إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مباحث النبوة - أحداث في بيت النبي صلى الله عليه وسلم [1]

مباحث النبوة - أحداث في بيت النبي صلى الله عليه وسلم [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان بيت النبوة لا يخلو من بعض الكدر الذي يحصل في كل بيت، إلا أن محل العجب والحكمة أن هذا البيت كانت المشاكل فيه محدودة العدد والأثر على الرغم من كونها تمس تسع زوجات هن أمهات المؤمنين عليهن رضوان الله، وكان تعامله صلى الله عليه وسلم مثلاً ونبراساً تجاه هذه الإشكالات، في سعة صدره معهن، واحتوائه لما يقع بينهن، ومعالجته لذلك بأنسب طريق وأفضل سبيل.

    1.   

    تعامل النبي مع ما يحصل في بيوته من التقصير والخلل

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة أجمعين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً, وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا, وعلمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين! اللهم زدنا علماً نافعاً, وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين! سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك! سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك! اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد: إخوتي الكرام! كنا نتدارس معاملة نبينا عليه الصلاة والسلام مع زوجاته أمهاتنا الطاهرات المباركات عليه وعليهن صلوات الله وسلامه.

    وقد تقدم معنا إخوتي الكرام! أن خير الناس خيرهم لأهله، وبما أن نبينا عليه صلوات الله وسلامه هو خير المخلوقات قطعاً وجزماً، فهو خيرهم للزوجات عليه الصلاة والسلام، وقد تقدم معنا أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان يطوف على نسائه أمهاتنا الطاهرات في جميع الأوقات، فيتفقدهن في كل يوم كما مر معنا هذا، وتقدم معنا أيضاً أن نبينا عليه صلوات الله وسلامه كان يحنو عليهن, ويحفظ ودهن في حياتهن وبعد مماتهن، وتقدم معنا أيضاً أنه كان يحسن عشرتهن ومعاشرتهن, وقررت هذا بالأحاديث الصحيحة الصريحة في الدلالة على هذا الأمر.

    ووصلنا عند الأمر الرابع, ألا وهو أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان يصبر عليهن, ويتحمل منهن قصورهن وتقصيرهن، وقلت: إن هذا الأمر الرابع به يتجلى حسن الخلق على وجه التمام والكمال، فحسن الخلق: أن تبذل الندى, وهو الخير والمعروف والبر والإحسان، وأن تتحمل الأذى، أحسنت إلى عباد الله, ثم بعد ذلك تتحمل الأذى منهم وتصبر عليهم، وهنا أحسنت إلى زوجاتك فلو قدر أنه جرى منهن قصور نحوك فينبغي أن تصبر وأن تحتسب, وأن تحلم وأن ترفق، وهذا هو خلق الكرام الذين يتصفون بالأخلاق الحسنة, ولنبينا عليه الصلاة والسلام من ذلك النصيب الأوفى الذي لا يمكن لبشر أن يصل إلى درجته في ذلك، كيف لا والله يقول في حقه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]. اللهم صل على نبينا وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الكرام المباركين.

    إخوتي الكرام! حسن الخلق يتجلى كما قلت عند هذا الأمر الرابع، فلا بد من الرفق وتحمل الأذى من الزوجات عندما يصدر منهن نحو أزواجهن، وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه ). فعليك بالرفق في جميع حياتك لاسيما مع أهلك وزوجاتك, واضبط أعصابك، فإذا أحسنت ما أحسنت وجرى منها ما جرى من الإساءة فحذاري أن تقابل هذه الإساءة بغضب وبانفعال؛ لئلا تحبط عملك الذي عملته، ولئلا يضيع إحسانك الذي بذلته، ولذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام يوصينا بأن نضبط أنفسنا في جميع أحوالنا، ففي مسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك ، والحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه، والإمام الترمذي في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: ( أن رجلاً جاء إلى نبينا عليه صلوات الله وسلامه فقال: أوصني، قال: لا تغضب، فردد مراراً: أوصني .. أوصني، يقول: لا تغضب .. لا تغضب ). كلما يكرر طلب الوصية يجيبه نبينا عليه الصلاة والسلام بهذه القضية: (لا تغضب). فإن الغضب يجمع شر الدنيا والآخرة، وسوء الدارين العاجلة والآجلة، فإذا جرى من أهلك نحوك ما جرى لا تغضب.

    وأنت حقيقة إذا ضبطت نفسك ولم تضيع إحسانك فأنت الرجل الشهم وأنت الكريم وأنت صاحب الخلق الحسن، وقد ثبت في المسند وموطأ الإمام مالك والصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس الشديد بالصرعة, إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ). ليس الشديد بمن يصرع الرجال، فهو مصارع قوي ماهر، يضجعهم على الأرض ويلقيهم على التراب. ( ليس الشديد بالصرعة, إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ). فأنت قيم وأنت سيد بكتاب الله, وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف:25]، وأنت ترعى البيت ومن فيه، لكن ليس معنى هذا أنك ينبغي أن تتصف بالجبروت والغلظة والفضاضة والغضب والحماقة، لا ثم لا، فإذا جرى من هذه المسكينة ما جرى نحو إحسانك ومعروفك وفضلك فقابله بصدر رحب، وصرف الأمور على حسب شرع العزيز الغفور. نعم، أمران لا ينبغي أن تتهاون فيهما إذا صدرا من الأهل والزوجات:

    الأول: معصية في حق الله جل وعلا، فلابد من أن تثأر لله كما يثأر الليث الحرب، وأن توقف الأمور عند حدها، وأن لا تتساهل في حقوق الله جل وعلا، أما في حقوقك كلما صفحت فهذا خير لك. والناس عكسوا القضية, يغضبون لحقوق أنفسهم, ويحلمون عند ضياع حقوق ربهم، وهذا هو الضلال المبين.

    الأمر الثاني: إذا جرى من زوجة اعتداء على زوجة أخرى حقيقة لا يصلح الحلم أيضاً والصفح في هذا الأمر, فهذا ليس حقك، ينبغي أن تعطي كل زوجة حقها، وأن لا تميل مع واحدة على حساب الأخرى. هذا ليس لك الآن. ثم ما عدا هذين الحقين كلما عفوت وصفحت فأنت أحسن، فإذا أطالت لسانها بل مدت يدها ودفعت بك في صدرك وأحياناً جرى منها ما جرى من هجران ونفور فكل هذا تحمله, وطيب خاطرها بكلام طيب؛ لعل الله جل وعلا يعفو عنك, ويستر الزلات التي تصدر مني ومنك يوم القيامة, فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    إخوتي الكرام! هذا الأمر الرابع, قلت: سأستعرض نماذج منه مما جرى في بيت نبينا عليه الصلاة والسلام من أمهاتنا نحو نبينا عليه صلوات الله وسلامه, وهو بلا شك كما تقدم معنا قصور منهن، وتقصير نحو نبينا عليه الصلاة والسلام، ولا نقصد بذلك أن نعيرهن كما تقدم معنا, فهن أكمل النساء وأطهر النساء بلا شك، لكن هذه هي الحياة الدنيا كما سيأتينا، وقلت هذه السلبيات التي جرت في بيوت خير البريات عليه الصلاة والسلام إن أحصيت واستوعبت لا تصل إلى عدد أصابع اليدين، ثم هي كما سيأتينا سلبيات ظاهرة, ما دخلت إلى القلب, ولا عشعشت فيه، ونحن عندما ندرس هذا نستفيد فوائد عظيمة أبرزها فائدتان:

    الفائدة الأولى: لنعلم أن الدنيا دار كدر، مهما صفت فلا تخلو من عكر وكدر.

