إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. سلسلة مباحث النبوة
  5. مباحث النبوة - ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه [1]

مباحث النبوة - ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من مقاصد النكاح التمتع وارتفاق كل من الزوجين بالآخر، ولذلك وصف الشارع الرجل الذي لا زوجة له بالمسكين، وكذا المرأة التي لا زوج لها، وقد بين الله في كتابه أن صفة السكن نعمة كبرى لا يحصلها إلا من له زوج في الدنيا، لما في العلاقة بين الزوجين من المودة والرحمة، فضلاً عما يوفره هذا الجو من علاقة زوجية كريمة في إطارها الشرعي الحلال.

    1.   

    المنافع الدنيوية المتبادلة بين الزوجين

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس فصلاً مستطرداً ضمن مباحث النبوة على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فتقدم معنا أن هذا الفصل المستطرد يقوم على ثلاثة أمور:

    أولها: في مقاصد النكاح العامة.

    وثانيها: في بيان حكم التعدد في حق الأمة.

    وثالثها: في بيان حكم التعدد في حق نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه زيادةً عما أحل الله لأمته.

    وقلت: أختم بعد ذلك هذه الأمور الثلاثة بترجمة موجزة لأمهاتنا أزواج نبينا على نبينا وأزواجه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وكنا في المبحث الأول من هذه المباحث، ألا وهو مقاصد النكاح العامة، والحكمة من مشروعيته، وقلت: لذلك مقاصد كثيرة وحكم متعددة يمكن أن نجملها في خمس حكم:

    أولها: تحصين النفس البشرية من كل آفة ردية، سواء كانت حسيةً أو معنوية.

    وثانيها: إيجاد الذرية التي تعبد وتوحد رب البرية.

    وثالثها: تحصيل الأجر للزوجين عن طريقين اثنين: حسن عشرة كل منهما لصاحبه، ومساعدته له في نفقته.

    والأمر الرابع: تذكر لذة الآخرة.

    وشرعنا في مدارسة المقصد الخامس من مقاصد النكاح العامة، ألا وهو ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه وبأهل زوجه وقراباته.

    مسكين من لا زوج له

    إخوتي الكرام! تقدم معنا أن الزوجين بمثابة اليدين، وبمثابة العينين، فكل منهما يساعد الآخر، وكل منهما يكمل الآخر، وبذلك إذا كان الرجل منفرداً بلا زوجة فكأنه أقطع كما تقدم معنا، وهكذا المرأة إذا كانت منفردة ولا زوج لها فكأنه قطعت إحدى يديها، وقلعت إحدى عينيها كما تقدم معنا، ودللت على هذا بقول الله جل وعلا وهي الآية الأولى التي ذكرتها في سورة الذاريات: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات:49] ، ووقفنا عند أثر يتعلق بهذا المبحث قلت: سأفصل الكلام عليه بإيجاز في أول هذه الموعظة لننتقل بعد ذلك إلى تقرير هذا الأمر، ألا وهو ارتفاق كل من الزوجين بزوجه بصاحبه وبأهل زوجه وقراباته.

    إخوتي الكرام! تقدم معنا أنه إذا كان الزواج ضرورياً لكل من الصنفين الذكر والأنثى فإن الذكر إذا لم يكن معه زوجة فهو مسكين، وهكذا المرأة إذا لم يكن عندها زوج فهي مسكينة، وقلت: هذا الكلام أشار إليه نبينا عليه الصلاة والسلام، وتقدم معنا إخوتي الكرام أن الحديث مروي في معجم الطبراني الأوسط، وقلت: إنه في مجمع الزوائد (4/252)، لكنه مرسل كما تقدم معنا فهو من رواية أبي نجيح ، وتقدم معنا أنه من أئمة التابعين الكرام الطيبين وهو يسار والد عبد الله بن نجيح ، وتوفي سنة (109هـ)، وحديثه كما تقدم معنا في صحيح مسلم والسنن الأربع إلا سنن ابن ماجه ، وهو من العلماء الربانيين والأئمة المهتدين، ثقة، عدل، إمام رضا، كما نص على ذلك أئمتنا رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، فالحديث من رواية أبي نجيح يسار عن نبينا المختار عليه الصلاة والسلام أنه قال: (مسكين مسكين مسكين، رجل لا زوجة له وإن كان كثير المال، مسكينة مسكينة مسكينة، امرأة لا زوج لها وإن كانت كثيرة المال)، تقدم معنا هذا وقلت: إسناد الأثر رجاله ثقات، لكنه مرسل، وله شواهد كثيرة تدل على صحة معناه.

    وقلت إخوتي الكرام: إن بعض أئمتنا ومنهم ابن تيمية وغيره رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين كأنه توقف في هذا الأثر، فالإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في مكانين (12/125)، (12/380) يقول: لم أجده مروياً عن النبي عليه الصلاة والسلام ولم يثبت، وتقدم معنا أنه مروي وهو ثابت لكن بإسناد مرسل، والإسناد كما تقدم معنا صحيح ورجاله ثقات، ولهذا الأثر شواهد كثيرة وأن الإنسان إذا لم يكن عنده زوجة فهو مسكين فقير، ثبت في صحيح مسلم وغيره: أن رجلاً جاء إلى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فقال له: ألسنا من فقراء المهاجرين الذين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم؟ يعني: بخمسمائة سنة، وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47] ، ويدخل فقراء هذه الأمة الجنة قبل أغنيائها بنصف يوم بخمسمائة سنة.

    ألسنا من فقراء المهاجرين الذين يدخلون الجنة قبل الأولياء بخمسمائة سنة؟ فقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين: ألك زوجة تأوي إليها؟ قال: نعم عندي زوجة، فقال له: ألك بيت تسكن؟ قال: نعم عندي بيت أسكن، قال: سبحان الله، فأنت من الأغنياء.

    أي: إذا كان عندك زوجة وملكت بيتاً فأنت من الأغنياء.

    فقال الرجل: عندي خادم يخدمني، قال: سبحان الله! أنت من الملوك، وتريد أن تكون من الفقراء الذين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، وكان الرجل في بني إسرائيل يسمى ملكاً إذا كان عنده زوجة، وبيت يسكنه، وخادم يخدمه، كما قال الله جل وعلا مشيراً إلى هذا في سورة المائدة: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:20] ، (جعلكم ملوكاً) أي: جعلكم تتمتعون بهذه الأمور الثلاثة: الواحد منكم مزوج محصن، وعنده بيت يأوي إليه ويسكنه ويستره، ثم عنده خادم يخدمه، هذه صفات من؟ ليست صفات الأغنياء، بل هذه صفات الملوك، وهنا كذلك قال: فأنت من الملوك.

    فإذاً: هذه من الحاجات الضرورية أن يكون للرجل امرأة يأوي إليها، وأن يكون للمرأة رجل تأوي إليه، ولذلك مسكين مسكين مسكين رجل ليس له امرأة وإن كان كثير المال، هذا كما تقدم معنا إخوتي الكرام مروي عن نبينا عليه الصلاة والسلام بسند صحيح رجال ثقات لكنه مرسل من رواية أبي نجيح يسار المكي رضي الله عنه وعن أئمتنا أجمعين.

    الفرق بين المسكين والفقير

    إخوتي الكرام! عند لفظ المسكنة هنا (مسكين مسكين مسكين)، المراد من المسكنة التوجع لهذا الإنسان، والترحم له، يعني من لم يكن عنده زوجة فحقيقةً ينبغي للإنسان أن يعطف عليه، أن يترحم عليه، أن يساعده، أن يرثي لحاله، فهذا يحتاج إلى مساعدة، وهكذا إذا لم يكن عند المرأة رجل تأوي إليه، فكأن كل واحد منهما إذا لم يحصل زوجه وقرينه فقد نقصه بعض حاجاته الضرورية.

