إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مباحث النبوة - تمتع المؤمنين بزوجاتهم في جنات النعيم [2]

مباحث النبوة - تمتع المؤمنين بزوجاتهم في جنات النعيم [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما ينعم الله به على أهل الجنة الأزواج من الحور العين، ومن تمام نعيم الجنة أن المؤمن كلما جامعهن عدن أبكاراً، وسواء في ذلك أزواجه من نساء الدنيا المؤمنات، أو من أنشأ الله له من الحور العين اللاتي ربين له في الجنات.

    1.   

    رؤية الصالحين للحور العين بشارة في الدنيا

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك الله وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس مقاصد النكاح العامة وحكمه الأساسية، وقد تقدم معنا أن الحكمة من مشروعيته تدور على أمور كثيرة، أبرزها خمسة أمور:

    أولها: تحصين النفس البشرية من كل آفة ردية، سواء كانت حسية أو معنوية.

    وثانيها: إنجاب الذرية التي تعبد وتوحد رب البرية.

    وثالثها: تحصيل الأجر للزوجين عن طريقين اثنين: حسن عشرة كل منهما لصاحبه، ومساعدته في نفقته.

    رابع هذه الحكم ورابع المقاصد كما تقدم معنا: تذكر لذة الآخرة.

    وما قبلها مر الكلام عليه موضحاً مفصلاً، وكنا نتدارس هذه الحكمة، ولعلنا ننتهي منها في هذه الليلة المباركة إن شاء الله.

    والحكمة الخامسة كما تقدم معنا: ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه وبأهل صاحبه وعشيرته.

    إخوتي الكرام! الحكمة الرابعة أخذنا فيها وقتاً غير قليل في مدارستها، ألا وهي أن لذة النكاح في هذه الحياة تذكر بلذة النكاح التي تكون في نعيم الجنات، عند تمتع المؤمنين بالمؤمنات والحوريات، وتقدم معنا أن هذه الشهوة هي أعظم المشتهيات عند المخلوقات، وهي ألذ اللذائذ الحسية، مع ما فيها من آفات ردية، وإذا تعلقت النفس البشرية بهذه الشهوة في هذه الحياة مع ما فيها من آفات، فحري بها أن تتعلق بها في الدار الآخرة حيث لا يوجد فيها آفة من الآفات.

    ولذلك ما ذكر الله في الجنة من نعيم عظيم، ينبغي أن يحث ذلك التذكير والذكر هممنا إلى ما رغبنا فيه ربنا، ورحمة الله ورضوانه على سيد المسلمين وإمامهم الإمام الحسن البصري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، عندما كان يقول: ما حلى الله الجنة ولا جلاها لأحد من الأمم السابقة كما حلاها وجلاها لهذه الأمة.

    يعني: ما نعت الله الجنة بالأوصاف التي فيها بحيث كأنهم يرونها أمام أعينهم، ما نعت الله هذه الدار لأحد من الأمم السابقة كما نعتها لهذه الأمة، والسبب في ذلك أنها آخر الأمم، وهي أحب الأمم إلى الله جل وعلا، ومن أجل ذلك نعت الله ما في الجنة لعباده المؤمنين، لأتباع نبينا الأمين عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه، من أجل أن يشتاقوا ويتطلعوا إلى هذه الجنة، وإلى ما أعد الله لهم فيها.

    ثم قال الحسن البصري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: وليس فينا عاشق لها، يعني: مع أن الله جل وعلا حلاها لنا وجلاها لنا ورغبنا فيها، فليس فينا من يعشقها، ويتعلق بها، ويرغب فيها، وحقيقة عجيب أمر الجنة نام طالبها، وعجيب أمر النار نام هاربها.

    إخوتي الكرام! تقدم معنا أن عدداً من الصالحين عليهم جميعاً رحمات رب العالمين كانوا يرون في منامهم ما رغبوا فيه في آخرتهم، وتقدم معنا أن عدداً من الصالحين رأوا الحور العين، تقدم معنا هذا في أخبار من تقدم من التابعين، وحُكي هذا عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وأفتتح هذه الموعظة بعبد صالح أيضاً رأى حورية جميلة، وأنشدته بعض الأبيات الشعرية فحفظها وضبطها لنا، ألا وهو مالك بن دينار عليه وعلى أئمتنا رحمة العزيز الغفار.

    وتقدم معنا هذا عن بعض أصحاب منصور بن عمار سابقاً وعن غيره، وهنا عن مالك بن دينار عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وتقدم معنا هذا عن أبي سليمان الداراني ، وتقدم معنا عن تابعي أو صحابي كما في كتاب الزهد لـهناد بن السري ، وهنا هذه القصة عن مالك بن دينار ويرويها الإمام القرطبي في التذكرة في بيان أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص:576) عن هذا العبد الصالح، وهو مالك بن دينار ، وهو من أئمتنا الأخيار الأبرار، نعته الإمام ابن حجر في التقريب فقال: صدوق عابد، توفي سنة (130هـ)، وقد أخرج حديثه الإمام البخاري في صحيحه معلقاً وأهل السنن الأربعة.

    والإمام الذهبي في السير ترجمه (5/362) فقال: علم العلماء الأبرار مالك بن دينار ، ثم قال: حديثه في درجة الحسن، رحمة الله ورضوانه عليه.

    ومن مناقبه وأخباره الطيبة: أنه دخل عليه مرة بعض اللصوص فلم يجد في بيته شيئاً يسرقه، فقال: يا هذا! هل وجدت شيئاً؟ قال: لا، قال: إن دللتك على شيء تفعله؟ قال: نعم، قال: توضأ وصل ركعتين، فتوضأ وصلى ركعتين ثم تعلق بهذا العبد الصالح مالك بن دينار ، وصار من تلاميذه الأخيار، فقال: جاء ليسرق فسرقناه، أي: سرقناه من الشيطان وصار من جند الرحمن.

    يقول هذا العبد الصالح: قرأت مرة وردي ثم نمت، فرأيت جارية أضوأ من الشمس، وأبهى من القمر، فقلت لها: من أنت؟ فقالت: ألا تعلم من أنا؟! أنا أُربى لك في الخدر منذ كذا وكذا، نحن نربى لك في خيام الجنة وأنت نائم، ثم أنشدته أبياتاً من الشعر حفظها وضبطها ونقلها لنا رحمة الله ورضوانه عليه، قال: فقالت له:

    لهاك النوم عن طلب الأماني وعن تلك الأوانس في الجنان

    تعيش مخلداً لا موت فيها وتلهو في الخيام مع الحسان

    وإذا كنت الحوراء تخاطب مالك بن دينار بهذا فماذا تقول عنا:

    لهاك النوم عن طلب الأماني وعن تلك الأوانس في الجنان

    وقولها: (تعيش مخلدا لا موت فيها) أي: لا تموت في الجنة إذا دخلت فيها، حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72] .. فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ [الرحمن:70]

    وتلهو في الخيام مع الحسان

    تنبه من منامك إن خيراً من النوم التهجد بالقران

    فقام وواصل ورده رحمة الله ورضوانه عليه.

    إخوتي الكرام! من استقرأ أخبار الصالحين وجد هذا مبثوثاً في سيرهم بكثرة، إذا نام الواحد منهم يكون نومه مطية له إلى الآخرة، ولذلك قد يحصل من الفوائد والفرائد في نومه ما لا يحصله في يقظته، فإذا نام اجتمع بالنبي عليه الصلاة والسلام، إذا نام التقى بالحور الحسان، إذا نام كلمه ذو الجلال والإكرام، وهذه لا تحصل في اليقظة، يعني: رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لا تحصل لواحد منا في اليقظة بعد انتقال نبينا عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه إلى الرفيق الأعلى، لا تحصل لنا رؤيته في اليقظة، لكن إذا نمنا نراه، وهكذا الحور الحسان، وهكذا ذو الجلال والإكرام لا نراه في هذه الحياة في اليقظة، ونسأل الله أن يكرمنا بلذة النظر إلى وجهه الكريم، في جنات النعيم، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    لكن رؤية الله في المنام جائزة بإجماع أهل السنة، فإذا نام الإنسان يرى ربه، يرى نبيه على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، يرى الحور الحسان تخاطبه، تقول: أنت ما تعلم من أنا؟ فتسألني: من أنت؟ أربى لك في الخدر في الخيام منذ كذا وكذا، يا مالك بن دينار ، فشد العزم في طاعة العزيز القهار سبحانه وتعالى.

    كما قلت إخوتي الكرام: أخبار الصالحين في ذلك كثيرة كثيرة.

    1.   

