إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. سلسلة مباحث النبوة
  5. مباحث النبوة - وصف الحور العين في الكتاب والسنة [2]

مباحث النبوة - وصف الحور العين في الكتاب والسنة [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاء وصف الحور العين في السنة المطهرة عن النبي صلى الله عليه وسلم خير وصف وأبلغه وأتمه، مما يجعل المؤمن يسارع ويشمر وينافس حتى يكون ممن يتمتعون بهن في جنات النعيم، ومما ورد في وصفهن: أنه يُرى مخ سوقهن من وراء اللحم، ومن وراء الحلل العظيمة التي يلبسنها، كما قررت السنة المطهرة من كلام خير البرية أن للمؤمن في الجنة أكثر من حورية وحوريتين؛ بل له منهن ما لا يعلمه إلا الله تعالى.

    1.   

    ذكر أثر ثابت البناني في رؤية أحد المجاهدين لزوجته من الحور العين في المنام

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك الله وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! لازلنا نتدارس الحكمة من مشروعية النكاح ومقاصده الأساسية، وتقدم معنا أن الحكمة من مشروعيته تدور على خمسة أمور:

    أولها: تحصين النفس البشرية من كل آفة ردية، حسية كانت أو معنوية.

    وثانيها: إنجاب الذرية التي تعبد رب البرية.

    وثالثها: تحصيل الأجر للزوجين عن طريق حسن عشرة كل منها لصاحبه، ومساعدته عليه في نفقته، ومساعدته في نفقته.

    والحكمة الرابعة: تذكر لذة الآخرة.

    وآخر الحكم وخاتمتها: ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه وبأهل زوجه وأقاربه.

    وكنا نتدارس الحكمة الرابعة من هذه الحكم ألا وهي: تذكر لذة الآخرة، وتقدم معنا أن أعظم لذائذ بني آدم في هذه الحياة من المشتهيات المحسوسات لذة النكاح، وهذه اللذة التي هي أعظم اللذات الحسية تقدم معنا أن فيها آفات ونقصاً كثيراً في هذه الحياة، ومع ذلك تتعلق بها النفس وترغب فيها، فإذا كان الإنسان عاقلاً ينبغي أن يتعلق بهذه اللذة وأن يرغب فيها في الدار الآخرة، فهناك لا نقص فيها بوجه من الوجوه، والكمال هناك فيها وفي سائر الشهوات التي يتمتع بها الإنسان، نسأل الله أن يمن علينا برضوانه وبدار كرامته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    تقدم معنا أن الله شوقنا في كتابه إلى نساء أهل الجنة، كما شوقنا نبينا صلى الله عليه وسلم في حديثه إليهن، فوصف نساء أهل الجنة في الكتاب والسنة بأوصاف تتعلق بها نفوس العقلاء، تتعلق بها النفوس الكريمة الطاهرة، وتقدم معنا أن كثيراً من الصالحين كانوا يرون أزواجهم من الحور العين في المنام من كثرة تعلقهم بهن، تقدم معنا أنه حصل هذا لـأبي سليمان الداراني ، وحصل لعبد صالح من تلاميذ الشيخ منصور بن عمار ، وحصل هذا لعدد من الصالحين منهم صحابي أو تابعي، العلم عند الله لم يسم، لكن خبره ثابت بإسناد حسن في كتاب الزهد للإمام هناد بن السري ، وانظروه في الجزء الأول صفحة تسع وخمسين، ورواه شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك في كتاب الجهاد، ورواه أبو بكر الشافعي في فوائده، وهو -كما قلت- إسناده حسن.

    وخلاصة الأثر: عن شيخ الإسلام ثابت بن أسلم البناني، وهو ألصق الناس بسيدنا أنس بن مالك خادم نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، يقول ثابت بن أسلم البناني :كنت مع أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين، فجاء ولده أبو بكر من الغزو، فحدث والده بقصة غريبة فقال: إن صاحبنا -وهذا هو الذي لم يسم، هل هو صحابي أو من التابعين؟ العلم عند الله- إن صاحبنا -أي الذي تعرفه ولم يذكر اسمه- بينا نحن في الغزو صاح: وا أهلاه! وا أهلاه! قال: فاجتمعنا عليه وظننا أنه طرأ عليه طارئ، فقلنا: ما لك؟ قال: كنت أعزم في نفسي ألا أتزوج في هذه الحياة، وأطلب من ربي أن يزوجني من الحور الحسان في نعيم الجنات، وكنت أتمنى أن أستشهد وأتعجل الشهادة ليعطيني الله أمنيتي، فدخلت معارك وغزوات كثيرة، وما قدر الله لي الشهادة، ففي هذه الغزوة التي أنا معكم فيها لما طال علي الوقت ولم أرزق الشهادة، عزمت أنني إذا رجعت إلى بلدي أن أتزوج، فنمت القيلولة وإذا بإنسان يوقظني في النوم ويقول: أنت الذي عزمت أن تتزوج إذا قفلت ورجعت من الغزو؟ قلت: نعم، قال: قم حتى نزوجك العيناء الجميلة الحسناء، قال: فذهبت معه، فمررت على روضة معشبة فيها عشر جوار من النساء الحسان، يقول: ما رأيت مثلهن في الحسن والجمال، فقلت لهن: فيكن العيناء؟ قالوا: نحن من خدمها، والعيناء أمامك، تقدم، يقول: فأتيت على روضة أخرى معشبة أكثر من الأولى، وفيها عشرون جارية، ما حسن العشر إليهن بشيء إذا قيس حسن أولئك إلى العشرين الجواري الأخريات، فقلت: فيكن العيناء؟ قالوا: نحن من خدمها، والعيناء أمامك، تقدم، يقول: فإذا بروضة معشبة فيها من الخضرة والجمال ما ليس في الروضة الأولى والثانية، وفيها أربعون جارية، ما حسن العشر والعشرين إليهن بشيء، فقلت: فيكن العيناء؟ قالوا: نحن من خدمها، والعيناء أمامك، يقول: فتقدمت وإذا بحجرة من ياقوتة مجوفة عليها امرأة ما رأيت مثل حسنها، قد فضل جنباها عن السرير من حسنها وسمنها، قال: فمددت يدي إليها، فقالت: أوه، لا زال فيك روح، تمد يدك إلي وفيك روح، أنت سوف تمد يدك إلي بعد أن تنتقل إلى الآخرة، ثم قالت له: يا عبد الله! فطورك الليلة عندنا، ستفطر هذه الليلة عندنا، يقول: فاستيقظ الرجل فبدأ يقول: وا أهلاه! وا أهلاه!

    قال: فبينا هو يحدثنا بحديثه نادى أمير الجيش: يا خيل الله اركبي، لمقابلة الأعداء، قال: فركبنا وبدأنا نتسابق على خيولنا في مقاتلة أعداء الله جل وعلا، يقول: فلما غربت الشمس، وأنا أنظر إليه وإلى غروب الشمس أيهما سيذهب قبل صاحبه؟ لأنها قالت له: سيفطر عندها، قال: فندر رأسه وقتل في سبيل الله قبل أن تغرب الشمس، فقال أنس لولده أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين: رحمه الله، رحمه الله.

    حقيقة إذا كان الإنسان يتعلق بهذه اللذة المحفوفة بالأكدار والأخطار والشوائب والنواقص والنقائص، فينبغي أن يتعلق بتلك الشهوة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، والأثر -كما قلت إخوتي الكرام- مروي في هذه الكتب وإسناده حسن عن شيخ الإسلام ثابت بن أسلم البناني ، عن ولد سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين.

    1.   

