إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. سلسلة مباحث النبوة
  5. مباحث النبوة - تمتع المؤمنين بزوجاتهم في جنات النعيم [1]

مباحث النبوة - تمتع المؤمنين بزوجاتهم في جنات النعيم [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أعظم النعيم الذي أعده الله تعالى لعباده المؤمنين في الجنة: الحور العين، فقد خلقهن الله تعالى على أكمل وجه وأتمه خلْقاً وخلُقاً، وذلك لتكتمل لذة النعيم لأهل الجنة، وجعل الله تعالى لأهل الجنة مع أزواجهم من اللذة والمتعة ما لا يخطر على بال، وأعطاهم من القوة لذلك ما لا يتصوره إنسان، في نعيم مستمر من الكريم المنان.

    1.   

    ذكر المادة التي خلق منها الحور الحسان

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! تقدم معنا أن من مقاصد النكاح وحكمه الخمسة: تذكر لذة الآخرة، وتقدم معنا أن هذه الشهوة الجنسية مع ما فيها من آفات ردية، هي ألذ الشهوات الحسية، فإذا كانت النفس البشرية تتلعق بهذه اللذة الحسية في الحياة الدنيوية مع ما فيها من آفات، فحري بها أن تستحضر تلك اللذة في نعيم الجنات، حيث لا يوجد فيها آفة من الآفات.

    وكنا نستعرض -إخوتي الكرام- وصف النساء الطاهرات المطهرات في غرف الجنات من النساء المؤمنات ومن الحوريات، وتقدم معنا في الموعظة الماضية أنني سأختم الكلام بأمرين اثنين: الأول: مر الكلام عليه ألا وهو غناء الحوريات في غرف الجنات، والأمر الثاني: لذة التمتع بهن، لذة وصالهن، وبدأت بالأمر الثاني وذكرت حديثاً واحداً وأكمله في هذه الموعظة إن شاء الله.

    إخوتي الكرام! الحوريات شأنهن عظيم غريب عجيب، فالله جل وعلا أنشأ الحوريات في الجنات من غير أن يخلقن من الآباء والأمهات، وقد روي عن نبينا عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم أجمعين أن الحوريات الحسان خلقن من الزعفران، روي هذا -كما قلت- عن نبينا عليه الصلاة والسلام من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، روى الأثر الإمام البيهقي في البعث والنشور صفحة تسع وثلاثين ومائتين، ورواه الإمام الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد في الجزء السابع صفحة تسع وتسعين، ورواه ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه، ورواه ابن مردويه في تفسيره، والحديث عن أنس رضي الله عنه وأرضاه عن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: (خلق الحور من الزعفران).

    وهذا الحديث في إسناده ضعف كما قرر أئمتنا، لكن يشهد له حديث أبي أمامة رضي الله عنه وأرضاه، وقد رواه الطبراني في معجمه الكبير والأوسط، لكن إسناده ضعيف أيضاً كما في مجمع الزوائد في الجزء العاشر صفحة تسع عشرة وأربعمائة، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في جمع الجوامع الجامع الكبير للإمام السيوطي في الجزء الأول صفحة إحدى عشرة خمسمائة، من رواية أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الحور خلقن من الزعفران).

    وقد روي هذا موقوفاً على عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وله حكم الرفع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، فمثله لا يقال من قبل الرأي، رواه عنه موقوفاً الإمام البيهقي في كتاب البعث والنشور في المكان المتقدم الذي أشرت إليه، وأشار إلى روايته الإمام السيوطي في كتابه البدور السافرة في أمور الآخرة، وهكذا الإمام ابن كثير في النهاية في الفتن والملاحم في الجزء الثاني صفحة ست عشرة ومائتين، وذكر الأثر عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أيضاً الإمام ابن القيم في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح في صفحة واحد وستين ومائة، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما موقوفاً عليه من قوله أنه قال: (خلق الحور من الزعفران).

    وروي أيضاً عن مجاهد بن جبر رضي الله عنهم أجمعين، وهو من التابعين الكرام، روى الأثر عنه الإمام الطبري في تفسيره والبيهقي في البعث والنشور، والذي حققه الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا أن هذا الأثر روي عن صحابيين اثنين موقوفاً عليهما من قولهما: عن أنس وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، وكما تقدم معنا أثر أنس روي أيضاً مرفوعاً، وروي الأثر عن أبي أمامة مرفوعاً أيضاً إلى نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    قال الإمام ابن القيم : وروي أيضاً عن تابعيين اثنين أيضاً من قولهما: مجاهد بن جبر وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم أجمعين، ثم قال: وبكل حال فهن من المنشآت في الجنات لسن عن طريق الولادة من الآباء والأمهات. ذكر هذا في المكان المشار إليه في حادي الأرواح، وبوب عليه باباً فقال: باب ذكر المادة التي خلق منها الحور الحسان.

    إذن: شأنهن عظيم، وتقدم معنا أن الله أعطاهن الكمال في الخلق وفي الخُلق، وليس فيهن آفة حسية أو معنوية، نسأل الله أن يطهرنا، وأن يمن علينا بصحبتهن في غرف الجنات إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    1.   

    لذة التمتع بالحور العين ولذة وصالهن وذكر ما في ذلك من أحاديث

    إخوتي الكرام! تقدم معنا لذة وصالهن التي تحصل في غرف الجنات، وذكرت حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه وأرضاه، وهو آخر شيء ذكرته في الموعظة الماضية، وقلت: إن إسناده صحيح كالشمس، وهو في مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير والأوسط والبزار وغير ذلك من دواوين السنة، وخلاصة الأثر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة في الأكل والشرب والشهوة والجماع).

    الأثر الثاني الذي يدل أيضاً على لذة وصالهن والتمتع بهن في غرف الجنات: أثر أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه وأرضاه، والأثر رواه ابن ماجه في كتاب الزهد من سننه في باب صفة الجنة، ورواه البيهقي في البعث والنشور صفحة اثنتين وعشرين ومائتين، ورواه ابن عدي كما في الدر المنثور في الجزء الأول صفحة تسع وثلاثين، والبدور السافرة في أمور الآخرة، كلاهما الدر والبدور للإمام السيوطي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    ولفظ حديث أبي أمامة عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من أحد يدخله الله الجنة إلا زوجه ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين، وسبعين من ميراثه من أهل النار، ما منهن واحدة إلا ولها قبل شهي، وله ذكر لا ينثني)، قال هشام بن خالد شيخ الإمام ابن ماجه عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة ربنا: قول نبينا عليه الصلاة والسلام: (من ميراثه من أهل النار)، يعني رجالاً دخلوا النار فورث أهل الجنة نساءهم كما ورثت امرأة فرعون على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! كل من يدخل الجنة في هذه الرواية يزوجه الله اثنتين وسبعين زوجة، وتقدم معنا أن الأعداد التي وردت في هذا الشأن لا تعارض بينها؛ لدخول القليل في الكثير، وتقدم معنا في بعض الروايات أنه يزوج بسبعين من نساء الدنيا، وبسبعين من الحور العين، ويتزوج بما هو أكثر من ذلك، كما تقدم معنا أنه يزوج بخمسمائة حوراء، وبأربعة آلاف بكر، وبثمانية آلاف ثيب، وقال الحافظ ابن حجر كما تقدم معنا: هذا أكثر عدد وقفت عليه، قلت: ويوجد ما هو أزيد من ذلك كما تقدم معنا من عمومات واردة، ومن قول الله: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35]، فهذه الرواية لا تخالف ما تقدم.

    في هذه الرواية: أنه يزوج زوجتان من الحور العين، ويزوج بسبعين زوجة من نساء الدنيا، كيف هذا؟ قال: من ميراثه من أهل النار، وذلك أن رجالاً دخلوا النار، ونساء أولئك الأزواج دخلن الجنة، فزوجهن الله أهل الجنة، فورث أهل الجنة النساء المؤمنات الصالحات اللائي دخل أزواجهن إلى النار، كما ورثت امرأة فرعون عليها وعلى سائر الصديقات رحمة الله ورضوانه، وسيأتينا أنه روي في الآثار أن امرأة فرعون تكون زوجة لنبينا المختار على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    إذن: يزوج بهذا العدد، ثم يتمتع بتلك الصفة التي أشار إليها نبينا عليه الصلاة والسلام، كل واحدة لها قبل شهي، وكل واحد في الجنة له ذكر لا ينثني.

