إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. سلسلة مباحث النبوة
  5. مباحث النبوة - الآفات الردية في الشهوة الجنسية [3]

مباحث النبوة - الآفات الردية في الشهوة الجنسية [3]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن حقيقة الدنيا أنها عرض زائل ونعيم ماحل، ومهما طالت بالإنسان فيها حياة فلابد له من مفارقتها، وقد جعل الله حب الرجل للمرأة ورغبته فيها وحب المرأة للرجل ورغبتها فيه من ابتلاءات هذه الدنيا، وركز شهوة الجنس في كل منهما وطبعهما على الحرص عليها والاستماتة في تحصيلها، على ما فيها من آفات وما يكتنفها من منغصات، ليكون ذلك أحد الاختبارات التي يعايشها الإنسان في حياته الدنيا القصيرة مهما طالت.

    1.   

    شهوة الجنس في الدنيا تزول مهما طالت

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس مقاصد النكاح والحكم العامة من مشروعيته، وقلت: له حكم كثيرة غزيرة يمكن أن نجملها في خمس حكم.

    أولها: تحصين النفس البشرية من كل آفة ردية، حسية أو معنوية.

    الحكمة الثانية والفائدة الثانية: إنجاب الذرية التي تعبد وتوحد رب البرية.

    والحكمة الثالثة: تحصيل الأجر للزوجين عن طريقين اثنين: حسن عشرة كل منهما لصاحبه، ومساعدته بعد ذلك في النفقة.

    الحكمة الرابعة: تذكر لذة الآخرة، وهي التي كنا نتدارسها، وما قبلها فقد تقدم الكلام عليها.

    وآخر الحكم: ارتياح كل من الزوجين لصاحبه وبأهل صاحبه وعشيرته.

    إخوتي الكرام! كما قلت كنا نتدارس الحكمة الرابعة من مقاصد النكاح وحكمه العامة: تذكر لذة الآخرة، وتقدم معنا أن شهوة النكاح هي ألذ شهوات الجسد، وهي أعظم الشهوات الحسية، والنفس البشرية تتعلق بها، وإذا كان الأمر كذلك فهذه اللذة -كما تقدم معنا- التي يقدمها الإنسان على غيرها من المشتهيات المحسوسة فيها نقائص وآفات، فإذا كانت النفس تتعلق بها مع ما فيها من نقص وآفات، فمن باب أولى ستتعلق بهذه اللذة في الدار الآخرة إذا لم يكن فيها آفة مكدرة.

    وكنا نتدارس إخوتي الكرام! العيوب والنقائص والآفات التي تكون في الشهوة الجنسية في هذه الحياة، وقلت: لذلك آفات كثيرة سنتدارس عشر آفات منها، تقدم الكلام على ثمان آفات ووقفنا عند الآفة الثامنة أسرد الآفات باختصار، وأتكلم على ما لم نتكلم عليه فيما مضى.

    الآفة الأولى: صورة قضاء هذه الشهوة صورة ممتهنة، الآفة الثانية: لا يحصلها الإنسان إلا بتعب وكلفة، الآفة الثالثة: يترتب عليها تعب وكلفة عليه وعلى زوجه عند قضاء تلك الشهوة فيجهدها، ويجهد نفسه ويجتهد في ذلك الفعل، الآفة الرابعة: إن هذه الشهوة لا تطيب إلا عند الحاجة، وهذا من علامات النقص فيها، فليست إذن شهوة حقيقية، الآفة الخامسة: هذه الشهوة وسائر مشتهيات الدنيا حقيقتها تخلص من ألم بألم، ودفع تعب بتعب، وتخلص من حاجة بحاجة، فليست هذه اللذة أيضاً كاملة، الآفة السادسة: مع ما فيها من هذه الآفات، النفس لا يقنعها ما يكفيها، وهذه هي دار الفقر ودار النقص، ولذلك لو حصل منها ما حصل فإنه يتطلع ولا يشبع، لكن في الآخرة يوجد ما يشبعه ولا يتطلع إلى غير ما عنده، الآفة الثامنة وهي التي كنا نتدارسها قلت: يشارك الإنسان فيها الأشرار من بني الإنسان كما يشاركه فيها البهيم من الحيوان، والآفة التاسعة: إنها زائلة، والآفة العاشرة: إذا وضعت في غير محلها جرت الشقاء عليه وعلى الأمة والناس بأسرهم.

