إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مباحث النبوة - وصف الحور العين في الكتاب والسنة [1]

مباحث النبوة - وصف الحور العين في الكتاب والسنة [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن مما يشوق المسلم إلى لقاء ربه ما في الجنة من نعيم عظيم أعد لأهلها، ومن أعظم نعيم الجنة الحور العين اللاتي خلقهن الله تعالى وأحسن خلقهن، فقد بلغن في الحسن والجمال والكمال غايته ومنتهاه، وقد جاء وصفهن في سنة النبي صلى الله عليه وسلم بما يحير الألباب، ويبهر العقول، ويشحذ الهمم للمسابقة والمنافسة على الظفر بهن في جنات الخلود.

    1.   

    وصف الله تعالى للحور العين بأنهن عرب وأبكار

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس الفصل المستطرد، وقلت: هذا الفصل له عدة جوانب، الجانب الأول منها في المقاصد العامة والحكم الأساسية من مشروعية النكاح، وقلت: لذلك حكم كثيرة أبرزها خمس حكم:

    أولها كما تقدم معنا: تحصين النفس البشرية من كل آفة ردية، حسيةً كانت أو معنوية.

    وثاني الحكم: إيجاد الذرية التي توحد رب البرية.

    وثالث الحكم: تحصيل الأجر للزوجين عن طريق حسن عشرة كل منهما لصاحبه، ونفقته عليه.

    ورابع هذه الحكم: تذكر لذة الآخرة.

    وخامس الحكم، وهي التي سنتدارسها فيما يأتي من المواعظ إن شاء الله: ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه وبأهل زوجه وأقاربه.

    كنا نتدارس الحكمة الرابعة -إخوتي الكرام- ألا وهي: تذكر لذة الآخرة، وتقدم معنا أن هذه الشهوة محبوبة للنفس، بل هي أعظم المشتهيات في هذه الحياة، ومع ذلك ففيها ما فيها من النقائص والآثام، ومع ذلك تتعلق بها النفس، وإذا كانت النفس تتعلق بهذه الشهوة واللذة مع ما فيها من نقص وعكر وكدر، فمن باب أولى ينبغي أن تتعلق بهذه الشهوة في الدار الآخرة، فهناك لا نقص فيها بوجه من الوجوه.

    وبعد أن قررت هذا بشيء من الكلام فيما مضى، تدارسنا في الموعظة الماضية وصف الحوريات كما جاء في محكم الآيات، وبينت أن الله أخبرنا أن الأزواج في الجنات مطهرات، وقلت: إن هذه الطهارة شاملة للطهارة الحسية والمعنوية، الطهارة في الخلق والخلق، فخلقهن أحسن ما خلق الله سبحانه وتعالى، وخلقهن أكرم ما أبدع الله سبحانه وتعالى، أخلاق كريمة، وخلقة حسنة جميلة مستقيمة.

    فهن طيبات مطيبات، طاهرات خيرات صالحات فاضلات، حسان جميلات، لو نظرت إلى وجهها لرأيت صورتك في خدها، ولو نظرت إلى بدنها لرأيت صورتك في كبدها، ولو نزلت النظر فنظرت إلى ساقيها لرأيت مخ ساقها من فوق سبعين حلةً تكسى بهن، ومع ذلك هذا الجمال يخرق سبعين حلة فيظهر مخ الساق من جمالها وتلألئها، نسأل الله أن يمن علينا بذلك مع رضوانه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    إخوتي الكرام! تقدم معنا وصف الحوريات وذكرت شيئاً من أوصافهن، فمن ذلك: أنهن حور عين، وكواعب أتراب، ومن أخلاقهن أنهن قاصرات الطرف، وهن مقصورات في الخيام، وقلت: هذه الصفة من الصفات المستحسنة في النساء في الدنيا وفي الآخرة، فكلما كانت المرأة قعيدة بيتها كان أجمل لها وأتقى لربها.

    فقد ثبت في مسند الإمام أحمد من زيادات ولده عبد الله عليهم جميعاً رحمة الله، وانظروا الأثر في الجزء السابع عشر صفحة ثلاث وثلاثمائة في الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وإسناد الأثر صحيح عن سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: ألا تغارون؟ ألا تستحيون؟ إنه بلغني أن نساءكم يخرجن إلى الأسواق يزاحمن العلوج. والعلج: بوزن عجل قيل: هو الرجل الغليظ الخشن، ويطلق على الرجل الكافر، فخروج النساء ومزاحمتهن للرجال في الأسواق هذه منقصة، ولذلك ما طاب نساء الجنة إلا بهذا الوصف الكريم: فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ [الرحمن:56]، مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72].

    إخوتي الكرام! آخر ما ذكرته آية في سورة الواقعة وكنا نتدارسها وهي قوله تعالى: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة:35-38] .

    وقلت: البكارة جمال خلقي حسي في المرأة، وكونها تتحبب إلى زوجها وتعشقه وتميل إليه فهي عروب، وهذا جمال معنوي: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة:35-38]، فجمعت بين هاتين الفضيلتين: الفضيلة الحسية الخلقية، والفضيلة المعنوية الخلقية، فهي تتعلق بزوجها أكثر من تعلقها بنفسها، وتحبه وتميل إلى مباشرته لها، وهي بعد ذلك فيها هذا الكمال الذي تميل إليه طبيعة الرجال ألا وهي البكارة.

    وكنت قد بينت -إخوتي الكرام- منزلة البكارة، وأنها لها شأن عند الرجال من بني الإنسان، وتقدم معنا ما يدل على هذا من أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام في استحباب نكاح البكر، ومن ذلك قوله -كما تقدم معنا وهو صحيح- لسيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين: ( ما لك وللعذارى ولُعباها ) ويجوز (ولِعابها)، وقد تقدم معنا تخريج الروايات وبيان معناها.

    الحكمة من اقتصار النبي على بكر واحدة من بين زوجاته

    إخوتي الكرام! البكارة لها شأن، فإذا كان الأمر كذلك فقد يقول قائل: لمَ لم يتزوج نبينا عليه الصلاة والسلام من نسائه اللاتي دخل بهن بكراً إلا واحدةً، وهي أمنا السيدة المباركة عائشة رضي الله عنها وأرضاها؟ إذا كانت البكارة كمال، ونبينا عليه الصلاة والسلام في وسعه وفي إمكانه أن يتزوج الأبكار، فلمَ لم يتزوج إلا واحدةً من نسائه بكراً؟

    نقول: لذلك حكم كثيرة، منها ما تعود إلى النساء، فجبراً لخاطر الثيبات، فإن الراغب فيهن قليل، ولذلك نبينا الجليل عليه صلوات الله وسلامه جبر خاطرهن، فآثر الثيبات على الأبكار جبراً لخواطرهن، هذه حكمة أولى.

    الأمر الثاني: لئلا يتمتع في هذه الحياة التمتع الزائد الكامل، فالدنيا ليست بدار تمتع، فاختار الدون على العالي الرفيع الكامل من أجل ألا يستغرق في التمتع في هذه الحياة عليه صلوات الله وسلامه.

    الأمر الثالث: لأجل مصلحة الأمة، فإن الثيب في الغالب تكون أوعى من البكر وأضبط، ولذلك اختار الثيبات من أجل أن يحفظن عنه عليه الصلاة والسلام حياته وأحواله لينقلنها بعد ذلك إلى أمته عليه صلوات الله وسلامه.

    والحكمة الرابعة في ذلك: لعله إشارة من ربنا جل وعلا أنه لم يهيئ لنبينا عليه الصلاة والسلام إلا أمنا عائشة من الأبكار للإشارة إلى أن هذه الزوجة تعدل بقية الزوجات، فما ينبغي أن تشاركها زوجة في تلك الصفة، نعم أمنا خديجة لها مكانة عالية، ولم يعدد نبينا عليه الصلاة والسلام، ولم يتزوج على أمنا خديجة ، لكن لما ماتت رضي الله عنها وأرضاها تزوج من الثيبات والأبكار، فلم يتزوج إلا بكراً، وبعد ذلك ثيبات كثيرات، كلهن لو وضعن في كفة وأمنا عائشة في كفة لساوتهن أو لرجحت عليهن عليها وعليهن وعلى نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فتلك أُكرمت بأنه ما جعل معها شريكة لها وهي أمنا خديجة .