    إخوتي الكرام! إسناد الحديث فيه شيء من الضعف، لكن له شواهد، فيه خالد بن يزيد بن مالك الدمشقي ، وكما قلت الأثر في سنن ابن ماجه وغيره، وانظروه في سنن ابن ماجه إن شئتم في الجزء الثاني صفحة اثنتين وخمسين بعد الأربعمائة والألف، وخالد بن يزيد بن مالك الدمشقي وثقه العجلي وأبو زرعة وأحمد بن صالح ، لكن الجمهور على تضعيفه، وبالغ الإمام ابن معين عليه وعلى أئمتنا رحمة رب العالمين فاتهمه، وقال: في العراق كتاب ينبغي أن يدفن، وهو كتاب الكلبي الذي رواه عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، يقول ابن معين : تفسير الكلبي ينبغي أن يدفن، والكلبي هو محمد بن السائب الكلبي ضعيف متروك، وهو من بلاد العراق، وإذا انضم إلى الكلبي محمد بن مروان السدي الصغير عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، فأئمتنا يسمون هذه السلسة بسلسلة الكذب؛ لوجود محمد بن مروان السدي الصغير وهو كذاب في روايته عن محمد بن السائب الكلبي ، وهو متروك ومتهم أيضاً، يقول ابن معين : في العراق كتاب ينبغي أن يدفن، وهو كتاب الكلبي .

    وبهذه السلسلة: محمد بن مروان السدي الصغير عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ، جمع تفسيره المسمى بتنوير المقباس من تفسير ابن عباس رضي الله عنه وعن الصحابة الأكياس أجمعين، وهذا مزور ومكذوب على سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، بل إن نسبته إلى جامعه وهو الفيروزآبادي صاحب كتاب القاموس لا تصح أيضاً، والعلم عند الله جل وعلا.

    ومن العجيب أن هذا الكتاب متداول بين الناس، وكما قلت: فيه تزويران: التزوير الأول: نسبته إلى سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ولا يصح عنه، والتزوير الثاني: نسبته إلى جامعه ألا وهو الفيروزآبادي ولم يثبت ذلك عنه، وجمع الكتاب من أوله لآخره بهذه السلسلة من رواية محمد بن مروان السدي الصغير عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين.

    قال ابن معين : وهناك كتاب بالشام أيضاً ينبغي أن يدفن، وهو كتاب خالد بن يزيد بن مالك الدمشقي ، الذي معنا في إسناد هذا الحديث، قال ابن معين : لم يرض أن يكذب عن أبيه -يعني خالد بن يزيد - حتى كذب على الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، والحافظ ابن حجر وسع ترجمته في تهذيب التهذيب في الجزء الثالث صفحة ست وعشرين ومائة، وهكذا الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال في الجزء الأول صفحة خمس وأربعين وستمائة، وأورد الإمام الذهبي هذا الحديث -وهو حديث أبي أمامة الذي تقدم معنا رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين- أورده في ترجمته على أن هذا مما أنكر عليه.

    وفي بعض روايات الحديث كما في الميزان: ( وسبعين من ميراثه من أهل الجنة )، وتقدم في الرواية الأولى: ( وسبعين من ميراثه من أهل النار )، ومآل الروايتين شيء واحد، فهن في الأصل كما قلت: أزواجهن في النار، لكن هن من أهل الجنة، فما ورد في الرواية (سبعين من أهل الجنة) هذا باعتبار حالهن، وقوله: (سبعين من ميراث أهل النار)، أي: مما ورث من نساء أهل النار الذين صار أزواجهن في النار، فلا تعارض بين الروايتين، والذي حق عليه كلام الحافظ ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في تقريب التهذيب قال: إنه ضعيف مع كونه فقيهاً.

    وكما قلت: تشدد في أمره ابن معين واتهمه بالكذب، ولعله بريء من ذلك إن شاء الله، ولم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة سوى الإمام ابن ماجه عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وقد توفي خالد بن يزيد سنة خمس وثمانين ومائة للهجرة، وهو ضعيف، كما قال الحافظ ابن حجر فيه: ضعيف مع كونه فقيهاً.

    وقد حكم الحافظ ابن حجر في الفتح على سند هذا الحديث في الجزء السادس صفحة خمس وعشرين وثلاثمائة؛ بأن سنده ضعيف جداً، وقال الإمام ابن كثير في النهاية في الفتن والملاحم في الجزء الثاني صفحة أربع عشرة ومائتين: هذا حديث غريب جداً، وبعد أن ذكر أن في إسناده خالد بن يزيد قال: ومثله ممن يغلط ولا يتقن، وغلطه كما قال أئمتنا أنه قال: يزوج بزوجتين من الحور العين، وبسبعين من ميراثه من أهل النار، أو من أهل الجنة باعتبار دخولهن الجنة، قالوا: هذا يخالف الروايات التي وردت أنه يزوج بزوجتين من أهل الدنيا وسبعين من الحور العين، وهذا على العكس.

    وأنا أقول: من حيث المعنى لا تعارض؛ لأنه تقدم معنا أنه لا منافاة بين هذه الأعداد، فيزوج بزوجتين من نساء الدنيا، ويزوج بزوجتين من الحور العين، ويزوج بسبعين، ويزوج بما هو أكثر من ذلك، وقد تقدم معنا رواية الإمام أحمد في المسند عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: (أن كل واحد من أهل الجنة يزوج بزوجتين من الحور العين، على كل واحدة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من فوق الحلل)، وتقدم معنا أعداد أخرى مما يحصل لأهل الجنة من الزوجات، والعلم عند رب الأرض والسماوات.

    إذن: هذا العدد الوارد هنا لا يتعارض مع بقية الأعداد والعلم عند الله جل وعلا، وقد ورد في رواية أبي يعلى ، والحديث أورده الإمام الحافظ ابن حجر في فتح الباري في المكان المشار إليه في الجزء السادس صفحة خمس وعشرين وثلاثمائة وسكت عليه، وهو على حسب شرطه في درجة الحسن، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل الرجل على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله، وزوجتين من ولد بني آدم)، ولا تعارض -كما قلت- بين هذه الروايات، وقد وردت الروايات بأن السبعين من الحور العين، ووردت أنهن من نساء الدنيا مما يرث أهل الجنة من أهل النار، والعلم عند العزيز القهار.

    وقد روى الإمام ابن السكن وابن عساكر من رواية حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يزوج المؤمن ثنتين وسبعين زوجة من نساء الآخرة، وثنتين من نساء الدنيا)، وكل هذا كما قلت لا تعارض فيما بين هذه الروايات؛ لأنها مفهوم أعداد ولا تتعارض ولا تختلف.

    1.   

    ذكر الآثار الدالة على أن النبي يزوج في الجنة بمريم وآسية امرأة فرعون والكلام فيها

    إخوتي الكرام! وما قاله شيخ الإمام ابن ماجه عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وهو هشام بن خالد مما ورث أهل الجنة أهل النار، وأن امرأة فرعون تكون لنبينا صلى الله عليه وسلم في الجنة، ما قاله روي في كثير من الآثار، منها ما رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير وابن مردويه في تفسيره من رواية بريدة رضي الله عنه وأرضاه قال: وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية، وهي قول الله من سورة التحريم: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا [التحريم:5]، يقول بريدة رضي الله عنه وأرضاه: وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يزوجه بالثيب آسية امرأة فرعون رضي الله عنها وعن سائر الصديقين والصديقات، وبالبكر مريم بنت عمران .