    الآفة الثامنة: وهي آخر ما تدارسناه إخوتي الكرام قلت: هذه الشهوة مما يدل على نقصها ووجود الآفات فيها أنه يشاركك فيها الغواة من العصاة، يشاركك فيها المشركون والمشركات، يشاركك فيها البهائم والعجماوات، بل ربما كان نصيب تلك البهائم منها أكثر من نصيبك بكثير وواقع الأمر كذلك، وقلت لكم: إن حيواناً صغيراً وهو العصفور أكثر سفاداً ووطئاً من بني آدم، وهو أكثر الحيوانات على الإطلاق وأكثر المخلوقات على الإطلاق مباشرة وقضاء شهوة، وهو صغير الحجم بمقدار ملء الكف، وهذا مما يدل على نقص هذه الشهوة، وهكذا كما قلت بقية الأمور التي فينا إذا افتخر الإنسان بقوته فالسباع أقوى منه، وإذا افتخر بتحمله فالبغال تتحمل أكثر منه، وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء:28]، كما قال الله جل وعلا.

    فإذاً هذه الشهوة يشاركك فيها شرار الخلق، ويشاركك فيها البهائم، والمشاركة في اللذة كما تقدم معنا من علامات النقص فيها، وتضعف التلذذ بها؛ لأنها ليست خالصة لك، يشاركك فيها الأراذل، يشاركك فيها الحيوانات العجماوات، نعم إن مشاركة الأضداد لك في المعنى في أمر من الأمور يضعف قيمة ذلك الأمر عندك، والكفار هم أضداد لنا، فهم نجس بنص القرآن: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة:28]، والمؤمن طيب طاهر مطيب، هذه اللذة اشتركنا معهم فيها، وهذا مما يضعف قيمتها عندنا، مما يضعف القيمة عند الطيبين أن هذه اللذة شاركك فيها هؤلاء الأراذل، وهكذا يشاركك فيها أضدادك الذين هم في الصورة والمعنى أيضاً وهم الحيوانات، أولئك أضدادنا في المعنى، صورتهم كصورتنا لكن حقيقتهم تختلف عن حقيقتنا، فهم معادن نجسة ونحن معادن طيبة طاهرة، وبعد ذلك يشاركك فيها من يخالفك في الصورة والمعنى من الحيوانات العجماوات، وهذا كله يضعف قيمة اللذة عندك، أما هذه اللذة في الآخرة لا يشاركك فيها حيوان بهيم، ولا يشاركك فيها كافر لئيم، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأعراف:32].

    ولذلك عندما يطلب أهل النار من الأبرار أن يفيضوا عليهم من الماء أو مما رزقهم الله يردون عليهم: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [الأعراف:50]، وحقيقة هناك لذة لا تنغيص فيها بوجه من الوجوه، ثم ليس عند غيرك ما ليس عندك هناك، إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا [الواقعة:35-36] كما سيأتي في وصفهن، عُرُبًا أَتْرَابًا [الواقعة:37]، في سن واحدة متماثلات، فلا تتطلع إلى ما عند غيرك، الكل عنده ما يساوي ما عند غيره، وعليه فهم يستوون في ذلك فلا تتطلع النفس إلى ما ليس عندها فعندها كما عند غيرها.

    إذاً لذة خالصة في الآخرة، وأما هنا فليست خالصة، وكما قلت هذا من علامات النقص في هذه الشهوة.

    الآفة التاسعة: هذه اللذة مهما طالت وصفت فهي زائلة فانية، فالمكدرات تحيط بها من جميع الجهات، ومع هذا هي أيضاً زائلة ومنتهية، وهذا هو حال الدنيا من أولها إلى آخرها، وقد فضحها الموت فلم يترك لذي لب فيها فرحاً.

    حقيقة إنه هادم وهازم اللذات، وكل لذة تتمتع بها يأتي الموت ويستأصلها، ويذهبك عنها، ويحول بينك وبينها، إذن هذه اللذة مع ما فيها من نقص ليست دائمة، وأما في الآخرة فالأمر ليس كذلك، وكما قلت هذه الشهوة تناسب حال هذه الدنيا التي هي دار الذل والعناء والبلاء والفقر والتعب والنكد، هذه الدنيا تساق إليك سوقاً أليس مصير ذلك إلى زوال؟ بلى.

    وما دنياك إلا مثل فيءٍ أظلك ثم آذن بالزوال

    ثم آذن بالارتحال، حال الدنيا من أولها لآخرها كفيء تستظل به ثم يزول، وهنا كذلك، فهذه الشهوة إذن زائلة، وأما نعيم الآخرة هناك يا عبد الله تصح فلا تسقم، وهناك يا عبد الله تشب فلا تهرم، وهناك يا عبد الله تنعم فلا تبأس كما سيأتينا، وهناك تتمتع فلا تتكدر، وهناك تحيا فلا تموت، فشتان شتان ما بين النعم واللذائذ والمشتهيات في هذه الحياة، وما بين ما يكون في نعيم الجنات، نسأل الله أن يجعل دار كرامته داراً لنا بفضله ورحمته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    1.   