    تعليق الشيخ أبو غدة على كلام ابن القيم في حديث لقيط بن عامر في وصف الجنة

    وكنا نستقرئ ونتدارس في المواعظ السابقة ما ورد في وصف الحور الحسان من أخبار عن نبينا المختار عليه الصلاة والسلام، وبعد أن تدارسنا وصفهن في كتاب الله، انتقلت إلى وصفهن في أحاديث نبينا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكما قلت في الموعظة الماضية: سأختم الحديث عنهن بأمرين اثنين: الأمر الأول: في لذة التمتع بهن، والأمر الثاني: أن الواحدة منهن تعود بكراً كلما قام زوجها عنها.

    آخر ما تكلمت عليه في الموعظة الماضية، وقلت سأكمله في أول هذه الموعظة، حديث لقيط بن عامر رضي الله عنه وأرضاه، لقيط من بني المنتفق كما تقدم معنا، وقلت: إن الحديث في زيادات سيدنا عبد الله بن أحمد ولد سيدنا الإمام المبجل أحمد بن حنبل عليهم جميعاً رحمة الله، في زياداته على المسند، ورواه أيضاً في السنة، ومروي في غير ذلك من دواوين الإسلام، ونقلت كلام الإمام ابن قيم الجوزية عليه وعلى أئمتنا رحمات رب البرية، في تصحيح هذا الحديث وتقويته من كتابين من كتبه: كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، وكتاب زاد المعاد في هدي نبينا خير العباد، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    كما نقلت في بداية الكلام عن هذا الحديث توثيق الإمام الهيثمي لجميع رجال إسناد الحديث، وقال: إسناده متصل، ورجاله ثقات، فأذكر لفظه لأتكلم على ما قيل من اعتراض على الإمام ابن قيم الجوزية في تصحيحه لهذا الحديث.

    تقدم معنا إخوتي الكرام! أن الحديث طويل، وأخذ قرابة صفحتين من المسند كما قلت، وقلت إنه في مسند الإمام أحمد (4/13) فما بعدها، ومحل الشاهد منه: (وإن الجنة لها ثمانية أبواب) بعد أن قال: (لعمر إلهك إن النار لها سبعة أبواب، ما منها بابان يسير الراكب بينهما سبعين عاماً، وإن الجنة لها ثمانية أبواب، ما منها بابان يسير الراكب بينهما سبعين عاماً، قلت: يا رسول الله! فعلام نطلع من الجنة؟ قال: على أنهار من عسل مصفى، وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لا يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة، ولعمرك إلهك ما تعلمون) يعني: يوجد أشياء لا تعلمونها، (ولعمر إلهك ما تعلمون، وخير من مثله معه وأزواج مطهرة، قلت: يا رسول الله! أولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات؟)، هذا موجود في القرآن الكريم وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ [البقرة:25] كما تقدم معنا، (فقال عليه الصلاة والسلام: المصلحات للصالحين)، وفي لفظ: (الصالحات للصالحين، تلذونهن ويلذونكم مثل لذاتكم في الدنيا)، وقلنا: المثلية من وجه دون وجوه متعددة، فاللذة حاصلة، لكن شتان شتان ما بينهما من حقيقة اللذة، فالبون بينهما كالبون بين دار الآخرة ودار الدنيا.

    إخوتي الكرام! هذا الحديث تقدم معنا أن الإمام الهيثمي قال إنه متصل، ورجال إسناده ثقات، والإمام ابن القيم أطال في تصحيح هذا الحديث وتقويته، وقلت: إن بعض المعلقين في هذه الأيام على بعض الكتب ما ارتضى مسلك الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، ورد عليه، ثم بعد ذلك قال: ينبغي أن نحتاط نحو كلام الإمام ابن القيم إذا وافق كلامه مشربه، أي: إذا صحح أحاديث توافق مشربه ينبغي أن نحتاط فيها، فأحياناً يتساهل، فقد يكون الحديث مردوداً ضعيفاً متروكاً منكراً، ويأتي الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا فيصححه.

    نقل كلام الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في التعليق على ابن القيم

    أقرأ لكم كلام هذا المعلق، ثم بعد ذلك نتدارس منزلة هذا التعليق إن شاء الله، المعلق هو الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة، وهو شيخ جليل لكنه في الحقيقة قسا على الإمام ابن قيم الجوزية في تعليقه، فلا بد من بيان قيمة هذا التعليق، انظروا التعليق كما قلت في هذا الكتاب (ص:130) أقرأ لكم تعليقه ثم أناقشه بعد ذلك فيه.

    يقول: أما الإمام ابن القيم فمع جلالة قدره، -هنا يتكلم على الكتب التي تحوي الأحاديث الواهية، فذكر نماذج من الكتب المتقدمة والمصنفين لها، ثم جاء إلى الإمام ابن القيم قال: أما ابن القيم فمع جلالة قدره ونباهة ذهنه ويقظته البالغة، فإن المرء ليعجب منه رحمه الله كيف يروي الحديث الضعيف والمنكر في بعض كتبه، كمدارج السالكين، من غير أن ينبه عليه، بل تراه إذا روى حديثاً جاء على مشربه المعروف!! بالغ في تقويته وتمتينه كل المبالغة حتى يخيل للقارئ أن ذلك الحديث من قسم المتواتر، في حين أنه قد يكون حديثاً ضعيفاً أو غريباً أو منكراً، ولكن لما جاء على مشربه جمع له جراميزه.

    وكنت ذكرت هذه العبارة سابقاً عنه، وقلت: المراد من الجراميز أطراف البدن، والمقصود جمع كله، وحشد طاقته لتقوية هذا الحديث، يقال: جمع جراميزه يعني تقبض وانجمع وجمع أطرافه ليثب، جمع جراميزه، وأخذت الشيء بجراميزه: أي بحذافيره وكله.

    قال: جمع له جراميزه وهب لتقويته وتفخيم شأنه بكل ما أوتيه من براعة بيان وقوة لسان.

    ثم ذكر هذا الحديث مثالاً على ذلك، وهو حديث لقيط من بني المنتفق رضي الله عنه وأرضاه، قال: وأكتفي على سبيل المثال بالإشارة إلى حديث واحد من هذا النمط، رواه رحمه الله في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد -على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه- أثناء كلامه عن وفد بني المنتفق.

    وكنت ذكرت أن هذا موجود في الجزء الثالث في صفحة سبع وسبعين وستمائة وما بعدها وما قبلها، حول هذا الكلام، لكن محل الشاهد الذي قرأته في هذا المكان (3/677).

    قال: وحديثه على وفد بني المنتفق، قلت: أخذ قرابة عشر صفحات، هذا محل الشاهد.

    هنا يقول: فقد ساق هناك حديثاً طويلاً جداً، ثم ذكر بعض فقرات من هذا الحديث الذي قلت أخذ صفحتين من مسند الإمام أحمد ، ثم قال المعلق: وبعد أن ساق الحديث المشار إليه أتبعه بكلام طويل في تقويته استهله بقوله: هذا حديث جليل كبير، تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أن قد خرج من مشكاة النبوة، لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة المدني ...، ثم استرسل -كما يقول الشيخ المعلق- في توثيق عبد الرحمن ومن رواه عنه استرسالاً غريباً، كما أنه سرد الكتب التي روي الحديث فيها.

    وتقدم معنا أنه روي في المسند، وكتاب السنة للإمام عبد الله ، وروي أيضاً في السنة لـابن أبي عاصم وغير ذلك، كما أنه موجود في غير ذلك من الكتب كما تقدم معنا.

    يقول: استرسل في ذلك، سرد الكتب التي روي الحديث فيها وهي كتب معروفة بشيوع الحديث الضعيف والمنكر والموضوع فيها، وهو من أعلم الناس بحالها، ولكن غلبته عادته ومشربه فذهب يسردها ويطيل بتفخيم مؤلفيها تهويلاً بقوة الحديث وصحته، مع أن الحديث حينما رواه صاحبه الحافظ ابن كثير عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في كتابه البداية والنهاية، أعقبه بقوله: هذا حديث غريب جداً، وألفاظه في بعضها نكارة، وكذلك الحافظ ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في تهذيب التهذيب، أنه نقل هذا الكلام وذكره في ترجمة عاصم بن لقيط بن عامر بن المنتفق العقيلي بعد أن أشار للحديث ومن رواه من المؤلفين، قال الحافظ ابن حجر : وهو حديث غريب جداً.

    يقول الشيخ المعلق على كتاب الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة: فحينما يقول الحافظ ابن حجر في الحديث المشار إليه: حديث غريب جداً، وألفاظه في بعضها نكارة، ترى الشيخ ابن القيم يسهب ويطنب في دعمه وتصحيحه حتى نقل مرتضياً قول من قال: ولا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة.