    وكما قلت: الأثر في معجم الطبراني الكبير وتفسير ابن مردويه ، وقد أورد الإمام ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية في الجزء الرابع صفحة تسعين وثلاثمائة آثاراً كثيرة تقرر هذا المعنى، وحكم عليها بالضعف، لكنه يعتضد بعضها ببعض، ويثبت هذا المعنى والعلم عند الله جل وعلا.

    فمن هذه الروايات: ما رواه عن ابن عساكر أنه روى في ترجمة الصديقة مريم عليها وعلى سائر الصديقين رحمة الله ورضوانه، روى في ترجمتها بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ( جاء جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه إلى نبينا صلى الله عليه وسلم فجلس معه، فمرت أمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها، فقال جبريل لنبينا الجليل على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه: إن الله يقرئها السلام، -لأمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها- ويبشرها ببيت في الجنة من قصب بعيد عن اللهب، -عن نار جهنم- لا نصب فيه ولا صخب، من لؤلؤة جوفاء، بين بيت مريم وبيت آسيةآسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وهذا الحديث وهو أن الله يقرئ أمنا خديجة السلام، ويبشرها ببيت من قصب، تقدم معنا أن المراد من القصب هنا: اللؤلؤ المجوف، ولا يراد منه القصب من الخشب، وأطلق عليه القصب؛ لأنها حازت قصب السبق كما تقدم معنا، ولأن حياتها مستوية مع نبينا عليه الصلاة والسلام، لا تنغيص فيها بوجه من الوجوه، وهكذا بالنسبة للقصب جميع حباته وأجزائه والعقد التي فيه متساوية، وهكذا أمنا خديجة على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه لما كانت حياتها مستقرة مع نبينا عليه الصلاة والسلام ما جرى بينها وبينه شائبة، كوفئت في الآخرة بهذا البيت، والجزاء من جنس العمل.

    وهذا المعنى ثابت في المسند والصحيحين من رواية عدة من الصحابة الكرام، من رواية أمنا عائشة ومن رواية أبي هريرة ومن رواية عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهم أجمعين، وروي الحديث من رواية جابر وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم أجمعين كما تقدم معنا سابقاً، فهذا المعنى ثابت، لكن هذه الرواية هنا بطولها فيها ضعف.

    إذاً: بيت خديجة لا صخب فيه ولا نصب، من لؤلؤة جوفاء، هذا البيت بين بيت الصديقة مريم وبيت آسية امرأة فرعون التي قالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11]، فبنى الله لها بيتاً في الجنة وأكرمها بالزواج من أكرم وأفضل وأشرف خلقه ألا وهو نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وهي كانت زوجة لألعن خلق الله في ذلك الوقت، فأكرمت بخير خلق الله؛ لطهارة قلبها وصدقها وإنابتها إلى ربها عليها وعلى سائر الصديقين رحمة الله ورضوانه.

    وروى أيضاً الإمام ابن عساكر كما نقل عنه هذا الحافظ ابن كثير في المكان المتقدم، روى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأمنا خديجة : (يا خديجة ! إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهن مني السلام)، وقال لها نبينا عليه الصلاة والسلام هذا في مرض موتها عند احتضارها رضي الله عنها وأرضاها، قال: أنت ستذهبين إلى الآخرة قبلي فإذا التقيت بضرائرك -وهن مريم وآسية - فأقرئيهن مني السلام، فقالت: ( يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! وهل تزوجت قبلي؟ قال: لا والله! ولكن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وكلثم أخت نبي الله موسى على نبينا وأنبياء الله ورسله جميعاً صلوات الله وسلامه).

    وتقدم معنا -إخوتي الكرام- في فضائل أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: أن أفضل نساء العالمين أمنا خديجة ، وهكذا الصديقة مريم ، وآسية امرأة فرعون، وتقدم معنا أن كل واحدة من هؤلاء كفلت نبياً، فأمنا خديجة تكفلت بأفضل وأطهر وأشرف خلق الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وآسية كفلت وربت نبي الله الكليم موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، ومريم أنجبت النبي المبارك وهو نبي الله عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ثم ربته أحسن تربية، فكل واحدة من هؤلاء كفلت نبياً.

    وروى ابن عساكر أيضاً عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها: (أعلمت أن الله زوجني في الجنة آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران ؟ فقالت أمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها: هنيئاً لك يا رسول الله عليه الصلاة والسلام )، لا يوجد صخب ولا ضجيج ولا مشكلة، بل قالت: هنيئاً لك يا رسول الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وهذه الآثار كما قلت: حكم عليها الإمام ابن كثير بالضعف، لكن إذا ضم بعضها إلى بعض تعتضد، ويثبت هذا وهو أن مريم ستكون زوجة لنبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وهكذا آسية ، وهكذا كلثم عليهن وعلى سائر الصديقين والصديقات رحمة رب الأرض والسماوات.

    إذن: في حديث أبي أمامة أن الرجل من أهل الجنة يزوج باثنتين وسبعين زوجة، زوجتين من الحور العين، وسبعين من ميراثه من أهل النار، من ميراثه من أهل الجنة.

    1.   

    الآثار الدالة على أن الله تعالى أعد لكل إنسان مقعداً في الجنة ومقعداً في النار

    إخوتي الكرام! كل واحد أعد الله له مقعدين ومنزلين، منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فالمؤمن إذا دخل الجنة ورث منزل الكافر، والكافر إذا دخل النار ورث منزل المؤمن، فنحن نأخذ منازلهم وهم يأخذون منازلنا، وقد أشار إلى هذا نبينا المختار على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، ثبت الحديث بذلك في المسند، ورجاله رجال الصحيح كما قال الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء العاشر صفحة تسع وتسعين وثلاثمائة، والحديث رواه الحاكم في المستدرك في الجزء الثاني صفحة خمس وثلاثين وأربعمائة وقال: إسناده على شرط الشيخين وأقره عليه الذهبي ، والحديث رواه الإمام الخطيب البغدادي أيضاً في تاريخ بغداد في الجزء الخامس صفحة أربع وعشرين، فهو في المسند والمستدرك وتاريخ بغداد من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل أهل الجنة يرى مقعده من النار، فيقول: لولا أن الله هداني، فيكون له شكر)، يعني لولا أن الله هداني لدخلت ذلك المقعد الذي أعد لي، وسكنت ذلك المسكن، وهو في النار، (وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة، فيقول: لو أن الله هداني، فتكون عليه حسرة)، ذاك يكون له شكر وهذا تكون عليه حسرة.

    فهو إذا دخل النار في حسرة عظيمة، ثم إذا مكن من رؤية مقعده في الجنة وقيل: هذا مكانك لو أطعت؛ تزداد حسرته، خسر عندما عذب وخسر عندما فاته ذلك المنزل، وذاك أكرمه الله بدار كرامته ورضوانه، ثم قال له: انظر إلى مقعدك لو كفرت، فيقول: لولا أن الله هداني لدخلت النار، وذاك يقول: لو أن الله هداني لدخلت الجنة، فأهل النار تكون عليهم حسرة عندما يرون مقاعدهم في الجنة، وأهل الجنة يكون لهم شكر عندما يرون مقاعدهم في النار.

    ولذلك يقول الله جل وعلا في آخر سورة الأنبياء على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:105-107]، والأرض إما أرض الدنيا وإما أرض الآخرة وهي أرض الجنة، فأرض الدنيا كتب الله فيها النصر والظفر والتمكين لحزبه المفلحين، إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:51]، وهكذا كتب الله لهم الإرث والنصر والفلاح والفوز في الآخرة، فهم يرثون مقاعد الكفار في الجنة، كما منَّ الله عليهم أيضاً بدرجات يضمون أيضاً إلى درجاتهم مقاعد غيرهم، ومنازل غيرهم، فيزداد شكرهم لربهم جل وعلا.

    وعليه فما قاله شيخ الإمام ابن ماجه وهو هشام بن خالد ، وهو صدوق، توفي سنة تسع وأربعين مائتين للهجرة، وقد أخرج حديثه الإمام أبو داود وابن ماجه في السنن، ما قاله من أن أهل الجنة يرثون أهل النار، ولذلك الواحد من أهل الجنة يأخذ سبعين من نساء الدنيا؛ لأن أزواجهن دخلوا النار، هذا تشير إليه النصوص الصحيحة الثابتة في الجملة والعلم عند الله جل وعلا.