    وعند هذا المبحث، ألا وهو لفظ المسكين، قلت إخوتي الكرام: إن أئمتنا فرقوا بين المسكين والفقير، والأقوال في ذلك تعددت وكثرت، وأوصلها الإمام القرطبي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا إلى تسعة أقوال (8/169) في تفسير قول ربنا جل وعلا: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة:60]، وكما قلت: إنها تسعة أقوال سأذكر ثلاثةً منها:

    أولها: وهو الذي ذهب إليه فقيه هذه الأمة سيدنا الإمام أبو حنيفة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وقال بهذا جم غفير من علماء اللغة والتفسير منهم الإمام ابن السكيت ، ومنهم الإمام ابن قتيبة عليهم جميعاً رحمة الله: أن المسكين أسوأ حالاً من الفقير، وأشد ضراً من الفقير، فالمسكين هو الذي يلازم السكون؛ لأنه ليس عنده شيء يكون، أي: ما عنده شيء يقوم به في سد حاجاته، والفقير عنده شيء لكن لا يكفي حاجته، وأما المسكين فما عنده شيء، إذاً ماذا يملك؟ يملك التراب فقط، ويأوي إليه، وقد أشار الله إلى هذا في سورة البلد، فقال جل وعلا: فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [البلد:11-14] وهو الجوع والشدة، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد:15-16] ، المسكين هنا وصفه بأنه صاحب التراب، لصق بالتراب، ولا يوجد بينه وبين التراب حاجز وواق وساتر، فهو ملتصق به، جالس عليه، وقال أئمتنا: هو المطروح في الطريق على التراب.

    يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد:15-16] ، فهذا قد التصق بالتراب، فإذاً لا يملك شيئاً، وأما الفقير فيملك شيئاً لكنه لا يكفيه، ولا يسد حاجته، وأما المسكين فلا يملك شيئاً، مأخوذ من السكون؛ لأنه لعدم وجود شيء عنده يسد شيئاً من حاجته صار كأنه ميت ساكن لا يتحرك، ما عنده إلا التراب، والتراب يملكه كل أحد.

    القول الثاني: ذهب الإمام الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وقال بقوله كثير أيضاً من أئمة اللغة منهم الإمام الأصمعي وبعض المفسرين قالوا: إن الفقير أسوأ حالاً من المسكين، وأشد ضراً منه، فالفقير مفقور، نزعت فقره من ظهره من شدة فقره، وإذا نزع فقار الظهر لا يستطيع الإنسان أن يتحرك، لا يستطيع أن يقوم، ولا يستطيع أن يقعد، فإذاً الفقير سمي بذلك لأنه مفقور، أي: نزعت فقر ظهره من شدة فقره، أي: هو من شدة فقره لا يستطيع أن يتحرك، فهو أسوأ من المسكين، وعليه المسكين عنده شيء لا يكفي حاجته، والفقير ما عنده شيء مطلقاً، بعكس القوي الأول، وكل من القولين معتبر.

    والقول الثالث: قال به الإمام الشافعي أيضاً، ويظهر من كلام القرطبي أنه يميل إليه، وهو: أن المسكين والفقير بمعنىً واحد، كل منهما حاجته شديدة، لكن إذا لاحظت وصف السكون في الفقير فتقول عنه: مسكين، وإذا لاحظت أيضاً وصف هذه الحالة التي فيه كأنه نزعت فقر ظهره فلا يستطيع أن يتحرك أيضاً تقول عنه: فقير، فهما لفظان مدلولهما واحد، كل منهما محتاج، وحاجة كل واحد منهما ضرورية شديدة، هذا قول آخر في ذلك.

    والذي يظهر والعلم عند الله ما قاله الإمام أبو حنيفة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، فيقدم على الأقوال التي بعده، وأما من ضعف قوله بقول ربنا جل وعلا: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ [الكهف:79] ، فقال: إذاً يملكون سفينة وسماهم الله مساكين، فقال أئمتنا: ليس في الآية دلالة لا من قريب ولا بعيد على ملكهم للسفينة، فقد تكون هذه السفينة مستأجرة، وقد تكون مستعارة، وقد وقد، فأين الدلالة على أنهم يملكونها؟ وقد يعملون فيها بأجرة مع أن فيهم هذه الصفة، وهي المسكنة، وإذا أخذت منهم فسيعاقبون من قبل سيدهم ومالكهم أو مؤجرهم، والعلم عند الله جل وعلا.

    على كل حال هذان اللفظان كل منهما يدل على حاجة، أي منهما أشد؟ العلم عند الله جل وعلا، وأئمتنا يقولون: لفظ الفقير إذا أطلق يدخل فيه المسكين، ولفظ المسكين إذا أطلق يدخل فيه الفقير، لكن إذا اجتمعا فكل واحد منهما له دلالة على حسب بعض الأقوال التي تقدمت معنا، ولذلك يقول بعض أئمتنا: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، فإذا اجتمعا مع بعضهما (فقير ومسكين) افترقا في الدلالة، هذا أشد أو هذا أشد، كما تقدم معنا بحث هذا في أقوال أئمتنا، وإذا افترقا فوجد واحد منهما فيدخل فيه الآخر، والعلم عند الله جل وعلا.

    ما جبلت عليه العلاقة الزوجية من المودة والرحمة

    خلاصة الكلام إخوتي الكرام: أن الذي ليس عنده زوجة مسكين فقد حاجةً ضروريةً هو محتاج إليها، والتي ليس عندها زوج تأوي إليه مسكينة فقيرة فقدت حاجةً ضرورية لازمةً لها، والعلم عند الله جل وعلا.

    هذا المعنى إخوتي الكرام ألا وهو ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه وبأهل زوجه وقراباته، أشار إليه ربنا جل وعلا أيضاً في غير الآية المتقدمة إلى ذلك في آيات كثيرة من آيات القرآن الكريم، من ذلك آية الروم، وفيها يقول ربنا الحي القيوم سبحانه وتعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:20-21].

    إذاً: صفة السكن لا تحصل عند كل من الصنفين إلا إذا أوى وآوى إلى قرينه وزوجه وعاش معه.

    والمودة هي أتم أنواع الحب، وألطفه، وأعظمه، وهذه المودة ممزوجة برحمة عظيمة برقة من كل صنف نحو الصنف الآخر، أي: من أحد الزوجين نحو الآخر.

    وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21] ، وإنما قرن الله الرحمة بالود ليبين أن هذا الود الذي بين الزوجين ليس من أجل قضاء الشهوة فقط، ولو كان الود من أجل قضاء الشهوة لزال من الزوجين بعد قضاء الشهوة، أو عند عدم قضائها كما لو كبر أحد الزوجين، إنما في ذلك آية من آيات الله أن كل واحد منهما محتاج إلى صاحبه، كما تقدم معنا في قصة الرجل الحلبي الذي زاد على الثمانين وعندما ماتت زوجه أراد أن يتزوج، حقيقةً لا يجد أنساً في البيت، لا يجد من يدفئه في فراشه، لا يجد من يستأنس به في بيته، وهنا: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21] .

    إخوتي الكرام! الإمام الرازي الذي توفي سنة (606هـ) عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا له كلام غريب عجيب في تفسير هذه الآية، أذكره إن شاء الله بعد أن أبين صلة هذه الآية بما قبلها وأبين دلالتها على وجه الاختصار، ثم أقرأ عليكم كلامه، وأبين أيضاً فساده بطرق وترتيبات محكمة إن شاء الله، وأنا حقيقةً أعجب غاية العجب لهذا الإمام كيف قرر هذا الكلام في تفسير هذه الآية من كلام ربنا الرحمن، وما أعلم أن أحداً سبقه إلى ذلك، وما علمت أن أحداً بعده قال بقوله، فأذكر لكم كلامه كما قلت بعد أن أبين صلة هذه الآية بما قبلها، ومعناها على وجه الاختصار، ثم بعد ذلك أذكر كلامه وأنقضه وأبين فساده إن شاء الله.

    1.   

    مناسبة قوله تعالى: (خلق لكم من أنفسكم أزواجاً) لآية الدلالة على البعث

    إخوتي الكرام! الآية التي سبقت الآية التي قبلها وهي قول الله جل وعلا: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الروم:19] .

    ذكر الله جل وعلا دليلاً على البعث ألا وهو إحياء الأرض بالنبات، فهو قادر على إحياء الأموات، وهذا القياس كثر استعماله في الآيات كما سيأتينا إن شاء الله في ضمن مباحث التوحيد التي معنا بعد الانتهاء من مرحلة النبوة، إذا شرعنا بعد ذلك في مباحث الغيبيات وأمور الآخرة نأتي لهذا الدليل إن شاء الله، وهو قياس كما قلت، يعني يقيس ربنا جل وعلا إحياء الأموات على إحياء الأرض بالنبات، ذكر الله أيضاً دليلاً آخر يدل على البعث ألا وهو: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ [الروم:20]، فالخلق الأول أيضاً يدل على الخلق الآخر، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء:104]، كما أحيينا الأرض الميتة نحيي هذه الأجساد بعد موتها، كما خلقناكم في الأول نعيدكم بعد ذلك يوم القيامة، أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق:15]، فخلقنا لها دليل على بعثها، وهذا أظهر من إحياء الأرض بعد موتها بالنبات الذي يخرج منها: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ [الروم:20].