    تابع وصف الحور العين في سنة سيد المرسلين

    إخوتي الكرام! تقدم معنا وصف نساء أهل الجنة الحسان في آيات القرآن، وأنه مطهرات في خلقهن وأخلاقهن، كما استعرضنا بعد ذلك شيئاً من أواصفهن في أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام، وآخر ما ذكرته في الموعظة الماضية حديث سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وتقدم معنا تخريجه، وقلت: إنه روي مرفوعاً وموقوفاً، وبعد أن ذكرت لفظه أعيده الآن، وأما تخريجه فقد تقدم في المواعظ الماضية، لكن سأذكر أيضاً شواهد لهاتين الروايتين المرفوعة والموقوفة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه.

    حديث ابن مسعود: (إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة...)

    تقدم معنا لفظ الحديث من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام وموقوفاً عليه، ولذلك حكم الرفع، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها ) مخ ساقها يرى من فوق سبعين حلة، ( وذلك لأن الله يقول: كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:58]، فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكاً ثم اطلعت لرأيته من ورائه )، وهكذا الحوريات الحسان يلبسن هذه الحلل الجميلة، ولشدة جمالهن وصفائهن يرى مخ ساقها من فوق سبعين حلة، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء.

    هذا الأثر تقدم معنا -إخوتي الكرام- ذكره في آخر الموعظة الماضية، وقلت: إنه روي موقوفاً على عبد الله بن مسعود ، ومرفوعاً إلى نبينا المحمود عليه صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! أما الرواية الموقوفة فتقدم معنا من خرجها بذلك اللفظ، لكن رويت بألفاظ أخرى، رواها شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك أيضاً في كتاب الزهد، انظروها في صفحة أربع وسبعين، وهي في معجم الطبراني الكبير كما في مجمع الزوائد في الجزء العاشر صفحة ثماني عشرة وأربعمائة، ورواها شيخ الإسلام عبد الرزاق في مصنفه في الجزء الحادي عشر صفحة أربع عشرة وأربعمائة، وهذه رواية موقوفة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه بمعنى الرواية المتقدمة، ولفظها: ( إن المرأة من الحور العين ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم من تحت سبعين حلة كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء ).

    رواية عمرو بن ميمون الأودي: (... لكل منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ سوقهما من وراء اللحم والحلل)

    وهذه الرواية -كما قلت- موقوفة على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، ورواها هناد بن السري في كتاب الزهد في الجزء الأول صفحة سبع وتسعين ومائة، والإمام الطبري شيخ المفسرين في تفسيره في الجزء السابع والعشرين صفحة ثمان ثمانين أوردها عن عمرو بن ميمون الأودي موقوفة عليه، وعمرو بن ميمون الأودي ثقة من المخضرمين، أدرك الجاهلية والإسلام ولم ير نبينا عليه الصلاة والسلام، وقد توفي سنة أربع وسبعين، وقيل: خمس وسبعين، وقيل: ست وسبعين، وهو من شيوخ المسلمين، يقول الإمام الذهبي في ترجمته: هو الإمام الحجة.

    ومن مناقبه كما في طبقات ابن سعد في الجزء السادس صفحة ثماني عشرة ومائة: أن هذا العبد الصالح -أعني عمرو بن ميمون الأودي- كان إذا رئي ذكر الله جل وعلا، إذا رآه الناس يذكرون الله، رؤيته تذكر بالله، وكنت ذكرت في بعض المواعظ الماضية أن عدداً من أئمتنا نعتوا بذلك، منهم شيخ الإسلام الإمام محمد بن سيرين ، وهكذا الحسن البصري ، ومنهم عمرو بن ميمون الأودي ، وتقدم معنا أن شيخ الإسلام ابن سيرين كان إذا دخل السوق ترك أهل السوق أعمالهم وذكروا ربهم عندما يرون نور وجهه وما فيه من خشية وبهاء وجمال.

    فعمرو بن ميمون الأودي نقل عنه مثل ذلك الأثر موقوفاً عليه، وكما قلت: هذا لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع، لكن هناك رواية موقوفة لها حكم الرفع عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وهنا رواية موقوفة لها حكم الرفع لكنها مرسلة ليست متصلة؛ لأنه تابعي، والمخضرم هو في عداد التابعين، لكن أطلق عليه هذا اللفظ لرفعه عن رتبة التابعين، ونزوله عن درجة الصحابة، من أجل أن يتميز عن التابعين قليلاً؛ لأنه عاصر الزمن الذي كان فيه نبينا عليه الصلاة والسلام، فعاش في عصر النور، لكنه لم ير النبي عليه الصلاة والسلام، فقيل له: مخضرم، وأما التابعي فما أدرك النبي عليه الصلاة والسلام لكنه رأى الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين.

    وروي أيضاً ذلك الأثر مرفوعاً عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه بلفظ آخر في غير الكتب المتقدمة، رواه البزار والطبراني في معجمه الكبير والأوسط، ورواه الإمام البيهقي في كتاب البعث، انظروه في صفحة وسبعين مائة، ورواه شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد والرقائق، وإسناد الأثر صحيح، قال شيخ الإسلام الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الرابع صفحة تسع وعشرين وخمسمائة: إسناد الطبراني صحيح، وإسناد البيهقي حسن.

    وقال شيخ الإسلام الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح في صفحة تسع وثلاثين ومائة: إسناد الطبراني على شرط الصحيح. وهذا ما حكم به الإمام المنذري حيث قال: إسناد الطبراني صحيح، وإسناد البيهقي حسن، وهنا الإمام ابن القيم يقول: إسناد الطبراني على شرط الصحيح، والحديث مرفوعاً إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، ولفظه: ( إن أول زمرة يدخلون الجنة -أول طائفة- كأن وجوههم القمر )، وفي رواية: ( كأن وجوههم ضوء القمر )، قمر منير بدر مشرق، كأن وجوههم ضوء القمر، كأن وجوههم القمر ليلة البدر، كأن وجوههم ضوء القمر ليلة البدر.

    ( والزمرة الثانية على لون أحسن كوكب دري -أي: مضيء منير- في السماء، لكل منهم زوجتان من الحور العين، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم وحللهما -ترى مخ الساقين من وراء اللحم ومن فوق الحلل- كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء ) وهذا من كلام نبينا خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه.

    انظر لهذا الحسن وهذا الجمال الذي جعله الله في نساء أهل الجنة، (لكل واحد منهم زوجتان) وسيأتينا عدد ما يكون لأهل الجنة من زوجات -إن شاء الله- ضمن خطوات البحث، وأستعرض كلام الحافظ ابن حجر وكلام الإمام ابن القيم عليهم جميعاً رحمة الله، وأبين ما يظهر لي في هذا الأمر، ( لكل منهم زوجتان، على كل واحدة سبعون حلة )، ومع ذلك ترى مخ الساقين من وراء اللحم ومن فوق الحلة، وأيضاً هم في صورة بهية مشرقة، الواحد منهم ضوءه كضوء القمر، أو كضوء أحسن كوكب دري في السماء، نسأل الله أن يمن علينا بذلك إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    حديث أبي سعيد الخدري: (... لكل امرئ منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من ورائها)

    إخوتي الكرام! وهذا الحديث الذي ثبت عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه موقوفاً عليه ومرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، وموقوفاً على عمرو بن ميمون الأودي في بعض رواياته، ورد له شواهد كثيرة من رواية عدد من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وقلت مراراً: إذا ضمت النظائر إلى بعضها من الأحاديث تزداد قوة، ويزداد المسلم وثوقاً بصدور هذا عن نبينا صلى الله عليه وسلم، فمن هذه الشواهد: رواية سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، وهي كرواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، لكن الصحابي يختلف.