    هذا نقله الإمام ابن القيم كما تقدم معنا، ونقله غالب ظني عن الإمام ابن منده كما تقدم معنا، يقول: قال ابن منده : روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما، وقد رواه بالعراق جماعة من الأئمة منهم أبو زرعة الرازي وأبو حاتم وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل ولم ينكره أحد، ولم يتكلم في إسناده، بل رووه على سبيل القبول والتسليم، ولا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتب والسنة.

    هذا كلام أبي عبد الله ابن منده ، وهو ما سماه، يقول: حتى نقل مرتضياً قول من قال، ولا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة.

    ثم ختم الشيخ المعلق كلامه بقوله: فصنيع ابن القيم هذا يدعو إلى البحث والفحص عن الأحاديث التي يرويها من هذا النوع ويشيد بها في تآليفه، وهي من كتب يوجد فيها الحديث الضعيف والمنكر والموضوع.

    فهذا الكلام حقيقة مردود ولا بد من أن نقف عنده أيضاً.

    الأمر الأول في تعليق أبو غدة والرد عليه

    أولاً إخوتي الكرام! قول المعلق على الكتاب غفر الله لنا وله وللمسلمين أجمعين: إن الإمام ابن القيم عندما وافق هذا الحديث مشربه جمع جراميزه لتقويته وتصحيح حاله، أقول: حقيقةً لابد من بيان المشرب، ما مشرب الإمام ابن القيم ؟ إنه مشربه مشرب أهل السنة والجماعة، فليس في الحديث خروج عن أصول أهل السنة والجماعة وعن قواعدها، فماذا في الحديث من أمور منكرة؟ لو حددها وقال هذا لا يصح، وهذه اللفظة باطلة على حسب أصول أهل السنة والجماعة لكان قد أفهمنا ماذا يراد من قوله: وافق الحديث مشربه، وحقيقةً هذا الأمر غير مقبول أبداً ومطلقاً.

    طيب ما مشرب الإمام ابن القيم ؟ مشربه مشرب أهل السنة والجماعة، فإذا كان عنده مشرب آخر لا بد من تحديد المشرب، وأين هذا الحديث وافق ذلك المشرب، حتى ينظر هل هذا الأمر كذلك أو لا.

    الأمر الثاني في تعليق أبو غدة والرد عليه

    الأمر الثاني: قول الشيخ المعلق إن الإمام ابن القيم استرسل في توثيق عبد الرحمن ومن رواه عنه استرسالاً غريباً. حقيقة هذا التعليق غريب عجيب، ماذا قال الإمام ابن القيم ؟ انتبه ماذا يقول في عبد الرحمن، يقول: هذا حديث كبير جليل تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة، لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني ، رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري ، ماذا قال الإمام ابن القيم ؟ لا يوجد استرسال أبداً، كلام باختصار في بيان حال هذين الراويين، قال: وهما من كبار علماء المدينة، ثقتان محتج بهما في الصحيح، احتج بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري انتهى، وما زاد على هذا ولا كلمة.

    ثم قال: ورواه أهل السنة في كتبهم، وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد. وهذا موضوع آخر للحديث، لكن في الكلام على هذين الراويين في سطرين، فهل هذا استرسال؟! قال: استرسل استرسالاً غريباً في توثيق عبد الرحمن بن المغيرة ومن رواه عنه، وفي الحقيقة لا يوجد استرسال بل كلام في منتهى الاختصار.

    وأنا أقول: عبد الرحمن بن المغيرة من رجال البخاري وأبي داود في السنن، كما قال الإمام ابن القيم : روى عنه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل شيخ المحدثين، وهكذا الراوي عنه وهو تلميذه إبراهيم بن حمزة الزبيري أيضاً روى له البخاري وأبو داود والنسائي ، هذا موجود في تقريب التهذيب، فالأول روى له البخاري وأبو داود ، والثاني البخاري وأبو داود والنسائي ، وهو ثقة عدل إمام صدوق مبارك، فهما من رجال البخاري ، فأين استرسل؟ ما استرسل، بل إن الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، عند الكلام الذي ينبغي أن يسترسل فيه وأن يتكلم عليه وأن يزيل الإشكال نحوه، طوى عنه الصفحة، يعني: هو لا إشكال في هذين الراويين، وهما الراوي الذي روى عنه عبد الله بن الإمام أحمد وهو شيخ له، وهو إبراهيم بن حمزة ، عن عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني ، هذان لا كلام عليهما، كل منهما من رجال البخاري ، لكن الكلام في الراوي الثالث والرابع والخامس، والإمام ابن القيم ما تكلم لا على الثالث ولا على الرابع ولا على الخامس، أما هذان فمن رجال البخاري ، وقوله: استرسل في ترجمة عبد الرحمن ومن روى عنه، يعني: تلميذه وهو إبراهيم بن حمزة وإبراهيم بن حمزة هذا شيخ عبد الله ولد الإمام أحمد ، فإذاً لا يوجد استرسال الآن، هنا الاسترسال لو أطال في ترجمة حولها كلام، لكنه قال فقط: هذان احتج بهما البخاري ، فاختصر غاية الاختصار، لكن الإمام ابن القيم المكان الذي ينبغي أن يتكلم عليه وأن يزيل الإشكال نحوه طوى عنه الصفحة، فلو تكلم هناك واسترسل لربما قيل: تكلم.

    فقول الشيخ المعلق هنا: استرسل في توثيق عبد الرحمن ومن رواه عنه استرسالاً غريباً، حقيقة الحكم عليه بأنه استرسل في توثيق هذين الرجلين، وهذا غريب من ابن القيم ، الحكم عليه بالغرابة غريب!

    الأمر الثالث في تعليق أبو غدة والرد عليه

    الأمر الثالث: قول الشيخ المعلق إن الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، نقل هذا الحديث من كتب يشيع فيها الضعيف والمنكر والموضوع، العبارة في الحقيقة ثقيلة ثقيلة، فهل يشيع الموضوع في مسند الإمام أحمد ، تقدم معنا أن الحديث في المسند، وهو يقول تلك الكتب يشيع فيها الضعيف والمنكر والموضوع، فهل يشيع في مسند الإمام أحمد الحديث الموضوع، حقيقة الأمر كما قلت ليس كذلك، وتقدم معنا في المواعظ السابقة كلام حول مسند الإمام أحمد عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وأنه ألف في ذلك كتب من قبل الحافظ ابن حجر وممن بعده في الذب عن مسند الإمام أحمد بن حنبل عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    إذاً: قوله: هذه الكتب التي نقل منها هذا الحديث يشيع فيها الضعيف والمنكر والموضوع، بالنسبة للموضوع وإدخال هذا الوصف في المسند ثقيل ثقيل ثقيل.

    الأمر الرابع في تعليق أبو غدة والرد عليه

    الأمر الرابع: هذا الحديث إخوتي الكرام من حيث معناه لا إشكال فيه، فمعناه ثابت، ولفقراته شواهد، وما ورد فيه من وصف لله جل وعلا ببعض الصفات التي يتصف بها ككونه جل وعلا يضحك أو غير ذلك من الصفات التي وردت في هذا الحديث، لا إشكال في ذلك على الإطلاق، فتقدم معنا إخوتي الكرام مراراً أن إيماننا بصفات ربنا يقوم على ركنين ركينين: إقرار وإمرار، فالله ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى، وهو السميع البصير، وقلت مراراً: من أدخل عقله في صفات الله فهو بين أمرين: إما أن يعطل، وإما أن يمثل، وكلاهما محذوران منكران، فإن أردت أن تتوهم من صفات الله ما هو معروف في خلقه فقد مثلت الله بخلقه، ومن شبه الله بخلقه فقد كفر، وإذا أردت بعد ذلك أن تنفي ما يتصف به ربنا لئلا يلزم من ذلك مشابهة بينه وبين خلقه، فقد عطلت الله عن صفاته، وقلت: إن المعطل يعبد عدماً، كما أن الممثل يعبد صنماً، والله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    وقلت مراراً إخوتي الكرام: إدخال العقل في أمور الغيب أشنع عيباً، إياك أن تدخل عقلك في المغيبات، ونحن آمنا بربنا جل وعلا، وهذا أول ركن في الإيمان، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:2-3]، فآمنا بربنا جل وعلا، فينبغي أن نقف عند حدنا، ولا يجوز أن ندخل عقولنا في تكييف ربنا، كما لا يجوز أن ندخل عقولنا في نفي الصفات عن إلهنا جل وعلا، فمعنى الحديث ثابت، وهذه الجزئية التي معنا: إن الإنسان له زوجات في الجنة ويلذهن، وأيضاً هن يتلذذن به، كل هذا ثابت في آيات وأحاديث ثابتة قطعية، فأي محذور فيه؟ يعني: لو حدد المحذور في الحديث ليحصل حوله كلام لكان الأمر واضحاً.