    1.   

    ذكر ما ورد من أن المؤمن يعطى في الجنة قوة مائة رجل في الجماع

    هذه رواية ثانية تبين لذة التمتع في الدار الآخرة، رواية زيد بن أرقم الأولى، والثانية رواية أبي أمامة رضي الله عنه وأرضاه: (يزوج بثنتين وسبعين، زوجتان من نساء الجنة من الحور العين، وسبعون من ميراثه من أهل النار كل واحدة لها قبل شهي وله ذكر لا ينثني).

    حديث أنس: (يعطى المؤمن في القوة قوة كذا وكذا في الجماع ...)

    الرواية الثالثة عن أنس رضي الله عنه وأرضاه، وإسنادها صحيح ثابت ثبوت الشمس في رابعة النهار، رواها الإمام الترمذي في السنن وقال: هذا حديث صحيح غريب، ورواها الإمام أبو داود الطيالسي انظروا منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود في الجزء الثاني صفحة اثنتين وأربعين ومائتين، ورواها الإمام النسائي لكن في السنن الكبرى كما في كتاب العاقبة لعبد الحق صفحة واحدة وخمسين وثلاثمائة، والحديث رواه البزار والبيهقي في البعث والنشور، انظروا صفحة واحد وعشرين ومائتين، ورواها الإمام عبد الملك بن حبيب في كتاب صفة الفردوس في صفحة ثمان وستين.

    وقد ذكر هذه الرواية وعزاها إلى من تقدم الإمام ابن كثير في النهاية في الفتن والملاحم في الجزء الثاني صفحة سبع عشرة ومائتين، وهكذا الإمام شيخ الإسلام عبد الرحيم الأثري في تخريج أحاديث الإحياء في الجزء الرابع صفحة خمس وعشرين وخمسمائة، وحكم على إسناد الحديث بالصحة، ولفظ الحديث: من رواية أنس رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا في الجماع، قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أويطيق ذلك؟ قال: يعطى قوة مائة).

    وفي بعض روايات الحديث: (يزوج العبد في الجنة سبعين زوجة، فقيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أنطيق هذا؟ ) سبعون زوجة هل يطيقها الواحد منا؟ وهل عنده قدرة على الاتصال بهن؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (يعطى قوة مائة).

    إذاً هذا وصفهن، ثم هذه لذة التمتع بهن، قال الإمام الترمذي عقيب رواية أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين: وفي الباب عن زيد بن أرقم . وقد تقدمت معنا رواية زيد بن أرقم ، ورواية أبي أمامة ورواية أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه.

    ورواية أبي أمامة رضي الله عنه وأرضاه أيضاً لها ما يشبهها في غير الرواية التي تقدمت معنا في سنن ابن ماجه ، وكان في نيتي أن أذكرها عندها؛ لأنها تعتبر من رواية صحابي واحد فلا داعي أن نعدها رواية مستقلة، فلو ضمت إلى رواية أبي أمامة لكن أحسن، رواية أبي أمامة الثانية رواها الإمام أبو يعلى في مسنده والطبراني في معجمه الكبير والبيهقي في البعث، ورواها ابن أبي حاتم في تفسيره، قال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد في الجزء العاشر صفحة سبع عشرة وأربعمائة: رواها الإمام أبو يعلى والطبراني بأسانيد رجال بعضها وثقوا: رجال بعض الأسانيد وثقوا على ضعف في بعضهم.

    وانظروا -إخوتي الكرام- كتاب الدر المنثور الجزء الأول صفحة أربعين، وكتاب المطالب العلية في زوائد المسانيد الثمانية للحافظ ابن حجر في الجزء الرابع صفحة إحدى وأربعمائة، والحديث من رواية أبي أمامة رضي الله عنه، وفي إسناد الحديث أيضاً خالد بن يزيد الشامي الذي تقدم معنا، وفيه ما تقدم من الكلام فلا داعي للإعادة، ولذلك كان في نيتي أن أذكر هذه الرواية عقب الرواية الأولى، ولكن قدر الله وما شاء فعل.

    ولفظ الحديث: عن أبي أمامة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه! هل يتناكح أهل الجنة؟ ) هل يقع بينهم الوطء؟ وهذه اللذة التي يحصلونها في هذه الحياة ينعمون بها في غرف الجنات؟ فقال نبينا صلى الله عليه وسلم: (نعم، بذكر لا يمل، وشهوة لا تنقطع، دحماً دحماً)، وفي بعض الرويات: (دحاماً دحاماً)، والدحم والدحام: هو الوطء بدفع وشدة وإزعاج، وهذا يكون لكثرة الشهوة في الإنسان ولتلذذه في الوطء، قال عليه الصلاة والسلام: (نعم، ويأكلون ويشربون، ولكن لا مني ولا منية)، يعني لا يفرزون منياً، ولا يكون من ذلك حمل ولا وضع ولا مشقة، هذا -كما قلت- يدخل ضمن رواية أبي أمامة رضي الله عنهم أجمعين.

    إذن: مر معنا من رواية زيد بن أرقم وأبي أمامة بالروايتين المختلفتين، وفي كل منهما -كما تقدم- معنا خالد بن يزيد الشامي الدمشقي ، والرواية الثالثة رواية أنس رضي الله عنهم أجمعين، ورواية زيد ثابتة صحيحة، ورواية أنس ثابتة صحيحة، ورواية أبي أمامة كما تقدم معنا حولها ما حولها من الكلام، ومعناها ثابت في أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام.

    حديث أبي هريرة: (إن الرجل ليفضي في اليوم الواحد إلى مائة عذراء)

    الرواية الرابعة صحيحة ثابتة من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، رواها الإمام البزار في مسنده، انظروا كشف الأستار الجزء الرابع صفحة ثمان وتسعين ومائة، ورواها الإمام الطبراني في معجمه الأوسط والصغير كما في مجمع الزوائد في الجزء العاشر صفحة سبع عشرة وأربعمائة، وحكم الإمام الهيثمي على إسناد الرواية فقال: رجالها رجال الصحيح غير محمد بن ثواب الكوفي ، وهو ثقة، فالإسناد صحيح ثابت، وسيأتينا تنصيص شيخ الإسلام الضياء المقدسي على تصحيح هذه الرواية، ومتابعة الأئمة له في ذلك.

    ورواها الخطيب في تاريخ بغداد في الجزء الأول صفحة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وانظروا الدر المنثور في عزو هذه الروايات أيضاً في الجزء الأول صفحة أربعين، وقد نص على تصحيفها شيخ الإسلام الضياء المقدسي ، نقل هذا عنه الإمام ابن كثير في النهاية في الفتن والملاحم في الجزء الثاني صفحة ثماني عشرة ومائتين، فقال الإمام الضياء المقدسي : إسناد هذا الحديث عندي ثابت على شرط الصحيح، وأنا أقول: نعم ما قلت، لكن فيه محمد بن ثواب ، ليس من رجال البخاري ومسلم ، إنما هو حديث ثابت صحيح، ومحمد بن ثواب لم يخرج له من أهل الكتب الستة إلا الإمام ابن ماجه القزويني ، لكن حديثه صحيح وهو إمام ثقة عدل صدوق، قال الحافظ ابن حجر في ترجمته: وقد ضعفه مسلمة بلا حجة، لكنه كما قلت: ثقة صدوق حافظ عدل إمام، وقد توفي سنة ستين ومائتين للهجرة، محمد بن ثواب الكوفي ، الإمام الضياء المقدسي يقول: إسناده عندي على شرط الصحيح، وكما قلت: الأمر كذلك، وهذا ما قاله الهيثمي ، لكن فيه محمد بن ثواب الكوفي لم يخرج له أحد من صاحبي الصحيحين البخاري ومسلم عليهم جميعاً رحمة الله.