    رواية أبي سعيد رواها الإمام أحمد في المسند والترمذي في السنن وقال: هذا إسناد حسن صحيح، ورواها البغوي في شرح السنة، ورواها أبو الشيخ في كتاب العظمة، انظروها صفحة واحدة وستين ومائتين، وهي أيضاً في معجم الطبراني الأوسط، وكتاب المصنف للإمام ابن أبي شيبة في الجزء الثالث عشر صفحة عشرين ومائة، ورواها البيهقي في البعث في المكان المتقدم سبع وتسعين ومائة، ورواها أبو نعيم في كتاب صفة الجنة، والحديث كما قلت: من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، وقلت: هو قريب من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.

    ولفظ حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أول زمرة يدخلون الجنة يوم القيامة على مثل ضوء القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية على مثل أحسن كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من ورائها )، يعني: من وراء هذه الحلل الكثيرة التي هي سبعون حلة، بمثل رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين تماماً، لكن اختلف الصحابي الراوي، وهذا يزيدنا وثوقاً واطمئناناً إلى أن هذا منقول عن نبينا عليه الصلاة والسلام وثابت عنه.

    ذكر روايات أبي هريرة في أن الحور العين يرى مخ سوقهن من وراء اللحم

    وهذه الرواية أيضاً ثبتت عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعة إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، ورويت عن أبي هريرة في مسند الإمام أحمد وفي الصحيحين وسنن الترمذي وابن ماجه ، ورواها الإمام الدارمي في سننه أيضاً، ورواها هناد بن السري في كتاب الزهد، وهي أيضاً في المصنف في المكان المتقدم في الجزء الثالث عشر صفحة عشر ومائة، ورواها شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد والرقائق، ورواها أبو نعيم في كتاب صفة الجنة وفي أخبار أصبهان، انظروها في أخبار أصبهان في الجزء الأول صفحة ثلاثمائة، ورواها عبد الرزاق في المصنف في الجزء الحادي عشر صفحة أربع عشرة وأربعمائة، وهي في شرح السنة للإمام البغوي في الجزء الخامس عشر صفحة سبع ومائتين، وفي كتاب العظمة لأبي الشيخ صفحة ست وستين ومائتين.

    ولفظ حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة )، وهي العود، المجامر التي يتطيبون بها رائحة العود، لكنها من عود الجنة لا من عود الأرض، هذه مجامرهم التي يتجمرون بها، ويتبخرون بها، قال: ( أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد )، يعني صورتهم واحدة، وسيأتينا أن طول الواحد منهم ستون ذراعاً في عرض سبعة أذرع على خلق أبيهم آدم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، كما أن النساء أيضاً على خلقة واحدة، إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا [الواقعة:35-37]، أي: أمثالاً متساويات كما تقدم معنا، ( على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعاً في السماء ) ، هذا الطول، والعرض سبعة أذرع، هذا طول الرجل، والمرأة فيها من الحسن ما تقدم معنا.

    وفي رواية: قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد )، فكما أن خلقهم على صورة رجل واحد، فقلوبهم على قلب رجل واحد، تساووا في الخلق وفي الخلق، في المظهر وفي المخبر، ولذلك لا تتطلع المرأة إلى رجل آخر، والرجل لا يتطلع إلى غير ما عنده، ( قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً )، وهذه الروايات كما قلت في الصحيحين وغيرهما.

    وفي رواية أخرى في الصحيحين: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على آثارهم كأحسن كوكب دري في السماء إضاءة، قلوبهم على قلب واحد، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، لكل امرئ زوجتان من الحور العين، يرى مخ سوقهن من وراء العظم واللحم )، وفي رواية لـمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل )، وفيه قال ابن أبي شيبة : ( على خلْق رجل واحد )، وقال أبو كريب : ( على خلُق رجل واحد )، واجمع بين الأمرين، فهم على خلْق رجل واحد في الصورة، وهم على خلُق رجل واحد في المعنى، ولذلك الرواية الأولى: على خلُق رجل واحد، وعلى قلب رجل واحد، وإذا كانوا على قلب رجل واحد، فهم على خلْق رجل واحد، فالخلق استووا فيه، والخلق أيضاً تماثلوا فيه واستووا فيه.

    وفي رواية أخرى من رواية شيخ الإسلام محمد بن سيرين قال: إما تفاخروا وأما تذاكروا عند أبي هريرة رضي الله عنه: الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ وسيأتينا الكلام على هذه الرواية عند الكلام على الحكمة من التعدد، وسيأتينا هناك أن نسبة النساء أكثر من الرجال في الدنيا وفي الآخرة، في الجنة وفي النار، عدد المؤمنات في الجنة أكثر من عدد المؤمنين، وعدد الكافرات في النار أكثر من عدد الكافرين، ونسبة النساء في كل عصر تزيد على نسبة الرجال في الحياة الدنيا، فهن أكثر أهل الدنيا، وهن أكثر أهل الجنة، وهن أكثر أهل النار، كما سيأتينا هذا إن شاء الله.

    قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا عند أبي هريرة رضي الله عنه: الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أولم يقل أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ( إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوء كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان )، إذن النساء أكثر من الرجال، فإنه لكل امرئ منهم زوجتان، هذا أقل ما يحصل، وهذا بعدما يضم إليه من الحور العين ما لا يعلمه إلا رب العالمين.

    وهاتان الزوجتان ذهب الحافظ إلى أنهما من أهل الدنيا، أي: كل واحد له زوجتان من نساء أهل الدنيا، ومن أخذ أكثر لا ينقص نصيبه، من كان عنده أربع لا يفرق بينه وبين زوجتين من أزواجه في الجنة، لكن لكل واحد زوجتان اثنتان من نساء أهل الدنيا، قال: ( يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب )، فكل واحد له زوجتان، وسيأتينا أن الحافظ ابن حجر يقول: لكل واحد زوجتان من نساء أهل الدنيا، وله بعد ذلك ما شاء من الحور الحسان، وعليه فما ورد: له اثنتان وسبعون، له سبعون.. ونحو ذلك، يقول: اثنتان من نساء أهل الدنيا، والزائد من الحور، وللإمام ابن القيم رأي آخر أذكره إن شاء الله وألقي الضوء عليهما بعون الله عند مجيء ذكر هذا العدد.

    إذاً: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه الذي تقدم معنا له شواهد متعددة بمعناه من رواية عدة من الصحابة، من رواية أبي سعيد رضي الله عنه وأرضاه، ومن رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وروي أيضاً موقوفاً على عمرو بن ميمون الأودي رضي الله عنهم أجمعين.

    1.   

    ما جاء عن النبي في بيان عدد ما للمؤمن في الجنة من الحور العين

    إخوتي الكرام! هذا المقدار الذي يكرم الله به الأبرار في دار القرار لا ينافي حصول ما هو أكثر منه في تلك الدار، فقوله: (لكل واحد زوجتان) لا يعني أنه لا يمكن أن يأخذ أكثر، وذلك لدخول القليل في الكثير، وذلك مقرر عند أئمتنا في مثل هذا المبحث الشهير، وقد تقدم معنا أنه إذا وردت أعداد مختلفة فنقول: لا تعارض بينها، فالقليل يدخل في الكثير، فالثنتان تدخلان في السبعين، وتدخلان في المائة، وتدخلان بعد ذلك في قول الله: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35] ، فإذا أخذ ألفاً دخلت الثنتان في الألف، وإذا أخذ ألفين دخلت الثنتان في الألفين، فلا تعارض بين الأعداد لدخول القليل في الكثير.