    أنه لا ضرر يعدل شهوة الجنس إن وضعت في غير محلها

    آخر المكدرات في هذه الشهوة: إن وضعت في غير محلها فلا شيء من الضر يعدلها، هذه لو وضعت في غير المكان الذي أمر الله أن توضع فيه يترتب عليها البلاء العظيم الفظيع، لا شيء من الضر يعدل ضر وفساد وبلاء هذه الشهوة إن وضعت في غير محلها، تورث الأسقام، أمراض فيك وفي من يضع الإنسان شهوته فيها ممن لم يؤذن له أن يضع تلك الشهوة فيها، أمراض وأسقام، تحدث الشقاق والخصام، تملأ الدنيا بأولاد الحرام، توصل إلى النيران، توجب مقت الرحمن.

    وحقيقة إذا وضعت في غير محلها فهي الفاحشة كما أخبر بذلك ذو الجلال والإكرام، والفاحشة هي المعصية التي تناهت في القبح عقلاً وشرعاً، العقل يذمها والشرع يحرمها: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32]، أراد أن يتلذذ عن طريق ما حرم الله فابتلاه الله بالأمراض والأسقام، بحيث إذا أراد بعد ذلك أن يتناول هذه الشهوة من طريق حلال لما استطاع، هذه كلها من علامات النقص في هذه الشهوة وفي هذه اللذة.

    وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأمر، وأخبرنا أن الفواحش إذا انتشرت في الأمة يحصل فيها الطاعون والأمراض الفتاكة التي لم تكن في أسلافهم، والحديث مروي عن عدة من الصحابة الكرام، ثبت ذلك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في سنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم ، والحديث رواه البزار في مسنده، والبيهقي في السنن الكبرى، والإمام أبو نعيم في حلية الأولياء، وإسناده صحيح كما قلت من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل عليه بوجهه الكريم المنور عليه صلوات الله وسلامه فقال: (يا معشر المهاجرين! خصال خمس إذا ابتليتم بهن أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم)، وهذا ما تعيشه الأمة في هذه الأيام، أرادوا أن يتعجلوا اللذة عن طريق ما حرم الله فسلط الله عليهم ما ينكد حياتهم من الإيدز والهربس والزهري والسيلان، وغير ذلك من الأمراض والأسقام.

    (لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم)، فإذا أحدثوا معصية وعملوا فاحشة وتجاوزوا حدود الله نغص الله عليهم الحياة في العاجل قبل الآجل.

    والخصلة الثانية: (ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدواً من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم)، والخصلة الثالثة: (وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم)، والخصلة الرابعة: (لم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان)، والخصلة الخامسة: (لم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا).

    والشاهد معنا أول هذه الأمور الخمسة: (لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم).

    والحديث إسناده صحيح إخوتي الكرام كما قلت في المستدرك وغيره، وصححه الحاكم وأقره عليه الذهبي ، والحديث روي من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين في معجم الطبراني الكبير، والسنن الكبرى للإمام البيهقي ، والحديث كما قال عنه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الأول صفحة خمس وأربعين وخمسمائة: قريب من الحسن وله شواهد، فيشهد له رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خمس بخمس، فقال الصحابة الكرام: ما خمس بخمس يا رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا فشت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت)، والموت بسبب الطواعين والأمراض والأسقام التي تنتشر فيهم، (ولا فشت فيهم الفاحشة -الفواحش- إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الميزان إلا أخذوا بالسنين -جمع سنة وهي القحط والجدب- وما منع قوم الزكاة إلا منعوا القطر من السماء)، والخامسة: (ولا جار قوم في الحكم إلا جعل الله بأسهم بينهم) تصبح الخصومات بين الأمة، والهرج والمرج والقتل، ونسأل الله العافية من سخطه.

    إذاً روي أيضاً من حديث عبد الله بن عباس ، وروي من حديث بريدة رضي الله عنهم أجمعين، رواه الإمام الحاكم أيضاً في مستدركه، والبيهقي في السنن الكبرى، لكنه ذكر ثلاثة أمور في رواية بريدة ، أولها: عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ما نقض قوم العهد إلا فشا القتل بينهم)، وهناك تقدم معنا: (إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم).

    والخصلة الثانية: (وما ظهرت الفاحشة إلا سلط الله عليهم الموت)، هذا كرواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، وراية ابن عمر كما تقدم معنا: (إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم)، والخصلة الثالثة: (وما منع قوم الزكاة إلا منعوا القطر من السماء)، ورواية بريدة صحيحة الإسناد كرواية عبد الله بن عمر ، ورواية عبد الله بن عباس كما قال الإمام المنذري : قريبة من الحسن يشهد لها رواية عبد الله بن عمر وبريدة رضي الله عنهم أجمعين.

    هذه الشهوة إن وضعت في غير محلها لا شيء من الضر يعدلها.

    1.   