    والبشر سموا بشراً -وهو بنو آدم- لظهور بشرتهم وهي ظاهر جلدهم، ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ [الروم:20].

    انتبه لهذه الدلالة في هذه الآية الكريمة، (من تراب)، والتراب لم يشم رائحة الحياة، وليس بينه وبين ذواتكم وصفاتكم أي مناسبة، هذا تراب جامد، ثم خلق منه بشراً يتحرك، سبحان العظيم الذي يحيي العظام وهي رميم!

    وفي الإشارة إلى أننا خلقنا من تراب امتنان علينا من وجهين: أن أصلنا فيه هذه الرزانة والهدوء والسكينة، وفيه أيضاً الصلاح والإنبات، وهكذا ينبغي أن نتصف بصفات أصلنا، أن نتصف بالحل والصلاح والإصلاح والنفع لأنفسنا ولغيرنا.

    (ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ)، (إذا) فجائية، و(ثم) إما أن تكون للترتيب مع التراخي، وهنا الترتيب مع التراخي الحقيقي لما بين الخلق والإنشاء من مدة بعيدة طويلة، خلقكم من تراب ثم أنشأكم بشراً تنتشرون في ذلك، فترة طويلة بين هذا وهذا.

    وإما أن يكون هذا كما قال بعض أئمتنا: للترتيب في الرتبة، فكنتم تراباً لا قيمة له ولا وزن له ولا حركة فيه، ثم صرتم خلقاً آخر له شأن يتحرك.

    المراد من قوله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ [الروم:20]، أمر واحد، ألا وهو خلق أبينا آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، خلقه من تراب ثم نحن موجودون في ذلك الأصل، فالفرع موجود في الأصل، فصح علينا أننا خلقنا من تراب باعتبار خلق أصلنا؛ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ [الروم:20].

    المراد بقوله تعالى: (خلق لكم من أنفسكم)

    وقول الله جل وعلا: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21] تحتمل أمرين اثنين كما ذكر أئمتنا في كتب التفسير:

    الأمر الأول: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [الروم:21]، المراد من الأزواج هنا أمنا حواء، وهي أنثى خلقت من أبينا آدم على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه، وهذه الصفة التي في أمنا حواء موجودة بعد ذلك فيما يتبعها من الإناث، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [الروم:21]، فـ(من) كما قال أئمتنا: تبعيضية، وقوله: (أنفسكم) المراد حقيقة نفس البشرية، ألا وهي النفس البشرية الحقيقية التي لها ماهية معينة محددة، والمراد منها هنا أبونا آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، خلق الله أمنا حواء من أبينا آدم من النفس البشرية، وهي نفس إنسانية حقيقية.

    ويصح أن تكون (من) هنا ابتدائية كما قال أئمتنا، والمراد من الأزواج النساء مطلقاً، والمراد من الأنفس هنا الجنس، وعليه وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ [الروم:21] أي: من جنسكم أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21].

    وعليه إذا كان المراد من الأزواج هنا أمنا حواء، فهي خلقت من النفس البشرية حقيقةً، خلقت من أبينا آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، خلقت من ضلع من أضلاعه، وإذا كان المراد من الأزواج سائر النساء فكما قلت: (من أنفسكم) أي: من جنسكم، و(من) ابتدائية ليست تبعيضية؛ لأن كل زوجة لم تخلق من كل رجل، وليس هي بعضاً من كل رجل، إنما أمنا الأولى بعضاً من أبينا الأول على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه.

    وقد تقدم معنا إخوتي الكرام أن الله جل وعلا خلق أمنا حواء من أبينا آدم وانتزع ضلعاً من أضلاعه فخلق منه حواء، وسميت بذلك لأنها خلقت من شيء حي، وهي أم لكل حي كما تقدم معنا، وقلت: هذا ثابت عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، ثبت في كتاب الرد على الجهمية للإمام ابن منده (ص:50)، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فجرى من ظهره كل نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة، ثم نزل الله ضلعاً من أضلاعه فخلق منه حواء).

    وتقدم معنا أن هذا المعنى أيضاً ثابت عن سلفنا الكرام، وقال به جم غفير من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، منهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كما ذكرت أثره فيما مضى، وقلت: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، والإمام ابن المنذر في تفسيره، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: خلقت المرأة من الرجل، فجعلت مهنتها فيه، وخلق الرجل من الأرض فجعلت مهنته في الأرض، قال: فاحبسوا نساءكم.

    أي: بما أن الأم الأولى وهي حواء مخلوقة من الرجل، فالفرع يميل إلى أصله ويتعلق به، فكل امرأة تميل أيضاً إلى الرجل، ولا تستقر بدون رجل، ولا تهدأ حياتها إلا إذا عاشت في كنف رجل.

    (فاحبسوا نساءكم)، فالمرأة مخلوقة من الرجل، تميل إليه، والرجل مخلوق من الأرض من التراب يميل إليها، ويحب أن يتملك فيها، فلا يشبع إلا إذا تملك منها العقار والديار، وهي لا تشبع إلا إذا حصلت زوجاً، وما خرج عن هذا بعد ذلك شذوذ، فإذا أرادت المرأة أن تجعل مهنتها في التملك ولا تريد زوجاً فهذا شذوذ، لكن الأصل أن المرأة تتعلق بالرجل وتريده، وأن الرجل يتعلق في الأرض ويهواها ويحب أن يتملك منها وفيها، فاحبسوا نساءكم.

    قلت: إخوتي الكرام! هذا المعنى أيضاً أشار إليه ربنا في أول سورة النساء يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [النساء:1]، وهي أبونا آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء:1] وهي أمنا حواء، وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    وقلت: ضمن مباحث سنن الترمذي ما قاله بعض المتحذلقين في هذا الحين ممن يعيشون في أمريكا: إن الرجل خلق من المرأة، وإن آدم خلق من حواء؛ لأن الله يقول: وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء:1] ، وقال: خَلَقَ مِنْهَا [النساء:1] ، منها مؤنث، وعليه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء:1] آدم. فقلت: هذا فهم أعجمي لا يستند إلى اللسان العربي، وقلت: المراد هنا من تأنيث الضمير (منها) أن لفظ النفس مؤنث، أي: من هذه النفس وهي آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء:1] .

    وتقدم معنا أن هذا المعنى ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، وأن المرأة خلقت من ضلع، إشارةً إلى خلق أمنا حواء من ضلع أبينا آدم على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، ولذلك أوصانا نبينا عليه الصلاة والسلام بالنساء خيراً، وقلت: إن الحديث في ذلك صحيح، وورد عن عدة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين منهم أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وقلت: إن حديثه في المسند والصحيحين وسنن الترمذي ، ورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى: (استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإذا ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً).

    وقلت: هذا ثابت أيضاً عن غيره من الصحابة الكرام فيما رووه عن نبينا عليه الصلاة والسلام ثابت من رواية أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه، وحديثه في المسند وسنن النسائي ، ورواه الإمام البخاري في الأدب المفرد، ورواه الإمام الدارمي في سننه، والإمام الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة بمعنى حديث أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين.

    وثابت أيضاً من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه وأرضاه، وحديثه في المسند وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ، ومسند أبي داود الطيالسي ، وإسناده صحيح.

    وثابت أيضاً من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، رواه الإمام العسكري في كتاب الأمثال.

    وعليه فهو من رواية أبي هريرة وأبي ذر وسمرة بن جندب وأمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين أن نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام قال: (استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضلع) يشير بذلك إلى أصل خلقة أمنا حواء من أبينا آدم على نبينا وعليهما الصلاة والسلام.