    والأمر الثاني: لنستفيد معالجة هذا الكدر من بيوت نبينا خير البشر عليه صلوات الله وسلامه، فقد جرى هذا في بيته، وهو عليه صلوات الله وسلامه أسوتنا وقدوتنا وإمامنا في جميع شئوننا, فيما نحب وفيما نكره، فإذا طرأ في بيوتنا شيء مما نكرهه نعالجه كما كان نبينا عليه الصلاة والسلام يعالجه.

    حقيقة هذا يدل على حال الدنيا، ثم ما سلم من هذا بيت النبي عليه الصلاة والسلام وإن كانت الحوادث كما قلت بمقدار, وعولجت معالجة حسنة, فلنقتد بنبينا عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر.

    إخوتي الكرام! الناس في هذه الحياة لا ينفك عنهم وصف البشرية، لا يخرجون عن وصف الإنسانية، وفيهم الخطأ والنسيان والذهول والتقصير, هذا لا يمكن أن ينفك عنه بشر مادام في هذه الحياة، وهذه الحياة لا يمكن أن تكون دار صفاء ووفاء، إنما الصفاء والوفاء على وجه التمام هذا في غرف الجنان, هناك لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48]. هناك الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر:34]. هناك: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35]. وأما هنا ما يحصل لك مما تشاؤه أقل بأضعاف مضاعفة مما لا يحصل لك، فأنت تريد أشياء كثيرة ولا يحصل لك منها إلا القليل، فانتبه لهذا الأمر! هذا حال الدنيا, والأمر كما قال بعض الأكياس:

    طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدار

    ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار

    لا يمكن أن تحصله, يعني: جذوة نار .. قطعة نار من جوف الماء لا يمكن هذا، وهذا حال الدنيا، إذا أردت الصفاء والراحة والطمأنينة فيها فهذا خيال ووهم، هذا لا يحصل إلا في الدار التي لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48]. فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام وهو خير عباد الرحمن، وهو خير المخلوقات جرى في بيته عليه صلوات الله وسلامه ما جرى، وتحمل وعفا وصفح، هذه حياة كدر .. حياة عناء .. حياة يقع فيها شيء من الشدة والبلاء، فلا بد من أن تصبر, ولا تقل للزوجة: أنا أفعل وأحسن وأقدم وأنت تقابليني هذا بهذه المعاملة؟ يا عبد الله هذا حال الحياة، لا راحة إلا بلقاء الله جل وعلا.

    ثم - كما قلت- هذه الحوادث من أولها لآخرها إذا كانت القلوب طاهرة تبقى انفعالات ظاهرية, تزول بعد ذلك مباشرة، إنما حصل انفعال إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201].

    ذكرت الحادثة الأولى إخوتي الكرام! في تآمر من تآمر من أمهاتنا على نبينا صلوات الله وسلامه, وكيف تسبب عن هذه المؤامرة أن يحرم نبينا عليه الصلاة والسلام على نفسه سريته، وأن يحرم على نفسه شرب العسل، فعوتب من قبل الله عز وجل، ثم بعد ذلك هجر نساءه شهراً، فكل واحدة تتمنى لو قطعت في ذلك الشهر قطعاً ولم يحصل هذا الهجر من نبينا عليه الصلاة والسلام لها، ثم عندما نزلت آية التخيير وبدأ بأصغرهن أمنا عائشة رضي الله عنهن جميعا، قال: ( سأعرض عليك أمراً لا تستعجلي حتى تستشيري أبويك، ثم تلا الآية، قالت: أفيك أستشير؟ بل أختار الله ورسوله ) على نبينا وآل بيته جميعاً صلوات الله وسلامه. ثم استقرأ نساءه التسع كل واحدة تقول: بل أختار الله ورسوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:28-29].

    كيفية تعامل النبي مع موقف عائشة من حمل متاع صفية على جملها في الحج

    وسأذكر إخوتي الكرام! حوادث كما قلت لو جمعت فهي دون أصابع اليدين، وإذا كانت هذه الحوادث مع نبينا عليه الصلاة والسلام كان يتحمل ويعفو ويحلم ويصفح عليه صلوات الله وسلامه.

    بلغ الأمر بأمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن قالت لنبينا عليه الصلاة والسلام: ( أنت تزعم أنك رسول الله؟ -فتحمل النبي عليه الصلاة والسلام هذا منها- وقال: أوفي ذلك شك يا عائشة ؟ قالت: أقول: أنت تزعم أنك رسول الله فاعدل )، فتحمل هذا، لكن أبا بكر رضي الله عنه عندما سمع هذه المقالة ما تحمل هذا من ابنته فلطمها على وجهها، وما أقره نبينا عليه صلوات الله وسلامه على هذا الأمر. والحديث رواه أبو يعلى، ورواه أبو الشيخ ابن حيان ، وهو في مجمع الزوائد في الجزء الرابع صفحة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. وأتكلم على درجة إسناده بعد روايته إن شاء الله.

    تقول أمنا عائشة رضي الله عنها -وهذا حصل في حجة الوداع-: كان متاعي فيه خصف، المتاع الذي يحمل على الراحلة البعير أو الناقة، وكان على جمل ناج، أي: عندها أمتعة خفيفة وجملها قوي مسرع نشيط سريع، وكان متاع صفية فيه ثقل، وكان على جمل ثفال، ثفال أي: بطيء ضعيف في المشي، ولو ضبط ثقال لكان من حيث اللغة صحيحاً, لكن الرواية الواردة بالفاء على جمل ثفال .. ثقال, أي: ثقيل في المشي، ثفال أي: ضعيف ما يسرع ولا يلحق بالركب، أمتعتها كثيرة وعلى جمل ثفال، وتلك أمتعتها خفيفة وعلى جمل ناج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( حولوا متاع عائشة على جمل صفية، وحولوا متاع صفية على جمل عائشة )، يعني: هذه الأمتعة غايروا بينها بحيث يكون متاع صفية على جمل أمنا عائشة رضي الله عنها الذي هو ناج مسرع؛ حتى ينجو ولا يتأخر، والركب كلهم تبع للنبي عليه الصلاة والسلام. ( قالت عائشة: فلما رأيت ذلك قلت: يا لعباد الله! غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله عليه الصلاة والسلام ). والله كلمة كبيرة، وسيأتينا أن هذا جرى من حفصة أيضاً وجرى من زينب رضي الله عنها، ثم هجر النبي عليه الصلاة والسلام زينب قرابة ثلاثة أشهر من أجل هذه الكلمة لما تطورت القضية.

    ( يا لعباد الله! غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم عبد الله )! عندكم في المجمع هنا يا أم سلمة ! وهذا غلط، إنما أمنا عائشة تكنى بأم عبد الله , كنيت إما بابن أختها عبد الله بن الزبير , وقيل: بسقط لها, وهذا لم يثبت، يقال لها: أم عبد الله عليها وعلى سائر أمهاتنا رحمة الله ورضوانه. ( يا أم عبد الله ! إن متاعك كان فيه خف، وكان متاع صفية فيه ثقل، فأبطأ بالركب فحولنا متاعها على بعيرك، وحولنا متاعك على بعيرها -يعني: ماذا جرى؟- قالت: فقلت: ألست تزعم أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ).