    فوائد الشهوة الجنسية

    إخوتي الكرام! هذه الشهوة مع ما فيها من هذه النقائص والآفات النفس تتعلق بها، آفات من بدايتها صورتها ممتهنة إلى نهايتها، إن وضعت في غير محلها نشرت البلاء والأمراض والأسقام، مع ذلك النفس تتعلق بها، إذا كانت النفس تتعلق بهذه الشهوة مع ما فيها من آفات، فحقيقة ينبغي أن تتعلق بهذه الشهوة التي تكون في نعيم الجنات، وليس هناك فيها آفة من الآفات، فهذه الشهوة تذكرك بما يكون في الدار الآخرة من لذة كاملة لا تنغيص فيها بوجه من الوجوه، فإذا تعلقت بهذه اللذة الناقصة، فإذا كنت عاقلاً ينبغي أن تتعلق بها إذا كانت كاملة، وهذا ما يكون في الدار الآخرة.

    إذاً هذه اللذة تذكرنا باللذات التي تكون في نعيم الجنات، نعم هناك نكاح وهنا نكاح، كما أن هناك مطاعم ومشارب وهنا مطاعم ومشارب، لكن لا يوجد اتفاق بين ما في الآخرة مما هو موجود في الدنيا إلا في الأسماء فقط، أما المسميات والحقائق فمختلفة، كما ثبت هذا عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، والأثر ثابت عنه بإسناد صحيح رواه الإمام هناد بن السري في كتاب الزهد، انظروا في الجزء الأول صفحة تسع وأربعين وصفحة واحد وخمسين، ورواه الإمام الطبري في تفسيره في الجزء الأول صفحة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، ورواه الإمام أبو نعيم في كتابه صفة الجنة، وهو كتاب عظيم للإمام أبي نعيم صاحب كتاب حلية الأولياء، وقد طبع الجزء الأول من كتاب صفة الجنة في قرابة مائتي صفحة، وهو عندي وما عندي علم عن بقية الأجزاء، وقد ذكر الإمام أبو نعيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا هذا الأثر في كتاب صفة الجنة في صفحة ستين ومائة، ورواه الإمام البيهقي في كتاب البعث والنشور في صفحة واحد وعشرين، ورواه الإمام المسدد في مسنده كما نقل ذلك وعزا إليه الإمام ابن حجر في المطالب العالية في الجزء الرابع صفحة أربع وأربعمائة، والأثر رواه مع هؤلاء الإمام ابن المنذر في تفسيره، وابن أبي حاتم في تفسيره كما في الدر المنثور في الجزء الأول صفحة ثمان وثلاثين، ورواه أيضاً الإمام الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة كما في فيض القدير في الجزء الخامس صفحة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وإسناد الأثر إلى سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما صحيح، ولفظه قال: (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء)، والأثر روي عنه بلفظ: ( ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء).

    (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء)، أي: هناك نعم وهنا نعم، هناك فاكهة ونخل ورمان وهنا فاكهة ونخل ورمان، لكن الحقائق تختلف، هناك طعام طيب إذا أكلته لا يتحول إلى فضلات، رشح أطيب من المسك، وهنا بعد ذلك كما سيأتينا في صفة التمتع بنساء أهل الجنة من المؤمنات الصالحات ومن الحور الطيبات تمتع لا يعدله تمتع كما سأذكر وصف نساء أهل الجنة وكيفية التمتع بهن، حقيقة تمتع وتمتع، لكن البون بينهما كالبون بين الدنيا والآخرة تماماً، ولذلك لا يوجد شيء مما في الجنة يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء فقط، الأسماء واحدة، هنا زوجة وهنا زوجة، هنا وطء وهنا وطء، وهنا فاكهة وهنا فاكهة، لكن الحقائق مختلفة تمام الاختلاف.

    إخوتي الكرام! فهذه الشهوة مع ما فيها من نقص كما قلت النفس تتعلق بها، وحقيقة هي أيضاً أعظم اللذات والمشتهيات الحسية، فإذا كان العاقل يتعلق بها مع ما فيها من نقص فإذا كان عاقلاً كاملاً ينبغي أن يصرف همته للتعلق بهذه الشهوة التي تكون في دار كرامة الله ورضوانه، فلا نقص هناك فيها بوجه من الوجوه.

    إخوتي الكرام! هذه الآفات التي توجد في هذه الشهوة الجنسية في هذه الحياة، حقيقة هي آفات ونقائص، وهي مغارم، وإذا استحضرها الإنسان قد يعرض عن النكاح الذي أحله الرحمن لما فيها من تعب ونكد، ويترتب عليها ما يترتب، وقد تأتيه زوجة تذبحه، وقد يرزق بولد يقتله كما تقدم معنا في هذه الشهوة، كل هذا أعرض عنه وأصرف همتى إلى ما عند ربي ولا أريد أن أتزوج في هذه الحياة، حقيقة إذا استحضر الإنسان المغارم قد يعرض عن ما في الزواج من مغانم، لكن الله حكيم، وحقيقة قد يعرض بعض الناس عن هذه الشهوة، فمن حكمة الله أن جعل هذه الشهوة في النفس البشرية بماثبة سياط ملهبة تلسعه وتدفعه لإخراجها وإشباعها عن طريق ما أحل الله، وإلا لم يكن في النفس شهوة تنبعث من أجل إروائها وقضائها، ولربما أعرض أكثر الناس عن قضاء هذه الشهوة، يقول: أتحمل كل هذا النكد من أجل شهوة زائلة ومتعة قليلة، وترتب عليها ما ترتب، لكن جعل الله كما قلت هذه الشهوة سياطاً ملهبة تلدغه كما يلدغ العقرب الإنسان، وتؤذيه إذا لم يخرجها، فإن أخرجها عن طريق ما أحل الله سعد وحصل الخير مع ما فيها من نكد في هذه الحياة، اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، هذه الحياة لا تخلو من نكد.