    إذاً: معناه كما قلت ثابت، أما من حيث السند فيبقى هذه قضية لها كلام، إذا اختلف فيه أئمتنا فينبغي نحن أن ننظر إلى هذا الكلام حسب قواعد علم الحديث، ولا داعي بعد ذلك أن نرد قولاً بشدة على حساب قول.

    نعم، هذا الحديث أئمتنا تكلموا حول سنده، واختلفوا في أمره، فالإمام الهيثمي يرى أن جميع رجال الإسناد ثقات عليهم جميعاً رحمة الله، ولا يجوز أن تحكم عليه بكلام غيره، والإمام ابن القيم إذا ارتضى هذا فهذا أيضاً إمام من الأئمة، نعم عندما بحث أئمتنا في الترجمة التفصيلية لرواة هذا الحديث، أنقل لكم ترجمته بما يبين أن الحديث فيه ضعف يسير ينجبر هذا الضعف بوجود متابع أو شاهد فقط، كما في رجال الإسناد من تكلم فيه أو جرح، غاية ما فيه أنه يوجد في بعض رجال الإسناد من لم يرو عنهم إلا راو واحد، وقد وثقهم ابن حبان ، والإمام الهيثمي ينص على توثيقهم، وبعض الأئمة لا يقبلون هذا، لكن الحديث لا يصل إلى درجة نكارة ووضع، وما حكم على بعض ألفاظه بنكارة سيأتينا توجيه هذا في كلام أئمتنا، بما يسميه الشيخ المحقق إن شاء الله، فانتبهوا لذلك إخوتي الكرام.

    تقدم معنا أن الراوي الأول من رجال البخاري ، وهو إبراهيم بن حمزة ، وهذا ممن جاوز القنطرة وارتفع عنه القيل والقال.

    والراوي الثاني وهو عبد الرحمن بن المغيرة من رجال البخاري أيضاً.

    الراوي الثالث الذي معنا: روى الحديث عبد الرحمن بن المغيرة عن عبد الرحمن بن عياش السمعي المدني حكم عليه الحافظ في التقريب بأنه: مقبول، وقال: من رجال أبي داود، وقال الخزرجي في الخلاصة: وثقه ابن حبان ، وقال الذهبي في الكاشف (2/160) وثق.

    هذا عبد الرحمن بن عياش السمعي لم يتكلم عليه ابن القيم ، مع أنه قد وثق، وثقه ابن حبان ، الإمام ابن حجر يقول: مقبول، إذا وجد متابع ووجد شاهد لهذا الحديث فقد اعتضد وتقوى.

    عبد الرحمن بن عياش : انفرد بالرواية عنه عبد الرحمن بن المغيرة ، لم يرو عنه إلا هذا، يعني ليس هناك جرح في عبد الرحمن بن عياش السمعي ، ما قيل فيه جرح، ولا اتهم بشيء، لكن الجهالة ما زالت عنه برواية راو على اصطلاح الجمهور، لذلك قال عنه الذهبي في الميزان: لم يرو عنه إلا عبد الرحمن بن المغيرة ، وهو صاحب حديث: (لعمر إلهك)، وعبد الرحمن بن المغيرة تقدم معنا عن عبد الرحمن بن عياش من رجال البخاري .

    إذاً: هذا الراوي الأول على حسب اصطلاح الجمهور حوله كلام، ومع ذلك فيه نزاع، الذهبي في الكاشف يقول: وثق، وابن حبان يوثقه، والهيثمي يطلق القول: جميع الرجال ثقات.

    الراوي الرابع: وهو شيخ عبد الرحمن بن عياش فيه ما فيه التلميذ، لم يرو عنه إلا تلميذه وهو عبد الرحمن بن عياش ، والشيخ هو دلهم بن الأسود بن عبد الله العقيلي حجازي مقبول، قال الحافظ في التقريب: من رجال أبي داود فقط، قال الخزرجي في الخلاصة ما قاله في عبد الرحمن بن عياش السمعي المدني تماماً: وثقه ابن حبان ، وقال الذهبي في الكاشف ما قاله في تلميذه عبد الرحمن بن عياش السمعي: وثق.

    هذا راو ثان حوله كلام، وعلى حسب اصطلاح الجمهور كما قلت فيه جهالة؛ لأنه لم يرو عنه إلا راو واحد، قال الذهبي في الميزان: دلهم لم يرو عنه إلا عبد الرحمن وحده، ثم قال: وثقه ابن حبان .

    والراوي الثالث: دلهم روى هذا الحديث عن أبيه، لم يرو عن والد دلهم وهو الأسود إلا الولد دلهم .

    فهؤلاء الثلاثة لم يرو عن كل واحد منهم إلا راو واحد، فالحافظ ابن حجر حكم على الثلاثة بالقبول، قال: مقبول مقبول، وكل واحد من هؤلاء كما تقدم معنا وثق.

    إذاً: دلهم روى الحديث عن أبيه، وأبوه هو الأسود بن عبد الله العقيلي حجازي، قال الحافظ في التقريب: مقبول، قال الذهبي في الميزان في ترجمته (1/256): ما روى عنه سوى ولده، له حديث واحد رواه عن عمه عاصم بن لقيط ، وهو الحديث الذي تقدم معنا.

    إذاً: إخوتي الكرام! فمعنا عبد الرحمن بن عياش ودلهم ووالده، وهو الأسود بن عبد الله ، هؤلاء الثلاثة وثقوا، والحافظ ابن حجر حكم عليهم بالقبول، فقال في ترجمة كل منهم: مقبول، هؤلاء الثلاثة كما تقدم معنا وثقوا كما قال الحافظ الذهبي ، بالنسبة للأخير فهو تابعي، يروي الحديث عن صحابي، وروى عنه راو ولا يعلم فيه جرح، فالأمر فيه يسير، ومن بعده نقل أيضاً توثيقه عن ابن حبان وعن غيره، والذهبي كما تقدم معنا يقول: وثق.

    إذا اختلف أئمتنا في توثيق بعض رجال الحديث، فهل يجوز إذا جاء واحد منا واستدل بكلام بعض الأئمة في توثيق هذا الحديث، ممن وثقه الهيثمي وابن حبان والذهبي ؛ لو أن واحداً منا جاء في هذا الوقت وقال: أنا أرى أن هذا الحديث على حسب ما نص هؤلاء الأئمة حديث صحيح، وهو في دواوين الإسلام، هل يجوز أن يقال: إنه جمع جراميزه لتقويته لأنه يوافق مشربه في إثبات الصفات لله جل وعلا؟

    هذا في الحقيقة كلام لا يقال إطلاقاً، والحقيقة ليست كذلك، والإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا ما صحح هذا الحديث لأنه يوافق مشرباً معيناً، إنما هذا الحديث أصول أهل السنة تشهد له، وليس فيه ما يوجب تركاً ولا نكارة، بل فيه ضعف يسير محتمل على التسليم بأن الجهالة ما زالت عن الأسود ولا عن ولده دلهم ولا عن عبد الرحمن بن عياش ، بقي أنه روى عنهم راو يحتاج إلى متابع أو إلى شاهد ليتبين لنا أن الحديث له مخرج آخر، وأنه ليس فيه خطأ ولا وهم.

    وهذا الحديث قد شهدت له الأحاديث الثابتة، والإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وقفت على مسلكه فيما يشبه هذا كثيراً، وتقدم معنا في دروس سنن الترمذي في حديث أبي إمامة الباهلي ، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، لما طرد الله الشيطان الرجيم من الجنة، وقال: (رب طردتني ولعنتني.. إلى آخر الحديث، اجعل لي كتاباً، قال: كتابك الشعر) إلى آخره، الحديث تقدم معنا، يقول الإمام ابن القيم بنفسه: ضعيف، وتقدم معنا الحديث وتخريجه من معجم الطبراني الكبير وغيره، يقول: لكن لكل فقرة من فقراته شواهد ثابتة من الكتاب والسنة، وهنا كذلك.

    فالطبقة المتقدمة وهي آخر الإسناد عندنا عبد الله بن أحمد ومن روى الحديث عنه، ومن رواه عن هؤلاء الثلاثة أئمة أعلام، هؤلاء رووا الحديث في بلاد الإسلام وقبلوه، كأنه أراد أن يخبرنا أنه متلقى بالقبول عند أئمة الإسلام، ثم محل الإشكال ما بحث فيه على الإطلاق، وهو عبد الرحمن بن عياش السمعي ومن بعده، كأنه يقول: هذا الحديث لو كان فيه محذور لما تلقاه أئمتنا بالقبول، ثم قال: تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة، ويوجد شواهد ثابتة له، وعليه الحديث معتمد، هذا الذي يريد أن يقوله، ثم ختم كلامه بكلام الإمام ابن منده عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، أنه لا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة.