    وكلمة الزعم إخوتي الكرام تأتي غالباً في القول المشكوك فيه الذي لا يثبت, وقد تأتي في القول الحق الصدق الذي لا شك في وقوعه وفي حقيقته, وهنا كذلك قد ثبت في صحيح مسلم في حديث أنس رضي الله عنه عندما جاء ضمام بن ثعلبة إلى نبينا عليه الصلاة والسلام فقال له: ( أتانا رسولك فزعم أن الله أرسلك، قال: صدق ). فهنا أطلق الزعم والنبي عليه الصلاة والسلام أقر عليه وقال: هذا كلام حق. ثم إلى آخر الحديث: ( قال: من خلق السماء؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن خلق هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله، قال: أسألك بالذي خلق السماء والأرض والجبال وجعل فيها ما جعل آلله أرسلك؟ قال: نعم. قال: صدقت، ثم قال: وزعم رسولك أن الله افترض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: صدق ). قال الإمام النووي عند شرح هذا الحديث في شرح صحيح مسلم في الجزء الأول صفحة سبعين ومائة: نبينا عليه الصلاة والسلام قال: (صدق) لـضمام مع قوله: (زعم) وفي ذلك دليل على أن لفظ الزعم ليس مخصوصاً بالكذب والقول المشكوك فيه، بل يطلق أيضاً على القول المحقق والصدق الذي لا شك فيه. قال: وقد أكثر سيبويه إمام العربية في كتابه -الكتاب الذي سمي بهذا الاسم الكتاب- من قول: زعم الخليل .. زعم الخليل ، بمعنى: قال الخليل ، وقرر الخليل ، وذكر الخليل.

    وهنا قالت عائشة : (ألست تزعم)، يعني: ليس المراد أنك تدعي زوراً وكذباً، هذا لا يمكن أبداً، يعني: ألست تقول أنك رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ كيف أنت رسول الله عليه الصلاة والسلام وخير خلق الله وتأمر بالعدل ثم تأخذ المتاع الثقيل لـصفية تضعه على جملي, ومتاعي الخفيف تحوله إلى جمل صفية ؟ ألست تزعم أنك رسول الله عليه صلوات الله وسلامه، قالت: ( فتبسم، فقال: أفي شك أنت يا أم عبد الله )؟! انتبه! ما تريد أن تقول النفس في شك أيضاً، إنما من غضبها وانفعالها وبسبب الغيرة التي تلبستها قالت: ألست تزعم أنك رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ أنا ما أقول: أني متشككة, أنا أخاطبك أنت، أنت أما تخبرنا أنك رسول الله عليه صلوات الله وسلامه, فهلا عدلت؟ قالت: ( وسمعني أبو بكر , وكان فيه غرب -أي: حدة- فأقبل علي ولطم وجهي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلاً يا أبا بكر ! فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أما سمعت ما قالت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الغيراء - أي: التي تعتريها الغيرة- لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه ). هذه ما تميز أين السفل وأين العلو، هذه اختلط عقلها الآن عند حصول الغيرة فيها فاعذرها، هي الآن في ثورة غضب وانفعال, اصبر عليها, بعد ذلك ستندم على مقالها، ما نستعمل اليد مباشرة, ( مهلاً يا أبا بكر ! إن الغيراء لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه ). رواه أبو يعلى , وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس، وقد تقدم معنا ترجمته في محاضرة سنن الترمذي ، وقلت: إنه من رجال مسلم والسنن الأربع, وهو صدوق لكنه يدلس, وإذا عنعن يتوقف في روايته حتى يثبت السماع. وفيه أيضاً سلمة بن الفضل وأمره يسير, قال عنه الحافظ: صدوق كثير الخطأ, توفي بعد سنة تسعين ومائة للهجرة, حديثه في سنن أبي داود والترمذي , وأخرج له ابن ماجه لكن في التفسير، قال الإمام الهيثمي : وفيه سلمة بن الفضل , وقد وثقه جماعة منهم ابن معين وابن حبان وأبو حاتم , وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقد رواه أبو الشيخ ابن حيان في كتاب الأمثال, وليس فيه غير أسامة بن زيد الليثي , هذا في رواية أبي الشيخ، وأسامة بن زيد الليثي صدوق يهم, توفي سنة ثلاث وخمسين ومائة، وحديثه في صحيح مسلم والسنن الأربع, وأخرج له البخاري في صحيحه معلقاً. إذاً: وليس فيه غير أسامة بن زيد الليثي , وهو من رجال الصحيح وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. والحديث ذكره الإمام الغزالي في الإحياء، وخرجه شيخ الإسلام الإمام أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم الأثري في المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، انظروه في الجزء الثاني صفحة أربع وأربعين, قال: فيه عن ابن إسحاق وقد عنعنه.

    قالت: (ألست تزعم أنك رسول الله عليه صلوات الله وسلامه؟ وهذا الكلام يقابل بالتبسم, لا بانفعال, الكلام من حبيبك خلاص يتسع صدرك له, يزول عما قريب، وهي تأتي بعد ذلك تقول: أنا أخطأت في هذه الكلمة، أنا لا أشك بأنك رسول الله عليه الصلاة والسلام, وأجزم أنك رسول الله أكثر مما أجزم أنني أنا عائشة .

    وسيأتينا إخوتي الكرام! هذه الانفعالات التي ستجري سأختمها بحادثة, كل واحدة منهن تتمنى لو اقترن معها أقرب الناس إليها بالنسب مع نبينا عليه الصلاة والسلام؛ لتنال أعلى الرتب، سيأتينا أن كل واحدة كانت تعرض قريباتها وأخواتها على نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذا ثابت في الصحيح. تقول أمنا رملة أم حبيبة رضي الله عنها وأرضاها كما سيأتينا: ( هل لك في أختي؟ ) وهل هي عزة أو درة كما سيأتينا اسمها. قال: ( أعمل فيها ماذا؟ قالت: تنكحها ) تعرض أختها على نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: ( وتحبين ذلك؟ قالت: خير من شاركني في خير أختي ). هذه تأتي بأختها، وتقول: أنا ما عندي شك أن صحبتك خير لنا، وأنا أريد الخير لأختي، فأريد أن تتزوج أختي معي، قال: ( إنها لا تحل لي ). لا يجوز أن نجمع بين الأختين, هذه من المحرمات. لكن انظر مع انفعالهن أيضاً عندما تروق، وهذه ليست هي الخط العام لحياتهن. هذه في التسع سنوات تسع انفعالات من تسع زوجات، ولذلك قلت: ما يقف عند هذه السلبيات ويضخمها ويجعلها صورة لبيت نبينا عليه الصلاة والسلام إلا من لعنه الله وغضب عليه؛ لأنه يريد أن يجعل هذا الأمر الذي هو في حكم الشذوذ والنادر يريد أن يجعله هو المسلك العام الذي يخيم على بيت نبينا عليه الصلاة والسلام. أليس كذلك؟ المسلك العام ( قالت: هل لك في عزة ؟ قال: أعمل فيها ماذا؟ قالت: تنكحها، قال: أوتحبين ذلك )؟ يعني: يتعدد, امرأة في الأصل ركزت فيها الغيرة, وهي تعرض على زوجها أن يتزوج عليها! قالت: ( خير من شاركني بخير أختي )، يعني: ما الحرج؟ وصحبتك خير لا يعدلها خير, فأريد أن تتزوج أختي معي لتنال ما نلت. فهذه لو لم تعلم أن صحبتها لنبينا عليه الصلاة والسلام أعظم صحبة وأنها تفدي نبينا عليه الصلاة والسلام بروحها، وترى هذا قليلاً في حقه لما عرضت عليه أختها ورغبت في ذلك. وعليه ما يجري من انفعالات - كما قلت- هي انفعالات طفيفة تلقى في مكانها.