    فإذاً جعل الله الشهوة ليحث العباد بها إلى قضاء هذه الشهوة وإنجاب الذرية التي تعبد رب البرية، ثم رتب الله أيضاً أجوراً عظيمة على قضاء هذه الشهوة، ليتنافس الأكياس أيضاً في قضاء هذه الشهوة، وتحصيل ما يترتب عليها من خيرات، فالإنسان عندما يباشر أهله له أجر عند رب الأرض والسموات كما سيأتينا هذا من كلام نبينا خير البريات عليه صلوات الله وسلامه.

    إذاً سياط ملهبة تدفعنا لإشباع هذه الشهوة، ثم أجر من الله يحثنا أيضاً لتحمل ما في هذه الشهوة من آفات ومن نقائص ومن مكدرات؛ إيثاراً لمرضات الله على ما تهواه نفوسنا، وعلى ما قد تعرض عنه بعض العقول، ولذلك يقدم الإنسان رغبة الشرع على رغبته، فهو قد يريد الإعراض عن النكاح، وقد يقاوم تلك السياط الملهبة، لكن إذا استحضر الأجر العظيم الذي يحصله عند عشرته لزوجه يهون عليه أن يتحمل الكدر الذي في هذه الشهوة.

    ما يناله المسلم من الأجر إذا هو وطئ زوجته

    ولذلك إخوتي الكرام! بين لنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن في قضاء هذه الشهوة أجراً عظيماً عند الله جل وعلا، ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم من رواية أصدق هذه الأمة لهجة سيدنا أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الفقراء في زمن النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور )، والدثور جمع دثر وهو المال الكثير، أي: ذهب أهل الأموال بالأجور العظيمة عند ذي العزة والجلال، لم؟ انتبه لهذه المنافسة الشريفة الطيبة، قالوا: ( يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم )، عندهم أموال، شاركونا في العبادة التي لا تحتاج إلى مال من صلاة وصيام، لكن عندهم مال يتصدقون ويعتقون وليس عندنا مال نتصدق، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون)، ليست الصدقة قاصرة على الصدقة المالية، هناك أمور كثيرة لكم في فعلها ثواب الصدقة، (أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون، إن لكم بكل تسبيحة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، وبكل تحميدة صدقة، وبكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة)، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا آخر حديثه: (وفي بضع أحدكم صدقة)، وهي مباضعته لزوجه، أي: جماعه لزوجه، (وفي بضع أحدكم صدقة)، فاستغرب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين هذه الشهوة يفعلها الإنسان ويؤجر عليها عند الرحمن، فقالوا: ( يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: بلى، قال: فكذلك لو وضعها في حلال كان له أجر).

    إذاً وفي بضع أحدكم صدقة، وهذا من المغانم التي في النكاح، فالآفات التي في النكاح قد يعرض الإنسان عن النكاح من أجلها، وسلط الله عليه الشهوة من أجل أن يتزوج، ورغبه بعد ذلك في هذا الأجر الكثير الذي يحصله عند قضاء شهوته عن طريق ما أحل الله.

    وفي بعض روايات الإمام أحمد في المسند قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (وفي جماعك لزوجتك أجر)، وبعض الروايات في المسند: (ومباضعتك امرأتك صدقة، فقال الصحابة الكرام: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! نأتي شهوتنا ونؤجر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أرأيتم لو وضعت هذه الشهوة وجعلت في حرام أكان يأثم؟ قالوا: نعم، قال: فعلام تحتسبون بالشر ولا تحتسبون بالخير)، يعني: إذا وضعت في الحرام يأثم الإنسان، وإذا وضعت في الحلال يثاب عند ذي الجلال والإكرام.

    قال الإمام ابن حبان في صحيحه بعد رواية هذا الخبر، انظروه في الإحسان في الجزء السادس صفحة خمس وثمانين ومائة يقول: هذا أصل في المقايسات في الدين، يعني: في القياس السوي، كما أن هذه الشهوة إذا وضعت في الحرام تأثم فإذا وضعت في الحلال تثاب، وهذا من باب قياس العكس كما يسميه أئمتنا، فإن وضعت في الحرام أثمت، وإن وضعت في الحلال أثبت إذاً (وفي بضع أحدكم صدقة).