    فليس إذاً الكلام أنه ساق حديثاً وسكت عنه حتى تقول لنا: احترسوا لأنه قد يروى الضعيف أحياناً، فإنه ساق حديثاً وبين كلام أئمة الإسلام نحوه، وأنه روي في أمصار المسلمين من غير نكير، بل علق عليه أئمة المسلمين، فقالوا: هذا الحديث لا يرده إلا جاهل أو جاحد أو مكابر، فاختلف الأمر عما إذا رووا حديثاً بالإسناد أو بدون إسناد وسكتوا، قد تقول هناك: رووه لبيان الجمع، وبيان ما نقل في هذه المسألة، ثم أنت محص، أما هنا فقد رووه وعلقوا عليه، قال: انتبه هذا حديث كل جملة من جمله وفقرة من فقراته تشهد له شواهد ثابتة، وبناءً عليه لا يرده إلا جاهل أو جاحد أو مكابر، إلى آخر كلام أئمتنا.

    فالحديث كما قلت معناه لا نزاع فيه، إسناده نعم فيه شيء من الكلام، والشيخ الألباني في تعليقه على كتاب السنة لـابن أبي عاصم ضعفه، وأنا أعجب له كما أعجب لهذا الشيخ أيضاً هنا؛ لأن الحديث إذا وجد له شواهد وضعفه يسير محتمل يزول عنه الضعف، والشيخ الألباني يفعل هذا بكثرة، يرى أحياناً الحديث ضعفه ظاهر بيِّن يقويه بمرسل، أو يقويه بحديث ضعيف آخر، أو يقويه بحديث حسن، طيب! هنا إذا كان في الإسناد على حسب الصناعة الحديثية عند الجمهور ضعف يسير، فأين الشواهد الأخرى، وأين الكلام بعد ذلك على هذا الحديث من أجل تمشيته على حسب القواعد الكاملة في علم المصطلح؟ إذا نظرت إليه على انفراد فهو عند الجمهور يمكن أن تقول عنه: إسناده ضعيف، لكن إذا نظرت للشواهد زال الضعف، على أن هذا الضعف أيضاً على انفراده غير متفق عليه عند أئمتنا، فأي محذور إذاً حتى يقال إن هذا الحديث فيه ما فيه ووافق مشربه، وبناء عليه جمع جراميزه لتصحيح الحديث وتقويته!

    كما قلت إخوتي الكرام: معناه ثابت، وإسناده غاية ما يقال مختلف في إسناده لا يصل إلى درجة الترك، ولا إلى النكارة، ولا إلى الوضع بحال، وبقي ضعف يسير على حسب تراجم الرجال رجلاً رجلاً، يزول هذا الضعف بالشواهد التي تشهد له، والعلم عند الله جل وعلا.

    الجواب عن قول ابن كثير وابن حجر عن الحديث فيه نكارة وغرابة

    فإن قيل: الحافظ الإمام الجهبذ ابن كثير عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وهكذا حذام المحدثين الإمام ابن حجر عليهم جميعاً رحمة رب العالمين، يقول الإمام ابن حجر : هذا غريب جداً، والإمام ابن كثير يقول: هذا غريب جداً وألفاظه في بعضها نكارة.

    إخوتي الكرام! لفظ الغرابة والنكارة يطلقها أئمتنا على إطلاقين اثنين فانتبهوا لذلك:

    أحياناً يريدون بالنكارة ما اشتد ضعفه، والإمام البخاري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا يقول: إذا قلت عن راو إنه منكر الحديث فلا يحل أن يروى عنه، أي: حديثه ساقط لا يروى عنه، وهذه أشد كلمة جرح يطلقها شيخ المحدثين على الراوي إذا كان متروكاً، يقول عنه: منكر الحديث، ولا يزيد بعد ذلك في الألقاب، فلا يقول: دجال ولا وضاع ولا كذاب ولا مفترى ولا خبيث؛ لأن عنده عفة في لسانه رحمة الله ورضوانه عليه.

    وأحياناً يطلق لفظ النكارة ويراد به تفرد الراوي برواية، أي: جاء برواية تفرد بها، هنا هذا الإسناد ما جاء من طريق غيره، وفي هذا الإسناد بهذا المتن ما جاء من إسناد آخر، أي: هو في هذا الإسناد متفرد بالنقل، وهنا لا يراد الآن من النكارة ولا من الغرابة الضعف، غاية ما يراد أنه انفرد، ولذلك يقال: منكر صحيح، ومنكر حسن، ومنكر ضعيف، فمنكر صحيح ما المراد منه؟ يعني انفرد بهذه الرواية لكن حديثه صحيح من رجال البخاري ، منكر حسن منكر ضعيف، فانتبه لهذا، وهذا نفس الشيخ المعلق هنا على كتاب الأجوبة الفاضلة ينقله في الرفع والتكميل عن الشيخ التهانوي (ص:149)، فيقول: إياك أن تغتر بقول الذهبي في الميزان، أو قول ابن عدي في الكامل: من مناكير فلان كذا، أو أنكر ما رواه فلان كذا، أو فلان يروي المناكير، إياك أن تغتر بقول الذهبي أو قول ابن عدي بهذا اللفظ عن راو وتحكم عليه بالضعف بمجرد هذا الحكم عليه من قبل الذهبي أو ابن عدي .

    قال: فأئمة الحديث قد يريدون بالنكارة كونه منفرداً به فحسب، ولا يريدون الضعف الشديد الذي تترك به رواية الراوي، وذكر هذا أيضاً في قواعد في علوم الحديث (ص:273) فقال: أئمة الحديث يطلقون هذا اللفظ -وهو النكارة- على الحسن والصحيح أيضاً بمجرد تفرد راويه، وعليه فيما يظهر لي هنا والعلم عند الله، قول الحافظ ابن كثير : هذا حديث غريب جداً، كأنه يريد أن يقول: هذا السند تفرد به هؤلاء الرواة، وما جاء هذا المتن من طريق غيرهم، وهكذا قول الإمام ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: حديث غريب جداً، والعلم عند الله جل وعلا.

    على أنه إخوتي الكرام! لو قدر أن الإمام ابن كثير والحافظ ابن حجر يريان ضعف الحديث يبقى مما اختلف فيه أئمتنا، فلا يجوز أن نمثل بهذا الحديث على تساهل الإمام ابن القيم ، وأننا إذاً نقول: احترس من هذا الحديث ومن نحوه عندما يبذل الإمام ابن القيم ويجمع جراميزه لتصحيح مثل هذا الحديث! فما انفرد الإمام ابن القيم بهذا، قلت: الإمام الهيثمي وهو أمكن منه في علم الحديث قال: جميع رجال إسناده ثقات وهو متصل، وتقدم معنا أن كل واحد من هؤلاء الرجال من الذين تكلم فيهم يقول عنه الذهبي : وثق أيضاً، وإذا كان الأمر كذلك فإذا أردنا أن نمثل على تساهل الإمام ابن القيم فينبغي أن نمثل بمثال يسلم جميع علماء الحديث على أنه منكر متروك ضعيف موضوع، ثم هو جمع جراميزه لتصحيحه، نقول: هذا فعلاً انفرد به، أما هنا فالأمر طبيعي، فما ينبغي أن يمثل على تساهل الإمام ابن القيم بهذا المثال، فإذا كان عنده مثال آخر فليذكره، لينظر فيه أيضاً، والعلم عند الله جل وعلا.

    الأمر الخامس في تعليق أبو غدة والرد عليه

    إخوتي الكرام! كما قلت هذا الآن تنبيه خامس لرد هذا الكلام، وعليه آخر الأمور التي يمكن أن نقولها ما بدأ به المعلق كلامه، يقول: حتى يخيل للقارئ أن ذلك الحديث من قسم المتواتر، في حين أنه قد يكون حديثاً ضعيفاً أو غريباً أو منكراً.

    من هذه الأوصاف الثلاثة (ضعيفاً أو غريباً أو منكراً)، ماذا تقصد بالغرابة؟ تقصد به انفراد الراوي وهو صحيح، أو تقصد به الضعف، إذاً: الغريب هو الضعيف!

    يعني هل تقصد بالغرابة هنا انفراد الراوي فقط، وإن كان صحيحاً فهذا لا حرج على الإمام ابن القيم في تقويته، أم تقصد به ضعيفاً، فإن كان ضعيفاً فهو تكرار لمعنى واحد لكن بلفظ متغاير.

    وماذا تقصد بالمنكر؟ هل هو الضعيف أيضاً؟ كلام -كما قلت- جاء في التعليق على الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وكما قلت: لا أرى أن يعلق بذلك على كلام الإمام ابن القيم ، والعلم عند الله جل وعلا.