    تحكيم النبي وعائشة لأبي بكر للفصل في بعض ما يجري بينهما

    ومثل هذا إخوتي الكرام! كان يقع, وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يتحمل ويعفو ويصفح، وقد روى الإمام الطبراني في معجمه الأوسط، والأثر في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي , كما ذكر ذلك شيخ الإسلام الإمام العراقي في تخريج أحاديث الإحياء في المكان المتقدم في الجزء الثاني صفحة أربع وأربعين، والإمام الزبيدي في إتحاف السادة المتقين في الجزء الرابع صفحة اثنتين وخمسين وثلاثمائة نقل كلام العراقي على هذا الحديث ولم يزد عليه شيئاً، ولفظ الحديث عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها قلت: ( جرى بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام، حتى أدخل النبي عليه الصلاة والسلام بيننا أبا بكر حكماً وشاهداً، فلما جاء أبو بكر رضي الله عنهم أجمعين قال نبينا عليه الصلاة والسلام لأمنا عائشة رضي الله عنها: تتكلمين أو أتكلم؟ قالت: بل تكلم أنت, ولا تقل إلا حقاً، فلطمها أبو بكر رضي الله عنه حتى خرج الدم من فمها، فقامت مستجيرة برسول الله صلى الله عليه وسلم واحتمت وراء ظهره ). أنت الآن تخاصمينه إلى أبيك وبدأت تلوذين به؟! ووالله هو أرحم بها وأرأف بها من نفسها, لا من أبيها وأمها، فاستجارت برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما لطمها أبو بكر قال لها: ( يا عدية نفسها! ) تصغير عدوة، يعني: يا عدوة نفسها! أنت تعادين نفسك بهذا الكلام ولا تدرين, ( وهل يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الحق! ). ( ولا تقل إلا حقاً ). وعلى كل حال الكلام ليس فيه محذور، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يتكلم إلا بالحق، لكن الانفعال جعلها تقول ذلك، وليس معنى هذا الاستثناء أنه يتكلم بالباطل، حاشاه من ذلك عليه صلوات الله وسلامه.

    فلما استجارت برسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدت خلف ظهره قال نبينا عليه الصلاة والسلام لـأبي بكر : ( يا أبا بكر ! لم ندعك لهذا، ولا أردنا منك هذا ). ما أردناك أن تدخل في خصومة، نحن أتينا بك لتصلح, وقع بيني وبين هذه الزوجة الحبيبة شيء من الكلام، وأنت تأتي تصلح بيننا، وتقول لي: أنت تجاوز، ولها: أنت تجاوزي، أما تستعمل اليد ما أتينا بك لهذا وما أردنا منك هذا.

    الأثر قال عنه الإمام العراقي - كما قلت رواه الطبراني والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد- قال: بسند ضعيف عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    لكن مثل هذا وقع كثيراً في بيت نبينا عليه الصلاة والسلام, والكثرة دون العشرة أيضاً. فاستمعوا لبعض الحوادث عدا عما ذكرت:

    تعامل النبي مع موقف حفصة من صفية ووصفها لها بأنها ابنة يهودي

    الحادثة الأولى: رواها الإمام أحمد في المسند، والترمذي في السنن وقال: حسن صحيح غريب وروى هذا الأثر الإمام النسائي في السنن الكبرى، والأثر في صحيح ابن حبان , وإسناده صحيح عن أنس رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( بلغ صفية رضي الله عنها وأرضاها, أن حفصة قالت عنها: إنها بنت يهودي ). حفصة تقول عن صفية : هذه بنت يهودي, هي نعم بنت يهودي، طيب وكان ماذا؟ أسلمت وصارت زوجة لخير خلق الله عليه الصلاة والسلام, فهل تعير لأن أباها كان يهودياً, هذا لا يجوز، وهذا منطق غير سليم في شريعة الله المستقيمة. إنها بنت يهودي. فلما بلغ صفية كلام حفصة رضي الله عنها وأرضاها بكت. يقول أنس : ( فدخل عليها النبي عليه الصلاة والسلام وهي تبكي، قال: ما يبكيك؟ قالت: قالت لي حفصة : أنت ابنة يهودي ). فانظر لحل المشكلة والقضاء عليها، فقال عليه الصلاة والسلام: ( يا صفية ! إنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك تحت نبي، فبم تفخر حفصة عليك )! يعني قولي لها: والدي هارون أنتمي إليه وهو نبي، وعمي موسى وهو نبي، وأنا زوجة نبي, تفتخرين علي بأي شيء؟ ما بقي إلا الكلام الفارغ, خلاص كفي عنه وانتهى الأمر

    ثم التفت نبينا عليه الصلاة والسلام إلى حفصة وقال: ( يا حفصة ! اتقي الله )! كلام الجاهلية لا داعي له.

    فاستمع الآن لهذا التوجيه من نبينا عليه الصلاة والسلام, أصلح بين الزوجتين وأعطى حفصة حقها من النصح والزجر, ( اتقي الله )! فهذا الكلام خروج عن التقوى. وتلك طيب خاطرها: لا تتأثري, أنت بنت نبي، أنت عمك نبي، وأنت تحت نبي.

    ومن جملة اللطائف حول هذه القصة، كان بعض إخواننا عندما كنا في أيام الدراسة يقول لي مقولة، وهي في الحقيقة نكتة، لكن كانت بمنتهى الغرابة, وننكرها عليه، ثم تبين صحتها. يقول: أنا ولي ابن نبي، نقول: اتق الله يا رجل! اتق الله! قال: أنا ما أشك أنني ولي ابن نبي، قلت: يا عبد الله! كيف هذا؟ قال: أنا مؤمن, والمؤمنون إن شاء الله أولياء الله، وكلنا ننتمي لآدم, وآدم من تراب, وهو نبي الله، فأنا ولي ابن نبي.

    وهنا كذلك من باب تطييب خاطر أمنا صفية قال النبي: ( أنت ابنة نبي ). حتماً ليس هو الأب الأقرب، إنما بينها وبين هارون مسافة, ( وعمك نبي )، وأفضل الفضائل: ( وأنت تحت نبي )، خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه، ( فبم تفخر حفصة عليك؟ يا حفصة ! اتقي الله )!

    وهذا الكلام - كما قلت- الذي صدر من حفصة صدر أيضاً من أمنا عائشة رضي الله عنها، وتقدم معنا أيضاً أنه قالته أمنا عائشة كما في رواية أبي يعلى التي فيها عنعنة محمد بن إسحاق كما تقدم معنا، لكن هذا الكلام ثابت عن أمهاتنا أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام في حق صفية في أحاديث أخر, منها هذا الحديث.

    ومنها: ما في الترمذي ومستدرك الحاكم في الجزء الرابع صفحة تسع وعشرين، عن أمنا صفية رضي الله عنها وأرضاها قالت: ( دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم وقد بلغني كلام عن عائشة وحفصة ). إذاً: المتكلم الآن زوجتان من أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام. ( وقد بلغني كلام عن عائشة وحفصة , وأنا أبكي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما شأنك؟ ما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! حفصة وعائشة ينالان مني, ويقولان: نحن خير منها, نحن بنات عمه وأزواجه )، يعني: نحن لنا مزية على هذه اليهودية على زعمهما، نحن بنات عمه في النسب, ونحن أزواجه، طيب هي زوجة, لكن هي ليس لها صفة بنات العمومة. ( نحن بنات عمه, ونحن أزواجه، فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: يا صفية ! ألا قلت: كيف تكونان خيراً مني وأبي هارون, وعمي موسى, وزوجي محمد عليه الصلاة والسلام )؟! قولي لهما هذا وخلاص، لا داعي للبكاء, والكلام ينقطع.

    تعامل النبي مع موقف زينب من صفية في الحج ووصفها لها باليهودية

    نعم إخوتي الكرام! الغيرة إذا جاوزت حدها لابد من ردعها، فهذه تكررت كما قلت من أمنا عائشة ، ومن أمنا حفصة نحو أمنا صفية على نبينا وعليهن جميعاً صلوات الله وسلامه، ثم تكررت من زينب , لكن حقيقة صدور هذا من زينب ينبغي أن يحصل عليه شيء من الحسم والتوجيه؛ لئلا يتطور الأمر أكثر مما يسمح به، فاستمع لهذا الذي حصل من زينب مع أمنا صفية في حجة الوداع بعد أن حصل من أمنا عائشة مع صفية ما حصل، تقدم معنا أخذ المتاع الثقيل لـصفية ووضع على جمل أمنا عائشة , لكن جملها الثفال ما استطاع أن يمشي مع خفة متاع أمنا عائشة فبرك في النهاية، فلا بد الآن من تغييره، فاستمع ماذا جرى عند طلب تغيير الجمل.

    الحديث رواه الإمام أحمد في المسند والطبراني في معجمه الأوسط، وانظروه في مجمع الزوائد في الجزء الرابع صفحة واحد وعشرين وثلاثمائة إلى ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وهو في المسند في بلوغ الأماني في ترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني ومعه الفتح الرباني في الجزء الثاني والعشرين صفحة أربع وأربعين ومائة، عن سمية وقيل شميسة، وهما بصريتان مقبولتان كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب، قال الإمام الهيثمي : كل منهما لم يجرحها أحد، يعني: سمية البصرية لم لجرحها أحد، وشميسة لم يجرحها أحد، أما الأولى وهي سمية فحديثها في السنن الثلاثة, في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه , وأما شميسة فقد روى لها البخاري في الأدب المفرد. إذاً: إما عن سمية أو شميسة , كما قلت كلاهما بصريتان، تابعيتان كريمتان رضي الله عنهما وعن سائر المسلمين. عن سمية أو عن شميسة عن عائشة وصفية رضي الله عنهم أجمعين, يعني: تنقل سمية أو شميسة عن أمنا عائشة وأمنا صفية ما جرى في حجة الوداع مع نبينا عليه الصلاة والسلام مع نسائه في السفر والطريق, قالت: ( حج النبي صلى الله عليه وسلم بنسائه فلما كان ببعض الطريق نزل رجل فساق بهن فأسرع ). الرجل الذي يسوق والذي يحدوا بالإبل من أجل أن تمشي وتسرع وتلحق بالركب، فأسرع, فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( كذا سوقك بالقوارير )؟ يعني: هكذا تسوق القوارير، وهذا الذي كان يسوق هو أنجشة , وهو الذي كان يسوق النساء والضعفة عندما يسافرون مع النبي عليه الصلاة والسلام. وورد التصريح باسمه في الصحيحين وفي المسند وسنن النسائي عن أنس رضي الله عنه قال: ( بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير وحاد يحدو بنسائه, فضحك النبي صلى الله عليه وسلم, فإذا هو قد تنحى بهن )، يعني: سبقن الركب من كثرة سير أنجشة بالضعفة والنساء, فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( يا أنجشة ! ويحك ارفق بالقوارير ). القارورة في الأصل هي الزجاجة الرقيقة اللطيفة. شبهت النساء هنا بالقوارير لأمرين اثنين؛ الأول: هي تشبه النساء في الرقة واللطافة وضعف البنية، هذه ضعيفة لا تتحمل كما أن الزجاجة لا تتحمل الخض، وشبهت أيضاً المرأة بالزجاجة من وجه ثان لسرعة انقلابهن عن الرضا وقلة دوامهن على الوفاء، ولذلك يسرع إليهن الكسر وقد لا يقبل الجبر، لذلك هذه الزجاجة التي عندك حافظ عليها، وإذا أردت أن تخضها انكسرت، والقارورة إذا انكسرت لا تجبر، وكسرها بالنسبة للمرأة طلاقها. ( يا أنجشة ! ارفق بالقوارير ). هذا المعنى الأول, يعني: ارفق بالنساء اللاتي هن كالقوارير في الرقة واللطافة وضعف البنية, هذا التشبيه الأول، وهن كالقوارير كما قلت لا يتحملن شدة وعناء ينكسرن بسرعة, وإذا انكسرن لا ينجبرن, فارفق بهن، ويمكن أن يكون المراد ( يا أنجشة ! ارفق بالقوارير )، أي: سقهن كما تسوق الإبل لو كان على ظهرها القوارير من الزجاج، كما لا تسرع بالسير من أجل أن لا تتكسر القوارير ارفق أيضاً بالنساء لما فيهن من ضعف. وهنا: ( كذا سوقك بالقوارير ). فلما كانوا يسيرون وأنجشة يحدو قال: برك لـصفية جملها. هذا الذي وضع عليه المتاع الخفيف هو جمل ثفال في برك حجة الوداع، وكانت من أحسنهن ظهراً، لكن قدر الله على ظهرها ما قدر، يعني: هو في الأصل فيه نشاط, لكن في هذه السفرة وفي هذا الطريق تعب، فبكت, وهي تقول: ( فبكيت، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبر بذلك, فجعل يمسح دموعها بيده عليه صلوات الله وسلامه، وجعلت تزداد بكاء ). وبكاؤها من أجل أنها ستؤخر الركب وستؤخر خير خلق الله عليه الصلاة والسلام عن السفر، فلا يمكن أن يسير الصحابة ومعهم النبي عليه الصلاة والسلام ويتركوا أمنا صفية , هذا لا يمكن على الإطلاق، فبدأت تبكي, يعني: أنها تتسبب الآن في مشكلة للنبي عليه الصلاة والسلام ولصحبه الكرام، وقد ينظر الناس إليها بعد ذلك نظرة تشاؤم, فبدأت تبكي، والنبي عليه الصلاة والسلام يمسح دموعها المباركة, وهي تزداد بكاء, وهو ينهاها، فلما أكثرت زبرها وانتهرها، يعني: تقف عند حدها، فالجمل عطب وهلك خلاص لا داعي لكثرة البكاء ونحصل غيره إن شاء الله، قال: ( وأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالنزول، فنزلوا ولم يكن يريد أن ينزلوا ), إنما نزلوا من أجل جمل صفية رضي الله عنها وأرضاها، قالت: ( فنزلوا وكان يومي )، يعني: هذه الليلة هي ليلة صفية . وبالنسبة للسفر لا يوجد قسم في ليل أو في نهار، إنما القسم يكون للزوجة عند النزول، يعني: صاحبة الليلة عندما ينزل المسافر ليستريح، وكانت ليلة أمنا صفية رضي الله عنها وأرضاها, وهي - كما قلت- تسببت فيما تسببت، والنبي عليه الصلاة والسلام في نهاية الأمر زجرها وانتهرها لكثرة بكائها، قالت: ( فلما نزلوا وضرب خباء النبي عليه الصلاة والسلام ودخل فيه، فلم أدر على ما أهجم عليه؟ ) أي: أدخل عليه بأي شيء؟ وأنا الآن هذه ليلتي ونساؤه التسع معه عليه وعليهن صلوات الله وسلامه، لكن هذه ستكون معه في خبائه عندما ضرب له, فهذا حقها. قالت: ( فلم أدر على ما أهجم؟ وخشيت أن يكون في نفسه شيء مني ). أنه تأثر لما حصل، ( قال: فانطلقت إلى عائشة ، فقلت لها: يا عائشة ! تعلمين أني لم أكن أبيع يومي من رسول الله عليه الصلاة والسلام بشيء أبداً -اليوم لا أتنازل عنه مهما بذل لي- وإني قد وهبت يومي لك على أن ترضي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ). أخشى أن يكون قد تأثر فهذا اليوم لك, وأنت ادخلي معه إلى الخباء, وطيبي خاطره؛ ليرضى النبي عليه الصلاة والسلام عني.

    ( قالت: نعم، تقول: فأخذت خماراً لها قد ثردته بزعفران, فرشته بالماء ليذكي -أي: ليفوح ريحه- ثم لبست ثيابها ثم انطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرفعت طرف الخباء، فقال: يا عائشة ! ما لك؟ هذا ليس يومك، قلت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله, فلما كان عند الرواح قال لـزينب : أفقري أختك جملاً )، أي: أعيريها جملاً لتركب عليه، مأخوذ من ركوب فقار الظهر، ( أفقري أختك جملاً، وكانت من أكثرهن ظهراً, فقالت: أنا أفقر يهوديتك؟ فغضب نبينا عليه الصلاة والسلام حين سمع ذلك منها ). الآن تتابعت، ونحن الآن كما قلت في موقف حرج، وصفية حالتها كما تقدم معنا، ووهبت يومها لأمنا عائشة ، وبعد ذلك تقابل من قبل زينب بهذه المقابلة. ( فغضب النبي عليه الصلاة والسلام عليها حين سمع ذلك منها فهجرها، فلم يكلمها حتى قدم مكة وأيام منى في سفره، حتى رجع إلى المدينة والمحرم وصفر )، يعني: مر ذو الحجة والمحرم وصفر وهو يهجر أمنا زينب رضي الله عنها وأرضاها من أجل هذا الكلام الشديد في هذه السفرة وهذا الموقف الذي يحتاج إلى مساعدة، ( فلم يأتها ولم يقسم لها, ويئست منه، قال: فلما كان ربيع دخل عليها -أي: شهر ربيع- فلما رأت ظله، قالت: إن هذا لظل رجل وما يدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم, فمن دخل بيتي في هذا الوقت؟ فلما نظرت إليه عرفته أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ما أدري ما أصنع يا رسول الله عليه الصلاة والسلام؟! ) يعني: لأرضيك وأطيب خاطرك. قال: ( وكان لها جارية تخبئها من رسول الله عليه الصلاة والسلام, فوهبتها له, فمشى النبي عليه الصلاة والسلام إلى سريرها وكانت قد رفعته فوضعه بيده، ثم بقي عند أهله وأصاب أهله ورضي عنها ) على نبينا وآل بيته صلوات الله وسلامه.

    قصة جرت - وكما قلت- أخوتي الكرام! سلبية من السلبيات، لكن هذه السلبيات انفعال ظاهري, يعالج عندما يحصل في ذلك اعتداء على حق الغير، ويكفيها أنها هجرت ثلاثة أشهر، وهذا الهجر حقيقة يمزق الكبد عند أمنا زينب رضي الله عنها وأرضاها، وعفا الله عما سلف، فرحمة الله واسعة بعد ذلك, والله غفور رحيم، كما قلت حوادث معدودة -هذه من ضمنها- جرت في بيت النبي عليه الصلاة والسلام, وعولجت بهذه المعالجة. الكلام الأول الذي جرى من حفصة ما تطور, عالجه نبينا عليه الصلاة والسلام بما تقدم, ( يا صفية ! قولي لها: أنا ابنة نبي, وعمي نبي, وأنا تحت نبي، فاتقي الله يا حفصة )!

    وجرى الكلام من أمنا عائشة , عولج بذلك، زاد الكلام من أمنا عائشة في السفر وقالت: غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكيف وضع متاعها على جملي وأخذ متاعي ووضع على جملها؟ وهذا خلاف العدل على حسب زعمها، ومع ذلك كل هذا تجاوز.

    بعد كل هذه المواقف وفي النهاية التي وصلنا إلى موقف محرج والجمل برك ولابد من مواصلة السير, ( أفقريها جملاً, قالت: أنا أفقر يهوديتك؟ ) طيب هذا لا بد الآن من زجر لوضع حد لهذا الكلام الذي تكرر وكثر، فزجرن بما زجرن به من قبل نبينا عليه الصلاة والسلام, فكان ماذا؟ وهذا وضع الحياة، ( ولو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم سبحانه وتعالى ). لكن كما قلت شتان بين أن يكون هذا الخطأ دافعه التعمد, وهو مستأصل ثابت في القلب، وبين أن يكون دافعه الخطأ والانفعال, وهو طارئ يطرأ على الإنسان ثم ينتهي، شتان بين هذا وذاك. فهذه الحوادث كلها من باب الأمور الطارئة التي كانت تزول عند المعالجة, وتستقر الحياة بعد ذلك، وثم هذا كان يقع، وكما قلت سأحصي جميع هذه الحوادث، وحتى لو جاء متكلم يتكلم قل له: هل عندك زيادة على هذه الحوادث حتى جئت تتكلم، وكما قلت يجري بين الإنسان وأبيه .. بين الإنسان وأمه .. بين الإنسان وأخيه, فضلاً عن حدوثه بينه وبين زوجته الوحيدة التي يحبها وتحبه، لا أقول في العمر مشكلة، أو في الشهر مشكلة، أو في السنة مشكلة، أو في الأسبوع مشكلة، مشاكل كثيرة, لكن إذا لم تكن هذه المشاكل من قلب خبيث سرعان ما تزول. وهنا كذلك تسع نسوة يعشن في حياة تقدم معنا وصفها في بيوت النبي عليه الصلاة والسلام، ووصف أثاثه، ووصف طعامهم، ولو جاءت الفأرة ما تحصل طعاماً في بيت نبينا عليه الصلاة والسلام, ما عندهن ما يأكله ذو كبد كما تقدم معنا، والحُجر في تلك الحالة والحياة وهن صابرات محتسبات، ولما فتح على نبينا عليه الصلاة والسلام ما فتح من المغانم كل هذا صرف إلى المسلمين ولم ينل بيت النبوة منه شيء كما تقدم معنا، لا شبع البطن, ولا عمر البيت كما هو، فإذا جرى منهن -وهن تسع- تسع حوادث في حياتهن مع نبينا عليه الصلاة والسلام كان ماذا لا شيء.. لا شيء على الإطلاق, وكما قلت: هذه هي طبيعة الحياة, نحن لا نعرف الجنات، فالجنة حقيقة هناك لا يمكن أن يصدر فيها شائبة، أما ما دمت في هذه الحياة لا بد من عكر وكدر, يزال بعد ذلك، وإذا لم يكن هذا العكر والكدر من قلب متأصل فيه فلا حرج، وهذا طبيعة بيتك.

    تعامل النبي مع ما يحصل بين أزواجه من مشاجرات

    استمع لمثل هذه الحوادث أيضاً ولمعالجة النبي عليه الصلاة والسلام لها, ثبت في صحيح مسلم والحديث رواه الإمام أحمد في المسند، وصاحب كتاب بلوغ الأماني في ترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني في الجزء الثاني والعشرين صفحة ثلاث وخمسين ومائة يقول: لم أقف عليه لغير الإمام أحمد , وهو في صحيح مسلم كما قلت لكم، يعني: هو يظن أن هذه الرواية انفرد بها الإمام أحمد , لكنها في صحيح مسلم , نعم هي في المسند أيضاً، عن أنس رضي الله عنه قال: ( كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسع نسوة، وكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع ). طيب, يعني: ثمانية أيام تمر ولا يجتمع بزوجاته؟ هذا لا يمكن، تقدم معنا بعض الروايات عند الأمر الأول: أن نبينا عليه الصلاة والسلام ما من يوم يمر عليه إلا ويطوف عليهن جميعاً، ( كان عليه الصلاة والسلام إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع، فكن يجتمعن في كل ليلة )، لا إله إلا الله على هذا الود والحب والوئام، في كل ليلة يجتمعن في بيت من هي ليلتها مع نبينا خير خلق الله عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه، ( فكن يجتمعن في كل ليلة في بيت التي يأتيها ). طيب إذا حصل في هذه الاجتماعات في تسع سنوات -وهذا اجتماع في كل ليلة- حادثة أو حادثتان، هذه تعكر أو تكدر؟ لا ثم لا. فاستمع لما جرى، لا إله إلا الله. ( فكن يجتمعن في كل ليلة في بيت التي يأتيها, فكان في بيت عائشة ) في إحدى الأيام ليلة عائشة وأمهاتنا في بيتها، ( قال: فجاءت زينب فمد النبي صلى الله عليه وسلم إليها يده )، زوجته ومد يده إليها, يداعبها عليه صلوات الله وسلامه، أمنا عائشة ما تحملت، يعني: هذه ليلتها وفي بيتها, ( فقالت: يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! هذه زينب ), انتبه! هذه ليست عائشة , لم تمد يدك؟ ( قالت: فكف يده ). مباشرة امتنع، لكن زينب لن تسكت الآن، (فتقاولتا)، كل واحدة بدأت تكلم الأخرى، ولا تظن أن هذه المقاولة شتيمة كما يجري في نساء الناس الهابطين سب لأب وأم وبذاءة، لا, بل تلك تقول: هذه ليلتي, وليس لك حق في أن يستمتع رسول الله عليه الصلاة والسلام بك هذه الليلة، قفي عند حدك، وأنت ينبغي أن تقولي له إذا مد يده: هذه ليلة عائشة، اتقي الله يا زينب ! فـزينب تقول: وأنت لم تمنعين رسول الله عليه الصلاة والسلام من حظه، والمؤمنون إخوة, فإذا مد النبي عليه الصلاة والسلام يده كان ماذا؟ ومن هذا الكلام، قال: ( فتقاولتا حتى استحثتا ), وهو استفعال من الحثي, وهو أخذ التراب ونثره في الوجه، كل واحدة أخذت تراباً ترش على الأخرى، طيب ما الحرج؟ لكن بلا كلام بذيء، قال: ( وأقيمت الصلاة ), يعني: صلاة العشاء ستقام، وحجر النبي عليه الصلاة والسلام كما لا يخفى عليكم هي ملاصقة للمسجد، وتقدم معنا أنها من جريد النخل والطين لا أكثر، يعني: يسمع ما يجري في بيت النبي عليه الصلاة والسلام ويسمعه الصحابة الكرام في المسجد، لو أن إنساناً مضغ الطعام يسمع في المسجد، والنساء الآن وقع منهن رفع صوت ثم نفش بالتراب, كل واحدة ترش على الأخرى تراباً, والحديث في صحيح مسلم , ( وأقيمت الصلاة فمر أبو بكر رضي الله عنه فسمع أصواتهما, فقال: يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! اخرج إلى الصلاة, واحث في أفواههن التراب )، يعني: أنت لازلت مع ذلك تطول بالك وتوسع صدرك, وأنت حليم جالس. زينب وعائشة كل واحدة تتكلم على الأخرى ثم تأخذ التراب وتنفش وأنت جالس مع كل هذا؟ اتركهن واحث في أفواههن التراب, ( فخرج النبي عليه الصلاة والسلام لصلاة العشاء فسكن النسوة، فقالت عائشة : الآن يقضي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجيء أبو بكر فيفعل بي ويفعل )، تعني: هي لا تخاف من النبي عليه الصلاة والسلام -كما تقدم معنا-, إنما تخاف من أبيها، لا إله إلا الله. ( قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة أتاها أبو بكر وقال لها قولاً شديداً: أتصنعين هذا برسول الله عليه الصلاة والسلام )؟ من أنت ومن أبوك ومن أهل الأرض وتصنعون هذا برسول الله عليه الصلاة والسلام؟ والحديث كما قلت في صحيح مسلم .

    أقول: إذا حصل هذا ببيت النبي عليه الصلاة والسلام أي حرج؟ تسع نسوة يجتمعن في تسع سنوات في جميع الليالي على الترتيب, في كل ليلة في بيت التي هي ليلتها، طيب إذا جرى في هذه الليالي المتعددة المتكررة حادثة أو حادثتان هل يقال: في بيت النبي عليه الصلاة والسلام خصومة؟ والله من قال هذا فخصمه الله، فلا يقال: خصومة، هذا يدل على نبلهن وشرفهن ومحبتهن وودهن لبعضهن، لكن أحياناً يقع انفعال، هو مد يده, وهي نبهته وقالت: زينب. فكف النبي عليه الصلاة والسلام يده، تلك حرمت خيراً، فتريد أن تجيب، هذه لن تسكت، كلام ضمن المحاورة الشرعية لكن فيه رفع صوت، تطور الأمر إلى أخذ تراب ورش على الصاحب، وبعد ذلك هدأت الأمور وانتهى الأمر، ولا يوجد أن واحدة منهن تضمر لأختها عداوة أو بغضاً, وفي الليلة الثانية سيجتمعن في بيت زينب وزال كل شيء, على نبينا وعلى آل بيته صلوات الله وسلامه.