    وأفضل نساء هذه الأمة ونساء العالمين هؤلاء النسوة الثلاث: أمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها، وأمنا عائشة ، وسيدتنا فاطمة الطاهرة المطهرة في هذه الأمة، ومريم وآسية في الأمم السابقة، أما في هذه الأمة فهؤلاء الثلاث النسوة هن مقدمات بالإجماع، وقلت: كل واحدة لها مزية ليست موجودة في الأخرى، وهن كسبائك الذهب الخالص التي تختلف في الأشكال، لكن الوزن واحد، فهذه مربعة وهذه مثلثة وهذه مسدسة وما شاكل هذا، على نبينا وآل بيته وأصحابه صلوات الله وسلامه.

    فلهذه الحكم آثر نبينا عليه الصلاة والسلام الثيبات على الأبكار، ولم يأخذ إلا بكراً واحدة فداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا وعليه صلوات الله وسلامه.

    ذكر حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار وما يستفاد منه في الدلالة على منزلة البكر

    إذاً: البكر لها شأن كبير، ولذلك تقدم معنا أنه يقال للبكر: إنها لا زالت بخاتم ربها، فلها شأن، وقد ثبت في الصحيحين من حديث سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن نبينا عليه الصلاة والسلام في قصة الثلاثة من الأمم السابقة الذين آووا إلى غار، ونزلت صخرة فسدت عليهم باب الغار، فقالوا: لا ينجيكم من هذه الشدة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فالأول توسل إلى الله ببره لأبويه، وأنه كان لا يسقي أحداً من أهله ولا من خدمه ولا من ماله قبل أبويه، فتأخر به الرعي في يوم من الأيام وعاد وقد نام والداه، فحمل قدح اللبن بيده ينتظر استيقاظهما حتى بزغ الفجر، والصبية يتضاغون عند رجليه، ثم قال: اللهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئاً غير أنهم لا يستطيعون الخروج.

    والثاني -وهو محل الشاهد- قال: ( اللهم إنه كانت لي ابنة عم وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، وكنت أراودها على نفسها فتأبى حتى نزلت بها سنة من السنين )، أي: شدة وقحط وحاجة في بعض السنوات، ( فجاءتني ومالت إلى ما كنت أريد منها على أن أعطيها دنانير، فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، فلما أراد أن يفعل ما حرمه الله ارتجفت وقالت: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه )، وكما قلت: الخاتم هو غشاء البكارة، قال: فقمت عنها وتركت ما أعطيتها من الدنانير، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج.

    والثالث أخبر أنه كان عنده أجراء، فلما أنهوا عملهم أعطاهم أجرتهم غير واحد سخط أجرته واستقلها، مع أنه ما ظلمه، لكن بعض العمال يشتطون في طلب الأجر في نهاية العمل، ويقول: أعطني زيادة، مع أنه مخالف لما اتفقوا عليه، فسخط أجرته وذهب، فنمى له أجرته، حتى احتاج بعد سنين طويلة إلى المال فجاء وقال: أعطني أجرتي يا عبد الله، قال: كل ما تراه في هذا الوادي بين جبلين من الإبل والغنم والبقر مالك، هذا من أجرتك، خذه ولا تترك منه شيئاً، قال: لا تسخر بي يا عبد الله! أعطني أجرتي، قال: لا أسخر بك، هذا مالك نميته لك، بدل من أن يبقى مجمداً عملت فيه، فكل ما تراه مالك فخذه، بارك الله لك فيه، يقول: فاستاقه ولم يترك منه شيئاً، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يسعون، والحديث -كما قلت- في الصحيحين.

    تعليق الإمام ابن الجوزي على حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار

    للإمام ابن الجوزي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا تعليق بديع حول فعل هؤلاء الثلاثة، وقد ذكر التعليق في مكانين في صيد الخاطر في صفحة ثمان عشرة ومائة، وفي صفحة تسع وعشرين وثلاثمائة، أما التعليق الأول وحقيقةً هو في منتهى الوجاهة، وخلاصته: أن هؤلاء إذا توسلوا إلى الله جل وعلا بحفظ الله لهم، وصيانته لهم، فهم توسلوا به إليه فقد أحسنوا، ونعم ما فعلوا، وإذا لاحظوا أعمالهم وتوسلوا بما قاموا به من أعمال صالحة، قال: فهذه درجة ناقصة قاصرة؛ لأنهم ما شهدوا المنعم، ونظروا إلى صدور هذا الفعل منهم دون أن يشهدوا أن هذا من منة الله عز وجل، فهم بين حالتين: إن توسلوا إلى الله بعصمة الله لهم، وبحفظ الله لهم، وبصيانة الله لهم أحسنوا، وإلا فهم في درجة نازلة، ولذلك في المكان الثاني ذكر الوجه الثاني فقط من توسلهم، وأنهم توسلوا إلى الله بعملهم، ثم قال: فإن أحدهم توسل بعمل كان ينبغي أن يستحي من ذكره، وهو أنه عزم على الزنا ثم خاف العقوبة فتركة، وكأنهم عملوا أعمالاً وطلبوا من الله أجراً عليها، وكأنه عندما جرى منهم ما جرى قال الله: اعطوهم ما طلبوا، وفرج عنهم، فإنهم يطلبون أجرة ما عملوا، فكافأهم على أعمالهم، فانفرجت الصخرة، وهذا الكلام من أحسن ما قيل في توجه هذا المعنى، مع أنني ما رأيت هذا الكلام لغيره من أئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين.

    التعليق الأول يقول فيه: إذا عملت خيراً فاحمد الله، وهذا كما قال ربنا في الحديث القدسي في صحيح مسلم في حديث أبي ذر الطويل : ( فمن وجد خيراً فليحمد الله )، هذا يا عبد الله من الله فهو الذي وفقك فاحمده، فلا تدل ولا تمن، ( ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ).

    يقول الإمام ابن الجوزي : تأملت قوله عز وجل: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17]، في آخر سورة الحجرات، يقول: فرأيت فيه معنىً عجيباً، وهو أنه لما وهبت لهم العقول، من الذي وهب لهم العقول؟ ربنا العزيز الغفور، لما وهبت لهم العقول فتدبروا بها عيب الأصنام يعني عرفوا أن الأصنام لا يجوز أن تعبد من دون ذي الجلال والإكرام، وعلموا أنها لا تصلح للعبادة، فوجهوا العبادة إلى من فطر الأشياء وخلقها على غير مثال سابق، كانت هذه المعرفة -انتبه- ثمرة العقل الموهوب لهم الذي به باينوا البهائم، فإذا آمنوا بفعلهم الذي ندب إليه العقل الموهوب -يعني: حث عليه العقل- فقد جهلوا قدر الموهوب، وغفلوا عمن وهب، وأي شيء لهم في الثمرة والشجرة ليست ملكاً لهم، هذا العقل ملك من؟ ومن هبة؟ ومن أعطاه؟ إنه الله، فإذا قادك العقل إلى فضيلة فاشكر من وهب لك العقل حتى فعلت تلك الفضيلة، ولا تقل: أنا فعلت وعملت، بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17]، يقول: فعلى هذا فكل متعبد ومجتهد في علم وعمل إنما رأى بنور اليقظة وقوة الفهم والعقل صواباً فوقع على المطلوب، فينبغي أن يوجه الشكر إلى من بعث له في ظلام الطبع القبس، يعني: أعطاه نوراً في ظلام طبعه فميز به بين الأشياء.

    ومن هذا الفن حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار، فانحطت عليهم الصخرة فسدت باب الغار، فقالوا: تعالوا نتوسل بصالح أعمالنا، فقال كل منهم: فعلت كذا وكذا -انتبه للتعليل الأول- وهؤلاء إن كانوا لاحظوا نعمة الواهب للعصمة عن الخطأ فتوسلوا بإنعامه عليهم الذي أوجب تخصيصهم بتلك النعمة عن أبناء جنسهم، فبه توسلوا إليه. ونعم ما فعلوا. نتوسل إلى الله بالله، بفضل الله عليهم وليس بعمل منهم، يقولون: منك وإليك، كما عصمتنا وأكرمتنا ببر الوالدين، وحفظتنا من العقوق، وأكرمتنا بالعفة وصنتنا من الزنا، وأكرمتنا بالأمانة وحفظتنا من الخيانة، هذا كله فضل منك، كما تفضلت علينا فيما سبق أكمل فضلك فيما لحق وطرأ بنا.

