنما أريدها لـجليبيب ، قال: حتى أستأمر أم هانئ )، أي: إذا كان لـجليبيب تحتاج هذه لمفاوضة مع الزوجة، فترك النبي عليه الصلاة والسلام له الأمر، ( فذهب وقال لها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فتاتنا، قالت: نعم ونعمة عين وكرامة نزوجه، قال: لا، يريدها لنفسه إنما يريدها لـجليبيب عبد أسود دميم الخلقة )، طيب! هنا ما اعتبر النبي عليه الصلاة والسلام كفاءةً في نسب أو في غيره.

    فقالت كما في رواية المسند: ( حلقاء )، يعني: نصاب بداء في حلقنا إذا زوجنا جليبيباً ، خطبها فلان وفلان وفلان فما أعطيناه، نعطيها لـجليبيب، فالرجل يستمع من زوجته، ثم أراد أن يذهب ليخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن الأم لم توافق، والبنت تسمع فقالت: ماذا تتحدثان؟ فأخبراها بالأمر، فقالت: ( أتردون على رسول الله عليه الصلاة والسلام أمره، ادفعوني إليه فلن يضيعني الله )، اختار النبي عليه الصلاة والسلام لي هذا العبد الأسود المسكين لن يضيعني الله، ورد في بعض روايات الحديث (فكأنها حلت عن أبويها عقالاً) يعني كانا في هم وغم، فلما قالت مقالتها سري عنهما، ( فوافقا، فذهب الوالد وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: نعم ونعمة عين وكرامة، زوجها لـجليبيب، فزوجها لـجليبيب، ودخل بها، وإذا بداعي الجهاد ينادي -من هنا في صحيح مسلم-، فخرج جليبيباً في الغزوة، فلما انتهت قال نبينا صلى الله عليه وسلم: من تفقدون؟ قالوا: نفقد فلاناً وفلاناً، قال: من تفقدون؟ قالوا: نفقد فلاناً وفلاناً، قال: من تفقدون الثالثة؟ قالوا: نفقد فلاناً وفلاناً؟ قال: لكني أفقد جليبيب، ابحثوا عنه، فبحثوا عنه فوجدوه قد قتل سبعةً وقتل، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام فحمله يقول أبو برزة: وليس له سرير إلا ساعدا النبي عليه الصلاة والسلام حتى حفر له قبره، والنبي عليه الصلاة والسلام يحمله على ساعديه المباركتين الشريفتين، وقال: قتل سبعةً وقتلوه، هذا مني وأنا منه، ثم توجه نبينا عليه الصلاة والسلام إلى ربه جل وعلا وقال: اللهم صب عليها العيش صباً صباً، ولا تجعل عيشها كداً كداً ).

    أي: زوج هذه المرأة المباركة التي ما تمتعت حتى بهذا العبد الكاسد إلا ليلة أو ليلتين، اللهم صب عليها العيش صباً صباً، ولا تجعل عيشها كداً كداً، فكانت أنفق أيم في المدينة رضي الله عنها وأرضاها، تزوجت بعده بفترة قصيرة رضي الله عنهم أجمعين.

    الشاهد هنا إخوتي الكرام عبد أسود كاسد هو يخبر عن نفسه يقول: إذاً تجدني كاسداً، قال: (لكنك عند الله لست بكاسد)، فما اعتبر النبي عليه الصلاة والسلام شيئاً من أمور الكفاءة، نعم ما قاله أئمتنا وردت آثار تدل عليه لكن لا يشترط ذلك لصحة النكاح، فإذا رضي أهل الزوجة بأن يزوجوا من لم توجد فيه شروط الكفاءة فهذا أعظم لأجرهم إذا كان صاحب دين يخشى رب العالمين، والإمام الهيثمي بوب على هذا، كما أورده في كتاب الفضائل، فضائل جليبيب ، أورد حديث جليبيب أيضاً في كتاب النكاح فقال: باب من زوج مرغوباً عنه، يعني هذا لا يرغب فيه وزوج كما حصل لـجليبيب رضي الله عنه وأرضاه.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، انظروا إخوتي الكرام مبحث الكفاءة وأدلتها في المغني للإمام ابن قدامة (7/375)، ونقل عن الإمام أحمد روايتين: الرواية الأولى: أنه تشترط الكفاءة في أمرين: في الدين والنسب، ثم قال: والمشهور والحرية والصناعة واليسار كما تقدم معنا في كلام الإمام الحموي عليهم جميعاً رحمة الله.