    وهذا الحديث إخوتي الكرام! من باب توضيح حاله فيه من انفرد بالرواية عنهم راو واحد، وعلى اصطلاح الجمهور لم ترتفع عنهم الجهالة، والإمام ابن حبان وثقهم، والحافظ ابن حجر حكم عليهم بأنهم مقبولون، والإمام الذهبي مع ما حكى من الكلام فيهم قال: وقد وثقوا، وإذا كان الأمر كذلك فالحديث إن شاء الله في درجة القبول، والعلم عند الله جل وعلا.

    الكلام على ما ورد في الحديث من صفات الله

    وأما الصفات التي وردت فيه كصفة الضحك وغيرها، فنقول فيها ما نقوله في سائر صفات ربنا سبحانه وتعالى: يضحك بكيفية يعلمها ولا نعلمها، كما ينزل بكيفية يعلمها ولا نعلمها، وكما يتكلم بكيفية يعلمها ولا نعلمها، وكما له يدان سبحانه وتعالى يعلمهما ويعرف حقيقتهما ولا نعلمها ولا نعرف حقيقتهما، وغاية ما عندنا في صفات ربنا إقرار وإمرار، ومن أقر ولم يمر فهو ممثل، ومن لم يقر فهو معطل، فانتبه لذلك.

    نقر بالصفة كما وردت، ثم لا نبحث في كنهها ولا في كيفيتها، ونقول ما قاله سيدنا الإمام الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله عز وجل، وآمنت برسولنا عليه الصلاة والسلام، بما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك إذا نحن أخرجنا العقول من هذه المتاهة لا نستغرب شيئاً مما ورد في هذا الحديث.

    وقلت: لكل صفة وردت نظائر، ولها مثيل ومشابه، ولذلك لا داعي لأن نقول: إن هذا الحديث وافق مشرب الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، ولذلك جمع جراميزه لتصحيحه وتقويته، والعلم عند الله جل وعلا.

    الكلام حقيقة طال، لكن الحديث فيما يبدو ويظهر لي والعلم عند الله: أنه ثابت محتج به، وجرى حوله هذا الكلام، وأردت أبين هذا الأمر حتى إذا وقف الإنسان على هذه التعليقة يكون على علم بها.

    ولا يقولن قائل: إنك استدللت بهذا الحديث وقلت: خرجه فلان وفلان، لكن الإمام ابن القيم هول حول هذا الحديث وأنت ما بينت لنا، فاستمع هذا، عندي علم بما قيل من اعتراض، لكن ذلك الاعتراض لا قيمة له، والعلم عند الله جل وعلا.

    1.   

    ذكر بعض الأحاديث في تمتع المؤمنين بالحور في الجنة

    إخوتي الكرام! نتابع بعد ذلك خطوات البحث فيما تقدم معنا من وصف الحوريات والنساء المؤمنات في نعيم الجنات.

    تقدم معنا إخوتي الكرام! أنه بعد وطئهن يعدن أبكاراً، وقلت: أشار الله جل وعلا إلى هذا في كتابه جل وعلا كما تقدم معنا في وصفهن: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة:35-38].

    حديث أبي هريرة في عودة الحور العين أبكاراً بعد الوطء

    وقد روى الإمام الضياء المقدسي في كتاب صفة الجنة، كما في الدر المنثور (1/40) والحديث رواه الإمام عبد الملك بن حبيب في كتاب وصف الفردوس (ص:68)، وإسناد الأثر رجاله ثقات من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: (قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيطأ أهل الجنة؟ -في رواية قال السائل: أنطأ يا رسول الله في الجنة؟!) والمراد من الوطء: المسيس والمباشرة، وهذا معروف

    (فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم والذي نفسي بيده دحماً دحماً)، كما تقدم معنا في الروايات السابقة، وقلت: الدحم هو الوطء بشدة وشهوة قوية، وتقدم معنا: (دحاماً دحاماً بذكر لا يمل، وفرج لا يحفى)، وتقدم أن معناه: لا يستمسك، لا يسترخي، لا يتعب، (بذكر لا يمل، وفرج لا يحفى، وشهوة لا تنقطع)، هذا كله تقدم معنا في وصف تمتع المؤمنين بنسائهم في جنات النعيم، هنا الزيادة: (فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكراً)، والحديث كما قلت رجال إسناده ثقات.

    حديث ابن عباس في عودة الحور العين أبكاراً بعد الوطء

    حديث آخر يقرر هذا الأمر: من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، رواه الإمام أيضاً عبد الملك بن حبيب في كتاب وصف الفردوس (ص:68) وعنون عليه: باب ما جاء في جماع أهل الجنة، وإسناد الأثر أيضاً ثقات، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل ليعطى قوة مائة رجل محتلم في الجماع، وما يأتي أحدهم زوجته إلا وجدها عذراء، ثم تعود عذراء فمن شاء منهم أدام الأكل فأمن الكظة)، وهي: التُخَمَة، إذا أراد أن يديم الأكل يأمن آفات الشبع وكثرة الأكل، فلا يصاب بتخمة ولا بأذى، قال: (ومن شاء منهم أدام الشراب فأمن الصداع والسكر)، فالمراد من الشراب هنا خمر الجنة، أي: إن أراد أن يشرب كثيراً يأمن الصداع والسكر، لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ [الواقعة:19].

    قال: (ومن شاء منهم لها عنهما)، أي: عن الطعام وعن الشراب (فأمن الجوع والظمأ)، لأنه تقدم معنا أنه لا يكون الطعام لدفع عادية وشدة الجوع، ولا يكون الشراب لدفع العطش، إنما كله تفكه وتلذذ.

    قال: (وإنهم ليأكلون كل يوم مرتين)، مقدار الغداء والعشاء في الدنيا، (وما يحدثون، إنما يخرج منهم عرق رشحاً فيرشحونه، ريحه ريح المسك).

    هذه رواية ثانية من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن نساء أهل الجنة يعدن أبكاراً، فإذا قام عنها عادت عذراء، وهذا ثابت في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين.

    حديث أبي سعيد الخدري في عودة الحور العين أبكاراً بعد الوطء

    الرواية الثالثة التي سأذكرها إسنادها ضعيف، رواها الإمام البزار في مسنده، وانظروها في كشف الأستار (4/199)، ورواها الإمام الطبراني في معجمه الصغير كما في مجمع الزوائد (10/417)، ورواها أبو الشيخ في كتاب العظمة (ص:256)، ورواها الإمام الخطيب في تاريخ بغداد (6/53)، وانظروها في الدر المنثور (5/266)، وفي البدور السافرة كلاهما للإمام السيوطي (ص:453).

    وهذه الرواية تناقلها أئمتنا، وإنما أريد أن أذكر من نقلها ممن لم يرو بالإسناد لأبين أنها مع ضعفها تشهد لها الشواهد الثابتة، وليس التعويل في إثبات البكارة وعودها إلى نساء أهل الجنة بناء على هذه الرواية، إنما هذا لبيان ما روي، روي في أحاديث صحيحة وورد هذا في أحاديث ضعيفة.

    هذه الرواية ذكرها الإمام عبد الحق في كتاب العاقبة (ص:351)، وهكذا الإمام ابن كثير في النهاية في الفتن والملاحم (2/218)، والإمام ابن القيم في روضة المحبين (ص:253)، وفي كتاب حادي الأرواح (ص:164)، وفي إسناد الرواية كما قال الإمام الهيثمي في المجمع: معلى بن عبد الرحمن الواسطي قال عنه الهيثمي : كذاب ذاهب الحديث، وقال الإمام ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/448): تفرد بها معلى بن عبد الرحمن الواسطي ، قال عنه أبو حاتم : متروك الحديث، وقال عنه الإمام ابن المديني : ذاهب الحديث يضع، وقال عنه أبو زرعة : ذاهب الحديث، وقد حكم عليه الإمام ابن حجر في التقريب فقال: متهم بالوضع، ورمي بالرفض (ق)، يعني: جمع البلايا، رافضي، واتهم بأنه يضع، وأكثر الوضاعين من الرافضة، و(ق)، أي: من رجال ابن ماجة فقط، لم يرو له أحد من أصحاب الكتب الستة إلا الإمام ابن ماجة ، وقال الذهبي في المغني في الضعفاء (8/670)، قال الدارقطني : ضعيف كذاب، والإمام ابن حجر في التهذيب (10/238) ترجمه وأسهب في ترجمته، فقال: قال ابن معين : أحسن أحواله عندي أننا نحمل حاله على حسب قوله، فماذا قال معلى بن عبد الرحمن الواسطي ؟

    عندما احتضر قيل له: حسن ظنك بربك، قال: كيف لا، وقد وضعت سبعين حديثاً في فضل علي رضي الله عنه وأرضاه، فـابن معين عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا يقول: أحسن أحواله أن نأخذ بكلامه، وهو يقر على نفسه بالوضع والكذب على النبي عليه الصلاة والسلام.