    والحديث إخوتي الكرام! كما قال الإمام ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم صفحة أربع وعشرين ومائتين: يدل بظاهره على أن الإنسان يؤجر في إتيان أهله من غير نية، يعني: لو لم ينو نية حسنة، ومن باب أولى لا يجوز أن ينوي نية سيئة، هذا لا إشكال فيه، لكن ما له نية، يعني: لو قدر أنه باشر أهله دون أن يكون له نية في إنجاب ذرية تعبد الله، أو في تذكر لذة الآخرة، وما قصد نية سيئة، كأن يأتي بولد ليكون شريراً يعلمه على الفساد، لا، ما نوى خيراً ولا شراً، يقول: ظاهر الحديث يثاب ويؤجر الإنسان عند قضاء هذه الشهوة وإن لم يكن له نية، (وفي بضع أحدكم صدقة) يدل بظاهره على أنه يؤجر الإنسان عند إتيان أهله من غير نية، ثم قال: وإلى هذا ذهب طائفة من المسلمين، ثم نقل عن أبي سليمان الداراني عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا أنه قال: من عمل عمل خير من غير نية كفاه نية اختياره الإسلام؛ لأن أمر المسلم محمول دائماً على السداد والكمال والخير والفضيلة، فمن عمل عملاً من غير نية وما أراد به شراً، يثاب عليه وتكفيه نية العامة وهي اختياره الإسلام ديناً, فهو إذا ذهل عن النية، وفعل ما أبيح له وما رغب فيه وما رتب عليه أجر، يحصل ذلك الأجر، نعم إذا نوى تتضاعف أجوره عند الله جل وعلا.

    إذاً إذا حصلت هذه المباضعة حتى من غير نية يثاب الإنسان عند فعلها، فسبحان الكريم الذي أغدق علينا هذا الثواب العظيم.

    إخوتي الكرام! وكما قلت هذه صدقة تعدل الصدقات المالية، وقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن كل واحد من بني آدم إذا أصبح ينبغي أن يتصدق على كل عضو سليم منه بصدقة شكراً لله جل وعلا على هذه النعم التي منحه إياها، وجعلها تعيش معه في كل يوم، كل عضو سليم ينبغي أن تتصدق عنه كل يوم بصدقة، والإنسان كما ورد عن نبينا عليه الصلاة والسلام في مسند الإمام أحمد ، والحديث في سنن أبي داود ، وصحيح ابن حبان وإسناده صحيح من رواية بريدة رضي الله عنه فيه ثلاثمائة وستون مفصلاً، إذاً ينبغي أن يتصدق بثلاثمائة وستين صدقة كل يوم، وحقيقة هذا إذا كان المراد به الصدقات المالية من الصعوبة بمكان، فانظر لتوسعة النبي عليه الصلاة والسلام على أمته.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود ، والحديث رواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى وأبو عوانة في مستخرجه من رواية أبي ذر أيضاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة)، كل عضو سليم إذا أصبح عندك وفي بدنك ينبغي أن تشكر الله عليه بصدقة، (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، ثم بين النبي عليه الصلاة والسلام هذه الصدقات التي هي شكر لهذه الأعضاء في الجسد: فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ثم قال: ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما الإنسان عند الضحى)، ركعتا الضحى تجزئان عن هذه الصدقات.

    وفي رواية أبي داود لهذا الحديث، وهذه ليست ثابتة في صحيح مسلم ، إنما في رواية أبي داود بعد أن ذكر ما تقدم في كل تسبيحة وتحميدة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (وفي بضعة أهله صدقة)، أي: جماعه لأهله، (وفي بضعة أهله صدقة، فقال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين: يقضي أحدنا شهوته ويكون له عليها أجر؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا وضعها في حرام كان عليه وزر، فكذلك لو وضعها في حلال كان له أجر).

    هذه الرواية كما قلت في سنن أبي داود ، والحديث كما قلت في صحيح مسلم وغيره وليس فيه هذه الزيادة التي في رواية أبي داود ، ولفظ رواية أبي داود : ( يصبح على كل سلامى من بني آدم صدقة، تسليمه على من لقي صدقة، وأمره بالمعروف صدقة، ونهيه عن المنكر صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وبضعة أهله صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان من الضحى، قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أحدنا يقضي شهوته فتكون له صدقة؟ قال: أرأيت لو وضعها في غير حلها ألم يكن يأثم؟).