    وهذا القول الذي نقله الإمام ابن كثير عن الضياء المقدسي نقله الإمام ابن القيم في حادي الأرواح صفحة ستين ومائة، وفي روضة المحبين صفحة ثلاث وخمسين ومائتين، والحديث صحيح ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام كما قلت من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، ويشهد لحديث أبي أمامة الذي مر معنا، ولفظ الحديث: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أنفضي إلى نسائنا في الجنة؟ ) أي: نتصل بهن، ونتلذذ بالتمتع بهن؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده! إن الرجل ليفضي في اليوم الواحد إلى مائة عذراء)، يعني في كل يوم يتمتع بمائة امرأة عذراء بكر، وهذا الحديث ونظائره يقوي ما سأذكره في نهاية المبحث أن لذة الوطء في الآخرة هي أكمل اللذائذ التي تكون في الوطء، فهو وطء لا نظير له؛ لأن الوطء في الدنيا المرأة تكون بكراً وإذا وطئت زالت عنها تلك الصفة، أما في الآخرة فكلما قمت عنها عادت مطهرة بكراً، وما رجع الرجل إلى زوجته واقترب منها إلا ووجدها بكراً، وهذا الحديث يشهد لما سأذكره من روايات.

    إذن: هو في كل يوم يتصل بمائة عذراء، أي: أن نساءه يعدن أبكاراً، إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة:35-38]، والحديث كما قلت: صحيح، وفي بعض روايات الحديث من طريق آخر من رواية أبي هريرة أيضاً رضي الله عنه وأرضاه -وهي الرواية الثانية- رواها الإمام البزار في المكان المشار إليه آنفاً، ورواها البيهقي في البعث والنشور ورواها ابن أبي عمر في مسنده كما في المطالب العالية في الجزء الرابع صفحة إحدى وأربعمائة، ورواها الطبراني في معجمه الكبير، وابن أبي الدنيا كما في الدر المنثور في الجزء الأول صفحة أربعين.

    ولفظ هذه الرواية: عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله! هل يمس أهل الجنة أزواجهم؟ ) والمراد من المسيس: الإفضاء والوطء والمباشرة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (نعم، بذكر لا يمل، وفرج لا يحفى، وشهوة لا تنقطع)، (وفرج لا يحفى), أي: لا يسترخي ولا يمسك ويتعب؛ لأن المرأة في الدنيا تشتكي إذا كثر الوطء في حقها، وأما هناك فذكر لا يمل، وفرج لا يسترخي ولا يمسك ولا يتعب، وشهوة لا تنقطع.

    وهذه الرواية الثانية في إسنادها عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي ، وقد حسن حديثه بعض أئمتنا، والأمر فيه كما قال الحافظ ابن حجر : ضعيف بغير كذب، وهذا أيضاً كلام الإمام الهيثمي عند هذه الرواية الثانية، قال الإمام الهيثمي في المجمع: جميع رجال الإسناد ثقات أثبات إلا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي ، وهو ضعيف بغير كذب، وهذا العبد الصالح توفي سنة ست وخمسين ومائة للهجرة، وقد خرج حديثه الإمام البخاري في الأدب المفرد وأهل السنن الأربعة إلا النسائي ، وكان من العلماء الربانيين الصالحين، قال الإمام الذهبي في ترجمته في السير، واقرءوا ترجمته لزاماً ففيها ما يذكر بالله، ترجمة هذا العبد الصالح في الجزء السادس صفحة إحدى عشرة وأربعمائة، ونعته الإمام الذهبي فقال: هو قاضي إفريقيا ومحدثها وعالمها على سوء في حفظه. يعني في حفظه شيء من الوهم، لكنه رجل صالح قانت من الربانيين، وكان الإمام الثوري يعظمه جداً ويحتج به.

    وختم الإمام الذهبي ترجمته بكرامة حاصلها: أنه حصلت عزوة بين الروم والمسلمين في ذلك الحين، فأسر هذا العبد الصالح عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي ، فلما قدم لتضرب رقبته من قبل أمير الروم، حرك لسانه بكلمة التوحيد فقال: الله الله ربي لا أشرك به شيئاً، يقول: فقال ملك الروم: هاتوا شماس العرب، والشماس من ألفاظ الشيوخ عند النصارى، كما يقال: شيخ وقسيس وشماس ومطران وما شاكل هذا، هاتوا شماس العرب، قربوه إلي، ثم قال له: بأي شيء حركت لسانك؟ قال: قلت: الله الله ربي لا أشرك به شيئاً، قال: بذلك أمرنا عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام أن نقول عند الشدائد، اذهب فأنت طليق، ختم الإمام الذهبي ترجمته بهذه القصة، فبعد أن أسر وقدم لتضرب رقبته لجأ إلى الله جل وعلا، ففرج عنه، وقلوب العباد ونواصيهم بيد الله، والله على كل شيء قدير، مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [فاطر:2].

    ففي إسناد الرواية الثانية عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي ، وكما قلت: هو ضعيف من غير كذب، والرواية لها شواهد كما تقدم معنا في الرويات المتقدمة، والشاهد: أن هذه اللذة تحصل بذكر لا يمل، وفرج لا يحفى، وشهوة لا تنقطع.

    إخوتي الكرام! رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه من الطريقين المتقدمين: الطريق الذي إسناده صحيح، والذي في إسناده شيء من الكلام، رويت أيضاً رواية أبي هريرة موقوفة عليه في كتاب الزهد لـهناد بن السري في الجزء الأول صفحة ست وثمانين، وفي كتاب البيهقي في البعث والنشور صفحة اثنتين وعشرين ومائتين، وكما قلت مراراً: الموقوف في هذا الباب له حكم الرفع إلى نبينا صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: رواية زيد وأبي أمامة وأنس ، وهذه رواية أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين.

    حديث ابن عباس: (والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي بالغداة الواحدة إلى مائة عذراء)

    رواية خامسة في لذة تمتع أهل الجنة بنسائهم: رواية عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، رواها الإمام أبو يعلى في مسنده كما في المطالب العالية في الجزء الرابع صفحة اثنتين وأربعمائة، وانظروها في مجمع الزوائد في الجزء العاشر صفحة ست عشرة وأربعمائة، ورواها الإمام البيهقي في البعث والنشور في المكان المتقدم، ورواها هناد بن السري في كتاب الزهد في الجزء الأول صفحة خمس وستين ومائة، ورواها إبراهيم الحربي في غريب الحديث، وأبو الشيخ في كتاب العظمة كما حادي الأرواح في صفحة ستين ومائة، وما وقفت على هذه الرواية في كتاب العظمة لـأبي الشيخ بعد بحث والعلم عند الله جل وعلا.

    وجميع رجال الإسناد ثقات أثبات، وما في الإسناد إلا زيد بن أبي الحواري ، وهو زيد العمي ، وتقدم معنا ذكره قريباً في محاضرات الترمذي ، وقلت: كان من الصالحين، وكان قاضياً في بلدة هراس، وهو القائل: اللهم ارزقني جنية أتزوج بها، فلما سئل عن سبب ذلك؟ قال: تسافر معي حيثما سافرت، وتقدم معنا أنه يرى أنه يجوز التناكح بين الإنس والجن، ومثله الإمام الأعمش وغيرهما من أئمة الإسلام، وتقدم معنا أن المعتمد في هذه القضية أنه لا يجوز التناكح بين الإنس والجن لسبعة أمور ذكرتها في محاضرات سنن الترمذي .

    إذن جميع رجال الإسناد ثقات أثبات، وما في الإسناد من تكلم فيه إلا زيد بن أبي الحواري ، وهو زيد العمي ، قال الإمام الهيثمي في المجمع: وثق على ضعف، وبقية رجاله ثقات، وزيد العمي حديثه مخرج في السنن الأربعة، وإنما قيل له: العمي لأمرين: إما أنه كان إذا سئل عن شيء وهو صغير لا يجيب، ويقول: حتى أسأل عمي، فقيل: زيد العمي ، وقيل: نسبة إلى بني العمنتين، والعلم عند الله جل وعلا.