    إخوتي الكرام! هذه الآية وأمثالها: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54].

    1.   

    فعل الزواج على أنه شعيرة إسلامية

    هذه الآية وأمثالها تقتضي أن حل تمتع كل من الزوجين من حكمة الله ورحمة الله سبحانه وتعالى، ولذلك لا بد من نكاح شرعي لإظهار الصبغة الشرعية، واعتبارها عند الطرفين وإن لم يصرح بها عند العقد، يعني عندما تتزوج تفعل هذا على أنه إقامة شعيرة إسلامية أمر بها رب البرية، لا على أن هذا من باب نكاح مدني، نكاح عرفي، كما هو الحال في البلاد المنحطة الضالة الكافرة، هذا تعظيم لشعائر الله، فلولا أن الله أحل هذا لكان الأصل فيه التحريم.

    وقد تقدم معنا إخوتي الكرام ضمن مباحث سنن الترمذي عند موضوع المناكحة بين الإنس والجن، أن الأصل في الأبضاع التحريم، وتقدم معنا كلام الإمام الحموي وهكذا ابن نجيم والسيوطي في الأشباه والنظائر قالوا: النكاح الأصل فيه الحظر وأبيح للضرورة، وإلا عورة تكشف ثم تتمتع بعد ذلك بغيرك، هذا الأصل فيه المنع، لكن الله أحله لما يترتب عليه من حكمة في العاجل والآجل، من إنجاب الذرية التي تعبد وتوحد رب البرية، ومن أجل المحافظة على عفة الصنفين، ولو لم يبح هذا لوقع الناس في العهر وهذا أعظم النكر، إذاً يفعل هذا كما قلت بإذن الله على أنه شعيرة من شعائر الله: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54] .

    ولو لم يفعل هذا على أنه شعيرة لما هان على الأب أن يسلم ابنته لتكون فراشاً لرجل لو ملأ له الدنيا ذهباً، ولا ما هان على الأخ أن يسلم أخته لتكون فراشاً لرجل ولو ملأ له الدنيا ذهباً، إنما الأب يفعل هذا وهو فرح مسرور؛ لأنه ينفذ شرع العزيز الغفور، فلا نتصرف في أموالنا وأنفسنا إلا على حسب شرع ربنا، وهكذا الأخ يسلم أخته وهو فرح مسرور، كما أن ذاك فرح بالزواج هذا فرح بزواج أخته؛ لأن هذا شعيرة إسلامية، فلا بد من مراعاة هذا الأمر إخوتي الكرام.

    1.   

    الفرق بين النكاح الشرعي والزواج المدني

    إظهار الصبغة الشرعية عند النساء لا بد منه كما أشارت إلى ذلك هذه الآية الكريمة: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54] ، يفعل هذا باسم الله، يشكر الله عليه ويحمد ويفتتح بذكره، ويصلى عنده على رسوله عليه الصلاة والسلام، فهو الذي أحل لنا هذا، ولذلك لو جرد النكاح المدني عن الصبغة الشرعية فلا تحل الزوجة للزوج وإن وافق الولي وعقد وحضر شاهدان، وأعلم النكاح لكن ما فيه صبغة شرعية، وما فعل بإذن رب البرية، فالنكاح المدني الذي يقع في المحاكم الردية، الذي يقع عند أهل البلديات في بعض البلاد، أو كما يقع في السفارات عند بعض البلاد دون أن يفعل بمراسيم شرعية، لا بد من أن يفعل هذا على اسم الله وباسم الله، وأننا فعلنا هذا تنفيذاً لشرع الله، وإذا جرد من هذه الصبغة فالنكاح باطل باطل، وقد أشار إلى هذا الأمر الشيخ مصطفى صبري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في كتابه موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين (4/326).