    إتيان الحلال من أماثل الأعمال

    وفي رواية في أبي داود : (أكان يأثم )؟ نعم يأثم، وعليه إذا وضعها في حلها يؤجر، كما قلت لفظ الحديث في المسند وصحيح مسلم ، نعم إخوتي الكرام إن الوطء الحلال من خلق كرام الرجال، ويحصلون عليه أجراً كبيراً عند ذي العزة والجلال، وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يوجه الأمة إلى ذلك، ويخبرهم أن من أماثل أعمالهم ومن أفاضلها وطء النساء عن طريق ما أحل الله جل وعلا.

    ثبت الحديث بذلك في مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير، والحديث رجال إسناده ثقات من رواية أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه فدخل إلى بيته ثم خرج وقد اغتسل عليه صلوات الله وسلامه، فقال له الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين: يا رسول الله قد كان شيء؟ -حصل شيء؟ دخلت وخرجت وعليك أثر الغسل- فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، مرت بي فلانة امرأة من النساء فوقع في قلبي شهوة النساء، فأتيت بعض أزواجي فأصبتها، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: فكذلك فافعلوا؛ فإن من أماثل أعمالكم إتيان الحلال)، فإن الحلال هذا من أماثل وأفاضل وخير وأحسن أعمالكم، تعف نفسك وتحصل أجرك، وتعف زوجك، ويترتب على ذلك مغانم كثيرة.

    نعم هناك آفات، وهذه الحياة لا تخلو من آفات، لكن من أماثل أعمالكم إتيان الحلال، وهذا فعله نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث كما قلت في المسند ومعجم الطبراني من رواية أبي كبشة رضي الله عنه وأرضاه، وقد تكرر هذا مع النبي عليه الصلاة والسلام مراراً، وكان يوجه أصحابه الكرام إلى هذا الأمر.

    ثبت الحديث أيضاً بذلك في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم والحديث في سنن أبي داود والترمذي والسنن الكبرى للإمام البيهقي من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ولفظ حديثه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي تمعس منيئة له -تمعس، أي: تدلك، بمعنى: تدبغ جلداً للنبي عليه الصلاة والسلام- فقضى حاجته منها )، يعني: تركت الجلد ثم أصاب النبي عليه الصلاة والسلام زوجه وقضى حاجته، وتقدم معنا أن الإنسان إذا طلب زوجته وهي على التنور.. وإن كانت على ظهر قتب ينبغي أن تجيبه، قال: ( فقضى حاجته ثم خرج عليه صلوات الله وسلامه إلى أصحابه فقال: إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان؛ فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه)، هذا فعل نبينا صلى الله عليه وسلم.

    وفي رواية الترمذي : (فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن معها مثل الذي معها)، فنفسك لا تتعلق بالحرام، فعند زوجتك ما عند تلك.

    وفي رواية أبي داود : ( أن نبينا عليه صلوات الله وسلامه رأى امرأة فدخل على زينب بنت جحش فقضى حاجته منها، ثم خرج إلى أصحابه فقال لهم: إن المرأة تقبل في صورة شيطان، فمن وجد ذلك فليأت أهله؛ فإنه يضمر ما في نفسه)، يضمر ما في نفسه يعني: يضعفه ويذهبه.

    وفي رواية لـمسلم أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها؛ فإن ذلك يرد ما في نفسه)، وقد بوب على هذا الحديث أئمتنا أبواباً يشيرون بها إلى المعنى الذي يؤخذ من الحديث، فالإمام النووي بوب على هذا في تبويبه لصحيح مسلم ، وقلت لكم في بعض المواعظ السابقة: الإمام مسلم له عناوين الكتب، يعني: كتاب النكاح.. كتاب الإيمان، أما ما يوجد في داخل الكتاب من تراجم الأبواب هذه ليست من وضع الإمام مسلم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، من وضع الشراح ومنهم الإمام النووي , الإمام النووي بوب على هذا الحديث في كتاب النكاح من صحيح مسلم فقال: باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه إلى أن يأتي امرأته أو جاريته فيواقعها، وبوب عليه أبو داود في كتاب النكاح فقال: باب ما يؤمر من غض البصر، وبوب عليه الترمذي في النكاح فقال: باب ما جاء في الرجل يرى المرأة تعجبه، يعني ماذا يفعل؟ يذهب إلى أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه، وبوب عليه الإمام البيهقي في السنن الكبرى في الجزء السابع صفحة تسعين فقال: ما يفعل إذا رأى من أجنبية ما يعجبه.

    وقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث: (المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان)، أي: أن هذه المرأة إذا أقبلت إليك النفس تشتهيها وتميل إليها وتغريك بالفاحشة، إقبالها يغريك، وهكذا إدبارها عنك يغريك، فإذا رأيتها من أي الجهات تعلقت بها، والإغواء والإغراء بالفاحشة هذا من صنع الشيطان، فيغريك بالفاحشة عند إقبالها وعند إدبارها، ولذلك انتبه وحصن نفسك.