    وكما تقدم معنا قاعدة يذكرها الإمام الرازي بكثرة في تفسيره يقول: الشروع ملزم في مذهب النعمان ، فكيف في كرم الرحمن. والنعمان هو أبو حنيفة عليه رحمة الله، ففي مذهبه إذا شرعت في نافلة وجب عليك أن تتمها، ولا يجوز أن تقطعها، وإذا قطعتها أثمت وعليك القضاء؛ لأن الله يقول: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33]، فالشروع ملزم في مذهب النعمان ، فكيف في كرم الرحمن، فالذي أنعم عليك فيما سبق من باب أولى لن ينساك فيما يأتي سبحانه وتعالى.

    فهم إذاً توسلوا به إليه، قال: وإن كانوا لاحظوا أفعالهم، فلمحوا جزاءها ظناً منهم أنهم هم الذين فعلوا، فهم أهل غيبة لا حضور، ويكون جواب مسألتهم لقطع مننهم الدائمة. فهؤلاء يقولون: يا ربنا أطعنا الوالدين، يا ربنا صنا أنفسنا عن الزنا، يا ربنا قمنا بالأمانة وأدينا الحقوق إلى أهلها، يمنون، فقال: أعطوهم جزاءهم.

    قال: ومثل هذا رؤية المتقي تقواه، حتى إنه يرى أنه أفضل من كثير من الخلق، وربما احتقر أهل المعاصي وشمخ عليهم، وهذه غفلة عن طريق السلوك. فإياك أن تدل على الله بتقواك وإيمانك، ورب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.

    وأنا أقول -إنك كما يقول الإمام ابن الجوزي-: لا يعني هذا أنك تحب العاصي وتحترمه وتجله وتجعله فوقك، إنما الحظ دائماً أن يكون هواك تبعاً لشرع مولاك، لا أنك أطعت فصار لك مكانة، وإذا مر العاصي تحتقره وتتكبر عليه، فاتق الله في نفسك يا عبد الله! أنت أطعت بفضل الله، وذاك عصى بعدل الله، فاحمد الله أنه ما خذلك، وما خلى بينك وبين نفسك، وأعظم كرامة لك ألا يكلك الله إلى نفسك، وإذا وكلك إلى نفسك هلكت، وإذا وكلك إلى الخلق ضعت، فاحمد الله أنه عصمك وحفظك، بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17].

    ثم قال في المكان الآخر: إذا تم علم الإنسان لم ير لنفسه عملاً، وإنما يرى إنعام الموفق لذلك العمل الذي يمنع العاقل أن يرى لنفسه عملاً أو يعجب به، وذلك بأشياء، منها: أنه وفق لذلك العمل، كما قال الله جل وعلا: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:7].

    ومنها: إنه إذا قيس بالنعم لم يف بمعشار عشرها. ما تقوم به من عمل صالح إذا قيس بنعم الله عليك لا يفي بعشر معشار فضل الله عليك، ونعم الله عليك، ولو حفظت طاعتك من أولها لآخرها لما وفت نعمة العين ولا نعمة اللسان ولا نعمة الأذن، فعلام تدل؟ وبأي شيء تعجب؟

    ومنها: أنه إذا لوحظت عظمة المخدوم -وهو الحي القيوم سبحانه وتعالى- احتقر كل عمل وتعبد. يعني إذا لاحظت أن من تعبده عظيماً جليلاً فإنك تحتقر عملك ولا تدل به وترى أن هذا العمل لو قدم إلى زبال لرفضه وقال: هذا لا يليق أن يقدم إلي، فكيف أنت تقدمه إلى ذي العزة والجلال؟! أعمال مشوبة بسهو وغفلة وتقصير، وبعد ذلك تريد أن تدل! إذا لاحظت عظمة من تعبده احتقرت كل عمل، هذا إذا سلم من شائبة وخلص من غفلة، أما والغفلات تحيط به فينبغي أن يغلب الحذر من ربه، ويخاف العتاب على التقصير فيه، فيشتغل عن النظر إليه.

    وتأمل على الفطناء أحوالهم في ذلك، فالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، قالوا: (ما عبدناك حق عبادتك)، والخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام يقول: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:82]، خليل الرحمن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو الذي جعل قلبه للرحمن، وبدنه للنيران، وماله للضيفان، وولده للقربان، وهو خليل الرحمن، يقول: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:82]، وما أعجب ولا افتخر، وما أدل بتصبره على النار، وتسليمه الولد إلى الذبح.

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما منكم من ينجيه عمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته..)، إلى آخر ما ذكر من آثار، ثم قال: وقد روي عن قوم من صلحاء بني إسرائيل ما يدل على قلة الأفهام لما شرحته؛ لأنهم نظروا إلى أعمال فأدلوا بها.. ثم بعد أن ذكر قصة انتقل إلى قصتنا، فقال: وكذلك أهل الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة. وكلامه هذا على الوجه الثاني من الوجهين اللذين ذكرتهما في كلام سابق، وهو أنهم توسلوا بعملهم، فهم توسلوا بما هو مشروع، لكن هذا يدل على رتبة منحطة نازلة، وما شاهدوا فضل الله عليهم فما توسلوا به إليه، فتوسلوا بعملهم إلى ربهم، وهو وإن كان جائزاً لكنه درجة نازلة. قال: وكذلك أهل الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة، فإن أحدهم توسل بعمل كان ينبغي أن يستحي من ذكره، وهو أنه عزم على الزنا ثم خاف العقوبة فتركه، فليت شعري بماذا يدل -يعني يفتخر ويعجب- من خاف أن يعاقب على شيء فتركه تخوف العقوبة؟ أي أنه تركه لئلا يعاقب، فكيف بعد ذلك يفتخر؟

    يقول: فليت شعري بماذا يدل من خاف أن يعاقب على شيء فتركه تخوف العقوبة؟ إنما لو كان مباحاً فتركه كان فيه ما فيه، ولو فهم لشغله خجل الهمة عن الإدلال. يعني لو كان عنده يقظة لاستحضر أنه كيف يراود هذه المرأة فترات طويلة، وهذا يشغله عن الإدلال والافتخار واستحضار تركه لما عزم عليه، كما قال نبي الله يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي [يوسف:53]. وحقيقة هذا الكلام من كلام امرأة العزيز، لكن ابن الجوزي يرى أنه من كلام نبي الله يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    يقول: والآخر -وهو الثاني- ترك صبيانه يتضاغون إلى الفجر ليسقي أبويه اللبن، وفي هذا البر أذى للأطفال. فإنه كان بإمكانه أن يسقي الأطفال، ويترك كأساً جاهزاً عند والديه، متى ما استيقظا قدمه إليهم، فهو بر لكن معه أذى، فلم تدل الآن بعملك؟ أنت أحسنت وأسأت من الناحيتين، قال: ولكن الفهم عزيز، وكأنهم لما أحسنوا قال لسان الحال: أعطوهم ما طلبوا، فإنهم يطلبون أجرة ما علموا، ولولا عزة الفهم ما تكبر متكبر على جنسه، ولكان كل كامل خائفاً محتقراً لعمله حذراً من التقصير في شكر ما أنعم الله عليه، وفهم هذا المشروح -الذي ذكره- ينكس رأس الكبر، فما يتكبر أحد، ويوجب مساكنة الذل، فتأمله فإنه أصل عظيم.

    هذا كلام الإمام ابن الجوزي في التعليق على هذا الحديث، وهو فائدة عجيبة ما رأيت أحداً من شراح الحديث من أئمة الإسلام، ذكر هذا المعنى ولا تعرض له، بل أئمتنا في كتب التوحيد عندما يذكرون جواز التوسل إلى الله بالعمل الصالح لا يعلقون على هذا بما ذكره الإمام ابن الجوزي ، وما علمت أحداً ذكره، لا قبله ولا بعده، ولذلك ذكرته هنا.

    ميل الرجل واشتهاؤه للبكر أكثر من الثيب

    الشاهد إخوتي الكرام: أن البكارة كمال في المرأة: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا [الواقعة:35-37]، كمال حسي، كمال خلقي، ولذلك يقال للبكر: إنها بخاتم ربها.