    الرش من بول الغلام والغسل من بول الجارية وعلاقة ذلك بأصل الخلقة

    ذكرت في بعض مواعظ الجمعة أيضاً تعليلاً جليلاً دقيقاً للإمام أبي عبد الله الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في التفريق بين بول الجارية وبول الغلام، وقد فرقت سنة نبينا عليه الصلاة والسلام بينهما، فبول الغلام ينضح ويرش، وبول الجارية يغسل، ذكر الإمام الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا تعليلاً لهذا الأمر الثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، والحديث إخوتي الكرام صحيح تقدم معنا أيضاً في مواعظ الجمعة، وهو مروي في السنن الأربع إلا سنن النسائي من رواية سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينضح من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية)، الثوب إذا أصابه بول غلام ينضح ويرش، وإذا أصابه بول الجارية يغسل، وهذا ما لم يطعما.

    وثبت الحديث ذلك أيضاً في سنن أبي داود وابن ماجه من رواية لبابة بنت الحارث ، وثبت في الكتب الستة وموطأ الإمام مالك عن أم قيس بنت محصن رضي الله عنها وأرضاها: (أنها أتت بابن لها صغير إلى نبينا الجليل عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه لم يأت للطعام، فأخذه نبينا عليه الصلاة والسلام فوضعه في حجره فبال عليه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله).

    وتقدم معنا أن بعض الحمقى ممن يعيشون في هذه الأيام ويدعون رتبة الاجتهاد استشكل هذا الحديث قال: وضعه في حجره فبال عليه، قال: كيف يبول النبي عليه الصلاة والسلام عليه؟ أي: فهم أن النبي عليه الصلاة والسلام بال على الغلام، فاستشكل وقال: كيف يبول عليه؟ والذي بال هو هذا الغلام المسكين، الصحابي الصغير رضي الله عنهم أجمعين لما وضع في حجر النبي عليه الصلاة والسلام بال، فالنبي عليه الصلاة والسلام أخذ ماءً ونضحه ولم يغسل ثوبه عليه صلوات الله وسلامه، والحديث كما تقدم معنا وذكرته في الصحيحين وغيرهما، والأحاديث في ذلك كثيرة: (يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام)، الإمام الشافعي ذكر لهذا تعليلاً دقيقاً لطيفاً كنت ذكرته في مواعظ الجمعة من فترة قليلة.

    وهو أن أصله من تراب وطين، وأما بولها فمن لحم ودم، فبما أنه كذلك يختلف عن بول الغلام، والحديث إخوتي الكرام في سنن ابن ماجه (1/175) عندما سأل أحد الأئمة الإمام الشافعي عن هذا وهو أبو اليمان المصري ، ثبت اسمه بذلك في سنن ابن ماجه والحافظ في التقريب يقول: أبو لقمان ، أما أبو اليمان يقول: هذا خطأ، ورد في سنن ابن ماجه ، والصواب: أبو لقمان وهو محمد بن عبد الله بن خالد الخراساني مستور، وهو من رجال سنن ابن ماجه ، وحديثه في التعليق على حديث علي رضي الله عنه الذي ذكرته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بول الرضيع: (ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية).

    قال أبو الحسن بن سلمة : حدثنا أحمد بن موسى بن معقل ، قال: حدثنا أبو اليمان المصري ، قال: سألت الشافعي عن حديث النبي عليه الصلاة والسلام (يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية)، والماءان جميعاً واحد هذا بول وهذا بول، قال: لأن بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي: فهمت؟ أو قال: لقنت؟ قال: قلت: لا، يعني بما أن بول الغلام من الماء والطين فالأصل ألا يكون نجساً، وهذا من لحم ودم، وعليه له حكم الدم فهو نجس نجاسةً مغلظةً ينبغي أن يغسل، ثم قال لي: فهمت؟ أو قال لي: لقنت؟ قلت: لا.

    أبو اليمان الذي صوابه أبو لقمان لما قال له الشافعي : ذاك من ماء وطين، وهذا من لحم ودم، فهمت؟ قال: لا، فقال الإمام الشافعي : إن الله لما خلق آدم خلقت حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي: فهمت؟ قلت: نعم، قال لي: نفعك الله به!

    إذاً: أمنا حواء خلقت من أبينا آدم على نبينا وعليهما الصلاة والسلام.

    1.   

    كلام الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: (خلق لكم من أنفسكم) وبيان بطلانه

    ماذا قال الإمام الرازي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا؟ يقول: الآية في مسائل:

    المسألة الأولى: قوله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ [الروم:21] دليل على أن النساء خلقن كخلق الدواب والنبات، وغير ذلك من المنافع، كما قال جل وعلا: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29] ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:28-29]، وهذا يقتضي ألا تكون المرأة مخلوقةً للعبادة والتكليف.

    يعني: بما أن المرأة خلقت كخلق الدواب وخلق النبات. ينبغي أنها لا تكلف بالطاعات والعبادات، من أين أخذ هذا؟ قال: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ [الروم:21] ، هذا كقوله: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29] ، إذاً مخلوقة كخلق الدواب والنبات، أقول: والله إن الله لا يريد هذا المعنى، فلنستمع إلى كلامه وإلى تقريره، ثم إلى نقضه وبيان فساده رحمة الله عليه وعلى أئمتنا أجمعين.

    يقول: وهذا يقتضي ألا تكون المرأة مخلوقةً للعبادة والتكليف، فنقول: خلق النساء من النعم علينا، وخلقهن لنا وتكليفهن لإتمام النعمة علينا، لا لتوجيه التكليف نحوهن مثل توجيهه إلينا، وذلك من حيث النقل والحكم والمعنى، ثم هو يقول: الأصل ألا تكلف، لكن يقول: بما أنها خلقت لنا فتكليفها جاء تبعاً لتكليفنا من أجل إكرامنا لا من أجل أنها مكلفة هي أصالةً، فلتتم النعمة علينا كلف الله النساء، وإلا فالأصل أنها كالنبات والدواب، قال: هذا يدل عليه النقل والمعنى والحكم، أما النقل فهذا وغيره، يعني: خَلَقَ لَكُمْ [الروم:21] ، وأما الحكم فلأن المرأة لم تكلف بتكاليف كثيرة كما كلف الرجل بها.

    طيب! والرجل لم يكلف بتكاليف كثيرة لم تكلف بها المرأة، يعني المرأة كلفت بالحجاب، أوليس كذلك؟ ألا تثاب عليه؟ ونحن ما كلفنا نحن بالحجاب، هذا شرع العزيز الحكيم، الأصل كما سيأتينا يستوي الصنفان في التكليف، إلا ما خص به كل صنف عن الآخر، هذا خص بأحكام وهذا خص بأحكام، وما عدا هذا هما في التكليف مستويان كما سيأتينا.

    قال: وأما المعنى: فلأن المرأة ضعيفة الخلق سخيفة فشابهت الصبي لكن الصبي لم يكلف، فكان يناسب ألا تؤهل المرأة للتكليف كالصبي، لكن النعمة علينا ما كانت تتم إلا بتكليفهن لتخاف كل واحدة منهن العذاب، فتنقاد للزوج، وتمتنع من محرم، ولولا ذلك لظهر الفساد.

    إذاً يقول: المرأة مخلوقة كخلقة الدواب والأنعام والنبات، والأصل ألا تكلف، وما كلفت إلا لإتمام النعمة علينا، ودلل على هذا من النقل والحكم والمعنى، أما النقل فهذا وغيره مثل: أن النساء خلقن للرجال، وأما الحكم قال: لم تكلف النساء بكثير مما كلف به الرجال، وأما المعنى فالمرأة ضعيفة في الخلق، سخيفة، حكمها كحكم الصبي، فلو لم تكلف كالصبي لما انقادت للزوج، ولتعاطت الفساد والحرام، فكلفت من أجل أن تنقاد للزوج، وأن تخاف العقاب.