    وتقدم معنا أن هذا الرأي هو الذي مال إليه شيخ الإسلام الإمام النووي عليه رحمة الله وقرره في مواطن متعددة في شرحه لصحيح مسلم ، منها ما تقدم معنا في مباحث سنن الترمذي في الجزء الحادي عشر صفحة عشرين ومائة في مبحث تعدد نساء نبي الله سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام في هذه الحياة، عند الكلام على فتنته التي حصلت له، وهي أنه أراد أن يطوف على نسائه ولم يقل: إن شاء الله، والروايات كلها صحيحة كما تقدم معنا: ستون، وسبعون، وتسعون، وتسع وتسعون، ومائة، وهذه الروايات قال الإمام النووي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: هذا كله لا تعارض فيه؛ لأنه ليس في ذكر القليل نفي للكثير، وقد سبق بيان هذا مرات.

    وهنا كذلك الاثنتان تدخل في السبعين وما هو أكثر من ذلك، وسيأتينا أن له في الحجرة الواحدة من اللؤلؤ المجوف أهلون، وطول هذه الحجرة ستون ميلاً، يعني قرابة مائة كيلو متر، له فيها أهلون يطوف عليهم فلا يرى بعضهم بعضاً، والحديث في الصحيحين، وهذا كله لا يتعارض مع الإخبار بأنه لكل واحد زوجتان أو سبعون أو أعداد لا نهاية لها حسبما يطلب ويريد، وذلك لدخول القليل في الكثير، فلا تعارض بين هذه الأعداد، والذي يقرر أنه يحصل لرجال أهل الجنة أكثر من زوجتين أحاديث كثيرة متعددة، استمعوا لبعضها إخوتي الكرام:

    حديث أبي هريرة: (... وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة...)

    منها ما ثبت في مسند الإمام أحمد ، والحديث في الجزء الثاني صفحة سبع وثلاثين خمسمائة من المسند، وانظروه في المجمع في الجزء العاشر صفحة أربعمائة وقال: إسناده ثقات على ضعف في بعضهم، والحديث ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء السادس صفحة خمس وعشرين وثلاثمائة وقال: في إسناده شهر ، وهو شهر بن حوشب وفيه مقال، وشهر بن حوشب توفي سنة اثنتي عشرة ومائة للهجرة، قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في التقريب: صدوق كثير الأوهام والإرسال، وقد أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد والإمام مسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة، وحديثه إن شاء الله في درجة الحسن.

    ولفظ حديثه من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وفيه كما قلت دلالة على أنه يحصل للواحد أكثر من زوجة، لفظ الحديث من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن أدنى أهل الجنة منزلة )، هذا أدناهم وأقلهم، فكم سيكون لمن هو أعلى منه أو لمن هو في عليين؟ لا يعلم هذا إلا رب العالمين، هذا أدنى أهل الجنة منزلة له أكثر من زوجتين كما ستسمعون العدد، ( إن أدنى أهل الجنة منزلة إن له لسبع درجات في الجنة، وهو على السادسة وفوقه السابعة، وإن له لثلاثمائة خادم، ويغدى عليه ويراح بثلاثمائة صحفة )، أي: من ألوان الطعام في الغدو وفي الصباح وفي العشي بثلاثمائة صحفة، وعنده ثلاثمائة خادم، ( ولا أعلمه إلا قال: من ذهب )، أي: بثلاثمائة صحفة من ذهب، ( في كل صحفة ما ليس في الأخرى، وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره، وإنه ليقول -هذا الذي هو أدنى أهل الجنة منزلة-: يا رب! لو أذنت لي لأطعمت أهل الجنة وسقيتهم لم ينقص ذلك مما عندي )، يعني أطعم أهل الجنة من أولهم لآخرهم، وإذا أطعمتهم لا ينقص شيء مما عندي، ( وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة )، هذا له من الحور العين اثنتان وسبعون زوجة عدا عن نسائه من أهل الدنيا، وهذا أقل أهل الجنة منزلة، ( وإن الواحدة منهن ليأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض ).

    الحديث رواه الإمام أحمد في المسند ورجاله ثقات على ضعف في بعضهم كما قال الإمام الهيثمي ، وقلت: الذي فيه هو شهر بن حوشب ، وحديثه إن شاء الله في درجة الحسن، وله شواهد كثيرة وفيرة، منها ما تقدم، ومنها ما سيأتي، ومنها ما هو معلوم بالضرورة من وصف الجنة؛ لأن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأن للمؤمن فيها ما يشاء، وعند الله المزيد، هذه الرواية الأولى.

    حديث أبي سعيد الخدري: (أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة...)

    الرواية الثانية ثابتة في المسند أيضاً، وهي في الجزء الثالث صفحة ست وسبعين من المسند، ورواها الإمام الترمذي في صحيحه وابن حبان ، انظروا موارد الظمآن صفحة خمس وخمسين وستمائة، ورواها الإمام أبو يعلى في مسنده، والضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، ورواها الإمام أبو بكر ابن أبي داود في كتاب البعث، وتقدم معنا أنه جزء صغير، ورواها شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد والرقائق.

    والحديث من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، ولفظه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم )، في الرواية الأولى له ثلاثمائة، ولا تعارض -كما تقدم معنا- بين القليل والكثير، فيعطيه ثلاثمائة ثم يزيده، والثلاثمائة داخلة في الثمانين ألفاً، ( أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم، واثنتان وسبعون زوجة، وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية إلى صنعاء )، والجابية قرية من أعمال دمشق، وصنعاء عاصمة اليمن، فالقبة التي تنصب له وتضرب له من الؤلؤ والزبرجد والياقوت طولها من دمشق إلى صنعاء.

    والحديث بعد أن رواه الإمام الترمذي قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد ، قال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب معلقاً على كلام الإمام الترمذي : يعني عن عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين، لا يعرفه الإمام الترمذي إلا من حديث رشدين عن عمرو بن الحارث ، قال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب: وقد تابع ابن وهب رشدين بن سعد في روايته عن عمرو بن الحارث في صحيح ابن حبان ، وتقدم معنا أن الحديث رواه الإمام ابن حبان كما في موارد الظمآن صفحة خمس وخمسين وستمائة.

    يقول الإمام المنذري : رشدين بن سعد في روايته عن عمرو بن الحارث تابعه شيخ الإسلام ابن وهب ، وهو أحد الأعلام الأثبات. تابع رشدين في روايته عن عمرو بن الحارث ، أما رشدين بن سعد فهو رشدين بن سعد المهري المصري ، قال الحافظ ابن حجر في ترجمته: ضعيف، ورجح أبو حاتم ابن لهيعة عليه، وهو من الأئمة الصالحين والعلماء الربانيين، الضعف الذي فيه من قبل حفظه وغفلته لذهوله عن الضبط، وكان من القضاة الصالحين في بلاد مصر، يقول أئمتنا: أخذته غفلة الصالحين، ليس في ديانته شيء، ولا في تعبده شيء، ولا يتعمد الخطأ، إنما يهم أحياناً على حسب ما يقع عند الصالحين من غفلة ووهم، وقد توفي سنة ثمان وثمانين ومائة للهجرة، وهو من رجال الإمام الترمذي والإمام ابن ماجه عليهم جميعاً رحمة الله.

    قال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد عند ذكر رشدين بن سعد في غير هذا المكان في الجزء الخامس صفحة خمس وعشرين: ضعيف وقد وثق. يعني هو محكوم عليه بالضعف، لكن وثقه بعض أئمة الإسلام.