    ومما قاله الظرفاء من أئمتنا الأتقياء فيما يتعلق بشأن البكارة، كما في كتاب الكناية والتعريض للإمام الثعالبي، وعندنا اسمان يقال لكل منهما: الثعلبي والثعالبي، الأول: أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل، توفي سنة ثلاثين وأربعمائة للهجرة، وهو صاحب كتاب صفة الدهر، وله كتاب: الكناية والتعريض، وهو اللغوي الأديب، وهو غير المفسر بل شيخ المفسرين الذي هو شيخ الإمام الواحدي، وهو أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم، وبينهما ثلاث سنوات في الوفاة، فالمفسر توفي سنة سبع وعشرين وأربعمائة، واللغوي الأديب سنة ثلاثين وأربعمائة، وترجمة الثاني بعد الأول مباشرةً في سير أعلام النبلاء، بدأ بالمفسر، ثم قال: وأما الأديب اللغوي فهو أبو منصور عبد الملك، انظروا ترجمة هذين العبدين الصالحين في سير أعلام النبلاء في الجزء السابع عشر صفحة سبع وثلاثين وأربعمائة.

    والمفسر له كتاب: الكشف والبيان في تفسير القرآن، والإمام الألوسي في روح المعاني ينقل منه بكثرة، وكتابه لو طبع أكبر من تفسير الإمام ابن جرير ، وما أظنه ينقص عن ثلاثين مجلداً من المجلدات الكبيرة، ولعله لو حقق يبلغ الخمسين، يقال: يوجد أربعة أجزاء مخطوطة منه في مكتبة الأزهر، لكن لا توجد نسخة كاملة على حسب علمي في مكان ما.

    يقول الإمام الأديب الذي هو أبو منصور في كتابه الكناية والتعريض، في صفحة أربع عشرة، في بيان منزلة البكارة وشأنها، يذكر أبياتاً في منتهى الظرافة، يقول:

    قالوا عشقت صغيرةً فأجبتهم أشهى المطي إلي ما لم يركب

    كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة لبست وحبة لؤلؤ لم تثقب

    حقيقةً الفارق كبير، أشهى المطي ما لم يركب، كذلك اللؤلؤة إذا ثقبت ولبست تقل قيمتها، وحبة اللؤلؤ كلما كانت كما هي لم تثقب كلما غلت قيمتها، وإذا ثقبت لتجعل نوعاً معيناً خفت قيمتها، فالحبة من اللؤلؤ التي لم تثقب قد تكون قيمتها ضعف الحبة التي ثقبت. وهذا ما عليه أعراف الناس، وقد أدركت أعراف بعض الناس في بعض البلاد عندهم مهر البكر عشرون ألفاً، ومهر الثيب عشرة آلاف، فالثيب مهرها أقل.

    ولذلك امتن الله على أهل الجنة بأنه جعل لهم النساء أبكاراً: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا [الواقعة:35-37].

    وتقدم معنا كلام الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في الرد على هوس بعض المهوسين من الأطباء عندما حذر من نكاح البكر، وفضل نكاح الثيب على البكر، وقلت: هذا عدا عن مخالفته لنصوص الشرع، فهو مخالف للفطرة السليمة المستقيمة التي فطر الله عباده عليها.

    إشكال في تفضيل البكر على الثيب مع أن الحور في الجنة سيرجعن ثيبات بعد الوطء والجواب عليه

    إخوتي الكرام! قد يقول قائل -كما ذكر هذا الإمام ابن القيم في كتاب روضة المحبين صفحة أربع وأربعين ومائتين-: هذه الصفة التي امتن الله بها علينا وهي البكارة في النساء، هذه تزول بأول وطء، فتعود إذاً الزوجة التي في الجنة ثيباً، سواء كانت حورية أو من نساء الدنيا، لأنها إذا وطئت زالت البكارة، فكيف يمتن علينا بأنهن أبكار، مع أن البكارة ستزول بعد الطمث بعد المباشرة؟ قال الإمام ابن القيم : لذلك جوابان:

    الجواب الأول: أن المقصود من نكاح البكر أنها لم تذق عسيلة أحد قبله، ما اتصلت بأحد قبله، فلم تتوزع محبة قلبها بين أزواجها، وذلك أدوم لدوام العشرة، هذا بالنسبة لها، فقلبها مجتمع على هذا الذي افتضها وكانت معه، ما توزع قلبها بينه وبين غيره من أزواجها الذين تناوبوا عليها، إذاً هذا أجمع لقلبها، فأحبته محبة كاملة.

    قال: وأما بالنسبة للواطئ فهي أيضاً معتبرة، فإنه يرعى روضةً أُنفاً. يعني مستأنفة لم يرعها أحد كما تقدم معنا في حديث أمنا عائشة رضي الله عنها: ( إذا نزلت في وادٍ ووجدت شجراً قد رعي، وشجراً لم يرع، في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال: في التي لم يرتع منها ).

    وقد أشار الله إلى هذا في كتابه فقال في وصف نساء أهل الجنة: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:56]، ثم بعد ذلك تستمر لذة الوطء وإن زالت البكارة؛ لأنه يعلم أنها ما زالت بكارتها من قبل غيره، فكأنها لا زالت بكراً عنده في جميع أحوالها وإن لم تكن بكراً، هذا الجواب الأول الذي ذكره شيخ الإسلام الإمام ابن قيم الجوزية .

    ويذكر الإمام ابن الجوزي في كتاب الأذكياء صفحة خمس وعشرين ومائتين: أن بعض الناس أراد أن يشتري أمة، فعرض عليه أمتان وهما في سن واحد، وأحدهما بكر والأخرى ثيب، والبكر أغلى قيمة من الثيب، فاختار البكر، فقالت له الثيب: لم أخذتها وترتكني وفارق القيمة كبير وليس بيني وبينها إلا ليلة واحدة؟ فتلا قول الله: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47]، كأنه يقول: ليلة واحدة، لكن حصل فيها نقص كبير.

    وقلت لكم إخوتي الكرام: إن المرأة أحوالها تختلف في النكاح عن الرجل، فهي بكر، ثم ثيب، ثم حامل، ثم مرضع، هذه كلها أوصاف تعتري المرأة والرجل لا يعتريه شيء من ذلك، سواء كان عازباً، عنده زوجة أو لا، طلق أو لم يطلق، ولذلك كم ستضرر المرأة عند حصول الطلاق عليها؛ لأنها أسماء اختلفت فيها فكانت بكراً مرغوبة، ثم صارت ثيباً، ثم إذا ولدت ضاق القلب، وكلما كثر الأولاد ضاق القلب؛ لأنه بحمل المرأة لو قلت: يذهب نصف جمال المرأة في الدنيا عندما تحمل وتلد ولداً واحداً لما بالغت، ثم الشباب، وتلك النضرة التي فيها والبهجة هذا كله زال بمجرد ما ترضع، فوضع الصدر تغير، وشكلها تغير، وهذا حال الدنيا كما تقدم معنا.

    فالإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا يقول: هي بكر في الأصل وإن زالت عنها هذه الصفة بعد ذلك في الجنة، لأنه يعلم أن هذه ما وزع قلبها بينه وبين غيره، ويميل إليها، ويعلم أنه يرعى عشباً ما رعاه أحد قبله، وهذا أدوم للعشرة، وأقوى في المحبة.

    الأمر الثاني -وهو أوجه القولين وسيأتينا تقريره ضمن الأحاديث- قال: روي في الآثار أن أهل الجنة كلما وطئوا نساءهم عدن أبكاراً، كلما أتاها وجدها بكراً، فمنة ربنا علينا باقية، ولا تزول هذه البكارة بالوطء الأول، وهذا لا يمكن أن يحصل في الدنيا بحال، وهذا سيأتينا تقريره -إن شاء الله- ضمن الأحاديث التي سوف تأتي.

    وصف الله تعالى للحور العين بأنهن عرب

    قال تعالى: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا [الواقعة:35-37]، قوله: (عرباً)، هذا كمال معنوي، لذة معنوية وكمال معنوي، والعرب: جمع عروب، وهي الحسناء المتحببة إلى الزوج، كما قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث: حسناء متحببة إلى الزوج تميل إليه، تتعلق به، ترغب في قربه.

    قال الإمام ابن القيم في روضة المحبين صفحة خمس وأربعين ومائتين: العروب هي التي جمعت إلى حلاوة الصورة -فصورتها حسنة بهية كما قال تعالى: حُورٌ عِينٌ [الواقعة:22]- جمعت إلى حلاوة الصورة وملاحتها حسن التأتي، وحسن التبعل والتحبب إلى الزوج، أفعالها، تبعلها، اقترابها من زوجها، كل هذا حركات رشيقة خفيفة جليلة تشد الزوج إليها، إذاً جمعت إلى حلاوة الصورة حسن التأتي والتبعل والتحبب إلى الزوج بدلها، وحديثها، وحلاوة منطقها، وحسن حركتها، تشعر أنها تدور حوله متعلقة فيه، وهذا أنشط للنفس.