    يعني سيكون لك يد عند سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه، أو عند النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه إذا كذبت وافتريت؟ نسأل الله العافية والسلامة.

    ومثل هذا فعله كثير من الوضاعين، منهم ميسرة بن عبد ربه الفارسي الأكال ، ونعته مرة الذهبي الأكول، ولما قيل له: كم رغيفاً يشبعك؟ قال: من مال من؟ قالوا: من مالك، قال: رغيف أو رغيفان، قالوا: من مال غيرك؟ قال: اخبز واطرح، ويقال: أكل مرة سبعين رغيفاً، ومرة مائة رغيف، فجمعوا فأحضروا فيلاً وقدموا له مائة رغيف فأكلها إلا واحدة، فزاد أكله على أكل الفيل، وله أخبار في الأكل عجيبة غريبة، يقولون: كان يأكل ما يكفي سبعين رجلاً.

    ميسرة بن عبد ربه ، انظروا ترجمته المظلمة في ميزان الاعتدال للإمام الذهبي (4/230-232)، وأوجز في ترجمته في السير (8/164)، لأنه قال: ذكرته مطولاً في الميزان، انظره في الميزان فترجمته هناك، وانظروا أيضاً لسان الميزان للحافظ ابن حجر (6/138) فما بعدها، وقد وضع سبعين حديثاً في فضل علي رضي الله عنه وأرضاه كما وضع معلى بن عبد الرحمن الواسطي .

    وأيضاً لما احتضر قيل له: حسن ظنك بربك، قال: كيف لا، وقد وضعت في فضل علي سبعين حديثاً، وعلى مبدأ الشيعة حب علي حسنة لا يضر معها خطيئة، ويروون حديثاً وهذا موجود في كتبهم وهو مكذوب، وينسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهو لا تصح نسبته: (أن رجلاً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: أحب المصلين ولا أصلي، قال: أنت مع من أحببت، قال: أحب الصائمين ولا أصوم، قال: أنت مع من أحببت)، وهنا حب علي حسنة فلا يضر معها خطيئة، فإذا أحببت علياً رضي الله عنه وأرضاه فافعل ما شئت.

    ووضع ميسرة أربعين حديثاً في فضل قزوين، وهو أحد أركان أحاديث العقل الذي وضعه الوضاعون، أحد أركانه ميسرة بن عبد ربه الفارسي الأكول ، هذا كـمعلى بن عبد الرحمن ، يقول الحافظ ابن حجر : قال ابن معين : أحسن أحواله عندي أن نحمل حاله على حسب قوله الذي قاله وأقر على نفسه بالوضع، ثم نقل عن ابن عدي أنه قال: أرجو أنه لا بأس به، يقول الحافظ ابن حجر : قلت: وروي له عدة أحاديث.

    إخوتي الكرام وهذا الذي دعاني أن أذكره هنا وهو في هذا الحديث الذي سأرويه بأن نساء أهل الجنة يعدن أبكاراً، هذا الذي دعاني لأذكره أنه يوجد شواهد له، وأئمتنا نقلوا عن هذا كما فعل إمام الأئمة ابن خزيمة ، فقد نقل في صحيحه حديثاً عن هذا ثم علق عليه بما ستسمعونه، وتعليق الإمام ابن خزيمة هو تعليقي في ذكر هذا الحديث في هذا الموطن.

    قال الحافظ ابن حجر : قلت: روي له عدة أحاديث، وروى له الإمام ابن ماجة عدة أحاديث، ثم قال: روى عنه الإمام ابن خزيمة في كتاب الصيام من صحيحه، والإمام ابن خزيمة روى عنه هذا (3/349)، يقول هنا الحافظ ابن حجر: روى له في كتاب الصيام من صحيحه وقال: ليس هذا مما يحتج به، ولولا أن له أصلاً من طريق غيره لم أستجز أن نبوب له باباً.

    والباب الذي روى الإمام ابن خزيمة عنه في كتاب الصيام يقول: باب الرخصة في السمر للمعتكف مع نسائه في الاعتكاف، ثم قال: خبر صفية رضي الله عنها وأرضاها أمنا الطيبة الطاهرة من هذا الباب، وهذا حديث صحيح ثابت في المسند والصحيحين وسنن أبي داود وابن ماجة ، ورواه الإمام ابن حبان في صحيحه، والبيهقي في السنن الكبرى، كما رواه شيخ الإسلام عبد الرزاق في مصنفه، لما كان نبينا عليه الصلاة والسلام معتكفاً في مسجده على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه وجاء نساءه يزرنه ومنهن صفية رضي الله عنها وأرضاها، ولما تأخرت في المجيء، وتأخرت بعد ذلك في الانصراف، قام نبينا عليه الصلاة والسلام يشيعها إلى بيتها، وسمرن معه وهو معتكف في المسجد عليه الصلاة والسلام، فلما خرج وهو يشيعها مر به أنصاريان، وتقدم معنا الحديث في مباحث سنن الترمذي ، قال: (على رسلكما إنها صفية قالا: يا رسول الله، أفيك نشك؟ فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً أو شيئاً)، على كل حال يقول: خبر صفية من هذا الباب، تقدم في الباب الذي قبله عند الإمام ابن خزيمة .

    ثم قال: حدثنا الفضل بن أبي طالب قال: حدثنا المعلى بن عبد الرحمن الواسطي وهو الذي عندنا هنا، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن عبيد الله بن أبي جعفر عن أبي معمر عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أسمر عند النبي عليه الصلاة والسلام وهو معتكف، وربما قال: قالت: كنت أسهر)، هنا أمنا عائشة في حديث صفية أمهات المؤمنين لكن التي تأخرت وخرجت صفية رضي الله عنهن أجمعين.

    قال أبو بكر -وهو ابن خزيمة -: هذا خبر ليس له من القلب موقع، وهو خبر منكر، لولا ما استدللت من خبر صفية على إباحة السمر للمعتكف لم يجز أن يجعل لهذا الخبر باب على أصل هذا، لأن هذا كما قلت فيه معلى بن عبد الرحمن الواسطي ، فلا يجوز أن نثبت حكماً -وأن نأخذ حكماً وهي الترجمة للباب- من هذه الرواية، فإن هذا الخبر ليس من الأخبار التي يجوز الاحتجاج بها، إلا أن في خبر صفية غنية عن هذا، فأما خبر صفية فهو ثابت صحيح، وفيه ما دل على أن محادثة الزوجة زوجها في اعتكافه ليلاً جائز، وهو السمر نفسه، وهنا تقول أمنا عائشة : كنت أسمر، أو كنت أسهر، فيقول: هذا المعنى ثابت في حديث صفية ، ولولا حديث صفية رضي الله عنها وأرضاها لما استجزت أن أترجم لهذا الحديث: باب سمر المعتكف مع زوجه.

    فإذاً: الإمام ابن خزيمة عند ثبوت رواية صحيحة لـمعلى بن عبد الرحمن الواسطي ذكر روايته في صحيحه، وهكذا أنا، فعذر الإمام ابن خزيمة هو عذري في هذه الرواية.

    والرواية إخوتي الكرام كما قلت: من طريق معلى بن عبد الرحمن الواسطي ، قلت: إنها في النهاية (ص:218) لفظ الحديث من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكاراً)، هذا لفظ الحديث، وهذا المعنى ثابت في حديث أبي هريرة ، وحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين.

    حديث آخر لأبي هريرة في عودة الحور العين أبكاراً بعد الوطء

    رواية رابعة إخوتي الكرام فيها أيضاً شيء من الضعف، وأئمتنا احتجوا بها، واستشهدوا بها لوجود شواهد لها، مروية أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، رواها الإمام البيهقي في البعث والنشور (ص:344)، وهو آخر حديث في كتاب البعث، ونسبها الإمام السيوطي في الدر (5/339) إلى عبد بن حميد وعلي بن سعيد في كتاب الطاعة والمعصية، وإلى مسند أبي يعلى ، وهي في تفسير الطبري، ورواها ابن المنذر في تفسيره، وابن أبي حاتم في تفسيره، وأبو موسى المديني، كما رواها الإمام الطبراني في معجمه الكبير، وأبو الحسن القطان في كتابه المطولات، ورواها أبو الشيخ في كتاب العظمة.