    ويذكر هذا إخوتي الكرام! عند الأمور الأساسية التي ينبغي أن توجد في القانون، ويبين الفوارق بين قانون ووحي الله جل وعلا وبين القوانين الوضعية، فأول فارق بين التشريع السماوي الإلهي وبين التشريع الأرضي الوضعي أن التشريع السماوي مقدس، العباد يدينون له ويخضعون له ويلتزمون به من باب التزام المخلوق بشريعة خالقه، ويرى في ذلك مكانةً له عندما يلتزم العبد بنظام سيده، يفرح ويبتهج ولا منقصة عليه ولا غضاضة، وأما القوانين الأخرى فليس فيها صفة القداسة، فأنت توقن أن الذي وضعها بشر مثلك يريد أن يستعبدك، ولذلك تحتال عليها ليل نهار.

    وأما هذه فتنفذها في السر أكثر مما تنفذها في العلن طاعةً لله عز وجل، فهي مقدسة، والقوانين إذا لم يكن فيها صفة القداسة فلا عبرة بها ولا قيمة لها والناس سيخرجون عنها شئنا أم أبينا، ولا يوجد قانون مقدس إلا التشريع الإلهي، فهذا تشريع الحكيم العليم يلتزم به العباد أجمعون.

    عند هذه الميزة ذكر هذا الأمر وبقية المزايا الخمس، وكنت شرحتها في عدد من المواعظ في مواعظ رأس الخيمة لعلها أخذت خمس مواعظ أو أكثر، وحقيقةً ينبغي معرفة الفروق بين التشريع الرباني والتشريع الوضعي.

    الأمر الثاني: شريعة الله مصونة من العبث، لا مجال فيها لتغيير أو تبديل من قبل أحد، النبي عليه الصلاة والسلام فمن دونه لا يستطيع أن يغير ولا أن يزيد ولا أن ينقص فهو مبلغ عن الله: بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة:67]، فهذا أيضاً معتبر، وأما التشريعات الوضعية فهي عرضة للتلاعب والتغيير ما بين الحين والحين، ولا بد من أن يكون القانون ثابتاً، والجمود في القانون هذه من أعظم ميزاته، لأنه إذا لم يكن جامداً صار عرضةً لأن يلعب به كل حاكم صاحب هوى، ولذلك القانون كلما كان جامداً لا يمكن أن نخرج على نص منه، وكان هذا أحفظ لحقوق الرعية، نصوص ثابتة فإذا أردنا أن نخرج ما بين الحين والحين عليه صار تبعاً للأهواء.

    الأمر الثالث: التشريع السماوي نصوصه تتسع لما جد ولما سيجد إلى يوم القيامة من حوادث ووقائع، فهو مع جموده وانحصار نصوصه فالنصوص حمالة لما يقع من حوادث فنلحق النظير بالنظير، والمثيل بالمثيل، وكما قلت هذه شرحتها في مواعظ لعلها تزيد على الخمس، فلا أريد أن أشرح الآن شيئاً منها، إنما من باب ذكرها والتشويق لسماع ما سبق.

    والميزة الرابعة في التشريع الإلهي: أن فيه إنصافاً لجميع المخلوقات وعدلاً بينهم، فلا محاباة لصنف على صنف، (ولو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد عليه الصلاة والسلام يدها)، وما عندنا إذا سرق ابن الشريف تركوه، وإذا سرق ابن الوضيع أقاموا عليه الحد، والناس كلهم يستوون أمام شرع الله، إنصاف وعدل في جميع المخلوقات وبينهم.

    وآخر الأمور وهو كالأول كل منهما ضروري والأمور الخمسة ضرورية: التشريع السماوي الإلهي ليس خاصاً بقوم دون قوم، ولذلك هو لجميع العباد، يؤلف بينهم فيجعلهم إخواناً في الله متحابين، فما جمعهم لا على أساس أرض، ولا على أساس وطن، لا على أساس مصلحة، إنما جمعهم عباداً لله جل وعلا، أشرف الجنسيات جنسية الإسلام، وأحط الجنسيات جنسية قومية وطنية مصلحية، روابط ردية انتشرت بين البشرية، أما هنا كلنا لآدم وآدم من تراب، ونحن عبيد للكريم الوهاب، وأكرمنا عند الله أتقانا.

    هذه الميزات الخمسة لا يوجد واحد منها في التشريعات الوضعية الوضيعة العفنة الردية، عند الأمر الأول وهو أن القانون ينبغي أن يكون فيه صفة القداسة، انتبه لهذا الفقه والاستنباط.

    1.   