    وهذا كلام مردود، وهو باطل قطعاً، وما أعلم -كما قلت- أحداً سبق الإمام الرازي إلى هذا، وما قال بهذا أحد بعده، وبحثت في كتب التفسير فما رأيت أحداً تعرض لهذا المعنى لا من قريب ولا من بعيد، وما أحد رد على الرازي هذا الكلام، وأنا على يقين أنهم اطلعوا على هذا، يعني لم أيضاً ما تعقبوا هذا القول وبينوا أنه فاسد لا يجوز أن يذكر في كلام الله جل وعلا، حقيقةً ما يعلم هذا إلا الله، والإمام الألوسي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا ينقل عن الرازي بكثرة، فليته نقل كلامه وعلق عليه بما يبين قيمته، وإذ لم ينقل أحد كلامه، ولم يبين أحد فساد هذا القول، فسأنقضه إخوتي الكرام من ستة أوجه، أبين بطلانه وأن هذا كلام لا يصح، ولا ينبغي أن يقال في تفسير هذه الآية، ولا في النساء أنهن خلقن كخلقة الدواب والجماد، لا يجوز هذا أن يقال أبداً.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    الأمر الأول الذي يبين فساد كلام الرازي

    أولاً: قوله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [الروم:21] ، قوله: (خلق لكم) لا دلالة فيها كما قال الإمام الرازي على أن النساء خلقن لنا كما خلقت الدواب، وهكذا ما في هذه الحياة من جماد ونبات، لا ثم لا، إنما معنى الآية: بيان المنة على العباد بأن جعل الله لهم من جنسهم أزواجاً يأوون إليها، ليحصل الوئام والمحبة والانسجام، الله جل وعلا يقول: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ [الروم:21] ، يا معشر الإنس! يا بني آدم! يا أيها البشرية! يا أيها الناس ذكوراً وإناثاً، وليس هذا الخطاب خاصاً بالذكور وإن كانت صيغته صيغة ذكور، فهذا لا يختص بهم، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21] .

    الله جل وعلا خلق لنا من جنسنا أزواجاً نأوي إليها، فخلق من رجل امرأةً من بني آدم، وهكذا جعل للمرأة زوجاً من بني آدم، فالمنة إذاً هنا جعل الله أزواجاً لبني آدم من جنسهم ليحصل الوئام والمحبة والانسجام، وليس المقصود أن المرأة خلقت لنا كخلقة الدواب والنبات وغير ذلك.

    إذاً: خلق الله لنا من جنسنا ومن فصيلتنا أزواجاً نأوي إليها، هذه النعمة كما هي علينا أيضاً على أزواجنا، جعل الله للرجل زوجةً من جنسه، فالرجل يتزوج آدمية ولا يتزوج بهيمة، والمرأة تتزوج آدمياً ولا تتزوج أيضاً بهيمة، وهنا كذلك وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [الروم:21] ، فالله يمتن هنا على عباده ذكوراً وإناثاً بأن جعل لكل صنف زوجاً من صنف، فالذكور لهم زوجات من بني آدم، والنساء لهن أزواج من بني آدم، ولا يحصل الأنس والود والوئام والمحبة والرحمة إلا بهذا الأمر، وأما لو قرن الرجل بزوجة من غير جنسه حصلت نفرة بينه وبينها، وهكذا لو قرنت المرأة بزوج من غير جنسها، والذي يقرر هذا ويوضحه الأمر الثاني:

    الأمر الثاني الذي يبين فساد كلام الرازي

    غاية الاتصال بين الأنثى والذكر التمتع وقضاء الوطر، وما يترتب عليه من أثر معتبر، ألا وهو خروج الذرية التي يشترك فيها الأبوان، فالذرية فروع لهذين الأبوين، فالأنثى أم، والذكر أب، وبعد ذلك قضاء الوطر مشترك بين الزوجين، هو يقضي وطره، وهي تقضي وطرها، وما يخرج من ثمرة لهذا الوطر يشترك فيه الزوجان، فليس هو ابناً للزوج الذكر ولا صلة له بالزوج الأنثى التي هي أمه، بل تقدم معنا أن المرأة تستفيد من النكاح أكثر مما يستفيد الرجل من مغانم النكاح وخيراته، ولذلك يضر الرجل الولد المولود أمه ثلاثة أضعاف ما يضر به أباه كما تقدم معنا.

    وهنا إخوتي الكرام هذا يوضح الأمر الأول، وهو أن غاية الاتصال بين الأنثى والذكر قضاء الوطر وما يترتب عليه من أثر معتبر من خروج الذرية التي تعبد وتوحد رب البرية، يشتركان في هذه الذرية، وهو حاصل لهما لا فضل فيه لأحدهما، فلو كانت المرأة مخلوقة كخلقة الدواب والنبات والجماد لما شاركتنا في مغانم النكاح.

    الأمر الثالث الذي يبين فساد كلام الرازي

    الأمر الثالث: صرحت آيات القرآن الكريم بأن الله جعل الطيبات للطيبين، والطيبين للطيبات، كما جعل الخبيثات للخبيثين، والخبيثين للخبيثات، واجمع هذه الدلالة مع دلالة آية الروم، فآية الروم يمتن الله علينا فيها بأن جعل لنا من جنسنا أزواجاً نأوي إليها، فالرجل يأوي إلى امرأة من بني آدم، والمرأة تأوي إلى رجل من بني آدم، وآية النور تمتن علينا بأن الله جعل لنا زوجةً من نوعنا وشكلنا، فهي آدمية؛ لكن بما أن الزوج طيب يقترن بالطيبة، وبما أن المرأة طيبة لا تقرن إلا بطيب، وإن كان الزوج خبيثاً فلا يعطى إلا خبيثةً، وإن كانت خبيثة تقرن بخبيث، الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ [النور:26].

    فهل أحد من خلق الله ومنهم الرازي قال: إن الطيبين من الرجال خلقوا كخلقة الدواب والنبات للنساء؛ لأن الله يقول: وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26] ، كما قال هنا: (خلق لكم)، وهناك قال: الطيب للطيبة، هذا لا يفهم منه هذا المعنى، هذا المعنى في الحقيقة لا تدل عليه الآية بحال، أن المراد أننا نحن خلقنا للنساء كخلقة الدواب والنبات، كما أنه هنا خلق النساء لنا كخلقة الدواب والنبات، هذا كلام باطل، لا تدل عليه الآية بوجه من الوجوه، لكن إذا جمعت بين دلالتي آية الروم وآية النور، ففي آية الروم الامتنان علينا بأن جعل الله لنا من جنسنا أزواجاً، الرجل يأوي إلى امرأة من بني آدم، والمرأة تأوي إلى رجل من بني آدم، وآية النور كما أنه حصل امتنان علينا بأن جعل لنا من جنسنا أزواجاً نأوي إليها هنا أيضاً من نوعنا وشكلنا وصفتنا، فالطيب يختار طيبةً ويقترن بها ليحصل تمام الود، ولو آدمية لكنها خبيثة، وهو آدمي طيب ما حصل أيضاً المطلوب من النكاح، وهو السكن والاستقرار.

    لكن كما قلت ما أحد قال -ومنهم الرازي - إن آية النور تدل على أن الخبيثين والطيبين خلقوا للخبيثات والطيبات كما خلق الدواب والنبات، ما أحد قال هذا، وعليه كما فهمت هناك تلك الدلالة أن الله يمتن علينا بأنه جعل لنا أزواجاً نأوي إليها للصنفين، يفهم أيضاً هنا جعل لنا من جنسناً أزواجاً نأوي إليها للصنفين.

    الأمر الرابع الذي يبين فساد كلام الرازي

    الدلالة الرابعة التي تبطل كلام الرازي : قررت الشريعة المطهرة حق كل زوج على زوجه، وساوت بينهما في ذلك، نعم فضلت الرجل على المرأة بقوامة وهي ولاية الأمر: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228].

    لا بد من أن يكون هناك قيم يرعى هذا البيت ويتصرف فيه وهو مسئول عنه، لكن المرأة لها حقوق على الرجل، والرجل له حقوق على المرأة: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228]، أي: لهن من الحقوق كما يجب عليهن من الحقوق، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228] .

    قال أئمتنا: (ولهن) أي: من العشرة والحقوق الزوجية، (ولهن) من ترك الضرار والأذى (مثل الذي عليهن بالمعروف)، يجب على المرأة أن تؤدي الحقوق الزوجية نحو زوجها، ولا يجوز أن تؤذيه ولا أن تضره، ولها مثل ما عليها، فيجب على زوجها أن يبرها ويحسن إليها، وأن يعاشرها عشرةً شرعية، ولا يجوز أن يؤذيها، ولا أن يضرها.

    وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228] ، وهي صفة القوامة، إنه قيم مسئول، وهذا لأجل أن تنتظم مصلحة الأسرة في البيت، فإذا كان هناك ثلاثة في سفر فلا بد لهم من أمير، وهذا أقل الجماعات، في أقصر الاجتماعات، فكيف في الحضر؟

    ولا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا

    فلا بد من ضبط أحوال الأمة، فإذاً بيت لا بد له من قيم، وبلد لا بد لها من أمير يرعاها، وهكذا كل دائرة وكل مكان فيه مسئول يديره، وينبغي أن يتقي الله في شئونه، ولكن ليس معنى هذا أنه لا يجب عليه حقوق، بل هو مكلف لكن له صفة القوامة، له صفة المسئولية، وهنا الزوج له هذه الصفة.

    وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228]، وانظر لفهم سلفنا الدقيق من هذه الآية الكريمة.

    ثبت في تفسير الطبري (2/274) عند تفسير هذه الآية، والأثر رواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى (7/295) ورواه الإمام وكيع وابن عيينة في تفسيره وعبد بن حميد في مسنده، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم في تفسيره كما في الدر المنثور (1/276) عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: إني أحب أن أتزين لزوجتي، كما أحب أن تتزين زوجتي لي؛ لأن الله يقول: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228].

    يعني كما تحب أن تكون رائحة الزوجة طيبة، وصورتها حسنة، فأنت اتق الله في نفسك، فعندما تقترب من زوجك حسن هيئتك وتطيب، أزل بعد ذلك التفث والشعر والأوساخ عنك، اكتحل، هذا كما تحبه من زوجتك، ينبغي أن تقوم بهذا نحوها وإلا فقد قصرت وأسأت.

    وتكملة الأثر قال: وما أحب أن أستوفي جميع حقي عليها؛ لأن الله يقول: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228] ، يقول: أنا أمير، أنا قيم، آخذ جميع حقوقي، هذا من صفة الأمير، ليس من صفة القيم، ليس من صفة المسئول، ينبغي أن أوثرها على نفسي، وأن أتغاضى عن بعض حقوقي، بما أنني أنا مسئول أغض الطرف، إنه ليس الآن قرين لقرين وند لند يطالبه بجميع حقوقه، بما أنك أعلى منه ينبغي أن تتفضل عليه، وما أحب أن أستوفي جميع حقي، لا، أريد أن آخذه منها؛ لأن الله يقول: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228].

    طيب! هنا الآن هل فهم أن النساء خلقن كخلقة الدواب والنبات؟ لا ثم لا، قال: هذه امرأة لها حق كما لي عليها حق، ولذلك أتزين لها كما تتزين لي، وأظهر أيضاً عليها الفتوة، بأن أعطيها جميع حقوقها ولا أستوفي جميع حقوقي منها، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:228].

    الأمر الخامس الذي يبين فساد كلام الرازي

    الدلالة الخامسة التي تبطل قول الإمام الرازي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: دلت الأدلة الشرعية على مساواة الرجل للمرأة، والمرأة للرجل، وحصول المماثلة بينهما في عناصر المماثلة الأساسية، وهي ثلاثة عناصر:

    أولها: في الخلق، هي مخلوقة وهو مخلوق، الله جل وعلا خلق آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام من تراب، ثم خلق منه زوجه، حواء، وعليه خلقت مما خلق منه آدم، هي جزء منه، ثم جعل الله بعد ذلك هذا البشر من أولهم إلى آخرهم يتوالدون من الذكر والأنثى، فإذاً كلهم مستوون في الخلق، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى [الحجرات:13] ، في الخلق يستوون، فليس عنصر هذا يختلف عن عنصر هذا، والفرع وهي حواء عندما خلقت من أبينا آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام تحمل خصائصه، ثم بقية الذرية: وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء:1] ينتمون إلى أبوين على حد سواء، آدم وأمنا حواء على نبينا وعليهما الصلاة والسلام.

    العنصر الثاني الذي يشتركان فيه: التكليف، ما يكلف به الرجل تكلف به المرأة، وما تكلف به المرأة يكلف به الرجل، إلا ما قام عليه دليل التخصيص، والله جل وعلا يقول في كتابه: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35] .

    إذاً تساوي الرجال في هذه الصفات وفي جميع أمور التكليف إلا ما قام عليه دليل التخصيص، نعم بما أن الرجل قيم: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228] ، يوجه الخطاب إليه أحياناً وهي تدخل تبعاً، وبما أن نبينا عليه الصلاة والسلام هو سيد هذه الأمة وإمامها يوجه إليه الخطاب والأمة تكون تبعاً، فإنما يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الأحزاب:1]، هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، هذا إمام الأمة، فوجه إليه الخطاب والأمة له تبع.

    وعندما يقول الله: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1] ، وجه الخطاب إليه إجلالاً له وتشريفاً، لأنه أميرهم، وهم له تبع عليه صلوات الله وسلامه، وهنا الرجل عندما قال الله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183] ، (عليكم) ضمير الذكور العقلاء، يعني لا داعي أن يقول: كتب عليكم وعليكن الصيام فالمرأة مع الرجل بما أن هذا قيم وهي تابعة، فما يشمله يشملها، إلا ما قام عليه دليل التخصيص، فهو القيم يوجه الخطاب إليه وهي له تبع، وهكذا (أقيموا الصلاة)، (آتوا الزكاة)، النساء يدخلن في ذلك قطعاً وجزماً، فإذاً: يشترك النساء مع الرجال كما بالتكليف.

    والعنصر الثالث من عناصر المماثلة وهذه أبرز أمور المماثلة بين الصنفين: الجزاء من مثوبة، وعقوبة يشترك فيها الصنفان، يشترك فيها الذكور والإناث، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] من الصنفين، فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [آل عمران:195] إلى آخر الآية الكريمة.

    وعليه إخوتي الكرام: يستوي الذكر مع الأنثى في أصل الخلق، وفي التكليف، وفي الجزاء، فإذاً كيف نقول: النساء خلقن كخلقة الدواب والنبات، والأصل ألا تكلف، كلفت بناءً لكرامة الرجل، لا والله، بل كلفت لأنها أمة لله كما كلف هذا الرجل بأنه عبد لله، فالخطاب موجه إليها أصالةً واستقلالاً، كما هو موجه الى الرجل أصالةً واستقلالاً، وهي كهو، كل واحد بعد ذلك له خصائص يمتاز بها هذا كما تقدم معنا، وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات:49] .

    وقد وضح نبينا صلى الله عليه وسلم هذا في أحاديثه الكثيرة الوفيرة، وبين أن النساء شقائق الرجال، والشقائق جمع شقيقة، والشقيق هو أخوك من أبيك وأمك، فما يثبت لك من الخصائص يثبت لها، ولا تمتاز عنه بشيء، الأم واحدة والأب واحد، وهنا: (النساء شقائق الرجال)، فما ينطبق على الرجال ينطبق على النساء سواءً بسواء، واستمع إلى الأحاديث التي تقرر هذا المعنى عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    ثبت في المسند والسنن الأربع إلا سنن النسائي والحديث رواه الإمام الدارمي وابن أبي شيبة في مصنفه، والبيهقي في السنن الكبرى، وإسناده صحيح كالشمس من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً في نومه)، رأى بعد أن استيقظ بللاً لكن ما تذكر احتلاماً، وأنه حصل له يعني ما يقتضي أن يغتسل كما لو حصل منه في اليقظة، ما رأى أنه يجامع، لكن لما استيقظ وجد البلل المني في سراويله، فقال عليه الصلاة والسلام: (عليه الغسل، فقيل له: والرجل يذكر أنه احتلم ولا يجد بللاً)، يرى صورةً كما لو فعلها في اليقظة لوجب عليه الغسل، لكن لا يرى البلل والمني في سراويله، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا غسل عليه)، هذا متفق عليه بين أئمتنا، من رأى احتلاماً ولم ير بللاً فلا غسل عليه، ومن رأى البلل فعليه الغسل، رأى شيئاً أو لم يره.

    هذا الحديث كما قلت إخوتي الكرام في الرجل، فقالت أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها: (يا رسول الله! والمرأة ترى ذلك؟) أي: ترى أيضاً بللاً ولا تذكر احتلاماً هل عليها غسل؟ كما الرجل إذا رأى بللاً وما ذكر احتلاماً، فقال عليه الصلاة والسلام: (نعم، عليها الغسل، إنما النساء شقائق الرجال)، أي: ما ينطبق على الرجل ينطبق على المرأة.

    وفي رواية في المسند (6/377) عن أم سليم رضي الله عنها أنها قالت: (يا رسول الله! أرأيت إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم، إذا رأت الماء، إنما النساء شقائق الرجال).