    وفي لسان العرب لـابن منظور نقل عن رؤبة بن الحجاج من أئمة اللغة أنه قال: جمعن العفاف عند الغرباء، وتقدم معنا قوله تعالى: قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ [الصافات:48] ، مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72]، أي: لا تنظر إلى غير زوجها، عفيفة خفرة حيية عند غير الزوج، قال: والإعراب عند الأزواج، قال: والإعراب هو ما يستفحش من ألفاظ النكاح والجماع، فهي مع زوجها تذكر العبارات التي لو قطعت رقبتها ما تستطيع أن تعرض بها فضلاً عن أن تصرح بها أمام الأجانب، أما مع الزوج فانبساط كامل، هذه هي العروب، حيية عند الأجانب عند الرجال، وعندها إعراب وفصاحة وإظهار لما في قلبها من التعلق بزوجها، وهذا مما يستحسن في المرأة، قال رؤبة : وخير النساء المتبذلة لزوجها، الخفرة في قومها. يعني على عكس أكثر النساء في هذه الأيام، إذا دخل الزوج إلى بيته لو شم رائحة زوجته لأمسك أنفه من رائحتها المنتنة وثيابها المتبذلة، ومتى ما أرادت أن تخرج إلى السوق أو إلى زيارة كأنها صارت في ليلة عرس، والأصل أن يخرجن وهن تفلات تاركات للطيب والزينة، والمرأة تلبس أدنى ما عندها إذا خرجت، وإذا كانت في البيت تلبس أجمل ما عندها، ولكن الأمر انعكس.

    قال لي مرة بعض الإخوة يحكي لي هذه القصة، ولا أريد أحد أن يحيلها علي، والحمد لله الذي عافاني من ذلك، ونسأل الله أن يتوب علينا، قال لي يخبر عن وضع النساء وعدم ظرافتهن في هذه الأيام وهكذا حال الرجال، فهذه الخشونة في الرجال تناسبها خشونة النساء، ونسأل الله أن يتوب علينا، يقول: كنت في سفر وأخبرت زوجتي أنني سآتي في ليلة كذا؛ لأن هذا من السنة، ولا يجوز أن يطرق أهله وأن يباغتهن في المجيء، يقول: فلما جئت أطرق الباب إذا بها نائمة، ففتحت ودخلت فرأيتها نائمة، يقول لي هو: فبصقت عليها وذهبت إلى حجرة أخرى. فقلت: يا عبد الله! لقد أخطأت، ما ينبغي أن تبصق، قال: والله الذي لا إله إلا هو لو ضربتني بحذائها واستقبلتني لكان أيسر علي من هذا المشهد، أنا في غيبة وأخبرها أنني وسآتي في ليلة كذا، ثم تنام؟ فقلت: هذه حقيقة مقصرة، ولو كان عندها حب لزوجها وتعلق به واهتمام لجلست على الباب لا في الحجرة تنتظره، وبلغني أن هذه صفة كثير من النساء في هذه الأيام، وصفة نساء الأتراك إذا غاب زوجها جلست على الباب تنتظر متى سيأتي، أما هذه زوجها سيأتي بعد قليل وهي تغط في النوم! فيقول لي: يا شيخ! بصقت عليها وذهبت إلى حجرة أخرى، قلت: يا أخي هذا خطأ، قال: هذا الذي حصل مني يعني، الإنسان عندما يقابل بهذا التصرف الأرعن يقابله بتصرف أرعن منه، حقيقةً هي مخطئة، وهي في هذا عاصية، وانتظارها لزوجها مع ذكرها لله يعدل قيام الليل، وكانت تنتظر دون ذكر، فكيف بعد ذلك يكون عندها عدم المبالاة، هذا لا يوجد في نساء أهل الجنة، فلا يوجد ما ينفر النفس عنهن بحال من الأحوال، ولعل تسعين بالمائة على أقل تقدير الواحد منهم في هذه الأيام يصبر فقط على زوجته، بدون تعلق بها، يقول: ماذا أعمل؟ لو قدر أنني طلقت لعله يأتي أنكى وأمر منها، فما لي إلا أن أصبر، لكن ليست هي التي تفتح النفس، هذا حال النساء، لكن كما قلت أيضاً في المقابل: لو نظرت إلى وصف الرجال لوجدت أكثرهم كذلك، ونسأل الله أن يتوب علينا، وأن يحسن أخلاقنا، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    إذاً: خير النساء المتبذلة لزوجها، الخفرة في قومها، ولذلك كثرت عبارات أئمتنا المفسرين في معنى العروب، فقالوا: العروب والعربة هي الضحاكة، وهي المتحببة إلى زوجها، وهي المظهرة له الود والتعلق، وهي العاشقة، وهي الغنجة التي تتكسر أمامه وتترقق، ما تقابله بغلظة وخشونة، وهي المغتلمة التي تظهر شدة الشهوة، وأنها بحاجة إلى اتصاله بها، ليست مثل بعض النساء التي إما أن تستسلم، وإما أن تنفر، نسأل الله الستر والعافية وحسن الخاتمة، وألا يبتلينا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، انظر لهذه الصفات: ضحاكة متحببة مظهرة لزوجها الود والتعلق، عاشقة، غنجة، مغتلمة.

    قال الإمام الغزالي في الإحياء في الجزء الثاني صفحة أربعين: العروب هي العاشقة لزوجها، المشتهية للقائه، تريد منه أن يتصل بها، تعشقه تحبه، هذا حقيقةً يحرك نفس الرجل وشهوته، ويجعله يتعلق بها.

    وفي صحيح البخاري -وهو أصح الكتب بعد كتاب الله- يقول: أهل مكة يسمون العاشق لزوجها عربة وعروباً، وأهل المدينة يسمونها: الغنجة، وأهل العراق يسمونها: الشكلة فالله هنا استعمل بلغة أهل مكة وقال: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا [الواقعة:35-37]، وعند العرب بالمدينة يقولون: غنجة، هذا بمعنى العروب، وهي التي تتغنج لزوجها، وترقق في كلامها، وتميل إليه، وأهل العراق يقولون عنها: الشكلة.

    وهذا الكلام الذي ذكره شيخ المحدثين وإمامهم الإمام البخاري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا نقل عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين في كتاب الزهد للإمام هناد بن السري في الجزء الأول صفحة عشرين ومائة، أن العروب في لغة أهل مكة، والغنجة في لغة أهل المدينة، والشكلة التي تتشكل وتتزين وتميل في لغة أهل العراق.

    1.   

    وصف الحور العين في سنة سيد المرسلين

    هذا وصف الحوريات في محكم الآيات، فما وصفهن في حديث نبينا خير البريات عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه؟ اسمع مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ونبينا عليه الصلاة والسلام هو الذي يوضح كلام ربه، وتأتي الإشارات مجملة من كلام الله عبارات جزلة فخمة حكيمة محكمة يوضحها نبينا عليه الصلاة والسلام، والله أنزل عليه الذكر ليبين للناس ما نزل إليهم، فاستمع لوصفهن، ثم ننتقل إلى كيفية التمتع بهن، هذان الأمران سنتدارسهما في حديث نبينا عليه الصلاة والسلام.

    حديث أنس: (... ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت الدنيا...)

    روى الإمام أحمد في المسند والبخاري في صحيحه، والترمذي في سننه، والحديث رواه شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد، ورواه الإمام البيهقي في كتاب البعث، وهو في شرح السنة للإمام البغوي ، وهو في صحيح ابن حبان ، وأورده الإمام الهيثمي في موارد الظمآن صفحة أربع وخمسين وستمائة، وهذا بخلاف شرطه لأنه أراد أن يجمع ما زاد على الصحيحين، وهذا في صحيح البخاري ، نعم هو في صحيح ابن حبان ، انظروه في الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان في الجزء التاسع صفحة خمس وأربعين ومائتين، لكن ليس هو من الزوائد على الصحيحين، ولا يجوز أن يذكر في الموارد، والإمام الهيثمي في الموارد اعتذر فقال: قلت: ورد في الصحيح الجزء الأول منه وفي التعليق على موارد الظمآن بخط حذام المحدثين وشيخهم أعني الإمام ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا قال ابن حجر : بل هو في صحيح البخاري بكامله، رواه البخاري بكامله في كتاب الرقاق في صفة الجنة والنار، انظروه في شرح الحافظ في الجزء الحادي عشر صفحة ثمان عشرة وأربعمائة.