    كلام الشيخ مصطفى صبري على الزواج المدني

    وأقول لكم إخوتي الكرام: يعلم الله كثيراً ما أخلو بنفسي مع هذا العبد الصالح الذي توفي سنة (1373هـ) يعني صار له قرابة أربعين سنة تقريباً عليه رحمة الله، وهو آخر شيخ للإسلام في آخر دولة خلافة إسلامية وهي الخلافة العثمانية الإسلامية، أخلو معه ومع كتبه النور والإحسان والسرور في كل سطر من كلامه في هذا الكتاب وفي غيره رحمة الله ورضوانه عليه، لكن الناس في غفلة عن كتبه، كان بعض الكتب التي ذكرتها ككتاب القول في المرأة، وقلت: كل كلمة حقيقةً يعني لو كتبت في القلب لكان قليلاً، ما ينبغي أن تكتب في الورق والمداد، وهكذا سائر كتبه رحمة الله ورضوانه عليه، يقول هذا العبد الصالح عن وجود القداسة في القانون: وأنا أذكر مثالاً في لزوم وصف القداسة للقانون ليكون مطاعاً عند ذوي النفوس العجيبة: لما أقيم النكاح المدني في تركيا الحديثة قام النكاح الشرعي بأمر من الحكومة، لم يندر في كتاب المسلمين بل علمائهم من قال إجازة لهذا التبديل، يعني يقول: لا مانع أن نعقد النكاح في البلدية بدل المحكمة الشرعية، وفي السفارة الغوية بدل المحكمة الشرعية، لم؟ قال: لم يندر في كتاب المسلمين بل في علمائهم من قال إجازةً لهذا التبديل، ما قال لا فرق بين النكاحين، إلا أن النكاح الشرعي كان يعقده المأذون الشرعي أو إمام المسجد أو إمام مسجد الحارة أو رجل ديني آخر، والنكاح المدني يعقد في البلدية، وكل منهما ينعقد بالإيجاب والقبول وشهادة الشهود، فما المانع إذاً من هذا التحول؟

    إخوتي الكرام! هذا كلام اللغط، يجري في هذه الأيام بكثرة ويقال ما المانع من أن نبدل هذا بهذا؟ نحن نقول: إن كثرة الفروق بين شرع الخالق والمخلوق تمنعنا من أن نترك شرع الله إلى غيره، وإن قلة الفروق تكون عندنا أمنع مانع؛ لأنه إذا قلت الفروق دل أنه إذا تركنا شرع الله لقانون مدني على نجاسة قلوبنا وخبث نفوسنا إذا لم يكن بينهما إلا فروق قليلة، إذاً ما الداعي للتحول؟ كثرة الفروق تمنعنا، قلة الفروق تمنعنا، إذا انعدمت الفروق فقيل لنا: النكاح المدني كالنكاح الشرعي، الأخذ بالنكاح المدني مع ترك الشرعي كفر بواح وردة عن دين الله، دل على أنك تكره الصبغة الشرعية، ولا تريد شيئاً اسمه إسلام، انتبه ماذا يقول.

    يقول الشيخ مصطفى صبري عليه رحمة الله: لكن الذي ينبغي للمسلم عندي بعد أن رأى عدم الفرق بين النكاحين في أركان العقد ألا يقول: ما المانع إذاً من هذا التحول؟ بل يقول: ما السبب المقتضي إذاً للتحول؟ السبب أن القلوب انطمست وأعرضت عن دين الله، وأول نكاح مدني عقد في البلدية في تركيا قال العاقد: لا دخل للسماء بما يجري في الأرض، إذاً: ما في قلوبهم صرحوا به، صبغة شرعية لا يريدها، وعليه أحكام شرعية لا يريدها.

    يقول: ومن المصادفات التي استغربتها أني تكلمت ن

    في هذه المسألة مع صديقي المغفور له حافظ لوزاد أفندي مفتي كمنجلة، لما كنت في تركيا الغربية فوجدته على الرغم من مجاهداته المشهورة المشكورة ضد الكماليين في تلك البلاد لا يتعاظم الخطر الكامل في استبدال النكاح المدني المحدث في تركيا بالنكاح الشرعي، قال: إن فقهاءنا لا يذكرون في كتبهم شرطاً لصحة النكاح غير الإيجاب والقبول، وشهادة شاهدين عليه، وقلت بعد كلامه الطويل: إن في النكاح الشرعي صبغةً دينيةً إن لم يصرح بها عند العقد أو ينبه إليها فلا شك في كونها معتبرة بين الطرفين، وهي كون هذا القران بين الذكر والأنثى بإذن الله وإباحته، فلو لم يبحه الله خالقنا إبقاءً لنسل البشر وصيانة الجنسين كان حراماً، فالأصل في الفروج التحريم، نحن نفعله بإذن الله.

    وشق على الأب أن يسلم بنته أو الأخ أخته إلى فراش رجل أجنبي، فلم رضاهما إلا لاستناده إلى قانون إلهي، فخطورة الأمر بحالة لا يكفي القانون الموضوع من جانب البشر من إرضاء صاحب الغيرة والأنفة لاحتمالها.

    ثم قال في التعليق: نماثل لزوم المحافظة في النكاح على صبغته الدينية لزوم ذكر باسم الله عند ذبح أو صيد ما يؤكل لحمه من الحيوانات في المعنى، أن الله تفضل علينا فأباح قتلها بطريقة مخصوصة لنأكل لحومها، فنحن نجترئ على هذا الفعل، ألا وهو ذبح الصيد الخطير مستندين إلى إباحة الله، وإلا فأنى يكون من حقنا إراقة دماء محقونة لا يأتينا ضرر أو خطر من أصحابها؟ يعني لو لم يبح لنا ربنا ذبح الأنعام فعندما تضجع شاةً وتذبحها لتأكلها أنت حيوان مفترس

    نفعل هذا باسم الله، الله خلقنا وخلق هذا، ونتصرف بإذن ربنا، وإلا لو لم يرد هذا لما حل لنا أن نذبح شاةً وديعةً ساكنة لا يأتينا منها ضر ولا أذى، فنفعلها بإذن الله، وأسلم أختي وبنتي بإذن الله وباسم الله.

    يقول: ومن هذه الملاحظة الدقيقة كان العرف بين المسلمين في النكاح أن يبتدئوا الكلام في العقد بإذن الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يقول: باسم الله، يقول خطبة الحاجة ويتحدثون بما أباحه الله لهم ومنّ به عليهم، وإن كان الفقهاء لم يصرحوا في كتبهم باشتراط تلك الصيغة، وهذه الملاحظة التي ذكرناها في صحة انعقاد النكاح، إذ لم يكن يخطر ببال أحد منهم أن يأتي زمان يرغب فيه المسلمون أن يصبغوا أنكحتهم بصبغة غير شرع الله.

    ثم يقول معلقاً على هذا، أقول: ومثل هذا النظر الدقيق الذي يحل شبهة المستخفين بخطر العدول من النكاح الشرعي إلى النكاح المدني تنحل به أيضاً شبهة المستخفين بخطر استبدال القبعة بالطربوش.

    الطربوش: هو زي تركي، طربوش أحمر، وهو زي المسلمين، ولبسوا التي يسمونها (البريه) التي هي للنصارى، يقول: الذي تعود المسلمون لبسه وامتازوا به على غيرهم، ولا يسمع إلى قول المستخفين: إن الإيمان الذي في قلب المسلم لا يذهب بنوع أو شكل من قماش، كما لا يعود بنوع أو شكل آخر منه، ما دام غرض المستبدل أو الآمر به التشبه بغير المسلمين، أي: جعل مشابهتهم هي المقصود من الاستبدال، لا تصور فائدة معقولة مترتبة عليه، وحينئذ ينطبق عليه حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (من تشبه بقوم فهو مؤمن)، والحديث تقدم معنا مراراً.

    وقلت: إخوتي الكرام رواه الإمام أحمد في المسند، (8/50، 92) ورواه أبو داود والطحاوي في مشكل الآثار، ورواه الإمام ابن عساكر من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، وتقدم معنا أن الحديث صحيح.

    وانظروا رواية الطحاوي في مشكل الآثار (1/88) انظروا الكلام على هذه الرواية في مجمع الزوائد (6/49)، وفي فيض القدير ( /105)، وتقدم معنا أن الحديث روي أيضاً من طريق حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما في معجم الطبراني الأوسط، انظروا مجمع الزوائد (10/271)، وروي أيضاً في سنن الترمذي من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ليس منا من تشبه بغيرنا).

    والإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (16/242) ساق الحديث بإسناده من طريق أبي هريرة .

    فصار معنا من رواية ابن عمر وحذيفة وعبد الله بن عمر وأبي هريرة يقول المعلق: وقد روى حديث أبي هريرة شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه ذم الكلام، وقال الحافظ في الفتح (7/98): وروي له شاهد مرسل بإسناد حسن في مصنف ابن أبي شيبة رحمة الله ورضوانه عليه أجمعين، والحديث إسناده صحيح كما قال الإمام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم (ص:82)، ولفظ الحديث تقدم معنا مراراً من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم).

    يقول هنا شيخ الإسلام الشيخ مصطفى صبري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: (من تشبه بقوم فهو منهم)، معناه: من اعتنى بمشابهة قوم وفعلها فهو يعد منهم، ويلتحق بهم التحاقاً معنوياً على الأقل، ولا شك في صدق هذا الحديث وصحته حتى ولو فرض عدم صحة ثبوته حديثاً نبوياً، لكنه ثابت، ومعناه صحيح، لم يقل: لو لم يثبت لفظه لكان المعنى صحيحاً (ومن تشبه بقوم فهو منهم)، لكون قلب المتشبه بالقول معهم ومحبته وقفاً عليهم، ومن ظل قلبه مع غير المسلمين، ومحبته وقفاً عليهم، فهو ملتحق بهم في الحكم والمعنى ويخرج عن الإسلام.

    يقول: ونحن نلفت النظر إلى أننا لا نحكم بهذا الحكم القاسي على المشابه، بل على المتشبه، وذكرت هذا في الخطبة، أي المتكلف بالمشابهة والساعي إليها، والفرق بينهما: أن المتشبه يعمل بالمشابهة، ويهدف إليها ويقصدها، أما المشابه فيمكن أن يحصل الشبه من غير أن يهدف إليه، فمن أراد استعمال الشوكة والسكين في أكله دون الاكتفاء بأصابعه طلباً للنظافة أو السهولة أو الترف فإنما يهدف إلى أحد هذه الأمور، لا مشابهة قوم ابتدعوا استعمال هذه الأدوات، ولابس القبعة من المسلمين في بلاد المسلمين من غير أن تكون له في لبسها فائدة تذكر، إنما يهدف إلى التشبه بغير المسلم فيكفر، وهذا بإجماع أئمتنا.

    وقلت مراراً: من لبس برنيطة النصارى أو وضع صليبهم في صدره فقد كفر؛ لأنه لا غرض له في هذا، يعني ما لبسه من أجل خفة أمر عليه، من أجل يسر طعام عليه كما لو أكل بشوكة وسكين على طاولة، هنا ما يقصد فائدة دنيوية، بل يقصد محاكاة أولئك وتقليدهم، إنما يهدف إلى التشبه بغير المسلمين فيكفر، قال: ونحن لا نظلمه إذا حكمنا عليه بالخروج عن الإسلام، وإنما نحكم عليه بما يريده هو ويسعى أن يكون.

    وقلت إخوتي مراراً: هذه الأيام يجري فيها التشبه بالكافرين بما يخرج المتشبه من دين رب العالمين وهو لا يدري، في المدارس يريد أن يشرب الشاي على النظام الفرنسي (حفلة فرنسية)، فيقومون عشر دقائق يشربون الشاي ويتناولون الحلوى لأجل يقال لهم: أمة راقية، أمة خبيثة هابطة، فهذا الآن لا مصلحة لهم في فعل هذا، ولا يرتفقون به بأمر دنيوي، إنما تعظيم الكفار، وهذا خروج من دين العزيز القهار.

    يقول الشيخ مصطفى صبري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: ثم إن النكاح مطلقاً مدنياً أو شرعياً لا يمتاز عن السفاح إلا بمراسم تحف به وترجع إلى الشكل والصبغة، ومع هذا فليس لأحد في أي أمة أو ملة أن يعد السفاح مباحاً كالنكاح، بحجة عدم الفرق بينهما في المعنى والمقصد، أي يقول: النكاح فيه تمتع الرجل بالأنثى، والأنثى بالرجل، والسفاح كذلك، فإذاً المقصود واحد فيهما، فلم نحرم السفاح ونحل النكاح؟ يقول: لا يمتاز النكاح عن السفاح إلا بهذه المراسم الشرعية والصبغة الدينية.