    إذاً: هذا الحديث رواه رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث ، ورشدين تابعه ابن وهب ، فزال المحذور، لكن فيه شيء آخر ما أشار إليه الإمام الترمذي لأنه معروف، وهو رواية دراج كما سيأتينا الكلام الذي حول روايته، أما عمرو بن الحارث الأنصاري ، وهو شيخ رشدين ، فهو ثقة فقيه حافظ عابد، توفي قبل سنة خمسين ومائة، وحديثه مخرج في الكتب الستة، وأما ابن وهب الذي روى الحديث عن عمرو بن الحارث أيضاً، وتابع فيه رشدين بن سعد ، فهو عبد الله بن وهب الفقيه، ثقة حافظ عابد من أئمة الإسلام الكبار، توفي سنة سبع وتسعين ومائة للهجرة، وحديث مخرج في الكتب الستة، إنما يوجد شيء آخر وهو أن عبد الله بن وهب ورشدين بن سعد اتفقا في الرواية عن عمرو بن الحارث ، لكن عمرو بن الحارث روى عن دراج ، ودراج هو دراج بن سمعان أبو السمح السهمي المصري القاص، فهؤلاء كلهم من أهل مصر، رشدين وعمرو بن الحارث وعبد الله بن وهب ودراج بن سمعان أبو السمح السهمي المصري القاص، صدوق، وحديثه في درجة الحسن، لكن في حديثه عن أبي الهيثم ضعف.

    والرواية هنا من طريق دراج عن أبي الهيثم ، ودراج من رجال البخاري في الأدب المفرد، وأخرج حديثه أهل السنن الأربعة، أما أبو الهيثم المصري فهو سليمان بن عمرو ، ثقة من أئمة الخير والصلاح، وهو من رجال البخاري في الأدب المفرد أيضاً وأهل السنن الأربعة، فأبو الهيثم هذا ثقة، وأما دراج فهو صدوق، وحديثه في درجة الحسن إلا في روايته عن أبي الهيثم فكان يهم ويخطئ.

    لكن هذه الرواية: (اثنتان وسبعون زوجة) لها شواهد كثيرة، وقد تقدمت معنا في حديث أبي هريرة ، وسيأتينا لها شواهد متعددة، فالحديث وإن كان من طريق دراج بن سمعان عن أبي الهيثم فهو -إن شاء الله- بشواهده يرتفع إلى درجة الحسن لغيره والعلم عند الله جل وعلا.

    حديث ابن عمر: (إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة...)

    ومما يشهد لهذه الرواية في الجملة، وأن الرجل من أهل الجنة يتمتع بأكثر من زوجتين اثنتين، روايات كثيرة منها رواية سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، وهي في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي ، ورواها الإمام الطبراني في معجمه الكبير، وأبو يعلى في مسنده، ورواها ابن أبي شيبة في مصنفه، والطبري في تفسيره، وابن مردويه في تفسيره، وابن المنذر في تفسيره أيضاً، ورواها عبد بن حميد في مسنده، والدارقطني في كتاب الرؤية، ورواها شيخ الإسلام عبد الله ولد سيدنا الإمام أحمد بن حنبل عليهم جميعاً رحمة الله، ورواها الإمام اللالكائي في شرح أصول أهل السنة، ورواها أبو الشيخ في كتابه العظمة، وهي في حلية الأولياء، وهي أيضاً في مستدرك الحاكم وشرح السنة للإمام البغوي ، وهي في كتاب البعث والنشور للإمام البيهقي ، انظروها في آخر هذه المصادر صفحة اثنتين وخمسين ومائتين للإمام البيهقي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    وهذه الرواية كما قلت من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنه أجمعين، ولفظ روايته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة )، هذا أدنى أهل الجنة منزلة، وتقدم معنا في الرواية المتقدمة أن له خيمة ستون ميلاً، هذا أدنى أهل الجنة، ( وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشياً ) يتمتع بالنظر إلى وجه الله الجليل في الغداة وفي العشي، ( ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23] ).

    وهذه الرواية قال عنها الإمام الترمذي بعد أن رواها: هذا حديث غريب، وروي موقوفاً. يعني على عبد الله بن عمر ، وهو الراوي، وإذا ثبت أنها موقوفة فلها حكم الرفع فمثلها لا يقال من قبل الرأي.

    وفي إسناد الأثر ثوير بن أبي فاختة ، وهو ضعيف ورمي بالتشيع، والتشيع الذي كان يرمى به بعض رواة الحديث هو تقديم علي رضي الله عنه وأرضاه على من عداه من الصحابة، وقلت: إن أمر ذلك يسير مع شناعته، وليس في هذا التشيع طعن في أحد من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وقال الإمام الهيثمي في المجمع: مجمع على ضعفه، أي: ثوير بن أبي فاختة ، والإمام الحاكم روى هذا الحديث وصححه، وقال: هذا حديث مفسر في الرد على المبتدعة، يعني أن فيه إثبات رؤية الله جل وعلا، وأحاديث الرؤية متواترة عن نبينا صلى الله عليه وسلم، يقول: وثوير -يعني ابن أبي فاختة - وإن لم يخرجا له -يعني البخاري ومسلم - فلم ينقم عليه إلا التشيع. قال الحافظ في الفتح في الجزء الثالث عشر صفحة أربع وعشرين وأربعمائة: أخرج الحديث الإمام الحاكم وصححه من طريق سويد عن ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين، وقد استشهد بالحديث الإمام ابن كثير في النهاية في الفتن والملاحم في الجزء الثاني صفحة ثلاث وثمانين ومائة، ويشهد له ما سيأتي إن شاء الله، وهذه الروايات إذا تضافرت ما في بعضها من ضعف يتقوى بالصحيح، وتتقوى أيضاً ببعضها والعلم عند الله جل وعلا.

    حديث أبي هريرة وعمران بن حصين في تفسير النبي لقوله تعالى: (ومساكن طيبة في جنات عدن) وفيه: (على كل فراش امرأة)

    رواية ثالثة فيها أيضاً هذا التقرير، وهو أن الرجل يتمتع بأكثر من زوجتين في جنات النعيم، الرواية رواها الإمام الطبراني في معجمه الأوسط، ورواها البزار في مسنده، ورواها شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد والرقائق صفحة خمسين وخمسمائة، وهي في تفسير الطبري في الجزء العاشر صفحة أربع وعشرين ومائة في تفسير سورة التوبة، وإذا أحد منكم عنده طبعة الشيخ أحمد شاكر فلينظرها في الجزء الرابع عشر صفحة تسع وأربعين وثلاثمائة، ورواها ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه في تفسيره، كما ذكر ذلك الإمام السيوطي في الدر المنثور في الجزء الثالث صفحة سبع وخمسين ومائتين، ورواها الإمام الآجري في النصيحة، والبيهقي في البعث صفحة ثمان وسبعين ومائة، ورواها الإمام البيهقي أيضاً في كتاب شعب الإيمان.

    والحديث من رواية صحابيين جليلين مباركين وهما أبو هريرة وعمران بن حصين رضي الله عنهم أجمعين، والذي روى الحديث عنهما هو الحسن البصري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، يقول الحسن البصري : لقيت أبا هريرة وعمران بن حصين رضي الله عنهم أجمعين فقلت: ليتني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسأله، فقالا له: تسأله عن ماذا؟ قال: عن قول الله جل وعلا: وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ [التوبة:72]، ما المراد بهذه المساكن؟ وما نوع الطيب فيها؟ مساكن طيبة في جنات عدن، يعني في جنات إقامة باقية لا تزول ولا تفنى، والآية من سورة التوبة، ولذلك أورد الإمام الطبري هذا الأثر في تفسير هذه الآية: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:72]، فقالا له - أبو هريرة وعمران بن حصين رضي الله عنهم أجمعين-: على الخبير سقطت، لقد سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان هذه المساكن: ( قصر في الجنة من لؤلؤة فيها سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون، على كل فراش امرأة، في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لوناً من طعام، في كل بيت سبعون وصيفاً ووصيفة -وهم الخدم الذين يخدمون هذا الولي لله جل وعلا -يعطى للمؤمن من القوة ما يأتي على ذلك كله في غداة واحدة ).