    والحديث في جامع الأصول في الجزء العاشر صفحة أربع وخمسمائة، ولفظ الحديث من رواية أنس رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)، وفي بعض الروايات: ( لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قده في الجنة -قده يعني: سوطه- خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأةً من نساء أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت الدنيا، ولملأت ما بينهما ريحاً، ولنصيفها -يعني: خمارها- على رأسها خير من الدنيا وما فيها ).

    وهذه الرواية -إخوتي الكرام- عزاها صاحب كتاب جامع الأصول في الجزء العاشر صفحة أربع وخمسمائة إلى الإمام الترمذي فقط، وهذا أيضاً خلاف شرطه، فالأصل أن يعزوها أيضاً إلى البخاري ، لأنه يجمع الأصول الستة: الصحيحان، والسنن الثلاث مع موطأ الإمام مالك ، وتقدم معنا أن من أهل الكتب الستة عندنا اثنان البخاري والترمذي ، والإمام البخاري روى هذا الحديث في بعض الأماكن مقتصراً على الجزء الأول منه، وهو: ( غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها )، فالإمام الهيثمي يقول: هذا الجزء فقط في صحيح البخاري ، وأما التكملة فهي من صحيح ابن حبان ، ولذلك أورده في الموارد، وأما ابن الأثير فلم يورد هذه الرواية هنا ولم يعزها إلى البخاري أبداً، وكما قلت: الرواية في صحيح البخاري في كتاب الرقاق في باب صفة الجنة والنار في الجزء الحادي عشر صفحة ثمان عشرة وأربعمائة.

    يقول الإمام ابن الأثير : وفي رواية لـرزين قال: ( لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأةً من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءتها، ولطمست نور الشمس، ولملأته ريحاً، ولنصيفها من رأسها خير من الدنيا وما فيها، وإن من صرعته دابته في سبيل الله فمات فهو شهيد، وكذا من أتاه سهم غرب -يعني سهم طائش وهو في ساحة المعركة أو حول الخيام يجهز الطعام ونحو ذلك في حال الغزو- وكذا من أتاه سهم غرب فقتله، قال الله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء:100] ).

    إخوتي الكرام! معنى الحديث باختصار: ( غدوة في سبيل ): الغدوة: هي الذهاب في أول النهار، يعني لو ذهبت وقتاً قليلاً بمقدار ساعة أو ساعتين في أول النهار لتقاتل في سبيل الله، هذا خير من الدنيا وما فيها، وهكذا الروحة، وهي الذهاب وقت العشي بعد زوال الشمس، لو ذهبت وقتاً قصيراً بمقدار ساعة أو ساعتين هذا خير من الدنيا وما فيها.

    (ولقاب قوس أحدكم) القاب: مقدار، يعني مقدار القوس في الجنة، وكم سيأخذ القوس؟ نصف متر، فنصف متر في الجنة خير من الدنيا وما فيها.

    (أو موضع قده) يعني: سوطه، موضع السوط الذي تحمل معه العصا الرفيعة أو القوس، موضع هذا في الجنة خير من الدنيا وما فيها.

    (ولو أن امرأةً من نساء أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت الدنيا): فلا يبقى ظلام أبداً، فسبحان ربي العظيم! هذا النور لا يمكن لإنسان أن يتخيله، بل لو اطلعت -كما سيأتينا في بعض الروايات- لحجبت ضوء الشمس، الشمس تصبح مع نور هذه الزوجة الحسناء كأنه لا نور لها.

    (ولملأت ما بينهما ريحاً): الدنيا من أولها لآخرها ما بين الأرض والسماء، ما بين المشرق والمغرب كله تعج بريحة طيبة إذا نزلت هذه الحورية، وهذا كما قال الله تعالى: وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ [البقرة:25]، وكما تقدم معنا أنه ذهب النتن والبلاء منا ومنهن.

    (لنصيفها -يعني: خمارها- على رأسها خير من الدنيا وما فيها) سبحانك ربي! وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام:91]، سبحان من جعل في هذه المخلوقات هذا الجمال، امرأة إذا نزلت إلى الدنيا تحجب ضوء الشمس، ثم بعد ذلك يرتفع الظلام وتضيء الدنيا كلها من نورها وتلألئها، وسيأتينا أنها تلبس سبعين حلة والنور منها يشع، فأنت ترى مخ ساقها من فوق سبعين حلة، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء.

    ورضي الله عن سيدتنا وأمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، عندما تقول كما في كتاب الفردوس في وصف الفردوس، للإمام الورع الزاهد عبد الملك بن حبيب ، وهو جزء مختصر في حدود مائة وخمسين صفحة، في صفحة ست وسبعين، ينقل هذا العبد الصالح عن أبي معاوية الضرير وهو محمد بن خازم من رجال الكتب الستة، توفي سنة خمس وتسعين ومائة، عن أمنا عائشة ، والإسناد فيه انقطاع، لكن المعنى صحيح، تقول أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (عجباً للرجال حين يختارون الحيض المناتين -من النتن، أي: المنتنة- على الحور العين).

    وأريد أن أقول: الواحد منا عندما يريد أن يخطب امرأة إذا تذللت له الأمور يبقى في الغالب، في الخطبة والكلفة والتعب سنة على أقل تقدير، يصرف سنة كاملة في خطبة امرأة في الدنيا، فيا عبد الله! ألا تستحي من الله؟ ما عندك همة تصرفها لخطبة هؤلاء الحوريات عند رب الأرض والسموات، وفيها ما فيها، وهذه فيها من البلاء ما فيها؟!

    كم تبذل من أجل هذه المرأة في الدنيا التي نساؤها حيض مناتين، ثم بعد ذلك لا تتقي رب العالمين وتقول: تريد جنات النعيم، وتريد بعد ذلك الحور العين، ولكن كما جاء في الحديث: ( عجباً للجنة نام طالبها، وعجباً للنار نام هاربها )، وفي ليلة العرس لم تنم تسهر للساعة الواحدة وأنت في انتظار زوجك، ولعل حظك على يديها نام، وهذا الوصف للحور والله يحرك هم الجماد وليس البشر، لو كان عندهم عقول يتقون الله بها، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37]، والدنيا فانية مهما طالت، ولو قدر أنك ما تلذذت بها فماذا جرى؟ لكن قل: إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15]، والله من لم يظفر بهذه الحورية فهو من غضب الله عليه، وليته إذا خسرها يألم، إنما بعد ذلك نار وقودها الناس والحجارة، أما تتحرك همة لخطبة هؤلاء النسوة اللاتي لو اطلعت إحداهن إلى أهل الأرض لأضاءت الدنيا، ولملأت ما بينهما ريحاً ما بين السماء والأرض، وخمارها على رأسها خير من الدنيا وما فيها.

    حديث أبي هريرة: (... ولنصيف امرأة من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها)

    الرواية الثانية إخوتي الكرام! في بعض روايات هذا الحديث من طريق آخر عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه في المسند، انظروا الحديث في الجزء الثاني صفحة ثلاث وثمانين وأربعمائة من مسند الإمام أحمد ، ورواه أبو نعيم في كتاب صفة الجنة في صفحة سبع وثمانين، ولفظ أبي هريرة رضي الله عنه عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( قيد سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا ومثلها معها )، والرواية الأولى: (خير من الدنيا وما فيها )، وهنا (قيد سوط)، أي موضع السوط ومقداره في الجنة خير من الدنيا ومثلها معها، قال: ( ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها، ولنصيف امرأة من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها )، ليس مثلاً واحداً، بل ضع من الأمثال ما شئت، مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96].

    والأمر كما قال أبو علي الفضيل بن عياض عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وقد توفي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، يقول: لو كانت الآخرة خزفاً يبقى، والدنيا دراً يفنى، لآثر العاقل الخزف على الدر، فكيف والآخرة در يبقى، والدنيا خزف يفنى! يقول: أنتم ما عندكم عقول، لو أن الآخرة خزف -وهو الفخار- لكن باقياً لا يتكسر، والدنيا در لكن نهايته إلى بعر، لآثر العاقل ما يبقى على ما يفنى، فكيف والأمر بالعكس؟! الدنيا خزف فانٍ متكسر، والآخرة در باقٍ لا يحول ولا يزول، فكيف تؤثرون الفاني على الباقي؟! إنها حماقة ما بعدها حماقة.