    وفي رواية: (هن شقائق الرجال، فقالت أمنا أم سلمة لـأم سليم رضي الله عنهم أجمعين: تربت يداك يا أم سليم ، فضحت النساء عند رسول الله عليه الصلاة والسلام)، يعني: أخبرت أن المرأة ترى كما يرى الرجل، وأن المرأة تتعلق بالرجل كما يتعلق الرجل بالمرأة، هذه طبيعة موجودة في الصنفين، (فضحت النساء يا أم سليم ، فقالت أم سليم : إن الله لا يستحيي من الحق، وإنا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أشكل علينا، خير من أن نكون منه على عمياء، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأمنا أم سلمة : بل أنت تربت يداك، نعم يا أم سليم عليها الغسل إذا رأت الماء، فقالت أمنا أم سلمة : يا رسول الله! وهل للمرأة ماء؟ قال: نعم لها ماء؛ لكن ماؤها رقيق أصفر، وماء الرجل غليظ أبيض)، أي: هذه لها ماء يناسبها، وهذا له ماء يناسبه، وهل للمرأة ماء؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (فأنى يشبهها ولدها؟ هن شقائق الرجال)، يعني: الولد ينزع في الشبه لأبويه، فبما أن أباه الذكر يحتلم وله ماء، وأمه الأنثى تحتلم ولها ماء، فجاء الولد ينزع في الشبه إلى أبويه، (فأنى يشبهها ولدها؟ هن شقائق الرجال).

    وفي رواية في سنن الدارمي (1/195) من رواية أنس رضي الله عنه وأرضاه: (إنما هن شقائق الرجال)، وهذه اللفظة إخوتي الكرام أقصر؛ لأنها ثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وتدخل في حيز المتواتر، وتدخل ضمن المتواتر، وقد نقلت عن جم غفير من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وقلت لكم مراراً: الأحاديث الآحادية إذا ضمت إلى بعضها أفادت القطع، والإنسان يجزم بالوقوف على تلك الروايات أن نبينا خير البريات عليه الصلاة والسلام قد قال بذلك الكلام الذي في الأصل لو رويته من طريق واحد تقول: إنه حديث آحاد، فاستمع إلى بعض هذه الروايات وفيها هذا المعنى.

    هذا الحديث إخوتي الكرام روته أمنا أم سلمة رضي الله عنها، وأخبرت أن السائل هي أم سليم ، ثبت هذا في المسند والكتب الستة إلا سنن ابن ماجه ، ورواه الإمام مالك في الموطأ، وعبد الرزاق في مصنفه، وابن أبي شيبة في مصنفه، وابن حبان في صحيحه، وابن خزيمة في صحيحه، والبيهقي في السنن الكبرى.

    وروي من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها أيضاً، وأن السائل أيضاً هي أم سليم رضي الله عنهم أجمعين، ثبت هذا في المسند وصحيح مسلم ، وسنن أبي داود والنسائي ، ورواه الإمام مالك أيضاً في الموطأ، وعبد الرزاق في مصنفه، والإمام الدارمي في سننه، والبيهقي في السنن الكبرى.

    وثبت من رواية أنس أيضاً رضي الله عنهم أجمعين: أن أم سليم جاءت تسأل النبي عليه الصلاة والسلام كما تقدم معنا، والحديث في المسند وصحيح مسلم وسنن النسائي ، ورواه عبد الرزاق في مصنفه، وابن أبي شيبة في مصنفه أيضاً، وابن حبان في صحيحه، والدارمي في سننه، والبيهقي في السنن الكبرى أيضاً.

    وثبت من رواية ابن عمر أيضاً رضي الله عنهم أجمعين: أن أم سليم جاءت تسأل النبي عليه الصلاة والسلام، ثبت هذا في المسند، وانظر الكلام على هذه الرواية في مجمع الزوائد (1/267)، وثبت أيضاً في صحيح مسلم عن أم سليم أنها هي السائلة.

    هذه خمس روايات، وفي جميع الروايات أن الذي سأل هي أم سليم لكن من رواية أم سلمة عنها، ومن رواية أمنا عائشة عنها، ومن رواية أنس عنها، ومن رواية ابن عمر عنها، ومن روايتها هي عن نفسها.

    وثبت عن خولة بنت حكيم رضي الله عنها أنها هي التي سألت نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام عن هذا الأمر، ثبت الحديث بذلك في سنن النسائي ومصنف ابن أبي شيبة ، وسنن الدارمي أن خولة بنت حكيم سألت نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام عن هذا الأمر، فأجابها بما تقدم.

    قالت: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة تحتلم في منامها؟ فقال: إذا رأت الماء فلتغتسل).

    وثبت أيضاً من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه في مسند الطيالسي ، وفي معجم الطبراني الأوسط كما في مجمع الزوائد (1/268) هو الذي سأل، وثبت أيضاً من رواية سهل بنت سهيل في معجم الطبراني الكبير، ومعجم الطبراني الأوسط، كما في المجمع (1/267)، وثبت أيضاً من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن بسرة رضي الله عنها سألت النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه كما تقدم.

    وثبت هذا في مراسيل عدة من التابعين منهم: عطاء ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، ومجاهد كما في مصنف ابن أبي شيبة (1/80).

    إذاً: الرواية في ذلك صحيحة، وأن المرأة إذا رأت ما رآه الرجل ووجدت البلل في ملابسها فلتغتسل؛ لأنها شقيقة للرجل (والنساء شقائق الرجال).

    إخوتي الكرام! هذه الروايات كلها صحيحة ثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام وفيها هذا المعنى، وقد وقع نحو هذه الروايات غلط من بعض علمائنا الكرام، نبه على ذلك علماؤنا فانتبهوا لذلك، يقول الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (1/144): وقع في كلام الصيدلاني وتبعه إمام الحرمين والغزالي والروياني أن أم سليم التي سألت نبينا عليه الصلاة والسلام كما تقدم معنا هي جدة أنس بن مالك ، قال: وغلطهم في ذلك ابن الصلاح ، وبعده الإمام النووي عليهم جميعاً رحمة الله، ولا شك في أنها هي أمه وليست جدةً له رضي الله عنهم أجمعين.

    ثم قال الحافظ ابن حجر أيضاً: وقد ذكر الإمام الغزالي في الوسيط أن القائل لـأم سليم : فضحت النساء هي أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، قال: وغلطه بعض الناس فلم يصب، أي والذي قال أم سلمة وقالت أيضاً أمنا عائشة ، يعني أمنا أم سلمة قالت: فضحت النساء يا أم سليم ، وأمنا عائشة أيضاً قالت: فضحت النساء يا أم سليم ، كل منهما قالت هذا، والحافظ ابن حجر في الفتح (1/228) في كتاب العلم باب الحياء في العلم، قال: لعل كلاً منهما كانت حاضرة، فقالت ما قالت لـأم سليم رضي الله عنهن أجمعين.

    قال الإمام ابن حجر في التلخيص الحبير : وغلطه بعض الناس فلم يصب، فالتي قالت أيضاً لـأم سليم : فضحت النساء أمنا عائشة ، ثبت هذا في صحيح مسلم ، بل ثبت في سنن أبي داود والنسائي وموطأ الإمام مالك كما تقدم معنا في رواية أمنا عائشة رضي الله عنها وغير ذلك من الكتب، والرواية صحيحة ثابتة عن أمنا عائشة رضي الله عنها، (أن أم سليم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، هل عليها من غسل؟ فقال: نعم، إذا رأت الماء).

    وفي رواية (أن امرأةً قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تغتسل المرأة إذا احتلمت وأبصرت الماء؟ فقال: نعم، فقالت لها عائشة : تربت يداك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعيها، وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك، إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا على ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه). هذه الرواية في صحيح مسلم .

    يقول: وفي الموطأ أن أم سليم قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل أتغتسل؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فلتغتسل، فقالت لها عائشة : أف لك، وهل ترى ذلك المرأة؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: تربت يمينك، ومن أين يكون الشبه)، وهكذا في رواية أبي داود ورواية الإمام النسائي ، انظروا هذه الروايات في جامع الأصول (7/276).

    إخوتي الكرام! إذاً: المرأة شقيقة للرجل، والنساء شقائق الرجال، ولذلك يخلق الجنين من ماء الذكر والأنثى، فإذا سبق أحد الماءين كان الولد على حسب هذا الماء الذي سبق، فإن سبق ماء الرجل أذكر بإذن الله، وإذا سبق ماء المرأة في الإنزال آنث وجاء المولود أنثى بإذن الله، وإذا غلب أحد الماءين نزع الشبه له، فإذا زادت نسبة ماء الرجل على المرأة كان الشبه له وللأعمام، وإذا زادت نسبة ماء المرأة على ماء الرجل كان الشبه لها وللأخوال.