    والحديث رمز إليه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب بالتضعيف، فصدره بلفظ: (روي) ثم قال: رواه الطبراني والبيهقي بنحوه، وأهمل الكلام عليه في آخره، وعلى حسب شرطه فهو ضعيف، ولا شك أن في إسناده ضعفاً، لكن معناه من حيث الجملة تشهد له العمومات عن نعيم الجنات، وكما قلت: هو يقرر ما نتكلم عنه وهو أن الواحد له أكثر من زوجة، هذا المعنى تضافرت عليه روايات كثيرة صحيحة وضعيفة يعتضد بعضها ببعض.

    وفي إسناد هذا الأثر جسر بن فرقد ، قال الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء السابع صفحة واحدة وثلاثين وفي الجزء العاشر صفحة عشرين وأربعمائة؛ لأنه أورده في كتاب التفسير في تفسير سورة التوبة، وأورده بعد ذلك في وصف نعيم الجنة، قال: فيه جسر بن فرقد وهو ضعيف، وقد وثقه سعيد بن عامر .

    وانظروا هذا الحديث في كشف الأستار في الجزء الثالث صفحة اثنتين وخمسين في زوائد الإمام البزار ؛ لأنه تقدم معنا أن الحديث رواه البزار مع الطبراني وغيره، فالحديث فيه ضعف، لكن لا يصل -إن شاء الله- إلى درجة الترك والنكارة، ومن باب أولى إلى درجة الوضع، وقد بالغ الإمام ابن الجوزي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا فحكم على هذا الحديث بالوضع، فتعقبه أئمتنا وردوا الحكم عليه، والإمام ابن الجوزي -كما تقدم معنا مراراً- متساهل واسع الخطو في التضعيف، يضعف لأدنى علة، وقد يضعف أحياناً ما هو صحيح، ولذلك لا يعول على تضعيفه وعلى الحكم على حديث بالوضع إلا إذا وافقه وأقره من جاء بعده من أئمتنا الكرام عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه، ففي كتابه الموضوعات في الجزء الثالث صفحة اثنتين وخمسين ومائتين قال: هذا حديث موضوع في إسناده جسر بن فرقد ، قال يحيى بن معين : ليس بشيء ولا يكتب حديثه. وهذا الحكم لا يقتضي أن يكون من الوضاعين كما سيأتينا، وقال أبو حاتم : خرج عن حد العدالة. وقد وافقه في الحكم أو حكم قريباً من حكمه الإمام ابن كثير في النهاية في الجزء الثاني صفحة تسع وثمانين ومائة، فقال: هذا حديث غريب، بل الأشبه أنه موضوع، فإن هذا الخبر ضعيف جداً.

    استمع لهذه الأحكام الثلاثة: غريب، الأشبه أنه موضوع، ضعيف جداً، وحقيقة ما جرى من الإمام ابن الجوزي وبعده الإمام ابن كثير عليهم جميعاً رحمة الله من حكم على هذا الحديث بالوضع رده أئمتنا، قال الإمام ابن عراق في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة: جسر لم يتهم بكذب، يعني: كيف يحكم على الحديث بالوضع وجسر بن فرقد لم يتهم بكذب؟

    أما جسر بن فرقد -إخوتي الكرام- فروايته لا تصل إلى الوضع بحال كما قرر ذلك الإمام ابن عراق ، وهكذا الإمام السيوطي في اللآلئ المصنوعة، يقول الإمام الذهبي في المغني في الضعفاء في الجزء الأول صفحة ثلاثين ومائة في ترجمته: ضعفوه. وشتان بين أن تقول: ضعفوه وبين أن تقول: إنه كذاب وضاع، وقال عنه الإمام البخاري في التاريخ الكبير في الجزء الثاني صفحة ست وأربعين ومائتين: ليس بذاك. وهذه ليست من ألفاظ التجريح التي تقتضي بأن يكون الراوي وضاعاً، وأن تكون روايته موضوعة، وقال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان في الجزء الثاني صفحة خمس ومائة: قال أبو حاتم : كان صالحاً وليس بالقوي. وقال البزار كما نقل الإمام الهيثمي كلامه في كشف الأستار: لا نعلم أحداً رواه مرفوعاً إلا عمران بن حصين وأبا هريرة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ولا نعلم لهما طريقاً إلا هذا، يعني من طريق جسر بن فرقد ، وجسر لين الحديث. وهذا ليس مما يحكم به على رواية الراوي بالوضع، قال: وجسر لين الحديث، وقد حدث عنه أهل العلم، ولا يصح سماع الحسن عن أبي هريرة من رواية الثقات.

    وفي الحقيقة سماع الحسن من أبي هريرة مختلف فيه، وهو كسماع الحسن من سمرة بن جندب رضي الله عنهم أجمعين فإنه مختلف فيه، فهل سمع الحسن البصري من أبي هريرة ؟ ثبت التصريح في سنن النسائي في حديث المختلعات أن الحسن البصري قال: لم أسمع هذا الحديث إلا من أبي هريرة ، فقد صرح بالسماع، قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في الجزء الثاني صفحة سبعين ومائتين: وفي هذا دلالة على أن الحسن سمع من أبي هريرة في الجملة، ثبت لقاؤه به، وثبت سماعه منه، لكن لعله سمع منه حديثاً وحديثين، هذا موضوع آخر، لكن هذا تصريح من الحسن بالسماع، فقد قال: لم أسمع هذا إلا من أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه.

    إذاً: يقول البزار : فيه جسر ، ويقول: لم يثبت عند الثقات سماع الحسن من أبي هريرة ، قلت: ثبت في الجملة سماع الحسن من أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، وجسر بن فرقد تصحف ضبطه في تفسير الطبري إلى: حسن بن فرقد، وهذا خطأ في الطباعة، فهو جسر بن فرقد كما تقدم معنا، وتصحف في كتاب الزهد والرقائق لشيخ الإسلام عبد الله بن المبارك إلى: جعفر، وهذا خطأ في الطباعة.

    إذاً: الحديث -إخوتي الكرام- لا يصل -إن شاء الله- إلى درجة الوضع، نعم فيه ضعف، وله شواهد بإذن الله جل وعلا، والحديث أورده الإمام الغزالي في الإحياء، وخرجه شيخ الإسلام الشيخ عبد الرحيم الأثري في تخريج أحاديث الإحياء، انظروا الجزء الرابع صفحة اثنتين وعشرين وخمسمائة، وهو في شرح الإحياء في الجزء العاشر صفحة ثلاثين وخمسمائة، لكن من طريق آخر من غير طريق جسر بن فرقد ، رواه الآجري من طريق الحسن بن خليفة عن الحسن البصري عن أبي هريرة وعمران بن الحصين ، ولذلك قال شيخ الإسلام الإمام العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: الحسن بن خليفة قال أبو حاتم : لا أعرفه، قال العراقي : والحسن لم يسمع من أبي هريرة على قول الجمهور، والحديث لا يصح. قال الإمام ابن حجر في اللسان معلقاً على كلام شيخه شيخ الإسلام الحافظ العراقي عليهم جميعاً رحمة الله: كذا قال شيخنا في تخريج أحاديث الإحياء، ولم أره في كتاب ابن أبي حاتم . الحافظ يقول: ما رأيت للحسن بن خليفة ذكراً في كتاب الجرح والتعديل لـابن أبي حاتم ، وأنا أقول: إنه مذكور في الجرح والتعديل في الجزء الثالث صفحة عشرة، لكن بيض له ابن أبي حاتم فيما نقله عن والده، ولذلك بعد أن ذكر الحسن بن خليفة قال: روى عن (.....) نقاط، هذا معنى بيض له، ولم يتكلم عليه، روى عن... وانتهى، بيض له ابن أبي حاتم ولم يتكلم عليه، لكنه مذكور في الجرح والتعديل، فلعل هذا التبييض هو الذي دعا شيخ الإسلام الإمام العراقي أن يقول: قال أبو حاتم : لا أعرفه، ولو قال: بيض له لكان أدق.