    فإذاً: كما أن النكاح الممتاز عن السفاح بالصبغة والشكل يكون حلالاً، يمتاز النكاح الشرعي أيضاً بصبغته عن النكاح المدني، فيحل في نظر الشرع، ولا يحل النكاح المدني، لذلك من عقد على امرأة في سفارة، أو في بلدية، فهذا نكاح مدني وليس بشرعي، لا بد من أن يعقد بصبغة شرعية، وفيه مراسم دينية، اللهم إذا كانت السفارة تفعل مراسيم شرعية فلا بأس، إنما لا بد من إظهار هذه الشعيرة، وأننا نفعل هذا بإذن الله، وعلى بركة الله، وباسم الله، وهذا الذي أحله الله لنا.

    يقول: ثم قلت: فإذا لم يكن أدنى فرق فعلي بين النكاحين الشرعي والمدني غير صبغة الأول وصفته الشرعية فلا يكرهه من يكرهه ويتحول عنه إلى النكاح الخالي من هذه الصبغة إلا لكراهة هذه الصبغة الشرعية، وهو كفر وارتداد يقع فيه من يعقد نكاحه ملتزماً لتجريده من صبغته الشرعية، فلا يصح نكاح من أعرض عن النكاح الشرعي مستبدلاً به النكاح المدني لرجوع أمره إلى نكاح المرتد.

    ثم يقول: وقد صرح المدعو عبيد الله الذي كان نائب آيدين من بلاد تركيا في البرلمان العثماني، وكان الرجل في دينه وسياسته وزيه كالحرباء، ثم عين في زمن الكماليين الذين ابتدعوا النكاح المدني في تركيا عين عاقد ذلك النكاح -يعني النكاح المدني- صرح في خطبته التي ألقاها مقدمةً لأول نكاح عقده بأن السماء لا تتدخل بمعاملة تجري في الأرض، فباح بما قصدته الحكومة من تغيير اسم النكاح الشرعي، وكفر هو وحكومته بهذا التصريح الذي قرأته في جرائد تركيا إن لم يكفرا قبل ذلك.

    يقول: فلما قلت ذلك اقتنع صديقي وهو لوزاد أفندي بالخطر العظيم الذي في النكاح المدني المرجوع إليه من النكاح الشرعي، واقتنع بكون هذا النكاح سفاحاً، رغم عدم الفرق بين النكاحين في استجماع أركان العقد؛ لأن العدول من النكاح الشرعي لا لسبب من الأسباب، ولا لوجود الفرق بينه وبين النكاح المدني في المعنى، بل كراهةً باسم الشرع، وتعمداً بأن يكون نكاحاً غير شرعي، يوجب ارتداد العاقد وكون نكاحه سفاحاً.

    هذا الكلام إخوتي الكرام حقيقةً لا بد أن يعيه المسلمون في هذه البلدة، وعليه هذه الآية الكريمة: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا [الفرقان:54]، لا يحل نكاحه، وَصِهْرًا [الفرقان:54] يحل نكاحه، من الذي جعل ذلك؟ رب العالمين، فيفعل باسمه، وعلى شريعته، ويظهر هذه المراسم الشرعية من أجل أن يقبل الأب بتسليم ابنته طوعاً وتنفيذاً لأمر الله، وإذا لم يحصل هذا من قبل الله وأن هذا بصبغة شرعية، فالأنفة تجعل الرجل لا يمكن أن يسلم ابنته أو أخته لتكون فراشاً لرجل مهما حاولت أن تقنعه، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54] .

    إخوتي الكرام! هذا ما يتعلق بهذه الآية، وعندنا كما قلت آيتان باقيتان: آية في سورة النحل، وتقدم الإشارة إلى معناها، لذلك لن أطيل الكلام عليها في الموعظة الآتية إن شاء الله، والتي امتن الله علينا فيها بأن جعل لنا من أنفسنا أزواجاً، وجعل لنا من أزواجنا بنين وحفدة، تقدم الكلام عليها، إنما سأذكر الكلام بعد ذلك على آية النور، وهي ختام الدلالات الخمس التي تقرر ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه، وآية النور يأتينا نصها مع شرحها، وهي قول الله جل وعلا: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32].

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.