    قال عليه الصلاة والسلام: ( ولنصيف امرأة من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها، فقيل لـأبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: ما النصيف؟ قال: الخمار )، خمارها الطرحة التي تضعها على رأسها من أجل أن تتزين به، لا أن تتحجب أمام أحد، بل مع زوجها، فهذا نصيف وفوقه تاج، اللؤلؤة من هذا التاج لا تعدلها الدنيا وما فيها وأضعافها كما سيأتينا، ولو نزلت لؤلؤة واحدة لأضاءت الدنيا من لؤلؤة من لآلئ تاج هذه الحورية.

    حديث سعيد بن عامر: (لو أن امرأة من نساء أهل الجنة أشرفت على الدنيا لملأت الأرض ريح مسك...)

    حديث ثالث: رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير والبزار في مسنده، والحديث قال عنه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الرابع صفحة ثلاث وثلاثين وخمسمائة: إسناده حسن في المتابعات، وقال عنه الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء الثالث صفحة أربع وعشرين ومائة: رجاله ثقات، انظروه في كشف الأستار في زوائد البزار في الجزء الرابع صفحة ست وتسعين ومائة، والحديث رواه أبو يعلى أيضاً، ورواه ابن سعد في الطبقات، ورواه أبو أحمد الحاكم ، ورواه ابن أبي شيبة في تاريخه كما في الإصابة لـابن حجر ، والحديث من رواية سعيد بن عامر بن حذيم ، وهو من كبار الصحابة وفضلائهم، وحذيم بكسر الحاء وإسكان الذال المعجمة. حِذْيم ، سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي ، من كبار الصحابة وفضلائهم، وقد ولاه سيدنا عمر رضي الله عنه على بلاد حمص، وكان مشهوداً له بالخير والزهد والصلاح، وسأذكر شيئاً من أحواله ضمن قصته التي معنا في هذا الحديث إن شاء الله.

    يروي هذا الصحابي عن نبينا عليه الصلاة والسلام، والحديث كما تقدم معنا حسن، ورجاله ثقات، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو أن امرأةً من نساء أهل الجنة أشرفت على الدنيا لملأت الأرض ريح مسك، ولأذهب الضوء الشمس والقمر ).

    وفي رواية البزار : ( لو أن امرأةً من الحور العين اطلعت إلى أهل الأرض لغلب ضوؤها على الشمس )، وهذا الحديث -إخوتي الكرام- أورده هذا الصحابي الجليل سعيد بن عامر بن حذيم بعد قصة جرت له مع سيدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين، وهذه القصة موجودة في أسد الغابة في الجزء الثاني صفحة أربع وتسعين وثلاثمائة، وهي موجودة في حلية الأولياء في الجزء الأول صفحة أربع وأربعين ومائتين، وترجمه ترجمةً طيبةً تليق بمكانه، وهي في صفة الصفوة في الجزء الأول صفحة اثنين وستمائة فما بعدها، وسأذكر قصته وأعلق عليها بما تيسر.

    يقول: لما قدم عمر رضي الله عنه وأرضاه حين أمرهم أن يكتبوا له فقراءهم، فرفع الكتاب إليه فإذا به سعيد بن عامر ، وهو الأمير، فلما أراد عمر رضي الله عنه أن يوليه على بلاد حمص أبى، فقال عمر رضي الله عنه: تجعلونها في رقبتي ثم تتخلون عني! يعني أنتم معشر الصحابة الأطهار الزهاد العباد، تجعلون الخلافة لي ثم لا تساعدوني، لتذهبن، لا بد من أن تكون أميراً، فذهب رضي الله عنه وأرضاه، وما سلم من أهل حمص كما سيأتينا، مع أن أهل حمص تغلب عليهم السذاجة والغفلة، ومع ذلك تكلموا على هذا العبد بما لا لوم عليه فيه.

    قال لهم سيدنا عمر : اكتبوا لي أسماء الفقراء، فرفع الكتاب إليه وإذا فيه سعيد بن عامر ، فقال: من سعيد بن عامر ؟ وما علم وما خطر بباله أنه أميرهم، أمير له عطاء ما يكفي وزيادة، من سعيد بن عامر ؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! أميرنا فقير أعطه ما تيسر من الصدقة، قال: وأمير فقير؟ له عطاء يأتيه كل شهر، قالوا: نعم، فعجب سيدنا عمر رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، وهؤلاء حقيقة هم عماد الأرض وزينتها، وكان عمر رضي الله عنه كثيراً ما يقول للصحابة: تمنوا، فيتمنون ما شاءوا من الخير، هذا يتمنى أن يقتل في سبيل الله، وهذا يتمنى أن يكون عنده بيت من ذهب ينفقه في سبيل الله.. وهكذا، لكن أمنيته تغلب طلباتهم ورغباتهم، فيقول: لكني أتمنى رجالاً كـأبي عبيدة بن الجراح ، ومعاذ بن جبل ، وسعيد بن عامر بن حذيم أستعملهم في طاعة الله، هؤلاء أعظم من حصول جهاد ومن صدقة بأموال.

    فقال: وأميركم فقير؟ قالوا: نعم، فعجب وقال: كيف يكون أميركم فقيراً؟ أين عطاؤه؟ أين رزقه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! لا يمسك شيئاً، فبكى عمر رضي الله عنه وأرضاه، ثم عمد إلى ألف دينار فصرها وبعث بها إليه وقال: أبلغوه مني السلام، وقولوا له: بعث بها إليك أمير المؤمنين فاستعن بها على حاجتك، قال: فجاء بها الرسول فنظر إليها فإذا هي ألف دينار، فجعل يسترجع، لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا إليه وإنا إليه راجعون، ينكر هذا، فقالت له امرأته: ما شأنك؟ هل أصيب أمير المؤمنين وقتل؟ قال: الأمر أكبر من ذلك، قالت: فظهرت آية، يعني أمر عجيب تغير نظام الكون خارق للعادة؟ قال: بل أعظم من ذلك، قالت: أو الساعة حصل؟ فيه بشائر ودلائل على أن الساعة اقتربت، وأنك خائف وجل؟ قال: بل أعظم من ذلك، قالت: ماذا بك؟ أعظم من قتل أمير المؤمنين، ومن ظهور آية ومن اقتراب الساعة، ما شأنك؟ قال: الدنيا أتتني، الفتنة أتتني، دخلت علي، جاءتني ألف دينار، قالت: فاصنع فيها ما شئت، يعني أنت لم تهتم هذا الهم؟ قال لها: عندك عون تساعديني؟ قالت: نعم، قال: فصر الدنانير فيها صرراً، ثم جعلها في مخلاة، وهي مثل الكيس، ثم حملها وخرج، ثم بات يصلي حتى أصبح، ثم اعترض بها جيشاً من جيوش المسلمين فأمضاها كلها، كل واحد يعطيه صرة، ألف دينار ما بقي منها شيء، فقالت له امرأته: لو كنت حبست منها شيئاً نستعين به؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لو اطلعت امرأة من نساء الجنة على الأرض لملأت الأرض من ريح المسك )، يعني لا أقدم عليهن شيئاً.

    وفي رواية: ( لو أن حوراء أطلعت أصبعاً -فقط أظهرت أصبعاً- لوجد ريحها كل ذي روح )، فأنا أدعهن لكن؟ لا والله لأنتن أحق أن أدعكن لهن منهن لكن.

    والحديث رواه ابن أبي داود أيضاً في كتاب البعث في صفحة خمس وستين، وفيه قال: والله لا أختارك عليهن، فدفع بيده في صدرها، قال: اذهبي عني، تريدين الآن درهماً أو درهمين من هذه الدنانير! هذا سعيد بن عامر بن حذيم رضي الله عنه وأرضاه.

    لما شكاه أهل حمص لسيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه استدعاه وعرض عليه أربعة أمور ذكروها، وهي: قالوا: يتأخر في الخروج علينا في الصباح، وإن كان أحياناً في المجلس يغشى عليه، وأحياناً يسقط ويصبح في غيبوبة، ويغمى عليه، ولا يخرج إلينا في الليل أبداً، نطرق عليه ولا يجيب، وله في الشهر يوم لا نراه، لا يخرج إلى العمل أبداً، حتماً هو يخرج إلى الصلاة لكنه لا يقابلهم في عمل ولا يخرج إليهم في الصباح، فقال عمر : اللهم لا تخيب ظني فيه، هذا من العباد الزهاد الصالحين، فاستدعاه وقال: شكوك في أربعة أمور: أولها: تتأخر في الصباح، لماذا؟ قال: يا أمير المؤمنين! ليس لي خادم، وزوجتي ضعيفة مريضة، وأنا أعجن وأخبز، فأنتظر حتى يختمر العجين وأشعل التنور فإذا هيأت الخبز وجهزته خرجت إليهم، قال: الظن بك.

    ثم قال: لم يغشى عليك؟ أنت تجلس مع أصحابك ويقولون: يغشى عليك باستمرار، قال: يا أمير المؤمنين! حضرت قتل خبيب بن عدي رضي الله عنه وأرضاه عندما صلب في مكة، وكنت من المشركين إذ ذاك، وما نصرته، فدعا على المشركين، فأخشى أن أكون قد أصابتني دعوة، وأنه يختم لي بسوء، فكلما استحضرت خبيباً أغمي عليه، في أي ساعة أستحضر خبيباً أخر على الأرض.

    فبكى عمر رضي الله عنه وأرضاه، ثم قال: ولماذا ما تخرج إليهم في الليل وأنت أمير؟ قال: هذه كنت أريد أن تقع بيني وبين ربي، يا أمير المؤمنين! أما يكفي أنني جعلت لهم النهار، وأين حظ ربي وحظ عبادتي لله، متى ما أنتهي من صلاة العشاء لا أقابل أحداً، ولا أستقبل أحداً، ولا أرد على طارق، هذا من أجل العبادة.

    قال: ولماذا في الشهر تغيب عنهم يوماً؟ قال: لو أعفيتني من الجواب، قال: لتخبرني، قال: يا أمير المؤمنين! ما عندي إلا هذا الثوب الذي ألبسه، فأصبر عليه شهراً ثم أغسله وأجلس عارياً في البيت، حتى إذا جف لبسته وخرجت إلى الرعية، فبكى عمر رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين رضوان الله عليهم أجمعين.

    هذا الحديث يرويه هذا الصحابي المبارك سعيد بن عامر بن حذيم كما قلت إخوتي الكرام، وانظروا ترجمته في هذه الكتب التي ذكرتها، وهذا الحديث أورده الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء الحادي عشر صفحة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وسكت عليه، وعلى شرطه فالحديث -إن شاء الله- لا ينزل عن درجة الحسن بعون الله جل وعلا.

    هذه الأحاديث بهذه الروايات كلها تدور حول معنىً واحد وهو ما ورد في حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه، لكن من رواية أبي هريرة ومن رواية سعيد بن عامر بن حذيم ، كلها فيها مؤدى شيء واحد وهو: أن هذه الحورية هذه المرأة الحسناء في الجنة لو برز شيء منها إلى الدنيا لأضاءت ما بين السماء والأرض، ولوجد كل ذي روح ريحها، هذه الروايات كلها بمعنىً واحد.

    حديث أبي سعيد الخدري: (... فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب...)

    الرواية الثانية التي معناها يختلف عن هذا، وهي تعتبر الآن الحديث الرابع، رواها الإمام أحمد في المسند، وابن حبان في صحيحه، ورواها الإمام البيهقي في شعب الإيمان وفي كتاب البعث والنشور، ورواها شيخ الإسلام الإمام عبد الله بن المبارك في الزهد، ورواها البغوي في شرح السنة، وأبو يعلى في مسنده كما في مجمع الزوائد في الجزء العاشر صفحة تسع عشرة وأربعمائة، وقال: إسناد الحديث حسن، والحديث يستشهد به الحافظ أيضاً في الفتح في المكان المشار إليه في الجزء الحادي عشر صفحة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وروى بعضه الإمام الحاكم في المستدرك في الجزء الرابع صفحة خمس وسبعين وأربعمائة، ورواه سعيد بن منصور ، والطبري في تفسيره، ورواه الإمام ابن أبي داود في كتاب البعث في جزء البعث حدود مائة صفحة للإمام أبي بكر بن أبي داود عليهم جميعاً رحمة الله، ورواه الإمام الترمذي في سننه، وكما قلت: إسناد الحديث حسن.

    ولفظه من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنةً قبل أن يتحول )، تكأة واحدة يظل فيها سبعين سنة قبل أن يتحول من هذه التكئة إلى غيرها، ( ثم تأتيه امرأته فتضرب على منكبيه -وهو مجتمع الكتف والعضد- فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤ عليها لتضيء الدنيا ما بين المشرق والمغرب، فتسلم عليه، فيرد عليها السلام، ويسألها: من أنت؟ فتقول: أنا من المزيد: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35]، وإنه ليكون عليها سبعون ثوباً، أدناها مثل النعمان من طوبى )، والنعمان معناه في الأصل: اللون الأحمر الخالص، ويقال (شقائق النعمان) لنوع من الورد شديد الحمرة.

    إذاً: هذه الحلل حمراء زاهية مثل الدم الخالص شديد الحمرة، لكنها من طوبى من الجنة قال: ( فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، وإن عليها من التيجان، وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب ).

    والحديث -كما قلت- في المجمع، وانظروه أيضاً في الترغيب والترهيب في الجزء الرابع صفحة تسع وعشرين وخمسمائة.

    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنةً قبل أن يتحول، ثم تأتيه امرأة فتضرب منكبه، فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب، فتسلم عليه فيرد السلام، ويسألها: من أنت؟ فتقول: أنا من المزيد، وإنه ليكون عليها سبعون ثوباً أدناها مثل النعمان من طوبى، فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، وإن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب )، هذه صفة ثانية، وكما قلت: الحديث في درجة الحسن من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، وهو يعتبر حديثاً رابعاً.

    حديث ابن مسعود: (إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة..)

    الحديث الخامس: رواه الإمام الترمذي في سننه، وابن حبان في صحيحه ، والطبري في تفسيره، وانظروه في تفسير الطبري في الجزء السابع والعشرين صفحة ثمان وثمانين عند تفسير قول رب العالمين: حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72]، من سورة الرحمن، ورواه أبو نعيم في صفة الجنة، ورواه أبو الشيخ في كتاب العظمة صفحة اثنين وخمسين ومائتين، ورواه هناد بن السري في كتاب الزهد، وروى ابن المبارك في تفسيره، وابن أبي حاتم في تفسيره، وابن أبي الدنيا في كتابه وصف الجنة أيضاً كما في الدر المنثور في الجزء السادس صفحة ثمان وأربعين ومائة.

    والحديث روي مرفوعاً عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، كما روي موقوفاً عليه وله حكم الرفع، وقد وقفه الإمام الترمذي أيضاً، فرواه مرفوعاً وموقوفاً، ووقفه على عبد الله بن مسعود الإمام ابن أبي شيبة في مصنفه في الجزء الثاني عشر صفحة سبع ومائة، وهكذا رواه الطبري أيضاً موقوفاً، وهناد بن السري ، وعبد بن حميد كما في الدر المنثور في الجزء السادس صفحة اثنان وأربعين ومائة، قال الإمام الترمذي : وروي عن عبد الله بن مسعود ، ولم يرفعه وهو أصح. أقول: مع الرفع زيادة علم فتقدم، ولو كان موقوفاً فله حكم الرفع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام قطعاً وجزماً؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي.

    وما أتى عن صاحب بحيث لا يقال رأياً حكمه الرفع على

    ما قال في المحصول نحو من أتى فالحاكم الرفع لهذا أثبتا

    ولفظ الحديث: من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، وموقوفاً على عبد الله بن مسعود وله حكم الرفع، أنه قال: ( إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة، حتى يرى مخها -أي: مخ الساق- وذلك لأن الله يقول: كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:58]، فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكاً ثم استصفيته لرأيته من ورائه ) وهكذا حال هذه المرأة: كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:58]، ( يرى مخ ساقها من فوق سبعين حلة )؛ وهكذا هو وصف هؤلاء الحوريات الحسان.

    إخوتي الكرام! لهذا الحديث طرق متعددة وشواهد أقولها في أول الموعظة الآتية إن شاء الله.

    والحمد لله رب العالمين.