    إذاً: (هن شقائق الرجال)، فكيف يقال: إن النساء خلقن كخلقة الدواب والنبات والجماد، وما ينبغي أن يكلفن؟

    هذا في الحقيقة لا تساعد عليه النصوص الشرعية، بل النصوص الشرعية تدل على خلاف هذا كما تقدم معنا.

    الأمر السادس الذي يبين فساد كلام الرازي

    آخر الأدلة التي تبطل هذا الكلام الذي ذكرته وهو الدليل الثالث، ما ذكره الإمام الرازي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا أن هذه الآية تدل على أن النساء خلقن كخلقة الدواب والنبات والجماد: أن هذا الكلام إخوتي الكلام مفهوم جاهلي، كان يقول به العرب في جاهليتهم، فأنقذ الله المرأة من هذه الجاهلية التي كانت تتخبط فيها البشرية.

    وقد تقدم معنا ضمن مباحث النبوة في معاشرة نبينا عليه الصلاة والسلام لأمهاتنا أزواجه الطيبات الطاهرات المباركات على نبينا وأزواجه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، تقدم معنا في بيان حسن خلقه معهن قصة عمر رضي الله عنه مع زوجه، ثم علق عليها بأنه قال: ما كنا نعد النساء شيئاً حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، فرأينا أن لهن حقاً علينا.

    تقدم معنا إخوتي الكرام هذا، وقلت: إن الحديث في المسند والصحيحين وسنن الترمذي والنسائي ، وذكرت لفظه مطولاً، الشاهد فيه يقول سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه: (كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة على منورها صلوات الله وسلامه وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، قال: فتغضبت يوماً على امرأتي فإذا هي تراجعني، قال: فأنكرت ذلك أن ترد علي، فقالت لي: وما تنكر؟ فو الله إن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فقال: ويفعلن ذلك؟ قالت: نعم، اذهب إلى المسجد وتحقق، فلبس ثيابه رضي الله عنه وأرضاه وذهب إلى أمنا حفصة رضي الله عنها وأرضاها فقال: الواحدة منكن تراجع النبي عليه الصلاة والسلام وتهجره إلى الليل؟ فقالت: نعم نفعل هذا، فقال: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت، أتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله عليه الصلاة والسلام)؟.. تقدم معنا هذا، لا إله إلا الله.

    وفي بعض روايات الحديث كما في مسند أبي داود الطيالسي قال عمر رضي الله عنه لزوجته بعد أن أخبرنا أنه كان يتأمر أمراً، أي: يفكر فيه، ويدبر شأنه، ويتأمله رضي الله عنه وأرضاه، يقول: (بينا أنا في أمر أتأمره قالت لي زوجتي: لو صنعت كذا وكذا، فقلت لها: متى كنت تدخلين في أمورنا؟ قالت: وما تنكر؟ أزواج النبي عليه الصلاة والسلام خير مني يراجعن النبي عليه الصلاة والسلام) أي: الواحدة تتكلم عنده وتقول أمامه، فلم أنت تنكر إذا تكلمت وأبديت رأيي أمامك؟

    وفي بعض روايات الحديث قالت له: (يا ابن الخطاب ! ما يستطيع أحد أن يكلمك، وابنتك تكلم النبي عليه الصلاة والسلام وتهجره حتى يظل يومه غضبان).

    وفي صحيح البخاري: (وابنتك تؤذي رسول الله عليه الصلاة والسلام)، أي: لا نستطيع أن نكلمك وابنتك حفصة تكلم خير خلق الله عليه الصلاة والسلام، لم أنت تثور علينا إذا كلمناك؟

    وفي رواية في صحيح مسلم يقول سيدنا عمر رضي الله عنه: (والله كنا في الجاهلية لا نعد للنساء أمراً، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم، يقول: فقالت لي زوجتي: لو صنعت كذا وكذا، ثم قال لها: لم تدخلين نفسك في أمورنا)، ثم قالت له ما قالت.

    وفي بعض الروايات من مسند أبي داود الطيالسي قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: (كنا لا نعتد بالنساء، ولا ندخلهن في أمورنا).

    وفي بعض روايات الحديث قال عمر رضي الله عنه: (كنا ونحن في مكة لا يكلم أحد امرأته، إلا إذا كانت له حاجة قضى منها حاجته).

    إذاً: هذا المفهوم مفهوم جاهلي، النساء ليس لهن اعتبار، وخلقن كخلقة الدواب والأنعام، فحقيقةً ليس بمفهوم شرعي، ولا يدل عليه شرع العزيز القهار، وعليه ما قاله الرازي منقوض لهذه الأمور الستة.

    1.   

    مشروعية العقيقة والرد على من أنكرها في حق الأنثى

    إخوتي الكرام! من باب التعليق: ذهب بعض سلفنا رحمة الله ورضوانه عليهم جميعاً إلى أن العقيقة تشرع عن الذكر والغلام ولا تشرع عن الأنثى، وإذا رزق بأنثى لا يعق عنها، هذا كله يتبع هذا المفهوم، ومن قال به أخطأ لأنه لم يقف على الأثر، فيرد هذا القول، ويلتمس لصاحبه العذر، وإذا ثبت النص فلا كلام لمتكلم، فمن قال بذلك؟

    قال به إمامان حبران من أحبار المسلمين وسيدان عظيمان في هذه الأمة المباركة: الحسن البصري ، وقتادة بن دعامة السدوسي ، والأثر يرويه عنهما الإمام ابن المنذر ، وانظروه في المغني للإمام ابن قدامة (11/120)، ونقله الإمام ابن القيم في كتاب تحفة المودود لأحكام المولود (ص:52)، قال الحسن وقتادة : العقيقة جعلت شكراً للنعمة الحاصلة بالولد، والولد الذكر فيه نعمة وبهجة لأبويه فيعق الأب عنه، وأما الجارية فلا يحصل بها سرور، فلا يشرع لها عقيقة!

    لم لا يشرع لها سرور؟ أنا أريد أن أعلم لم؟ والله لو اجتمع أهل الأرض ومعهم أهل السماء على أن يوجدوا مثل هذه الأنثى لما استطاعوا إلا إذا شاء ربنا وقدر سبحانه وتعالى.

    لم هذه المرأة؟ والأمة بحاجة إلى نساء طيبات، وإلى رجال طيبين، يعني نريد رجالاً فقط وبعد ذلك لا يوجد نساء في الأمة فينقطع النسل؟ لم هذه المفاهيم العقيمة؟ لا أعلم.

    فالقول بأن الولد يحصل به سرور تشرع له عقيقة، والأنثى لا يشرع لها عقيقة، هذا كلام يصادم ما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وأحاديث العقيقة متواترة، وما نسب إلى فقيه الملة سيدنا أبي حنيفة رحمة الله ورضوانه عليه أنه يقول: إن العقيقة بدعة، فالكلام لا يصح عنه، وغفر الله للحافظ ابن حجر عندما نسب القول ببدعية العقيقة إلى أبي حنيفة في الجزء التاسع صفحة ثمان وثمانين وخمسمائة، وقد علق الإمام العيني على عبارته بعبارة قاسية شديدة، فقال: قال بعضهم في شرحه ..، ويشير إلى الحافظ ابن حجر ، والإمام العيني توفي بعد الحافظ ابن حجر بثلاث سنين كما تقدم معنا.

    قال بعضهم في شرحه قال أبو حنيفة : العقيقة بدعة، قلت: هذا افتراء على أبي حنيفة ، والإمام العيني حنفي، إنما أبو حنيفة لا يقول: بأنها سنة مؤكدة، إنما يقول: سنة مستحبة، أي: مشروعة لكن ليست من باب الأمر الثابت اللازم، يستحب للإنسان أن ينسك عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة، وإذا نسك عن الغلام شاةً واحدةً تجزئ، والأكمل شاتان.

    على كل حال لا يصح نسبة القول بالبدعية إلى أبي حنيفة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وأحاديث العقيقة متواترة، كان في نيتي أن أذكر بعضها، وأنها ثابتة في الذكر والأنثى، فأشير إليها في أول الموعظة الآتية، وأكمل خطوات البحث فيما يأتي إن شاء الله.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ..