إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مباحث النبوة - حسن العشرة بين الزوجين [2]

مباحث النبوة - حسن العشرة بين الزوجين [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من أعظم الروابط البشرية رباط الزوجية، ولذلك كان سعي الزوجة لفك هذا الرباط من غير عذر شرعي إثماً عظيماً، ومن صور فك هذا الربط تخبيب المرأة على زوجها وهذا من كبائر الذنوب، وأعظم ما يفرح الشيطان هو فك رباط الزوجية، ومن أعظم الأمور التي تنمي هذا الرباط حُسن خلق الزوجة مع زوجها، وهذا له صور كثيرة بينها الشارع الحكيم.

    1.   

    أحقية الأم بحضانة الولد ما لم تتزوج

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً, وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا, وعلمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين! اللهم زدنا علماً نافعاً, وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين! سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك! سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك! اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فقد كنت ذكرت خلق نبينا مع أهله الكرام على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وبينت ما في هذا الأمر من دلالات واضحة على أن نبينا رسول الله حقاً وصدقاً عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه. وقبل أن ننتقل إلى مدارسة الجانب الثاني من خلقه الكريم عليه صلوات الله وسلامه، ألا وهو خلقه مع أصحابه الكرام وأمته على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، قلت: يحسن بنا بل يجب علينا أن نذكر ترجمةً موجزة لأمهاتنا أزواج نبينا على نبينا وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وقلت: إن هذه الترجمة لأمهاتنا أزواج نبينا سيسبقها ثلاثة أمور: أولها: بيان مقاصد النكاح وفوائده، وثانيها: الحكمة من مشروعية التعدد في الأمة، وثالثها: بيان الحكمة من تعدد أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام أكثر مما أبيح لأمته, على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وقلت: إن هذه الأمور لا بد منها قبل ذكر ترجمة أمهاتنا أزواج نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه؛ لنرى منزلة النكاح، وفوائده، ومنافعه، وعليه إذا استكثر الإنسان منه بنية طيبة واتقى الله في أهله، فإنما يستكثر من الخير الذي يعود عليه بالفوائد العظيمة في العاجل والآجل في الدنيا والآخرة.

    كنا ذكرنا الأمر الأول, ألا وهو: بيان حكم النكاح العامة ومقاصده الأساسية، وقلت: إن حكم النكاح كثيرة, يمكن أن نجملها في خمس حكم:

    الحكمة الأولى: تحصين النفس البشرية من كل آفة ردية، سواء كانت حسية أو معنوية.

    والحكمة الثانية: إنجاب الذرية التي تعبد وتوحد رب البرية.

    وقد مضى الكلام على هاتين الحكمتين مفصلاً موضحاً بأدلتها.

    والحكمة الثالثة: تحصيل الأجر العظيم للزوجين عن طريق حسن عشرة كل منهما لصاحبه, ومساعدته له في ذلك، كما سيأتينا تفصيل ذلك.

    والحكمة الرابعة: تذكر لذة الآخرة.

    والحكمة الخامسة: ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه، وبأهل صاحبه في هذه الحياة, كما سيأتينا تقرير هذا إن شاء الله.

    وذكرنا الحكمة الثالثة: ألا وهي: تحصيل الأجر العظيم للزوجين عن طريق حسن عشرة كل منهما لصاحبه. وقلت: إن تحت هذا أربعة, أمور أمران يتعلقان بالزوج، وأمران يتعلقان بالزوجة.

    أما ما يتعلق بالزوج فقد تقدم معنا حسن خلقه مع زوجه, ونفقته عليها. وتقدم ما في ذلك من أجر عظيم عند ربنا الكريم عندما يحسن خلقه مع زوجه, فخير هذه الأمة خيرهم لأهله، وأحسنهم خلقاً مع أهله، وعندما ينفق على أهله يؤجر حتى ما يجعل في فيّ امرأته. وتقدم معنا هذا مقرراً موضحاً بأدلته أيضاً.

    وبقي علينا أن نذكر ما يتعلق بالخير الذي ستحصله الزوجة عن طريق حسن عشرتها مع زوجها، بأن تحسن خلقها معه, وأن تساعده بمالها إذا كانت تملك ذلك، وفي ذلك أيضاً لها أجر عظيم.

    وقبل أن ندخل في هذين الأمرين ختمت المبحث السابق بأمر ينبغي أن نعيه تماماً، ألا وهو: أن مغانم النكاح، وفوائد النكاح، وثمرات النكاح، يشترك في تحصيلها كلاً من الزوجين, وينالها الزوجان الرجل والمرأة. وثمرات النكاح يحصلها هذان الزوجان عندما يتقيان الله جل وعلا في العشرة بينهما، ويحسن كل واحد منهما نيته لربه جل وعلا, ففوائد النكاح يحصلها الرجل, وهكذا تحصلها المرأة.

    بل قلت -كما تقدم معنا-: إن هذه الفوائد يحصلها كل واحد بمقدار جده واجتهاده وتحمله أعباء الزوجية، ولذلك من أعظم ثمرات النكاح - كما تقدم معنا- خروج الذرية التي تعبد رب البرية. قلت: وللمرأة نصيب كبير في هذه الذرية يزيد على نصيب الرجل، فلها حق على الذرية يزيد على حق الرجل بثلاثة أضعاف، كما تقدم معنا تقرير هذا من كلام الله جل وعلا ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد تقدمت معنا أربعة أحاديث تدل على ذلك, وهي صحيحة، حديث أبي هريرة ، وحديث معاوية بن حيدة ، وحديث خداش بن سلامة ، وحديث المقدام بن معدي كرب , وهو أن الأم ينبغي أن يبرها الولد أكثر من الأب بثلاثة أضعاف.

    وقلت: إن الحكمة في ذلك أن كلاً من الأبوين ربا هذا الولد، فاشتركا في تربيته, لكن الأم تحملت جزءاً مضاعفاً, فهي التي حملت, وهي التي وضعت, وهي التي أرضعت، فحقها يفوق ويزيد على حق الرجل بثلاثة أضعاف, كما تقدم معنا هذا.

    ومن الأحاديث التي تقرر هذا وهو آخر حديث، حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين، وهذا حديث صحيح رواه أبو داود ، والحاكم في المستدرك. والبيهقي في السنن الكبرى في الجزء الثامن، صفحة خمس، وإسناد الحديث حسن، وإن كان في إسناد أبي داود الوليد بن مسلم الدمشقي أبو العباس , وهو مدلس, وقد عنعن في رواية أبي داود , وكان يدلس شر أنواع التدليس, وهو تدليس التسوية، فيحذف ضعيفاً بين ثقتين، بحيث يسوي رجال الإسناد كلهم ثقات، لكنه صرح بالتحديث في رواية الحاكم , وعليه زالت الآفة من تدليسه, والوليد بن مسلم الدمشقي توفي سنة خمس وتسعين ومائة للهجرة، وحديثه في السنن الأربع, وهو صدوق إمام خير فاضل, ما فيه إلا التدليس، وتقدم معنا تعريف التدليس وأقسامه ضمن مباحث سنن الترمذي . ولفظ الحديث من رواية عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده رضي الله عنهم أجمعين: أن امرأة جاءت إلى نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام ومعها ابن لها فقالت: ( يا رسول الله! إن ابني هذا -الذي هو معي وأقوده بين يدي- كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء )، أي: حملته في بطني، وأسقيته من ثديي، وبعد ذلك حويته وضممته وأجلسته في حجري، ( وإن أباه طلقني, وأراد أن ينتزعه مني )، فمن أحق بالولد؟ الذي بذل جهداً مضاعفاً نحوه فقال عليه الصلاة والسلام: ( أنت أحق به ما لم تنكحي )، أنت حملت ووضعت وأرضعت وربيت, والوالد ربى. فالأمر الرابع وهو التربية مشترك بينكما، وأنت تزيدين في هذه الأمور الثلاثة, وما في قلب المرأة من الرأفة والحنو نحو الولد لا يكون في قلب والد ولا غيره، وبصلها خير من عسل الأب للولد، فلو أكل البصل عند أمه خير من أن يأكل العسل عند أبيه؛ لأنه عندما يأكل البصل يأكل معه الرأفة والحنو والشفقة، ويغذى على هذه المعاني، وليس عند الوالد ما عند الوالدة نحو الولد، ( أنت أحق به ما لم تنكحي )، فإذا اشتغلت الآن بحق الغير هذا الولد سيضيع بعد ذلك عند هذا الرجل الأجنبي، فيعود بعد ذلك إلى من له حق الحضانة إلى والده، إذاً: توصلت لاختصاصها بالولد لأنها اختصت بهذه الأمور الثلاثة دون الوالد.

    إن المرأة عندما تحمل وتضع وترضع لها من الأجر ما لا يعلمه إلا الله. فهي تقوم بجهد مضاعف يزيد على جهد الأب, والجزاء بمقدار التعب، فالأجر لا يحصل للأب من هذه الحيثية, وقد أشار إلى ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام, ففي مسند عبد بن حميد , والحديث نص الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في تعليقه على المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، في الجزء الثاني، صفحة أربع وثمانين بأن إسناده حسن، عن عمر بن الخطاب , قال الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في تعليقه في الحاشية يقول: وفي إتحاف المهرة في أطراف المساند العشرة وهو لـابن حجر ، يقول: عن ابن عمر , يعني: الحديث هنا إما عن عمر ، أو عن ابن عمر ، وهذا إما لتعدد الروايات، أو لخطأ في الطباعة ومال الشيخ الأعظمي إلى ترجيح رواية عمر , وأن هذا هو الصحيح, ولعل ابن عمر خطأ، والذي يظهر أن ما رجحه مرجوح, وأن الحديث من رواية ابن عمر ؛ لأن الحديث ورد في حلية الأولياء في الجزء الرابع، صفحة ثمان وتسعين ومائتين من رواية ابن عمر , وما أشار إلى ذلك الشيخ الأعظمي . فالحديث إذاً: من رواية عمر أو من رواية ابن عمر , وهذا فيما يظهر هو الراجح مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( إن للمرأة في حملها إلى وضعها إلى فصالها ), مدة الرضاعة وفطام الولد ( إن للمرأة في حملها إلى وضعها إلى فصالها من الأجر كالمتشحط بدمه في سبيل الله )، أي: لها كأجر من يقتلون في سبيل الله، فكم سيقتل من حملها إلى وضعها, لها هذه الأجور المضاعفة، من استقرار الحمل في رحمها، إلى أن تفطم الولد، لها أجر الشهيد على مر الدقائق والثواني واللحظات. قال عليه الصلاة والسلام: ( فإن هلكت فيما بين ذلك فلها أجر شهيد ). إذاً: هذه المرأة بذلت هذا الجهد، لكن تقطف هذه الثمرة عند الله جل وعلا. وهذا يحتاج إلى إخلاص في النية وإلى حياة زوجية شرعية. فلا يحصل الزوجان هذه المغانم والأجور إلا إذا كانت اتصالهما ببعضهما على حسب شريعة الإسلام, فالله لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحاً ولوجهه خالصاً.

    وأما ذرية لا تربى على الآداب الشرعية، وبيوت فيها كل آفة ردية، فهذا موضوع آخر، إنما الكلام في البيوت الشرعية, المرأة تحصل هذا الأجر عند الله منذ أن يستقر الحمل في رحمها إلى أن تفطم الولد, لها ( كأجر المتشحط بدمه في سبيل الله، فإن هلكت بين ذلك فلها أجر شهيد ).

    إذاً: ثمرات النكاح.. فوائده.. مغانمه يشترك في تحصيلها الزوجان، بل كل واحد له من الأجر حسب جده وجهده واجتهاده وتحمله وتعبه.

    وبعد هذا ننتقل إلى بيان الأجر الذي ستحصله المرأة عن طريق حسن خلقها مع زوجها.

    1.   

    رباط الزوجية أعظم الروابط البشرية

    إن رباط الزوجية رباط شريف كريم، وهو رباط غليظ عظيم، وهو أعظم الروابط التي تقع بين البشر, وقد جعله الله جل وعلا ميثاقاً غليظاً في كتابه، ولذلك له شأن, فهذا الرباط إذا حصل بين الزوجين انظر ماذا يترتب بعد ذلك عليه من حقوق، هذا الزوج بهذا الرباط يصبح سيداً، والزوج سيد في كتاب الله, نص الله على ذلك في كتابه, وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف:25]، أي: زوجها. ويصبح هذا الزوج السيد بهذا الرباط أعظم الخلق حقاً على المرأة، حقه يزيد على حق الأبوين بمجرد إجراء عقد النكاح، وقد أشار إلى هذا نبينا صلى الله عليه وسلم, والحديث في المسند، وسنن النسائي , ورواه الحاكم في المستدرك، والبزار في مسنده، وإسناد الحديث صحيح، وقد صححه الحاكم ، وأقره عليه الذهبي , والحديث في المستدرك في الجزء الرابع، صفحة خمسين ومائة، وصفحة خمس وسبعين ومائة، وفي الترغيب والترهيب في الجزء الثالث، صفحة ثلاث وخمسين، وفي المجمع في الجزء الرابع، صفحة تسع وثلاثمائة، وقد ذكره الحافظ ابن حجر , وهو على شرطه حسن أو صحيح في الفتح في الجزء العاشر، صفحة اثنتين وأربعمائة، ولفظ الحديث عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( قلت: يا رسول الله! أي الناس أعظم حقاً على المرأة؟ قال: زوجها، قلت: فأي الناس أعظم حقاً على الرجل؟ قال: أمه ). أعظم الناس حقاً على الرجل أمه، وأعظم الناس حقاً على المرأة زوجها، والأبوان عندما يجريان عقد النكاح على ابنتهما لمن يرضياه كفئاً لها، فقد تنازلا عن حقوقهما له، وسلما القيادة إليه، فهو أعظم الناس حقاً على المرأة لهذا الرباط الذي يحصل، رباط عظيم له آثار عظيمة في شرعية الله المطهرة.

    محاولة المرأة الانفصال من رباط الزوجية من غير سبب شرعي إثم عظيم

    ولذلك اعتبر نبينا صلى الله عليه وسلم الانفصال من هذا الرباط، وإن المرأة إذا أرادات أن تنفصل من غير سبب شرعي فقد ارتكبت إثماً عظيماً كبيراً، وهذا الإثم يحرم عليها رائحة الجنة، إذا حصل بينها وبين رجل رباط شرعي، ثم كرهت هذا الرجل من غير أمر شرعي، ليس فيه معصية لله، إنما هي كرهته, وتريد أن تنفصل منه لتذهب إلى غيره حرام عليها رائحة الجنة. هذا نكاح, وله شأن عظيم في الإسلام. هذه بيوت ستقوم عليها بعد ذلك أمة النبي عليه الصلاة والسلام، سيكون لها شأن في هذه الحياة، أما بيوت مضعضعة وطلاق هنا وهناك وذرية مشردة هذه لا تصلح أن يكون في الأمة الإسلامية، لا بد من أن يكون هذا الرباط له قداسة, له منزلة, له حصانة, له مكانة، فاستمع لتقرير هذا من كلام نبينا صلى الله عليه وسلم، ثبت في السنن الأربع إلا سنن النسائي , والحديث رواه الدارمي ، والحاكم في المستدرك، هو في الجزء الثاني، صفحة مائتين في المستدرك، ورواه ابن حبان في صحيحه، وأبو يعلى في مسنده، وابن الجارود في المنتقى والطبري في تفسيره، والبيهقي في السنن الكبرى، والضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، ورواه ابن أبي عاصم ، وابن أبي شيبة في المصنف، وسنده صحيح كالشمس، من رواية ثوبان مولى نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة ). ما سألت الطلاق لبأس فيه، لا يشرب الخمر، ولا يزني، ولا يسرق، ولا يترك الصلاة، ثم سألت الطلاق, لماذا؟ قالت: يجلس في مكتبته كثيراً، وليس لي حظ من التمتع، سألت الطلاق لماذا؟ قالت: يعزم على الزواج من ثانية، وقريباً يتزوج ثالثة، ورابعة ما ندري به. إذاً: ستحرمين ما أحل الله، وستنهين عما أباحه الله، أنت لك حقوق شرعية، إن قصر فيها لا بأس توقفينه عند حده وبعد ذلك يؤخذ لك الحق الشرعي، أما أنه يريد أن يتزوج ما دخلك في هذا, الله يبيح له شيئاً وأنت ستحرميه؟ هذا النكاح ليس لعباً، هذا له شأن عظيم في شرع الله الكريم سبحانه وتعالى، فلا بد من مراعاة هذا، ولذلك إذا سألت من سيدها أو من زوجها أن يفارقها من غير بأس فيه فيحرم عليها أن تشم رائحة الجنة.

    نعم إن البيوت لها شأن في شريعة الله، وإن الارتباط الشرعي عن طريق النكاح له شأن، ولذلك تكرس الجهود في هذه الأيام من قبل أعداء الإسلام من قبل الدول الغربية لتفكيك الأسرة المسلمة، فإذا فككت الأسرة المسلمة انتهى، الأمة ضاعت، وتبهذلت في العاجل قبل الآجل، ولذلك - كما قلت- هذا العقد له شأن عظيم, وهذا رباط كريم، إذا كان الأمر كذلك المرأة إذا سألت زوجها الطلاق من غير بأس حرام عليها رائحة الجنة فكم سيكون إثم وجرم من يسعى في التفريق بين الزوجين، يعني: هي صاحبة العلاقة إذا سألت لم تشم رائحة الجنة، فإذا دخل مفسد بينهما وأغرى بينهما إما خبب المرأة على زوجها، وإما طلبت من الزوج أن يطلق زوجته، امرأة طلبت لاعتبار من الاعتبارات كما سيأتينا كم سيكون جرمها؟ يعني: هي صاحبة العلاقة التي ستتضرر بالطلاق إذا فعلت هذا لا تشم رائحة الجنة، فكيف بالمفسد الذي يأتي بينهما ويتسبب في حصول الطلاق في البيوت الإسلامية؟ يا ويحه! ويا ويله أمام رب البرية! ثبت في المسند، والكتب الستة إلا سنن ابن ماجه ، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يحل لامرأة أن تسأل طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها ). ( لا يحل لامرأة أن تسأل طلاق أختها ). وأختها في الإيمان ليست أختاً من النسب الآن، ( لتستفرغ صحفتها ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها ). إنسان خطب زوجة ثانية ليتزوجها تقول: أتزوجك بشرط أن تفارق الأولى، كم ستتحمل من الغضب واللعنة لهذا العرض وهذا الطلب؟ كم ستتحمل؟ يمكن إذا طلبت الطلاق يُحَرم عليها رائحة الجنة، فكيف سيكون وزر هذه؟ لا يحل لها, وهذا حرام. ( لتستفرغ صحفتها ), أي: سيأتيها رزق من هذا الزوج عن طريق العشرة التي أحلها الله وعن طريق النفقة، فكأن هذه الصحفة التي يأتيها شيء من الخير وخير من قبل الزوج ستستفرغه هذه الطالبة, وتأخذه دونها.

    قال نبينا عليه الصلاة والسلام: ( ولتنكح )، إذا كانت ترغب فيه لتتزوجه, ولتكن ثانية وثلاثة ورابعة، ( فإنما لها ما قدر لها ), ما قدر لها سيأتيها من رزق، أو من حسن عشرة، أو من معاشرة أحلها الله، أما أن تقول: أتزوجك على أن تطلق أختي، أو على أن تطلق زوجتك هذا لا يجوز ولا يحل.

    تخبيب المرأة على زوجها من كبائر الذنوب

    كما قلت فاعل ذلك مرتكب كبيرة عند ذي الجلال والإكرام، وطلب الطلاق من الرجل ليطلق زوجته لا يقتصر على هذه الصورة، بل قد يدخل مخبب مفسد, يريد من الرجل أن يطلق امرأته, أو يحرض المرأة على طلب الطلاق من زوجها دون أن يكون لهم منفعة، بعض الناس يتلذذون في وقوع الشر في الحياة، كلما كثر الشر هو يفرح، وإذا وجد الخير يتألم ويحزن، ولن يحصل من طلاق هذا الرجل لامرأته فائدة، إنما سيحصل لعنة يفرح بها، يبحث عن اللعنات أين توجد ليضمها إليه, ولينال قدراً كبيراً منها، ولذلك حذرنا نبينا عليه الصلاة والسلام من إفساد المرأة على زوجها، ومن تخبيب المرأة على زوجها، ثبت في المسند، وسنن أبي داود , والحديث رواه النسائي في سننه، والحاكم في مستدركه, وقال: صحيح على شرط البخاري , وهو في صحيح ابن حبان , وإسناد الحديث صحيح من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ليس منا من خبب امرأة على زوجها، أو عبداً على سيده ). خبب بمعنى: أفسد، جاء للمرأة وقال: أنت تعيشين مع هذا الزوج بهذه الحياة، الناس ينعمون وعندهم من النعم الشيء الكثير فلو فارقتيه لعلك تحصلين من هو خير منه, يريد فقط إيقاع الطلاق دون أن يزوج أخته لهذا الرجل، أو دون أن تكون هي امرأة لتتزوجه، إنما فقط يريد خراب البيوت. ( ليس منا من خبب امرأة على زوجها ). قال علماؤنا: من التخبيب إكرام المرأة الناشز. فإذا جاءت المرأة من بيت زوجها وهي ناشزة عليه تسخط الحياة الزوجية: لو أكرمها أبواها، أو أخوها، أو أهلها، أو جيرانها الذين ذهبت عندهم لو أكرموها فهذا نوع من التخبيب, وهم ملعونون، إنما ينبغي أن يضيقوا عليها في الطعام وفي الشراب وبالغلظة في المعاملة من أجل أن تشعر بنعمة الحياة الزوجية، وإلا فإنها عندما تجد السعة حتماً قد تكره بعد ذلك الحياة الزوجية.

    ومن صور التخبيب أنها إذا جاءت تكره الحياة الزوجية، أن تفتح صدرك لها, وأن تقول لها: أبشري, وسيجعل الله بعد عسر يسراً، ثم تغدق عليها من الخيرات والبركات، سواء كنت والداً أو لا. كل هذا نوع من التخبيب، إنما إذا جاءت وهي تكره الحياة الزوجية فضيق عليها؛ من أجل أن تعلم أن ما عند زوجها خير لها, لتعود إلى الحياة الزوجية.

    ولذلك ينبغي أن نتقي الله في تصرفاتنا وفي معاملاتنا, حتى لا تكون سبباً في إفسادها بحيث تطلب الطلاق منه. ( وليس منا من خبب عبداً على سيده ). والحديث روي عن بريدة رضي الله عنه في المسند، وصحيح ابن حبان ، ومسند البزار ، بسند صحيح, كما في الترغيب والترهيب في الجزء الثالث، صفحة اثنتين وثمانين، هو في مجمع الزوائد في الجزء الرابع، صفحة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، عن بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس منا من حلف بالأمانة، وليس منا من خبب على امرئٍ زوجته، أو مملوكه ). بمعنى حديث أبي هريرة , حديث بريدة بمعنى حديث أبي هريرة , هناك ( ليس منا من خبب امرأة على زوجها )، وهنا ( من خبب على امرئٍ زوجته أو مملوكه فليس منا ). وقلت: خبب بمعنى أفسد؛ فتخبيب الزوجة لتطلب الطلاق، أو ذاك وتخبيب المملوك لأجل أن يهرب ويشرد من سيده. فمن أفسد المرأة على زوجها أو العبد على سيده فليس هو من عداد المسلمين، وهو فاعل كبيرة, وملعون من قبل رب العالمين.

    فك رباط الحياة الزوجية من أعظم ما يفرح الشيطان

    لا بد من وعي هذا تمام الوعي، وأن تعلم أن أعظم شيء يفرح الشيطان خراب البيوت ووقوع الطلاق، وإذا وقع الطلاق فالشيطان يفرح فرحاً لا نهاية له، ولذلك عندما يرسل سراياه ليفسدوا بين الناس إذا جاءه أحدهم وقال: لم أزل به حتى طلق زوجته، يقول: أنت أنت، نِعم أنت، ثم يلتزمه ويعانقه ويقبله، يعني: أنت الشيطان المارد العفريت الخبيث، الذي فعلت شيئاً يرضينا ويغضب الله، وهو خراب البيوت وتشريد الأسر وضياع الذرية. والمرأة إذا طلقت كيف سيكون حالها، نسأل الله أن يستر أعراضنا, وأن يحسن ختامنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    ثبت في المسند، وصحيح مسلم ، ومسند عبد بن حميد ، من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن إبليس يضع عرشه على الماء ). سلطانه هناك, يبسط عرشه وكرسيه على الماء أو على البحر، ثم يرسل السرايا كل يوم بكيفية يعلمها الله ولا نعلمها، وقلت لكم: مراراً أمور الغيب لا ندخل فيها العقل، فهذا من أشنع العيب. يضع عرشه على الماء بكيفية يعلماها الله ولا نعلمها, ثم يرسل سراياه وهم: جنوده؛ من أجل أن يوسوسوا ويفسدوا بين الناس، قال عليه الصلاة والسلام: ( فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة )، يعني: أن رتبته عنده بمقدار إفسادهم. ( أدناهم عنده منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم - من الذين أرسلهم من السرايا- فيقول: لم أزل به )، أي: بهذا العبد المسلم ( حتى فعل كذا وكذا )، يعني: من أمور الشر، حتى سرق مثلاً، حتى نظر نظرة خيانة، حتى حتى، فيقول: ( ما صنعت شيئاً )، يعني: ما قمت بالمطلوب، لماذا؟ لأنه يوشك أن يتوب، يعني: فلو سرق بعد فترة يتوب، أو نظر يقول: أنا استحي من الله. ( ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته ). هذا الذي حصل مني أنا، الآن هذا بعث آخر, هذا جندي له رتبة، يقول: لم أزل به حتى فرقت بينه وبين امرأته، ( ما تركته حتى فرقت بينه وبين وامرأته، فيدنيه الشيطان ثم يقول له: نعم أنت, فيلتزمه )، يعني: فهذا شيطان حقيقي, وأما أولئك أفسدوا إفساداً ليس له اعتبار كبير، يعني: أغوى الإنسان على أن يسرق كما قلت، أو على أن يؤخر الصلاة عن وقتها، أو على أن ينظر نظرة محرمة، أو على أن يسمع الغناء والبلاء، هؤلاء يقول لهم الشيطان: أنتم ما صنعتم شيئاً؛ لأن كل منهم سيتوب بعد قليل، لكن نحن نريد فتنة شرها يستطير, أن تتنكد حياته، وأن تتنكد حياتها، والذرية تضيع، ثم ينتشر العهر والفجور، فإذا بقيت المرأة بلا زوج ستبحث هنا وهنا، نريد بلاء عاماً، ماذا عملت؟ قال: ما تركته حتى فرقت بينه وبين وامرأته. هذا متخصص، هذا شيطان فيه جميع أمور الشيطنة، فيقول: نعم أنت، ثم يلتزمه الشيطان. فاستمع إذاً: لشناعة الفرقة بين الزوجين ولمنزلة الاجتماع بين الزوجين.

    وكما قلت: رباط الزوجية رباط شريف، وهو عهد عظيم غليظ، ولذلك بهذا العهد صار الزوج سيداً، فينبغي للمرأة أن تحسن خلقها مع سيدها، كما ينبغي أيضاً على السيد أن يحسن خلقه مع من يلي أمرهم من رعيته, وأولهم زوجه، هذه التي يقترن بها اقتراناً لا يحصل بين أحدين من خلق الله، إلا عن هذه الطريقة التي أحلها الله جل وعلا.

    1.   

    الأدلة على وجوب إحسان الزوجة معاشرة زوجها

    وقد تقدم معنا ما يتعلق بحسن خلق الزوج مع زوجه، وسنذكر الآن حسن خلق الزوجة مع زوجها. وسأذكر ثلاثة أحاديث تدل على منزلة حسن خلق المرأة مع زوجها، وثلاثة أحاديث أخرى تدل على شناعة سوء خلق المرأة مع زوجها. وإذا انتهينا من هذا أنتقل إلى الجانب الثاني الذي تحصله الزوجة من الفوائد الثلاثة من فوائد النكاح, ألا وهو: النفقة على الزوج، ومساعدتها لزوجها بالأمور المالية إن كانت تملك ذلك.

    من ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة

    الحديث الأول الذي يدل على منزلة حسن خلق الزوجة مع زوجها وكم لها من الأجر عند ربها إذا اتقت ربها في سيدها، وفي زوجها وحسنت صلتها به، الحديث رواه الترمذي ، وابن ماجه في السنن، والحاكم في المستدرك والطبراني في معجمه الكبير، وقال عنه الترمذي : حسن غريب، والحديث صححه الحاكم , ووافقه عليه الذهبي , وفي إسناده مساور الحميري ، عن أمه، عن أمنا أم سلمة رضي الله عنهم أجمعين. ومساور الحميري وأمه مجهولان لا يعرف حالهما، وهما من رجال الترمذي ، وسنن ابن ماجه , والترمذي يحسن الحديث الذي يأتي من طريق مساور الحميري ، عن أمه، عن أم سلمة , وقد أورد الترمذي في جامعه حديثين من طريق مساور حسنهما هذا الحديث الأول، حديث أم سلمة ، سأذكره.

    الحديث الثاني قول نبينا عليه الصلاة والسلام: ( لا يحب علياً منافق, ولا يبغضه مؤمن )، أي: من كان من المؤمنين لا يبغض علياً رضي الله عنه، ومن أحبه حباً شرعيا لم يكن من المنافقين، وهذا إن شاء الله صك له ببراءته من النفاق. والمراد من الحب: الحب الشرعي. وعندنا علي رضي الله عنه حكم فيصل فارق بين فرقتين ضالتين في هذه الأمة، فرقة الروافض، وفرقة النواصب، أما النواصب هم: الذين عادوا آل البيت، وزعموا أنهم يوالون الصحابة، وهم يكذبون فيما يقولون, فلا تحصل الموالاة للصحابة إلا بموالاة جميعهم, وفي مقدمتهم هذا الخليفة الراشد رابع الخلفاء الراشدين علي رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين. وأما الرافضة: فادعوا أنهم يحبون علياً , وغلوا فيه, ونزلوه إلى منزلة الألوهية، ورفعوه عن رتبة النبوة, ثم سبوا ولعنوا الصحابة الآخرين، وعلي بريء من هؤلاء, كما أننا نحن نبرأ أيضاً من أولئك، ودين الله بين الغالي والجافي. ولذلك في علي رضي الله عنه شبه بعيسى بن مريم عيسى أبغضه اليهود, فقالوا: إنه ابن زنى, عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وأطراه النصارى، فقالوا: إنه ثالث ثلاثة. وهكذا علي رضي الله عنه, أبغضه قوم فافتروا عليه، وأطراه قوم فافتروا عليه، وهو بريء من الصنفين, ولا يقدر علياً حق قدره إلا أهل السنة، فهو صحابي جليل من العشرة المبشرين بالجنة، ويكفيه فخراً أنه حظي بسيدة نساء العالمين، وهو صهر نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام على أكرم بناته عليه, ألا وهي سيدتنا فاطمة على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    أما الحديث الثاني فقد ثبت في المسند، وسنن الترمذي ، والنسائي ، وصحيح مسلم , فالحديث في أعلى الأحاديث درجة ورتبة من رواية علي رضي الله عنه أنه قال: ( والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي صلى الله عليه وسلم إليّ لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق ). والحديث - كما قلت- في صحيح مسلم وغيره، وهذا بمعنى الحديث الذي تقدم معنا, ( لا يحب علياً منافق، ولا يبغضه مؤمن ). وهذا الحديث الثاني في صحيح مسلم , ( والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي صلى الله عليه وسلم إليّ لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق ). اللهم إنا نشهدك على حبه. ونسألك أن تختم لنا بالإيمان يا ذا الجلال والإكرام! علي رضي الله عنه وعن الصحابة الكرام أجمعين.

    الحديث الذي معنا كما قلت من طريق مساور ، عن أمه، عن أمنا أم سلمة رضي الله عنهم أجمعين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة )، فأي منقبة بعد هذه المنقبة؟ وأي فضيلة بعد هذه الفضيلة؟ وأي أجر بعد هذا الأجر؟ تحسن خلقها مع زوجها فيرضى عنها، ويسر بها, ويدعو لها في جميع أحواله، إذا ماتت دخلت الجنة. هذا حسن الخلق. ولا يمكن للزوج أن يرضى عن زوجته إلا إذا كانت حسنة الخلق، أما إذا كنت بذيئة سفيهة ترفع صوتها على زوجها ولا تحسن عشرة عشيرها فلن يرضى عنها، بل سيكون ساخطاً عليها، والويل ثم الويل إن غضب عليها زوجها! نعم لها الويل العظيم إن غضب عليها زوجها، فلن تؤدي المرأة حق ربها، إلا إذا أدت حق بعلها، فإذا مقتها زوجها سخط عليها العزيز القهار، ولعنتها ملائكة الله الأطهار على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. وإذا رضي عنها زوجها في هذه الحياة أحبها رب الأرض والسماوات، وأسكنها غرف الجنات: ( أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة ). فلها من الله هذا المكانة, ألا وهي دخول الجنة بفضله ورحمته.

    الزوج جنة الزوجة أو نارها

    الحديث الثاني الذي يدل على منزلة حسن خلق المرأة مع زوجها، وما يترتب على ذلك من أجر عظيم عند الله الكريم سبحانه وتعالى، ثبت في المسند، ومستدرك الحاكم، والسنن الكبرى للبيهقي, رواه الطبراني في معجمه الأوسط، ومعجمه الكبير، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه، وابن سعد في الطبقات الكبرى، ورواه النسائي في السنن الكبرى، وإسناد الحديث صحيح, وله إسنادان كما قال المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الثالث، صفحة ثلاث وخمسين قال: ثبت بإسنادين جيدين، والحديث صححه الحاكم في الجزء الثاني، صفحة تسع وثمانين ومائة, وأقره على ذلك الذهبي , وقال الهيثمي في المجمع في الجزء الرابع، صفحة ست وثلاثمائة: رجاله رجال الصحيح، خلا حصين , وهو ثقة، وحصين ثقة فوق الثقة، بل قيل: إنه صحابي رضي الله عنه, وهو حصين بن محصن , وهنا روى الحديث عن عمته كما سيأتينا إن شاء الله. حصين بن محصن قال الحافظ في التقريب: قيل: إنه صحابي معدود في الصحابة. وقد نص على أنه صحابي ابن الأثير في أسد الغابة في الجزء الثاني، صفحة ثمان وعشرين، وابن حجر في الإصابة نقل اختلاف العلماء في ذلك في الجزء الأول، صفحة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، فقال: ذكره في التابعين، ولم يثبت صحبته البخاري ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان , وعده من الصحابة الكرام ابن شاهين والطبراني ، والعسكري وغيرهم. طيب, ما موقفك أنت وما الذي ترجحه؟ قال: الله أعلم، يعني: هل هو صحابي أو تابعي؟ قيل: إنه صحابي، رأى النبي عليه الصلاة والسلام, لكن لم تثبت له رواية عنه, فكان يروي عن عمته عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وقيل: لم يره, وعليه فهو تابعي على كل حال الحديث - كما قلت- رجاله رجال الصحيح, وما فيهم إلا حصين بن محصن ليس من رجال الصحيح؛ لأن حصين بن محصن لم يخرج له إلا النسائي في سننه، فليس هو من رجال الصحيحين, وليس له رواية في الكتب الستة إلا في سنن النسائي , وهو ثقة، بل هو معدود من الصحابة على بعض الأقوال. فالحديث رجاله ثقات أثبات كما قلت.

    عن حصين بن محصن أن عمةً له أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: ( أذات زوج أنت؟ -لك زوج أم أيم بلا زوج؟- فقالت: نعم يا رسول الله! لي زوج، قال: أين أنت منه؟ ) يعني: كيف حالك معه؟ وهل تتقين الله في عشرته؟ عشرتك حسنة طيبة أم فيها وفيها؟ ( أين أنت منه؟ قالت: يا رسول الله! عليه الصلاة والسلام ما آلوه إلا ما عجزت عنه )، يعني: لا أقصر في خدمته، ورعايته، ومحبته، وبطاعته إلا ما عجزت عنه, فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وما عجز الإنسان عنه فهو معذور فيه، لكن لا أقصر فيما يريد, وأنفذ ما يحب, وأنا له مطيعة إلا ما عجزت عنه، يعني: لو كان بإمكاني أن أقوم على رأسه وهو نائم أذب عنه بالمروحة؛ لأجل أن يستريح ويأتيه شيء من الهواء ومن الراحة لفعلت، لكن طبيعة البشر إذا عجز فإن شاء الله لا يؤاخذه الله. ( ما آلوه إلا ما عجزت عنه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: انظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك أو نارك )، يعني: إن أطعتيه دخلت الجنة، فزوجك هذا هو الجنة، وهو النار، عصيانه يؤدي إلى النار، وطاعته تؤدي إلى الجنة. هذا هو رباط الزوجية، وهذه هي الصلة الزوجية.

    في الحياة الغربية عليهم لعائن رب البرية أقاموا مؤتمر الإسكان الذي يندى له جبين الحيوان لا الإنسان؛ لأن الحيوانات يتمعر وجهها من البشر الذين غلبوا الحيوانات في الحيوانية، فقالوا: بيوت الزوجية فيها تسلط للرجل على المرأة. حسناً ماذا تريدون؟ قالوا: ندعهم يسيحون كالبط وكالحيوانات، وكل واحد يمتطي الأخرى دون أن يكون هناك رباط بينهما. حسناً هذا إكرام للمرأة أو امتهان لها؟ ليس بعد هذا الامتهان امتهان، المرأة ما دام الحجاب على بدنها، ولا ترتبط بالرجل إلا بعقد شرعي, في أي بلد إذا أراد أن يتصل بها عن طريق ما أحل الله، يوسط لولي أمرها: هل تقبل ابنتك أن تكون زوجتي؟ وسأعطيها. وأمنيها وأفعل, وهذا بشرط أن تقبل، وإذا طرحت الحجاب ولم تتقيد بزوجها يأتي كل كلب يرتع في عرضها, ويلهث ثم يبول عليها ويتركها. وهذا هو الواقع. ولذلك كم شقيت الأمة بهذا التسيب والانحلال وعدم الرباط الزوجي بين الذكور والإناث، كم شقيت, وأول من شقي المرأة، أول من شقي المرأة؛ لأن ذاك - كما يقولون- في الأمثلة العامية كذكر النحل، يعني: نفخ بطنها وتركها بعد ذلك تقاسي ما تقاسي.

    جاء مؤتمر الإسكان قالوا: المسألة إجهاض تجهض، ونعمل لها عملية من أجل أن تسقط هذا الحمل. هذه المرأة أوليست مخلوقة يعتريها ما يعتري المخلوقات؟ إذا كبرت وليس لها ذرية ترعاها، أو ليس لها ذرية تشفق عليها، أو ليس لها ذرية تخدمها كيف سيكون حالها؟ ستلقى على المزبلة؟

    ( إنما هو جنتك أو نارك ). ( أين أنت منه؟ ) وهي صحابية، قالت: ( لا آلوه إلا ما عجزت عنه ). قال: انتبهي! ( هذا جنتك وهذا نارك ). طاعته حسن الخلق معه يوصل إلى الجنة، ما عدا ذلك يوصل إلى النار.

    طاعة الزوج وحسن الخلق معه سبب لدخول الجنة

    لا بد من حسن عشرة المرأة مع زوجها. وتقدم معنا مراراً ضمن المباحث السابقة أن الحقوق مهما تعددت وتنوعت تنقسم إلى حقين لا ثالث لهما: حق الخالق وحق المخلوق, حق الخالق: أن تعظم الخالق جل وعلا، وحق المخلوق: أن تشفق عليه، وأن تحسن خلقك معه. وهنا المرأة إذا اتقت ربها وأطاعت زوجها يقال لها يوم القيامة: ادخلي الجنة من حيث شئت، قمت بالحقين، تصومين شهر رمضان، تصلين لذي الجلال والإكرام، تطيعين البعل, ادخلي الجنة من حيث شئت. وهذا أشار إليه نبينا صلى الله عليه وسلم، ثبت في صحيح ابن حبان ، ومعجم الطبراني الأوسط، والحديث إسناده حسن, من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت بعلها )، وفي رواية: ( زوجها )، وهما بمعنى واحد: أطاعت بعلها، وأطاعت زوجها, ( قيل لها: ادخلي الجنة من حيث شئت ). صلت خمسها، وصامت شهرها، وصانت فرجها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، أدت الحقوق بكاملها، حق الخالق وحق المخلوق, عظمت الله, وأحسنت صلتها بعباد الله، وأول هؤلاء حقاً عليها زوجها، أطاعته وأحسنت العشرة معه، يقال لها: ( ادخلي الجنة من حيث شئت ).

    وهذا الحديث ثابت عن عدة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين, فهو حديث صحيح، لكثرة طرقه ورواياته. روي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في المسند، ومعجم الطبراني الأوسط، والحديث في إسناده عبد الله بن لهيعة , وقد تقدم معنا حاله قال المنذري في الترغيب والترهيب وهكذا الهيثمي في المجمع: حديثه حسن في المتابعات، وهذا يعني هنا: بما أن هذا الحديث له متابعات وشواهد فحديثه حسن في المتابعات.

    والحديث ثبت أيضاً عن أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين في مسند البزار ، وحلية الأولياء في الجزء الثامن، صفحة ثمان وثلاثمائة، ورواه ابن زنجويه كما في جمع الجوامع في الجزء الأول، صفحة أربع وأربعين وأربعمائة، وروي عن عبد الرحمن بن حسنة , وهو من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين في معجم الطبراني الكبير. وعليه فهو من رواية أربعة من الصحابة الكرام، من رواية أبي هريرة ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأنس بن مالك ، وعبد الرحمن بن حسنة , ولفظ الحديث كما تقدم معنا: ( إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت بعلها -زوجها- قيل لها: ادخلي الجنة من حيث شئت ).

    هذا -كما قلت- مغنم كبير للمرأة تحصله عن طريق النكاح الذي أحله الله، ولذلك التي لم تتزوج وأعانها الله، وأطاعت ربها لكن ليس عندها الأمر الثاني, ألا وهو أطاعت بعلها، أو أطاعت زوجها، أو أنها حسنت خلقها معه، فمغنم كبير قطعاً وجزماً، كما أن الرجل أيضاً إذا لم يتزوج فاته مغنم كبير.

    هذه أحاديث ثلاثة تدل على منزلة حسن خلق الزوجة مع زوجها، وما يترتب على ذلك من أثر كبير عند ربنا الجليل.

    أذكر ثلاثة أحاديث أخرى تحذر من سوء خلق المرأة مع زوجها، ولو أفرد الإنسان لذلك مبحثاً مستقلاً لكان قليلاً في هذا الموضوع؛ ليتقي كل من الزوجين ربه في عشرة صاحبه، ولا أريد أن أتحامل على النساء, إنما أريد أن أقول: لا بد من أن نتقي ربنا جميعاً في عشرة بعضنا، فكما أنه يوجد نساء يسئن عشرة الأزواج، فما أكثر الأزواج أيضاً الذين يسيئون عشرة النساء. ولذلك لا بد من وضع الأمر في موضعه، ولا تكن لئيماً. واللئيم هو: الذي يستوفي ما له ولا يؤدي ما عليه، فلا تسمع هذه النصوص وتذهب وتقول: لي، ولي، ولي، وما كان عليك تتغاضى عنه, لا، ضع الوضع في موضعه الشرعي، حسن خلقك, ثم بعد ذلك قل: يا أمة الله! هل رأيت مني تقصيراً؟ هل رأيت مني انحرافاً؟ هل رأيت مني نقصاً؟ هل سمعت مني كلمة بذيئة؟ هل رأيت مني تقصيراً في المعاملة؟ فلماذا أنت تقصرين؟ أما تتقين رب العالمين؟ أما وأنت مقصر ليلاً نهاراً وبعدها تقول: أنا لي عليك حق، لا. فهذه صفة اللئماء الذين يأخذون ما لهم ويستوفون ما لهم, ولا يؤدون ما عليهم. فلا بد - كما قلت- من أن يكون حسن الخلق من الجانبين. وتقدم معنا ما يتعلق بحسن خلق الزوج، وهنا ما يتعلق بحسن خلق الزوجة.

    1.   

    الأدلة على تحريم إساءة الزوجة إلى زوجها

    إن المرأة إذا فرطت في حسن الخلق مع زوجها فالويل ثم الويل لها! ثبت في مسند البزار ، ومعجم الطبراني الكبير، ومستدرك الحاكم , في الجزء الثاني، صفحة تسعين ومائة، والحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى في الجزء الرابع، صفحة أربع وسبعين ومائة، ورواه الخطيب في تاريخ بغداد، ورواه النسائي في السنن الكبرى، وإسناد الحديث صحيح كالشمس، وتصحيحه في مجمع الزوائد في الجزء الرابع، صفحة تسع وثلاثمائة، والترغيب والترهيب للمنذري في الجزء الثالث، صفحة ثمان وخمسين، ولفظ الحديث من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها، وهي لا تستغني عنه ). وحقيقةً إذا لم يشكر الإنسان الناس لا يشكر الله، ولذلك لا بد من أن تشكر الناس على المعروف الذي يصلك منهم، وأول هذا المعروف الذي يصل للزوجة عن طريق الزوج في العشرة الزوجية من حسن الخلق، والنفقة، والرعاية، وولد يأتي عن طريق اتصال أحله الله، لا بد من أن تشكر المرأة الزوج على ما حصل منه نحوها، وهو أيضاً لا بد له من أن يقدر، إنما إذا كانت لا تشكر وتقول كما يقول النساء الخبيثات الآتي هن أكثر أهل النار: ما رأيت منك خيراً قط هذه بلية البلايا. ( لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها، وهي لا تستغني عنه )، يعني: إذا أدخلت الخبز فقط الخبز الذي ليس معه إدام ينبغي أن تتناوله منك وأن ترفع يدها إلى السماء: اللهم بارك له في رزقه، اللهم اجزه عنا خيراً، الله يحسن إليك, ويكتب لك العافية والمعونة. ومن هذا الكلام؛ لأن هذا الرجل الذي يتعب وينصب ويكد ويكدح خارج البيت ثم يأتي إلى البيت ولا يجد كلمةً طيبةً ولا ابتسامةً، ولا شكراً, ولا مقابلةً حسنةً, ولا تقول له حتى: لا تكلف نفسك، نحن نرضى بدون هذا، جزاك الله خيراً، أسأل الله أن يكرمك كما تكرمنا، فالمرأة عندما تقول هذا الكلام والله مهما كان عند الزوج من تقصير عندما يقال له: هذا الكلام يكف عن التقصير، ويحظر طعاماً لتتناوله ثم ترفع يديها بالدعاء له، وبالثناء عليه، هذا له اعتبار كبير.

    وهذا لا بد من أن يغرس في نفوس الجيل, لنعلم بناتنا هذا، ولنعلم نسائنا هذا، ولتكون البيوت بيوت محبة، والبيوت بيوت مودة، وبيوت وآم، ليست بيوت شقاق وخصام.

    إذا دخل الزوج لا بد على الزوجة من أن تستقبله من الباب، وتأخذ ما بيديه، وتدعو له، أما أن يُدخل الطعام وكأنه أجير، والله لو كان أجيراً لشكره الإنسان، ( لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها، وهي لا تستغني عنه )، يعني: هي بحاجة إليه، فلتتقي الله إذاً في حسن عشرتها معه. وانظر لهذه العقوبة، حرمت من نظر الله جل وعلا، والله ينظر إلى من شاء, ولا ينظر إلى من شاء. وصفة النظر كما تقدم معنا في المباحث السابقة من الصفات الفعلية التي يفعلها الله متى شاء، إذا شاء، مع من شاء سبحانه وتعالى، ولو نظر الله إلى أهل النار لرحمهم، ولأخرجهم من نار جهنم، ولذلك يترتب على هذا النظر هذا؛ لأنه نظر إليها، وهذه العقوبة في عقوبة، نعوذ بالله منها. والله إن مقاساة النار أيسر من عدم نظر العزيز القهار، أيسر، لو دخل الإنسان إلى النار ونظر الله إليه نجا من النار، وكيف سيكون حاله إذا لم ينظر الله إليه؟

    لا يمكن للمرأة أن تؤدي حق الله إلا إذا أدت حق الزوج، كما أشار إلى ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، ثبت في المسند، وسنن الترمذي وحسنه، والحديث رواه ابن ماجه , ورواه أبو نعيم في الحلية، وفي كتاب آخر من كتبه وهو جزء يسير لطيف, وما أجمل اسمه! ألا وهو كتاب صفة الجنة، أسأل الله أن يمن علينا بذلك، له كتاب في صفة الجنة، وأحاديثه كلها بالإسناد، فأورد الحديث في كتاب صفة الجنة، وأورده في حلية الأولياء، والحديث إسناده صحيح, عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله )! ما أجمل تلك الزوجة! وما أحسن خلقها! ( لا تؤذيه قاتلك الله, فإنما هو دخيل عندك )، أي: أنه ضيف، وأن هذه مرحلة مؤقتة في هذه الدنيا, ( يوشك أن يفارقك إلينا )، يعني: أنت مرحلة قصيرة, وما تتحملينه أيضاً مع ذلك! ( لا تؤذيه قاتلك الله, فإنما هو دخيل عندك, يوشك أن يفارقك إلينا ). نحن ننتظره، الحور في الجنة تنتظره، وأنت بعد ذلك تقابلينه بالأذى, وتسيئين عشرته, قاتلك الله!

    والحديث الثالث وهو آخر الأحاديث: ثبت في المسند، والصحيحين، وسنن أبي داود , والحديث رواه النسائي في السنن الكبرى، وهو في السنن الكبرى للبيهقي ، ورواه البغوي في شرح السنة، وأبو داود الطيالسي في مسنده، فهو من أصح الأحاديث، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء ), دعاها من أجل عشرة أحلها الله, ( فأبت أن تجيء فبات وهو عليها غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح ). نعوذ بالله من سخط الله. الملائكة - يعني- في تلك الليلة وردها أن تلعن هذه المرأة حتى يطلع الفجر، دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء, ونشزت عنه, ونفرت منه, فنام وهو عليها غضبان، قال: يا رب! أشكوها إليك، يسلط الله الملائكة تلعنها حتى تصبح. والمرأة إذا علمت هذا والله لا تكتحل بغمضة جفن إذا كان زوجها ساخطاً عليها أو متأثراً منها؛ لأن هذه العقوبة لا تنقصها أما كفانا أوزارنا وذنوبنا حتى تأتي بعد ذلك الملائكة تلعننا؟ ولعنت ليست لعنة واحدة, تشتغل باللعن حتى طلوع الفجر؛ لما فعلته هذه المرأة.

    ولا تظن أن هذا يسير الرجل إذا أراد أن يتصل بزوجه اتصالاً أحله الله وامتنعت منه لا تظن أن الامتناع يسير، إذا نفر منها قد ينفر، ويكرهها بعد ذلك ولا يريد الاتصال بها أبداً، فماذا يترتب على ذلك؟ طلاق، ثم ماذا يترتب على ذلك؟ ضياع الذرية، ثم ماذا يترتب على ذلك؟ قد لا يحصل زوجة أخرى, ويذهب ليبحث عن زنا، ثم ماذا يترتب عن ذلك؟ هي قد تزني، فانظر لما ترتب على هذا الامتناع من البلاء فلا تظن أنها هي امتنعت وانتهت، لا، فالقلوب بيد علام الغيوب, وانظر كيف أن الظلمات ترتبت على بعضها، والبلايا تتابعت، فليس امتناع وانتهى، بل هذا يترك في النفس أثراً.

    فيا أمة الله! اتقي الله في زوجك، فإذا دعاها لفراشها فأبت أن تجيب فبات وهو عليها غضبان تلعنها ملائكة الرحمن حتى تصبح.

    وفي لفظ في الصحيحين أن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: ( والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى ترجع ). إذاً: لعن الملائكة وسخط الله. والسخط هو: أشد أنواع الغضب، فهو غضب شديد عظيم. الملائكة تلعن والله ساخط، وهل لعنة الملائكة إلا بعد سخط الله وغضبه؟ وهل تلعن الملائكة من رضي الله عنه وأحبه؟ لا، ثم لا، فلعن الملائكة في هذا من أثر سخط رب الملائكة. الذي في السماء يسخط عليها، ثم يأمر الملائكة بأن تلعنها عندما تمتنع من إجابة زوجها إلى ما طلب منها.

    وفي رواية في الصحيحين، وسنن النسائي من رواية أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إذا باتت امرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح ). إذاً: لعن من قبل الملائكة، وسخط من قبل الرب. والأمر بالظاهر يسير، أنه قد يؤجل حاجته لليلة الثانية مثلاً. يا أمة الله! أما تعلمين ما يترتب على هذا من محاذير؟ فاتقي الله الجليل!

    هذه ثلاثة أحاديث - كما قلت- في منزلة حسن خلقها.

    وما يترتب على حسن خلقها من دخولها الجنة من حيث شاءت، وكيف عندما تسيء خلقها مع زوجها تلعنها ملائكة الرحمن, والله يسخط عليها سبحانه وتعالى.

    هذا المعنى الذي ثبت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أحب أن أقرره بأحاديث متعددة؛ من أجل إيضاح هذا الأمر؛ لأنه حقيقة من المشاكل التي تتكرر، وكثير من الأزواج يشكون من زوجاتهم هذا الأمر, وأنه يطلب منها العشرة فتعترض وتمتنع، وأحياناً فيها لؤم, من أجل أنها تريد أن تذل الرجل, وأن يرتبط بها، وأن يكون تابعاً لها, وهذا في الحقيقة منقصة فيها, والرجل إذا كان عنده شهامة والمرأة تمتنع منه قد يقسط عليها, ويحرمها على نفسه ثلاثاً، يعني: وكما قلت قد يحدث بلاء بعد ذلك، فالمرأة ينبغي أن تتقي ربها, ولا تعلم أنه بهذا تأسر الزوج, وتربطه بها؛ ليكون ذليلاً عندها للتحكم فيه، وأنها إذا أرادات اتصل بها وإذا ما أرادت لا يتصل، لا، ثم لا.

    سأقرر هذا ببعض أحاديث أدلل فيها على وجوب إتيان المرأة لزوجها إذا دعاها، وعلى لعنة الملائكة وحلول اللعنة على المرأة عند عصيانها لزوجها إذا طلبها، يجب عليها أن تأتي، وإذا امتنعت تلعن. أذكر خمسة أحاديث تقرر الأمر الأول، وخمسة أحاديث تقرر الأمر الثاني، إذا دعيت ينبغي أن تجيب، وتقدم معنا هي عند هذا الزوج بمثابة الأمة عند السيد. طيب بعد ذلك تمتنع؟ هذا في الحقيقة منقصة فيها ومعصية كبيرة.

    1.   

    الأدلة على وجوب إجابة المرأة زوجها إذا دعاها لحاجته

    الذي يقرر - كما قلت- وجوب إتيانها إذا دعاها زوجها أحاديث كثيرة, منها:

    الحديث الأول: رواه الترمذي في سننه، والنسائي في السنن الكبرى، ورواه ابن حبان في صحيحه، والطبراني في معجمه الكبير، والبيهقي في السنن الكبرى، والضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، وإسناد الحديث صحيح كالشمس, من رواية طلق بن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور ). فهي تخبز والتنور مسجر، وأدخلت بعد ذلك الخبز إلى التنور ودعاها فلتؤجل كل شيء من أجل إجابة زوجها. ( فلتأته وإن كانت على التنور ). فكيف إن كانت في غير هذه الحالة؟ يعني: حالة يمكن أن تؤخر ربع ساعة، أو يمكن أن تقول له: انتظر عشر دقائق حتى أنتهي من خبز الخبز، وبعد ذلك نتفرغ لما أحل الله، فلا يجوز أن تتعلل, ولا أن تؤخر لحظة، بل تأته وإن كانت على التنور، وإذا لم تفعل سيغضب عليها العزيز الغفور.

    وفي بعض روايات الحديث في مسند أبي داود الطيالسي , وهو في منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود في الجزء الأول، صفحة اثنتي عشرة وثلاثمائة، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل لامرأة أن تمنع زوجها ولو كانت على ظهر قتب )، يعني: أن تمنع زوجها من الاتصال بها عن طريق ما أحل الله وإن كنت على ظهر قتب. والقتب للبعير كالبرذعة للحمار وكالسرج للخيل، وهو: شيء يوضع فوق البعير يركب عليه، يعني: لو كانت فوق البعير وأراد أن يتصل بها فوق البعير أو كانت هي فوق البعير وطلب منها النزول فينبغي أن تجيبه في الحالتين. فليقضي حاجته التي أحلها الله له إن شاء على ظهر البعير، ولا يراهما أحد، وإن كانت على ظهر البعير وقال: انزلي تقول: سمعاً وطاعة، وهما في سفر, وسيقضي حاجته تحت الشجرة، فهذا واجب عليها, وإذا امتنعت أثمت. لا يحل لها أن تمنع زوجها, أي: من قضاء حاجته ووطره الذي أحله الله، وله ولها في ذلك أجر كبير, كما سيأتينا.

    هذا أمر لا بد من أن نعيه, وأن يعلم هذا في بيوت المسلمين لأولاد المسلمين.

    الحديث الثاني: الذي يدل- كما قلت- على وجوب إجابتها وعدم امتناعها وتأخرها رواه أحمد في المسند، وابن ماجه في سننه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في السنن الكبرى، وإسناد الحديث صحيح، من رواية عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن معاذ بن جبل رضي الله عنهم أجمعين عندما قدم من بلاد الشام فوصل إلى المدينة المنورة فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام سجد له، معاذ بن جبل سجد للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: ( يا معاذ ! ما هذا؟ قال: يا رسول الله! أتيت الشام )، وأنا الآن حديث عهد ببلاد الشام وجئت قريباً، ( فوجدتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم )، يعني: هناك النصارى في بلاد الشام يسجدون للقسس، أو للبطارقة، أو للأساقفة، ( فأنت أحق بالسجود منهم )؛ لأنك رسول الله, أنت أعظم خلق الله. إذا كان القسس، والرهبان، والبطارقة، والأساقفة يسجد لهم من قبل أتباعهم فنحن ينبغي أن نسجد لك، نحن أصحابك وأحبابك, على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه. فقال: ( يا معاذ ! لا ينبغي السجود إلا لله ). لا تفعل هذا مرة أخرى. ( ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها )، يعني: لو كان يباح السجود لمخلوق لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ ( لما له من الحق عليها، والذي نفسي بيده لا تؤدي امرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه )، وفي رواية: ( لأعطته إياه )، أي: لأعطته ذلك الطلب واستجابت له وما تأخرت.

    وهذا فيه ما في الحديث المتقدم من رواية طلق بن علي , لو سألها نفسها وهي على قتب لا تمنعه، وهناك زيادة أيضاً إذا كانت على التنور.

    لا بد من إدراك هذه المعاني، ووعيها في العشرة الزوجية.

    الحديث الثالث: رواه الطبراني في معجمه الكبير والأوسط، وإسناد الحديث جيد كما قال المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الثالث، صفحة ثمان وخمسين، وقال الهيثمي في المجمع في الجزء الرابع، صفحة ثمان وثلاثمائة: رجاله رجال الصحيح خلا المغيرة بن مسلم , وهو ثقة, والمغيرة بن مسلم صدوق, أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأهل السنن الأربعة إلا سنن أبي داود , وعليه جميع رجال الإسناد ثقات أثبات، ولفظ الحديث من رواية زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المرأة لا تؤدي حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه ), على ظهر البعير لم تمنعه. بمعنى حديث طلق بن علي ، وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهم أجمعين. وحديث زيد بن أرقم رواه البزار أيضاً، ورجال إسناد البزار ، رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع في المكان المشار إليه آنفاً، إلا محمد بن ثعلبة بن سواء , قال الإمام الهيثمي في المجمع: وقد روى عنه جماعة، أي: خرج عن وصفه بالجهالة، ولم يضعفه أحد, وقد حكم عليه الحافظ ابن حجر في التقريب بأنه صدوق، وهو من رجال سنن ابن ماجه . إذاً فسند البزار صحيح ثابت عن زيد بن أرقم رضي الله عنه.

    ورواية البزار عن نبينا المختار عليه صلوات الله وسلامه قال: ( إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلتجب، وإن كانت على ظهر قتب ). هذه رواية ثالثة - كما قلت- تبين وجوب إجابة المرأة لزوجها إذا طلبها. رواية طلق بن علي وعبد الله بن أبي أوفى وزيد بن أرقم رضي الله عنهم أجمعين.

    الرواية الرابعة: من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما, رواها أبو داود الطيالسي في مسنده، هو في منحة المعبود في الجزء الأول، صفحة اثنتي عشرة وثلاثمائة، ورواها البيهقي في السنن الكبرى في الجزء السابع، صفحة اثنتين وتسعين ومائتين، والحديث حسن بشواهده، ولفظ حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( حق الزوج على زوجته أن لا تمنعه نفسها وإن كانت على قتب ). هذا من حق الزوج على زوجه. ( ولا تعطي من بيته شيئاً إلا بإذنه ). هذا من حق الزوج على زوجه؛ لأن هذا بيته, وهذا ماله. ( فإن أعطت شيئاً من بيته بغير إذنه كان له الأجر وعليها الوزر ). له الأجر هذا الذي تصدق به، وعليها الوزر. ( ولا تصوم يوماً تطوعاً إلا بإذنه، فإن صامت بغير إذنه أثمت ولم تؤجر، ولا تخرج من بيته إلا بإذنه، فإن خرجت من بيته بغير إذنه لعنتها ملائكة الغضب وملائكة الرحمة حتى ترجع ). وهذه - كما قلت- رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين الشاهد فيها: ( حق الزوج على زوجته أن لا تمنعه نفسها وإن كانت على قتب ).

    الرواية الخامسة: رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين في معجم الطبراني الكبير، والبزار والسنن الكبرى للبيهقي , والحديث في الترغيب والترهيب في الجزء الثالث، صفحة سبع وخمسين، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( حق الزوج على زوجته أن لا تمنعه نفسها وإن كانت على قتب ). بمعنى رواية عبد الله بن عمر والروايات المتقدمة. ثم اقتصر على أمرين منها, ( وأن لا تصوم تطوعاً إلا بإذنه، فإن صامت بغير إذنه جاعت وعطشت ولم يقبل الله منها، ولا تخرج من بيته إلا بإذنه, فإن خرجت من بيته بغير إذنه لعنتها الملائكة حتى ترجع ). وما ذكر الخصلة الثالثة, وهي الإعطاء من بيته بغير إذنه, لم تذكر في رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين.

    هذه خمس روايات تقرر وجوب إجابة المرأة لزوجها إذا دعاها وهي: رواية طلق بن علي , ورواية عبد الله بن أبي أوفى , ورواية زيد بن أرقم , ورواية عبد الله بن عمر , ورواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين, كلها - كما قلت- تقرر وجوب إجابة المرأة لزوجها، وهذه كلها - كما قلت- تشهد لرواية أبي هريرة المتقدمة: ( بأن الرجل إذا طلب زوجته لحاجته فلم تجبه فبات وهو عليها غضبان كان الذي في السماء ساخطاً عليها, ولعنتها الملائكة حتى تصبح ).

    هذه - كما قلت- خمسة أحاديث تقرر معنى ذلك الحديث, ألا وهو وجوب إجابة المرأة لزوجها.

    وبقي معنا خمسة أحاديث أخرى تقرر لعنة المرأة عند عصيانها وامتناعها من طاعة زوجها، وهذه الأحاديث العشرة؛ خمسة على وجوب الإجابة، وخمسة على تحريم العصيان والامتناع من الإجابة، تشهد كما قلت لحديث أبي هريرة , وتدل على ما دل عليه.

    وعليه هذا الحكم يمكن أن تقول بعد ذلك إنه متواتر عن النبي عليه الصلاة والسلام، بأن المرأة إذا دعاها زوجها ينبغي أن تجيب، وإذا امتنعت فهي عاصية ملعونة, يسخط عليها الله, وتلعنها ملائكته.

    أذكر الحديث الأول من هذه الأحاديث، ثم بقية الأحاديث نذكرها في المباحث القادمة إن شاء الله:

    الحديث الأول: رواه الترمذي ، وابن أبي شيبة في مصنفه، وأبو يعلى في مسنده, والبيهقي في السنن الكبرى، ورواه البيهقي في كتاب معرفة الآثار، ورواه الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، والحديث إسناده صحيح كالشمس وضوحاً من رواية أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم )، يعني: صلاته لا تجاوز أذنيه ولا ترفع إلى السماء, ثلاثة أصناف، إذا صلوا لا يقبل الله صلاتهم, ولا ترتفع فوق آذانهم، ليس فوق رءوسهم، لا تصل إلى الأذنين، فإذا أتت وصلت ترتفع فإذا وصلت للأذنين ترمى وتلقى ولا يقبلها الله جل وعلا. ( ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع ). العبد الآبق الهارب الشارد من سيده ومولاه، لا يقبل الله صلاته, وصلاته لا تجاوز أذنيه حتى يرجع.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    والحمد لله رب العالمين.