    قال الإمام النووي : يستنبط من هذا الحديث أنه ينبغي للمرأة ألا تخرج بين الرجال إلا لضرورة. انتبهوا لهذا الحكم إخوتي الكرام! وهذه واقعة تقع في العصر الأول ونبينا عليه الصلاة والسلام قلبه أطهر القلوب سن لنا هذا إذا حصل لنا، ومع ذلك ينبغي أن نعي هذا الأمر، يستنبط من هذا أنه ينبغي للمرأة ألا تخرج بين الرجال إلا لضرورة. وحقيقة من قلة حياء النساء ومن قلة مروءة الرجال أن تتجول النساء بين الرجال في الأسواق والشوارع كما هو الحال في هذه الأيام، نعجب لهذه الأمة ما بقيت تغار على أعراضها، ألا تستحيون؟! ألا تغارون؟! النساء يخالطن الرجال في الشوارع والأسواق، ويخالطن الصالح والطالح، إلى الله نشكو أحوالنا وأمورنا.

    وأخبرني مرة بعض الإخوة الكرام! يقول: أحياناً يكون الإنسان مع زوجه في السيارة ويقف أمام باب المطعم، وهي التي تملي على صاحب المطعم ما تريد ليحضرها للسيارة، وزوجها فقط جالس ينتظر ماذا تطلب؟! سبحان ربي العظيم!

    يستنبط من هذا أنه ينبغي لها ألا تخرج بين الرجال إلا لضرورة، وأنه ينبغي للرجل الغض عن ثيابها والإعراض عنها مطلقاً، نعم لا يجوز أن تنظر إلى ملاءة وجلباب المرأة وإن كانت متحجبة، إذا رأيت امرأة غض البصر، وما يقوله بعض السفهاء في هذه الأيام من أن المرأة يباح لها أن تكشف الوجه؛ لأن الله يقول: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30]، فلو لم يكن الوجه مكشوفاً عن أي شيء نغض أبصارنا؟! سبحان ربى العظيم! على هذا الفهم المعكوس المنكوس، فقط المرأة إذا أظهرت وجهها ينبغي أن تغض النظر عنها؟ لا ثم لا، امرأة تمشي لا تنظر إليها، لعبت الرياح بثوبها إياك أن تتأمل بعد ذلك ما يبدو من بدنها، يعني: لازم الوجه يبدو حتى الرجل يغض البصر، من قال هذا؟!

    فإذاً هنا ينبغي للرجل الغض عن ثيابها والإعراض عنها مطلقاً، هذا ما يستنبط من هذا الحديث إخوتي الكرام! وهذه الواقعة تكررت أيضاً مع نبينا عليه الصلاة والسلام كما في رواية أبي كبشة ورواية جابر بن عبد الله ، ثبت أيضاً معنى ذلك مع زوجة أخرى من أمهاتنا أزواج نبينا عليه وعليهن صلوات الله وسلامه، روى ذلك الإمام الدارمي في سننه في الجزء الثاني صفحة ست وأربعين ومائة من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ( رأى النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فأعجبته فأتى أمنا سودة وهي تصنع طيباً -يعني: تصنع شيئاً تتطيب به- وعندها نساء فأخلينه -أي: النساء خرجن- وجعل النبي عليه الصلاة والسلام يخلو بزوجه فقضى حاجته، ثم قال: أيما رجل رأى امرأة تعجبه فليقم إلى أهله فإن معها مثل الذي معها).

    إذاً إخوتي الكرام! شهوة النكاح مع ما فيها من آفات كما قلت جعلها الله فينا من أجل تحصيل الخيرات فيها، ومن استحضر المغانم والآفات التي في تلك الشهوة قد يعرض عنها، فسلط الله عليه الشهوة، ثم مع ذلك جعل الله له أجراً عظيماً عندما يباشر تلك الشهوة، فإذن لك أجر الصدقة، وشهوة بعد ذلك تستحثك وتدفعك إلى إشباعها وإروائها، لكن من استحضر تلك الآفات كما قلت بدون هذين الأمرين حقيقة قد يعرض عن شهوة النكاح وشهوة الجنس، فجعل الله هذه الشهوة تدفعه إلى إروائها وإشباعها، وجعل الله له بعد ذلك أجراً عظيماً على قضائها، ومن أماثل أعمال الرجال قضاء الشهوة عن طريق الحلال.

    ولذلك إخوتي الكرام! هذه الشهوة عبي تحتها حياتان كما قال أئمتنا الكرام: حياة حاضرة وحياة مستقبلة، أما الحياة الحاضرة فالذرية والأولاد، لا يمكن أن توجد إلا بواسطة قضاء الشهوة، وعندما تقضي هذه الشهوة تتذكر لذة الآخرة، فهذا يدفعك إلى فعل الطاعات وترك المنكرات إلى أن تنعم في نعيم الجنات، وسبحان من جعل حياتين حياة عاجلة وحياة آجلة تحت هذه الشهوة المنقضية الزائلة.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.