    والحديث كما قلت إخوتي الكرام! من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وفي إسناد الحديث إسماعيل بن رافع ، قال عنه الحافظ في التقريب: ضعيف الحفظ، توفي في حدود سنة (150هـ)، وهي السنة التي مات فيها فقيه هذه الأمة المباركة سيدنا أبو حنيفة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وإسماعيل بن رافع رمز له الإمام ابن حجر في التقريب بأنه من رجال البخاري في الأدب المفرد (بخ)، والترمذي وابن ماجة القزويني ، وذكر الإمام ابن حجر في ترجمته في التهذيب (1/295)، فقال: قال شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: لم يكن به بأس، ولكنه كان يحمل عن هذا وهذا، وقال الإمام الفسوي صاحب كتاب المعرفة والتاريخ: ليس بمتروك، ولا يقوم حديثه مقام الحجة، يعني: لا يحتج به على انفراده، ولا يترك، إنما يكتب حديثه ويستشهد به، فإذا وجد له شاهد اعتضد وتقوى.

    وقال الإمام الترمذي : ضعفه بعض أهل العلم، يقول: وسمعت محمداً -وهو الإمام البخاري شيخ الإمام الترمذي عليهم جميعاً رحمة الله- يقول: إنه ثقة مقارب الحديث.

    (مقارِب) كما تقدم معنا، أي يقارب غيره في الحفظ والضبط والإتقان، أو (مقارَب) يقاربه غيره في الحفظ والضبط والإتقان، وعلى اصطلاح سيدنا الإمام البخاري الحديث لا ينزل عن درجة الحسن من طريق إسماعيل بن رافع ، مع أنه ضعيف الحفظ وليس في ديانته وعدالته خدش، هذا ينقله الإمام الترمذي يقول: ضعفه بعض أهل العلم، وسمعت محمداً يقول إنه ثقة مقارب الحديث.

    والإمام الذهبي في المغني يقول: ضعفوه جداً، ثم روى عن الإمام الدارقطني والنسائي أنهما قالا: إنه متروك، وقال في الكاشف أيضاً: ضعيف واهن، وأما في الميزان (1/227) فذكر عبارة خشنة ما أعلم سببها قال: ومن تلبيس الإمام الترمذي -وأي تلبيس يا عبد الله! والإمام الذهبي ومن هو في منزلته لا يزنون شعرة من الإمام الترمذي، وكل واحد ينبغي أن يقف عند حده وأن يعرف مقداره- يقول: ومن تلبيس الإمام الترمذي قال: ضعفه بعض أهل العلم، وقال الإمام البخاري : ثقة مقارب الحديث، يعني: على من تتكلم؟ على البخاري أو على الإمام الترمذي .

    إن كنت تتهم الإمام الترمذي في النقل فلن يوثق بشيء بعد ذلك من السنة، وإذا كان كلام الإمام البخاري لا يقبل، فالأمر أشنع وأشنع، فغاية ما يقال: إن هذا الراوي مما اختلفت أنظار العلماء فيه، أما أن يقال من تلبيس الإمام الترمذي فهذه عبارة خشنة.

    وقلت لكم مراراً إخوتي الكرام! أئمتنا ينبغي أن نتأدب معهم، وغفر الله للإمام الذهبي ورحمه ورضي عنه وغفر لأئمتنا أجمعين، وهذه العبارة ما ينبغي أن تقال في حق الإمام أبي عيسى الترمذي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، يقول: ومن تلبيس الإمام الترمذي ..، ثم نقل هذا، وحقيقة لا أعلم ماذا يقصد، وما علق الذهبي على هذا بشيء، والعبارة خشنة تطرح ممن صدرت منه، وليس هذا من تلبيسه، إنما هذا من نصحه وديانته أنه ينقل لنا ما قاله أئمتنا في رواة حديث نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    ولذلك إخوتي الكرام! هذا الحديث جميع رجال إسناده ثقات أثبات، وما فيهم من تكلم فيه إلا إسماعيل بن رافع ، وقد اختلف أئمتنا بناء على ذلك في تصحيح هذا الحديث وتضعيفه، قال الإمام السيوطي في البدور السافرة في أمور الآخرة (ص:20): اختلف الناس في تصحيح هذا الحديث وتضعيفه، ثم قال: صححه الإمام أبو بكر بن العربي ، وسيأتينا نقل التصحيح عنه الإمام ابن حجر في فتح الباري، وأما أبو بكر بن العربي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، فصحح هذا الحديث في كتابه سراج المريدين، وما عندي هذا الكتاب لأنظر تصحيحه وأتحقق منه.

    قال: وصححه الإمام القرطبي في التذكرة في أمور الآخرة، وصححه مغلطاي بن قليج وهو علاء الدين من أئمة الحنفية الكبار، توفي سنة (762هـ)، من علماء القرن الثامن للهجرة، وشرح البخاري في عشرين مجلداً، والإمام ابن حجر ينقل عنه، وهو من الأتراك ويسمون بهذه الأسماء: مُغَلطاي، وبعض الناس عندما ينطق به يقرؤه: مَغْلَطاي، مُغَلْطاي بن قليج علاء الدين الحنفي شرح البخاري في عشرين مجلداً، انظروا ترجمته العطرة في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لحذام المحدثين الإمام ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، في الجزء الرابع صفحة اثنتين وخمسين وثلاثمائة.

    إذاً: صححه أبو بكر بن العربي والقرطبي ومغلطاي ، يقول: وضعفه البيهقي وعبد الحق ، وصوبهما ابن حجر .

    إذاً أئمة ضعفوه وأئمة حسنوه وصححوه، ولفظ الحديث تسمعونه وتعلمون أن الشواهد التي تقدمت معنا تشهد له قطعاً وجزماً، وهو في الترغيب والترهيب (4/534).

    أقرأ لفظ الحديث، وأما كلام الحافظ ابن حجر عليه في فتح الباري فأنقله إن شاء الله في أول الموعظة الآتية حول هذا الحديث، والإمام ابن كثير عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا يقول: لا يوجد لهذا الحديث جملة إلا ولها شواهد ثابتة، ثم فصل الكلام على هذا الحديث جملة جملة في كتابه النهاية، وذكر الشواهد على هذا الحديث، وهو المعروف بحديث الصور الطويل.

    سأذكر هنا الرواية التي تدل على بحثنا، ألا وهي: أن نساء أهل الجنة إذا وطئن يعدن أبكاراً:

    وعن محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وهنا محمد بن كعب القرظي تارة يروي الحديث عن أبي هريرة مباشرة، وتارة يرويه بواسطة رجل مبهم، وهو رجل من الأنصار، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

    حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طائفة من أصحابه، فذكر حديث الصور بطوله، وقلت لكم: ختم به الإمام البيهقي كتابه البعث والنشور، وأخذ قرابة خمس صفحات في كتاب الإمام البيهقي ، وهو أول حديث في كتاب البدور السافرة، وآخر حديث في البعث والنشور.

    يقول هنا: قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طائفة من أصحابه، فذكر حديث الصور بطوله إلى أن قال: (فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة، فيقول الله جل وعلا: قد شفعتك وأذنت لهم في دخول الجنة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة لأزواجهم ومساكنهم، فيدخل رجل منهم على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله وثنتين من ولد آدم)، وتقدم معنا الاختلاف في العدد وقلت: لا تعارض بين الروايات في ذلك ولا معارضة بين ذكر القليل والكثير، يقول: (وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله لعبادتهما الله في الدنيا، يدخل على الأولى منهما في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ، عليه سبعون زوجاً من سندس وإستبرق، ثم يضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها من وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت، كبده لها مرآة، وكبدها له مرآة، فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله، ولا يأتيها مرة إلا وجدها عذراء)، كما تقدم معنا في رواية أبي هريرة الأولى ورجال الإسناد ثقات، وهكذا الرواية الثانية رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين (ولا يأتيها مرة إلا وجدها عذراء، ما يفتر ذكره، ولا يشتكي قبلها، فبينا هو كذلك إذ نودي: إنا قد عرفناك أنك لا تَمل ولا تُمل)، أي: أنت لا تتعب ولا تكرهك زوجتك الطيبة الطاهرة، (إلا أنه لا مني ولا منية، إلا أن لك أزواجاً غيرها، فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة بعد، كلما جاء واحدة قالت: والله ما في الجنة شيء أحسن منك، وما في الجنة شيء أحب إلي منك) إلى آخره.

    يقول الإمام المنذري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: رواه أبو يعلى والبيهقي في آخر كتابه من رواية إسماعيل بن رافع بن أبي رافع ، انفرد به عن محمد بن يزيد بن أبي زياد عن محمد بن كعب .

    كما قلت إخوتي الكرام أنقل كلام الحافظ حول هذا الحديث في الفتح (11/368)، وأكمل بقية المبحث إن شاء الله.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.