    ولفظ هذه الرواية عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله! أنفضي إلى نسائنا في الجنة كما نفضي إليهن في الدنيا؟ ) وهذا بمعنى الرواية المتقدمة وهي رواية أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، فقال نبينا صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده! إن الرجل ليفضي بالغداة الواحدة إلى مائة عذراء ).

    وهذه الرواية تشهد لها رواية أبي هريرة المتقدمة ورواية أنس رضي الله عنه التي تقدمت معنا وقلت: إسنادها صحيح، فرواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لا تنزل عن درجة الحسن للشواهد المتقدمة من حديث أبي هريرة وأنس ، وغير ذلك من الروايات، رضي الله عن الصحابة أجمعين.

    الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في حادي الأرواح صفحة ستين ومائة إلى بلاد الأفراح بعد أن ذكر ما قيل من كلام في زيد العمي قاضي هراس، قال: قلت: وحسبه رواية شعبة عنه، يكفي أن شعبة بن الحجاج يروي عن زيد العمي ، وإذا رأيت شعبة في الإسناد فاشدد يديك به؛ لأنه كان يحتاط غاية الاحتياط، فرواية شعبة عن زيد يقول: هذه ترفع من قدر زيد العمي ، وتكفيه توثيقاً وعدالة وإمامة رواية شعبة عنه، وقد حكم شيخ الإسلام الإمام السيوطي في البدور السافرة في أمور الآخرة صفحة إحدى وخمسين وأربعمائة بالصحة على رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، فقال: بسند صحيح، ولعله صحح السند للشواهد التي مرت والعلم عند الله جل وعلا.

    إذن: هذه خمس ورايات: رواية زيد بن أرقم وأبي أمامة وأنس وأبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين.

    حديث خارجة بن جزي: (إن الرجل الواحد منهم يعطى من القوة في اليوم أفضل من سبعين منكم)

    رواية سادسة وهي: رواية خارجة بن جزي ، ويقال: جِزي، ويقال: جَزيٌ وجِزيٌ، وهو من الصحابة الكرام، ويقال: خارجة بن جزيء العذري ، كل هذا قيل في ضبطه رضي الله عنه وأرضاه، وهو من الصحابة، انظروا ترجمته في أسد الغابة في معرفة الصحابة في الجزء الثاني صفحة ثلاث وثمانين.

    رواية خارجة رواها الإمام البيهقي في البعث والنشور صفحة إحدى وعشرين ومائتين، ورواها ابن عساكر في تاريخه كما في الدر المنثور في الجزء الأول صفحة أربعين، ورواها ابن السكن وابن منده والخطيب في المؤتلف والمختلف، كما في كنز العمال في الجزء الرابع عشر صفحة خمس وثمانين وأربعمائة.

    والمؤتلف هو المتفق، والمختلف هو المفترق والمغاير، ويراد بذلك: إذا اتفق راويان أو أكثر في الاسم أو في الكنية أو في النسب، اتفقا في الرسم، واختلفا في النطق، هذا يقال له: مؤتلف ومختلف، يعني متفق رسماً، ومختلف نطقاً، مثل سلَام وسلّام، السُلمي والسَلمي، هذا يسميه أئمتنا في مبحث المصطلح بالمؤتلف والمختلف، أي: متفق في الرسم في الكتابة، ومختلف في النطق، وهذا أكثر ما يقع فيه التصحيف كما قال شيخ المحدثين على بن المديني : أكثر ما يقع التصحيف في ضبط الأسماء والكنى والنسب؛ لأنها ليست قياسية إنما سماعية، لا تعلم إلا بالضبط والتصحيح والنقل عن الشيوخ، فمثلاً: سَلمي أو سُلمى أو سلمي أو السُلمي، كذلك سلّام وسلَام، هذا لا يعرف إلا بالسماع، فمثلاً: عبد الله بن سلام لا ينبغي أن تقول: سلّام، بالتشديد، مع أن الرسم واحد، فهذا يسميه أئمتنا المؤتلف والمختلف.

    والإمام الخطيب البغدادي قل فن من فنون المصطلح إلا وألف فيه كتاباً مستقلاً، ولذلك يقول أئمتنا: كل من أنصف -كما هو قول أبي بكر بن نقطة عليهم جميعاً رحمة الله- كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه. وهو حافظ المشرق الذي توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة للهجرة كما تقدم معنا مراراً، له كتاب المؤتلف والمختلف، يذكر فيه الرواة الذين اتفقت أسماؤهم أو كناهم أو اسم آبائهم أو نسبتهم في الرسم لكن اختلف النطق، فلتمييز هذا من هذا ألف كتاب المؤتلف والمختلف، وقد روى الخطيب البغدادي هذا الحديث فيه.

    يقول الإمام العراقي في ألفيته:

    واعن بما صورته مؤتلف خطاً ولكن لفظه مختلف

    (واعن) أي: اعتن واهتم بما صورته مؤتلف، الصورة والرسم متفق، سلام وسلّام، (واعن بما صورته مؤتلف) بأي شيء؟ خطاً ولكن لفظه مختلف، إذا نطقت به يختلف في النطق، فاعن بهذا النوع من أنواع المصطلح.

    فـالخطيب روى هذا الحديث في كتاب المؤتلف والمختلف، ولفظ الحديث من رواية خارجة بن جزي رضي الله عنه وأرضاه، قال: (سمعت رجلاً بتبوك سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أيباضع أهل الجنة نساءهم في الجنة؟ ) من المباضعة، وهي تحصل المباشرة والوقاع والمسيس، فقال نبينا صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده! إن الرجل الواحد منهم يعطى من القوة في اليوم أفضل من سبعين منكم).

    ويشهد لهذا ما تقدم معنا من روايات كثيرة صحيحة، فهذه رواية سادسة تدل على اللذة التي سيحصلها أهل الجنة في حال تمتعهم بالمؤمنات الطاهرات، وبالحوريات، وقد تقدم معنا ست روايات: رواية زيد بن أرقم وأبي أمامة بروايتها وأنس بن مالك وأبي هريرة بروايتيها، وعبد الله بن عباس وخارجة بن جزي رضي الله عنهم أجمعين.

    1.   

    ذكر بعض الأحاديث المرسلة التي تذكر لذة تمتع المؤمنين بزوجاتهم في الجنة

    إخوتي الكرام ورد أيضاً بعض الروايات المرسلة التي تشهد لهذا، وهي ما رفعه التابعي إلى النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، من ذلك: ما رواه عامر الكلاعي ، وهو أبو يحيى الحمصي ، ثقة، توفي سنة خمس وثلاثين ومائة للهجرة، وحديثه مخرج في الأدب المفرد للإمام البخاري وصحيح مسلم والسنن الأربعة، وهو ثقة عدل إمام فاضل من التابعين.

    والمرسل الثاني: عن الهيثم بن مالك الطائي ، أبو محمد الشامي الأعمى ، ثقة، حديثه أيضاً في الأدب المفرد للإمام البخاري ، وهذا المرسل عن هذين: عن سليم بن عامر وعن الهيثم بن مالك ، رواه عنهما الحارث بن أبي أسامة في مسنده كما في المطالب العالية للحافظ ابن حجر في الجزء الرابع صفحة إحدى وأربعمائة، والأثر رواه ابن أبي حاتم أيضاً عنهما كما في الدر المنثور في الجزء الأول صفحة أربعين، وقد حكم على إسناده بأن جميع الرجال ثقات الإمام السيوطي في البدور في صفحة اثنتين وخمسين وأربعمائة إلا أنه مرسل.

    ولفظ الأثر من رواية سليم بن عامر والهيثم بن مالك ، وقلت: إن الحديث مرسل: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البضع في الجنة؟ ) وهي المباضعة كما جاء في حديث خارجة بن جزي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم، يقع البضع، وتقع المباشرة بين المؤمنين وأزواجهم في جنات النعيم، فقبل شهي، وذكر لا يمل، وإن الرجل ليتكئ فيها -يعني في الجنة - مقدار أربعين سنة لا يحول عنه ولا يمل، يأتيه منها ما اشتهت نفسه ولذت عينه)، وهذا الأثر إسناده كما قلت: رجاله ثقات، ويشهد له ما تقدم من روايات صحيحة ثابتة.