    وقول الإمام ابن حجر : إنه لا يوجد هذا الكلام في الجرح والتعديل لـابن أبي حاتم ، كما قلت: هو مذكور في الجزء الثالث صفحة عشر والعلم عند الله، وقد جوز المعلق على كتاب لسان الميزان للحافظ ابن حجر أن يكون الحسن بن خليفة هو جسر بن فرقد ، وقال: الخليفة نسب إلى بعض أجداده، وأما جسر فيقول: فيما يبدو لي أنه يوجد تصحيف في ضبطه، وهذا كما تقدم معنا، يقول: يجوز ما أجزم.

    خلاصة الكلام: أن الرواية ضعيفة كما نص على ذلك شيخ الإسلام الإمام المنذري وغيره، والإمام الهيثمي فقال: جسر بن فرقد ضعيف، مع أنه وثقه سعيد بن عامر وغيره، لكن لا تصل الرواية إلى الوضع بحال، وفيها شاهد لما ذكرته، وهو أن كل من يدخل الجنة يتمتع بأكثر من زوجتين حيث يعطى لكل واحد قصر في الجنة من لؤلؤة فيها سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون، على كل فراش امرأة... إلى آخر الحديث.

    إذاً: يحصل للمؤمن أكثر من زوجتين في الآخرة والعلم عند الله جل وعلا.

    حديث أنس في مناداة الحور العين لأزواجهن ليتحولوا إليهن

    وهذا المعنى إخوتي الكرام! ثابت أيضاً في أحاديث كثيرة، منها ما رواه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط في الجزء العاشر صفحة ثماني عشرة وأربعمائة، والأثر رواه الإمام ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور في الجزء السادس صفحة تسع ومائة، وانظروه في الترغيب والترهيب في الجزء الرابع صفحة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وقال الإمام الهيثمي في المجمع: فيه سعد بن زربي وهو ضعيف. وسعد بن زربي قال عنه الإمام الذهبي في الكاشف في الجزء الأول صفحة خمس وثمانين ومائتين: ضعفوه، وهو من رجال الترمذي عليهم جميعاً رحمة الله.

    ولفظ الحديث: من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، يقول أنس : حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( حدثني جبريل قال: يدخل الرجل على الحوراء فتستقبله بالمعانقة والمصافحة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فبأي بنان تعاطيه؟ -أي: المصافحة والمعانقة- لو أن بعض بنانها بدا لغلب ضوءه ضوء الشمس والقمر )، وقد تقدم معنا أن هذا المعنى ثابت في الصحيحين من رواية أنس رضي الله عنه المتقدمة: ( لو بدت لأضاءت ما بين السماء والأرض، ولحجب ضوءها ضوء الشمس )، قال: ( ولو أن طاقة من شعرها بدت لملأت ما بين المشرق والمغرب من طيب ريحها، فبينا هو متكئ معها على أريكته إذ أشرف عليه نور من فوقه، فيظن أن الله جل وعلا قد أشرف على خلقه سبحانه وتعالى، فإذا حوراء تناديه: يا ولي الله! أما لنا فيك من دولة؟ )، أي: من نصيب، كما هذه تتمتع بك ينبغي أن يتمتع بك سائر نسائك الحسان، أن تتداول بيننا، وأن نتداولك، ولا تكون مقصوراً ومحصوراً على واحدة، ومنه: تداولته الأيدي، إذا أخذته هذه مرة وهذه مرة وهذه مرة، ومنه: صار المال دولة، أي: يتداولونه بينهم فيكون مرة عند هذا ومرة عند هذا.

    ( يا ولي الله! أما لنا فيك من دولة، فيقول: من أنت يا هذه؟ فتقول: أنا من اللواتي قال الله تبارك وتعالى: وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35]، فيتحول عندها، فإذا عندها من الجمال والكمال ما ليس مع الأولى، فبينا هو متكئ معها على أريكته وإذا حوراء أخرى )، هذه ثالثة الآن زادت على الثنتين، ( تناديه: يا ولي الله! أما لنا فيك من دولة؟ فيقول: من أنت يا هذه؟ فتقول: أنا من اللواتي قال الله عز وجل: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]، فلا يزال يتحول من زوجة إلى زوجة ). رواه الطبراني في الأوسط، ورمز الإمام المنذري أيضاً لضعفه فصدره بلفظ: (روي)، وقلت فيه سعد بن زربي وهو ضعيف كما قال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد.

    ذكر أثرين عن السلف الصالح يدلان على أن للمؤمن في الجنة أكثر من زوجتين

    والآثار في ذلك كثيرة منها ما هو من كلام نبينا عليه الصلاة والسلام، ومنها ما هو من كلام السلف الكرام من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فمن الآثار التي أريد أن أذكر أثرين ضمن هذه الأحاديث، ثم ننتقل إلى حديث صحيح ثابت في الصحيحين إن شاء الله.

    من هذه الآثار: أثر كعب الأحبار ، وكعب الأحبار هو من أئمة التابعين الأبرار، وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام ولم ير نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو كعب بن ماتع الحميري المعروف بـكعب الأحبار ، وحديثه مخرج في السنن الثلاثة في سنن أبي داود والنسائي والترمذي ، وروى له الإمام ابن ماجه لكن في تفسيره لا في سننه، وورد له ذكر في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة عن كعب ، وورد له ذكر في صحيح البخاري من حديث بين كعب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم أجمعين دون أن يروي عنه البخاري حديثاً مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، فهو له رواية مرفوعة في الكتب الثلاثة: أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في تفسيره، وله ذكر في صحيح مسلم وله ذكر في صحيح البخاري .

    وهو ثقة كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب: ثقة مخضرم، وقال الإمام الذهبي فى ترجمته في السير في الجزء الثالث صفحة تسعين وأربعمائة: كان حسن الإسلام متين الدين من نبلاء العلماء. وعليه فما يتكلم بعض الناس فيه، وأنه كان يهودياً فأسلم، لكن أراد أن يدس أخبار اليهودية في الإسلام، هذا كله من الضلال والأوهام لا ينبغي أن يخطر ببال عباد الرحمن، فهو عبد قانت صالح، وعاش ما يزيد على مائة سنة، وتوفي في أواخر خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه وعن الصحابة الكرام، وله حديث مع معاوية في صحيح البخاري ليس في أيام خلافته، لأن موته كان في آخر خلافة عثمان رضي الله عنهم أجمعين.

    وكان يقول كما في طبقات ابن عساكر : لأن أبكي قطرة من خشية الله أحب إلى من أتصدق بوزني ذهباً. فاسمع إلى هذا الأثر من رواية كعب الأحبار ، والإسناد صحيح إليه لكن من كلامه، وهذا لا يقال: له حكم الرفع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام؛ لاحتمال أنه أخذه عن أخبار أهل الكتاب، وكان يحدث بما في تلك الصحف، على كل حال يقال: هذا من الأخبار السماوية، إما أنه مما أخذه عن الصحابة عن خير البرية على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وإما أنه أخذه عما في الكتب السابقة، لكن تشهد له الأصول التي بين أيدينا من ديننا الثابت الصحيح.

    الأثر رواه ابن أبي شيبة في المصنف في الجزء الثالث عشر صفحة ست ومائة، ورواه هناد بن السري في الزهد في الجزء الأول خمس وخمسين عن كعب الأحبار رحمة الله ورضوانه عليه وعلى المسلمين أجمعين، قال: لو أن امرأة من نساء أهل الجنة بدا معصمها. والمعصم: هو موضع السوار من الساعد، لو بدا معصمها لأذهب ضوء الشمس. وهذا المعنى تقدم معنا أنه ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وفي رواية في كتاب الزهد لـعبد الله بن المبارك عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا عن كعب الأحبار قال: لو أن يداً من الحوراء تتدلى ببياضها، ولو أن خواتيمها دليت، لأضاءت لها الأرض كما تضيء الشمس لأهل الدنيا، ثم قال كعب : إنما قلت يدها، فكيف بالوجه ببياضه وحسنه وجماله وتاجه بياقوته ولؤلؤه وزبرجده؟! يعني لو دليت اليد والخواتيم فإن النور الذي يتلألأ فيها يذهب ضوء الشمس، وأجمل من ضوء الشمس في الدنيا، فكيف لو بدا الوجه وما فيه من نور وما على الرأس بعد ذلك من تاج بهذه الجواهر الكريمة؟!

    وماذا في النار؟ قال: ولو أن دلواً من غسلين دليت لمات من ريحها ما بين المشرق والمغرب. والغسلين هو طعام أثيم وخيم لا يأكله إلا الخاطئون.

    إخوتي الكرام! كما قلت: لكل رجل أكثر من زوجتين قطعاً وجزماً، والأخبار في ذلك كثيرة.

    وهذا أثر ثان عن بعض السلف الكرام، وهو أيضاً مخضرم كـكعب الأحبار ، وهو كثير بن مرة ، وهو ثقة، أدرك سبعين بدرياً، وقد وهم من عده من الصحابة، وقد روى له البخاري لكن في جزء القراءة خلف الإمام لا في صحيحه، وأخرج حديثه أهل السنن الأربعة، قال الإمام الذهبي : قلت: عداده في المخضرمين كـكعب الأحبار ، أدرك الجاهلية والإسلام ولم ير نبينا عليه الصلاة والسلام، إنما أدرك سبعين من أهل بدر، انظروا ترجمته الطيبة في تهذيب التهذيب وفي تذكرة الحفاظ في الجزء الأول صفحة واحدة وخمسين وفي سير أعلام النبلاء في الجزء الرابع صفحة ست وأربعين.

    يقول كثير بن مرة : إن من المزيد -أي المذكور في قوله تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35]- إن من المزيد في الجنة أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون يا أهل الجنة؟ ماذا تريدون أن أمطركم؟ قال: فلا يدعون بشيء إلا أمطرتهم. والأثر ثابت عن كثير بن مرة في كتاب الزهد والرقائق لشيخ الإسلام ابن المبارك صفحة سبعين، ورواه عبد الملك بن حبيب في كتاب أخبار الفردوس، ورواه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور في الجزء السادس صفحة تسع ومائة، قال كثير بن مرة : والله لئن أشهدني الله ذلك -إذا منَّ علي بالجنة، ومرت على السحابة وقالت: يا أهل الجنة! ماذا تريدون أن أمطركم؟- لئن أشهدني الله ذلك لأقولن لها: أمطري علينا جواري مزينات.

    الشاهد كما قلت: أن لكل واحد أكثر من زوجتين، فهو مع ما عنده يريد الزيادة عليه، يقول: إذا مرت علي هذه السحابة وقالت: ماذا تريدون أن أمطركم؟ أقول: أمطري جواري مزينات، وكما قلت إخوتي الكرام: إذا شوقنا الله إلى ما عنده من إكرام، فمن الكمال فينا أن نشتاق لذلك، وأن نتطلع إليه، ونسأل الله أن يكتب لنا من ذلك النصيب الأوفى إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

    حديث أبي موسى الأشعري: (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة.. للمؤمن فيها أهلون..)

    بعد هذين الأثرين أذكر خبراً في الصحيحين، وهو في أعلى درجات الصحة، وفيه دلالة واضحة ظاهرة على أن المؤمن يتمتع بأكثر من زوجتين، ولذلك قلت: لا منافاة بين الأعداد، ولا منافاة بين القليل والكثير لدخول القليل في الكثير والعلم عند الله الجليل.

    ثبت في المسند والصحيحين، والحديث في سنن الترمذي ، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه، ورواه عبد بن حميد في مسنده، وابن مردويه في تفسيره، وابن حبان في صحيحه، وأبو الشيخ في كتاب العظمة في صفحة ست وستين ومائتين، ولفظ الحديث: من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه، عن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: ( إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها في السماء ستون ميلاً )، وفي رواية: ( عرضها ستون ميلاً )، وإذا كان عرضها ستون ميلاً فالغالب أن يكون الطول أكثر، والستون ميلاً قرابة مائة كيلو متر، قال: ( للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضاً ).

    أخرجه البخاري ومسلم ، وفي رواية الترمذي : ( إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً، في كل زاوية منها للمؤمن أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم )، وفي رواية ذكرها رزين : ( إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً، ما فيها وصم ولا فصم )، أما الوصم: فهو الصدع والعيب، أي: ما فيها عيب ولا فيها نقص، وأما الفصم: فهو الكسر من غير فصل، إذا كسر الشيء ولم يبن ولم ينفصل يقال له: فصم، يعني لا عيب فيها ولا كسر.

    ( في كل زاوية منها للمؤمن أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ).

    إخوتي الكرام! بعد هذه الأحاديث عندنا حديث طويل لعله سيأخذ صفحتين، وقد تأخذ قراءته ساعة مع شيء من التعليق عليه، وهو من رواية سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وإسناده صحيح، أتكلم عليه في أول الموعظة الآتية إن شاء الله، ففيه وصف لنساء أهل الجنة، وفيه بيان ما يغدق الله على عباده المؤمنين من الجود والفضل والكرم في جنات النعيم، وفيه أيضاً إظهار لعدل الله جل وعلا في عرصات الموقف وساحة الحساب.

    هذا الحديث بطوله، ومحل الشاهد منه الذي يتعلق بمبحثنا وهو وصف النساء الحسان في غرف الجنان، حقيقة مما ينبغي أن ينتبه له المؤمن؛ لأنه جمع هذه الأمور فيما يتعلق بما يقع في يوم الفصل، ثم بإكرام الله لأوليائه في دار كرامته، ومن جملة ذلك ما في الحور الحسان من صفات كريمة في غرف الجنان.

    والحديث سوف يأتينا الكلام عليه ونتدارسه -إن شاء الله- في الموعظة الآتية، إنما إن شئتم أن تراجعوه وأن تستحضروه قبل الموعظة الآتية فانظروه في المجمع في الجزء العاشر صفحة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وسيأتينا من رواه، وإسناده صحيح كما سنذكر هذا إن شاء الله في الموعظة الآتية إن أحياناً الله، ليبقى علينا بعد ذلك بيان عددهن حسبما نقل عن أئمتنا، ثم بيان غنائهن، ثم بيان لذة التمتع بهن، لعلني أنتهي من هذا -بإذن الله- في الموعظة الآتية لننتقل بعد ذلك إلى الحكمة الخامسة إن أحياناً الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشياخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لمن جاوره من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.