    1.   

    وصف تلذذ المؤمنين بزوجاتم في الجنة كما جاء في حديث وفد بني المنتفق

    إخوتي الكرام! وهذا التمتع الذي يحصل للمؤمنين بزوجاتهم في جنات النعيم يجد الإنسان منه لذة أضعاف أضعاف ما يجد من لذة التمتع في هذه الحياة، فهي تشابهها من وجه، لكن تزيد عنها بعد ذلك بأوجه كثيرة لا يمكن لإنسان أن يحيط بها، والفارق بين تلك اللذة واللذة التي تكون في الدنيا كالفارق بين الجنة والدنيا تماماً، في تشابهها من وجه كونها لذة، لكنها لذة تناسب تلك الدار، ولذلك تقدم معنا أن ما في الآخرة لا يشبه ما في الدنيا إلا في الأسماء: وطء وبضع ومباضعة ومسيس، لكن حقيقة اللذة تختلف عن اللذة التي يحصلها الإنسان بالوطء الحلال في هذه الحياة.

    وقد أشار إلى ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، وأخبرنا أن المؤمن عندما يباشر زواجاته في الآخرة يلتذ بهن كما يلتذ في هذه الحياة، وكما قلت: اللذة هنا لبيان حصول هذه اللذة، لا أنها تساويها من جميع الجهات، تشبهها من وجه وتزيد عنها في وجوه لا يعلمها إلا الله جل وعلا، ثبت الحديث بذلك في زيادات المسند من زيادة شيخ الإسلام عبد الله ولد سيدنا الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله، والحديث في المسند في الجزء الرابع صفحة ثلاث عشرة، ورواه الإمام عبد الله أيضاً في كتاب السنة في الجزء الثاني صفحة خمس وثمانين وأربعمائة، وهو في مجمع الطبراني الكبير، انظروا مجمع الزوائد في الجزء العاشر صفحة أربعين وثلاثمائة، ورواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة في الجزء الأول صفحة ثمان وثمانين ومائتين، وانظروه في كتاب التوحيد للإمام ابن خزيمة في صفحة تسع وثمانين ومائة، ورواه ابن شاهين كما في الإصابة في الجزء الثالث صفحة ثلاثين وثلاثمائة.

    والحديث من رواية لقيط بن عامر ، وهو أبو رزين العقيلي رضي الله عنه وأرضاه، وإسناده حكم عليه الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء العاشر صفحة أربعين وثلاثمائة، فقال: رواه الإمام أحمد والطبراني ، ثم قال: وأحد طريقي عبد الله إسنادها متصل، ورجالها ثقات.

    وعض على هذا الكلام بالنواجذ؛ لأنه سيأتينا تعليق عليه فانتبهوا له، إسنادها متصل ورجالها ثقات، وإسناد الطبراني مرسل، هذا الإسناد الآخر: عن عاصم بن لقيط ، أن لقيط بن عامر ، ثم أورد الحديث.

    والحديث أخذ قرابة ورقتين في المسند، ولا أريد أن أذكره كله؛ لأنه يتعلق بأمر البعث، إنما سأذكر محل الشاهد منه ألا وهو لذة التمتع التي يحصلها المؤمنون بزوجاتهم في جنات النعيم، وهذا الحديث استشهد به الإمام ابن القيم في كثير من كتبه، فاستشهد به في روضة المحبين صفحة ثلاث وخمسين ومائتين، واستشهد به في حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح صفحة أربع وستين ومائة وصفحة ثمان وستين ومائة، واستشهد به في زاد المعاد في الجزء الثالث صفحة سبع وسبعين وستمائة، وأطال الإمام ابن القيم في تقويته وتقريره وتصحيحه، نسأل الله أن يطيل له النعيم العظيم في البرزخ وفي جنات النعيم، وأن يجعل لنا ذلك معه ومع عباد الله المؤمنين بفضله ورحمته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    والحديث في الزاد في الجزء الثالث بدايته من صفحة ثلاث وسبعين وستمائة، إلى صفحة سبع وثمانين وستمائة، يشرح الحديث ويقرره في قرابة خمس عشرة صفحة، في قدوم وفد بني المنتفق على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: روينا عن عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل في مسند أبيه... إلى آخره.

    محل الشاهد: قول نبينا عليه الصلاة والسلام لـلقيط بن عامر أبي رزين العقيلي رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين: (لعمر إلهك إن النار لها سبعة أبواب، ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاماً، وإن الجنة لها ثمانية أبواب، ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاماً)، يعني أبواب الجنة متباعدة، وأبواب النار متباعدة، وكل من الدارين عظيمة عظيمة واسعة كبيرة، قال: قلت: ( يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! فعلام نطلع من الجنة؟ ) على أي شيء نشرف ونرى؟ وبأي شيء نتمتع؟ قال عليه الصلاة والسلام: (على أنهار من عسل مصفى، وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن ما يتغير طعمه، وماء غير آسن)، وهذا منصوص عليه في كلام ربنا جل وعلا، (وفاكهة، ولعمر إلهك ما تعلمون)، يعني ما تعلمون حقيقة ذلك؛ لأنها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، (وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة)، هذا محل الشاهد، قال: قلت: ( يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات؟ فقال عليه الصلاة والسلام: المصلحات للصالحين)، وفي لفظ: (الصالحات للصالحين، تلذونهن ويلذونكن مثل لذاتكم في الدنيا)، وقلنا: المثلية ليست من كل وجه، من وجه دون بقية الوجوه، المقصود أنها تحصل لذة، لكن اللذة هناك تناسب تلك الدار، واللذة هنا تناسب هذه الدار.

    إخوتي الكرام! كما قلت: الإمام ابن القيم أطال في تقرير هذا الحديث وتصحيحه، فاستمعوا إلى خلاصة كلامه؛ لأنه علق عليه بعض المشايخ المعاصرين وسأذكر كلامه وأرده إن شاء الله.

    يقول الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: هذا حديث كبير جليل، تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة، لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني ، رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري ، وهم كبار علماء المدينة ثقتان محتج بهما في الصحيح، احتج بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري ، ورواه أئمة أهل السنة في كتبهم، وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد، ولم يطعن أحد منهم فيه ولا في أحد من رواته رضي الله عنهم أجمعين، فممن رواه: الإمام ابن الإمام وهو عبد الله ابن سيدنا الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله، أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه، وفي كتاب السنة، وقال: كتب إلى إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب الزبيري : كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضته وسمعته على ما كتبت به إليك فحدث به عني.. إلى آخر إسناده.

    ومنهم الحافظ الجليل أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل في كتاب السنة له، -وقد حددت مكانه من كتاب السنة لـابن أبي عاصم - ومنهم الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسال في كتاب المعرفة، ومنهم حافظ زمانه ومحدث أوانه أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني في كثير من كتبه -وتقدم معنا أنه رواه في معجمه الكبير- ومنهم الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب السنة -وما عندي علم عنه- وكتاب العظمة -وقد كنت أنقل منه بواسطة، فلما وصل صرت أنقل منه مباشرة- ومنهم الحافظ ابن الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده حافظ أصبهان، ومنهم الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه ، ومنهم حافظ عصره أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني ، وجماعة من الحفاظ سواهم يطول ذكرهم.

    وقال ابن منده : روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما، وقد رواه بالعراق بمجمع العلماء وأهل الدين جماعة من الأئمة منهم أبو زرعة الرازي وأبو حاتم وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل ، ولم ينكره أحد، ولم يتكلم في إسناده، بل رووه على سبيل القبول والتسليم، ولا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف الكتاب والسنة. هذا كلام أبي عبد الله بن منده .

    وهذا الكلام الذي قاله الإمام الهمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في هذا المكان -أعني في زاد المعاد- ذكر مختصره وما يشبهه في حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح في صفحة سبعين ومائة، فقال ما خلاصته: هذا حديث كبير مشهور لا يعرف إلا من حديث أبي القاسم عن عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني ، ثم من رواية إبراهيم بن حمزة الزبيري المدني عنهم، وهما من كبار علماء المدينة ثقتان يحتج بهما في الحديث، احتج بهما الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ، وروى عنهما في مواضع من كتابه، ورواه أئمة الحديث في كتبهم منهم أبو عبد الرحمن بن عبد الله ابن الإمام أحمد ، وأبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي العاصم في كتاب السنة، وأبو القاسم الطبراني وأبو الشيخ الحافظ وأبو عبد الله بن منده والحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه ، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني وغيرهم على سبيل القبول والتسليم.

    قال الحافظ أبو عبد الله بن منده : روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما، وقرءوه بالعراق بمجمع العلماء وأهل الدين فلم ينكره أحد منهم ولم يتكلم فيه، وكذلك أبو زرعة وأبو حاتم على سبيل القبول، وقال أبو الخير بن حمدان : هذا الحديث كبير ثابت مشهور، يقول: وسألت شيخنا -السائل هو الإمام ابن القيم - وسألت شيخنا أبا الحجاج المزي -وهو شيخ الدنيا في زمانه في علم الحديث، وهو شيخ الشيوخ في زمنه عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا- وسألت شيخنا أبا الحجاج المزي عنه فقال: عليه جلالة النبوة، يعني نور النبوة على هذا الحديث، والذي يظهر أنه خرج من مشكاة النبوة على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    والإمام ابن كثير في النهاية في الفتن والملاحم روى هذا الحديث بإسناده من طريق شيخه شيخ الإسلام أبي الحجاج المزي في الجزء الأول في النهاية في الفتن والملاحم صفحة ثمان وستين ومائة، وعنون عليه: حديث أبي رزين في البعث، أخبرني شيخنا الحافظ أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي تغمده الله برحمته وغير واحد من المشايخ قراءة عليهم وأنا أسمع، قالوا: أنبأنا فخر الدين ... إلى آخره.

    إخوتي الكرام! لفظ (المشائخ)، هنا مهموز، وهذا خطأ من حيث اللغة، فإن مشايخ جمع شيخ، ولا يقال: مشائخ، فهذا لحن، وكان بعض علمائنا الكرام وشيوخنا الكبار يقول نكتة ظريفة فيقول: همز المشايخ لا يجوز, فلا يجوز أن تهمزهم، ولا أن تهمز لفظهم إذا كتبت، فلا تقل: مشائخ، بل قل: مشايخ، وإياك بعد ذلك أن تطعن فيهم، فهمزهم كتابة ومعنى كلاهما محظوران فانتبه لذلك.

    إخوتي الكرام! هذا الحديث أورده الإمام ابن كثير في البداية والنهاية أيضاً في الجزء الخامس صفحة اثنتين وثمانين فقال: هذا حديث غريب جداً، وألفاظه في بعضها نكارة، وهنا بعد أن أورده من طريق شيخه قال: وقد رواه أبو داود في رواية أبي سعيد بن الأعرابي عن أبي داود عن الحسن بن علي عن إبراهيم بن حمزة، قال شيخنا: لعله من زيادات ابن الأعرابي -يقصد شيخه المزي عليهم جميعاً رحمة الله- وقال الوليد بن مسلم : وقد جمع أحاديث وآثاراً في مجلد تشهد لحديث الصور في متفرقاته. يعني هذه المفرقات التي جاءت والجمل في حديث الصور الطويل، كل جملة منه وجد لها شواهد، كما سيأتينا إن شاء الله الإشارة لذلك.

    قال الإمام ابن كثير : وقد رواه البيهقي في البعث والنشور. ولم أره في كتاب البعث والنشور بعد بحث وهو في مجلد واحد فابحثوا فيه، وإن وجدتم الحديث فيه فأخبروني، قال: ورواه عبد الحق في كتاب العاقبة، نعم هو موجود في صفحة تسع وخمسين ومائتين وصفحة خمس وسبعين ومائتين في كتاب العاقبة لـعبد الحق الإشبيلي عليهم جميعاً رحمة الله، قال ابن كثير : ورواه القرطبي في التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة. انظروا التذكرة في صفحة ثلاث عشرة ومائتين.

    قال ابن كثير : وسيأتي في كتاب البعث والنشور، يعني في كتاب البعث من البداية والنهاية، والنهاية هي هذه كتاب النهاية في الفتن والملاحم وهو تابع للبداية، فحديث أبي رزين في البعث أورده هنا، وقال: إنه سيأتي، والحديث أشار إليه الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في الجزء الخامس صفحة ست وخمسين في ترجمة عاصم بن لقيط ، فقال: رواه الطبراني مطولاً، وهو غريب جداً. فـابن كثير يقول عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: حديث غريب وألفاظه في بعضها نكارة، والإمام الحافظ ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا يقول: هذا حديث غريب جداً.

    إخوتي الكرام! ما المراد بالغرابة؟ وما المراد بالنكارة؟ هذا ما كان في نيتي أن أتكلم عليه لأذكر تعليق بعض المعلقين في هذا الحين، وقد كتب تعليقاً على هذا الحديث بقرابة صفحة، وذهب إلى أن الحديث لا يصح، ثم بعد ذلك عرض بالإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وقال: إن الحديث لما اتفق مع مشربه جمع جراميزه. ويقصد بالجراميز أي: جمع أعضاءه كلها مع نفسه، جمع كليته، يقال: جمع جراميزه ليثبت على الخيل، ويقال: أخذت الشيء بجراميزه، يعني بحذافيره وكله، يقول: جمع جراميزه لتقوية هذا الحديث، ثم أعطى النصيحة على حسب اجتهاده، وهو فيما قال -إن شاء الله- مجتهد، لكن الكلام مردود كما سأبين، ثم قال: ينبغي أن نحترس من الإمام ابن القيم في مثل هذه المواطن إذا كان الحديث يوافق مشربه، فإنه يجمع جراميزه لتصحيحه ولتقويته، مع أن هذا الحديث الذي روي في تلك الكتب، قال: تلك الكتب معروفة بالتساهل ففيها الضعيف والمنكر والمتروك، ويشيع فيها الموضوع.

    ومسند الإمام أحمد تقدم معنا أن هذا الحديث في المسند، وقلنا: إنه لا يشيع فيه الموضوع، وقد ألف الحافظ ابن حجر ومن بعده كتباً في الدفاع عن المسند: القول المسدد في الذب عن المسند، فالقول بأن المسند مما يشيع فيه الموضوع هذا غير مسلم، على أن معنى الحديث وإسناده سيأتينا الكلام عليه، وما أحد من أئمتنا قال: إن الحديث لا يصح أو هو موضوع، نعم إذا كان في الإسناد رواة اختلف فيهم، اختلف في توثيقهم وفي تضعيفهم، لا يعني أن الحديث لا يصح، وتقدم معنا في البداية قول شيخ الإسلام الحافظ الهيثمي : هذا إسناد رجاله ثقات، وهو متصل الإسناد، فهو يرى أن كل راو في هذا الإسناد ثقة، ورأى هذا غيره من أئمة الإسلام وصححه عدد من الأئمة، نعم وجد من ضعفه، لكن الضعف الذي في إسناده إذا وجد بعد ذلك شواهد لمتنه فإنه ينجبر هذا الضعف، على أن بعض الأئمة حسنه وصححه بانفراده دون شواهد له.

    فالقول بأنه لا يصح قول باطل، وسأذكر في أول الموعظة الآتية من قال به، وأقرأ كلامه، وأبين إن شاء الله بطلانه من أوجه ثابتة بعون الله جل وعلا، ومعنى الحديث سواء هذه الجزئية والفقرة التي تقدمت معنا في حديث لقيط بن عامر أبي رزين أو في الفقرات الأخرى، كلها ثابتة عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشياخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.