    كما قلت إخوتي الكرام! هذا في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد , وورد نظير هذه القصة مع أمنا عائشة وأمنا أم سلمة على نبينا وعليهن جميعاً صلوات الله وسلامه، والحديث رواه الإمام أحمد في المسند، وانظروه في المكان المتقدم، أو في مكان آخر في الجزء الثاني والعشرين صفحة ثلاث عشرة ومائة، وانظروه في مجمع الزوائد أيضاً في الجزء الرابع صفحة اثنتين وعشرين وثلاثمائة, وجميع رجال الإسناد ثقات أثبات، وفيهم علي بن زيد بن جدعان , قال الإمام الهيثمي : وفيه ضعف وحديثه حسن، وعلي بن زيد بن جدعان أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة، وتوفي سنة واحد وثلاثين ومائة للهجرة. ولفظ الحديث في المسند عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: ( كانت عندنا أم سلمة ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم في جنح الليل، فذكرت شيئاً صنعه بيده )، ذكرت شيئاً صنعه النبي عليه الصلاة والسلام مع أمنا عائشة، وما ذكرت هذا الشيء حتماً كما حصل من مد يده إلى زينب , لكن هنا مد يده إلى عائشة في بيتها وفي ليلتها لكن أمام أم سلمة على نبينا وعليهن جميعاً صلوات الله وسلامه، قالت: ( وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفطن لـأم سلمة ), ما انتبه لها، دخل في الليل ولم يكن في البيوت مصابيح, على نبينا صلوات الله وسلامه، وهي ليلة أمنا عائشة , فلما دخل تقول: ذكرت شيئاً صنعه بيده مع أمنا عائشة , ولم ينتبه لأمنا أم سلمة , قالت: ( وجعلت أومئ إليه حتى فطن )، يعني: أنبهه أن أم سلمة موجودة، يعني: لا داعي الآن لمعاتبة أخرى، فلما فطن وقف النبي عليه الصلاة والسلام عن فعله، ( فقالت أم سلمة : أهكذا الآن )؟ يعني: بعدما كنت تفعل وتفعل مع أمنا عائشة رضي الله عنها، ( أهكذا الآن؟ أما كانت واحدة منا عندك إلا في خلابة؟ ) أي: في خداع، كأنك تخادعنا وعائشة هي المقدمة علينا، ونحن كلنا كأننا نخادع، عائشة تقدم وإذا فطنت لنا تقف عما أنت عليه، وحتماً الكلمة في غير محلها؛ لأنه تقدم معنا فعل هذا مع زينب في بيت أمنا عائشة , لا يخادع واحدة, إنما نفس البشر أحياناً تمتد اليد إلى بعض زوجاته, فليس معنى هذا أنه يخادع الباقيات، لا ثم لا، قالت: ( أما كانت واحدة منا عندك إلا في خلابة كما أرى وسبت عائشة ). والسب كما قلت: كلام شديد ليس فيه بذاءة ولا سفالة، ( وجعل النبي عليه الصلاة والسلام ينهاها ويقول: كفي عن قولك، فتأبى، فقال لأمنا عائشة: سبيها يا عائشة )! (سبيها) يعني: خذي حقك, وهو جالس عليه صلوات الله وسلامه. ( قالت: فسببتها حتى غلبتها ) فسكتت بعد ذلك أمنا أم سلمة فذهبت إلى علي وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين فقالت: إن عائشة سبتها, يعني: سبت أم سلمة وقالت لكم وقالت، يعني: هي تفضل نفسها حتى عليكم يا علي ! ويا فاطمة ! ( فقال علي لسيدتنا فاطمة : اذهبي إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقولي له: إن عائشة قالت لنا وقالت، فجاءت فاطمة وقالت للنبي عليه الصلاة والسلام: إن عائشة قالت لنا وقالت، قال: يا بنيتي! إنها حبة أبيك ورب الكعبة )، أي: هذه حبيبتي وزوجتي, وهكذا أم سلمة , وهكذا حفصة , وهكذا صفية , هذه حبتي، يعني: أنت الآن تتكلمين عليها ما تحبين ما أحب؟ ( فسكتت فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، وعادت إلى علي , فلما ذكرت لـعلي ما قاله لها النبي عليه الصلاة والسلام جاء علي وقال: يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! أما كفاك إلا أن قالت لنا عائشة وقالت، فلما أتتك فاطمة قلت لها: إنها حبة أبيك ورب الكعبة؟ ) يعني: ولا تعاتب عائشة ؟ لكن هذا هو خلق النبي عليه الصلاة والسلام. أم سلمة بدأت فنهاها فما انتهت, فقال لتلك: دونك انتصري، سبيها كما تسبك، لكن كما قلت لا يفهم أنه سب بكلام سافل بذيء يتنزه عنه الإنسان، ويتنزه عنه أهل الإسلام، إنما معاتبات شرعية, فيها كما قلت شيء من الشدة والغلظة في الصوت، فلما غلبت حجة عائشة حجة أمنا أم سلمة تلك سكتت. وسيأتينا أن أمنا عائشة أحياناً كانت ترد على بعض أمهاتنا فتسكتها، ومن ضمن الحوادث أنها ردت على أمنا زينب حتى جف ريقها في فمها، وسكتت وما استطاعت أن تتكلم، فبدأ وجه النبي عليه الصلاة والسلام يتهلل, وقال: ( إنها ابنة أبيها ). فليس المراد السب, وإنما أنها تعرف كيف تسكت الخصم وتأتي بحجج شرعية على ما تقول أنه حق، وأن تلك عندما تكلمت كان ينبغي أن تترك الانفعال ولا تثبت عليه.

    هذه حوادث إخوتي الكرام! تجري في بيت نبينا عليه الصلاة والسلام, وصدره أوسع من السماوات والأرض عليه صلوات الله وسلامه، يتسع ويقول لهذه: انتصري، وبعد هذه المقاولة ذهب كل شيء ومضى, وما بقي في القلب شيء.

    إخوتي الكرام! وقبل أن أكمل هذا المبحث شيء خطر ببالي, ليتني نبهت عليه عند ذكر القصة! عندما حج النبي عليه الصلاة والسلام بنسائه وبرك جمل أمنا صفية رضي الله عنها وأرضاها ووهبت بعد ذلك يومها لأمنا عائشة , هذا يتعين أن يكون في عودة نبينا عليه الصلاة والسلام من حجته؛ لأنهم في الذهاب كانوا محرمين، ولا يمكن لأمنا عائشة أن تأخذ هذا الثوب الذي فيه زعفران, وبعدها نبينا عليه الصلاة والسلام يباشرها في خبائه، هذا كله بعد عودتهم فيما يظهر والعلم عند الله عز وجل، يعني: هذا ما حصل في حالة الإحرام قطعاً وجزما، أو ممكن أن يقال: كانوا قبل أن يصلوا إلى الميقات, فالمسافة قصيرة من المدينة المنورة إلى الميقات، الذي يظهر والعلم عند الله أن هذا في حالة العودة, ما فصل الأمر, لكن هذا يتعين قطعاً، والذي يظهر والعلم عند الله أن هذا في العودة، ولذلك وصفها أنها كانت من أحسنهن ظهراً، هذا في حال الذهاب، ثم لعله في الإياب أصابه ما أصابه, فلما برك طلب النبي عليه الصلاة والسلام من أمنا زينب أن تفقرها - أي: أن تعيرها- جملاً من جمالها فقالت ما قالت، والعلم عند الله.

    هذه حوادث كما قلت تجري في بيت نبينا عليه الصلاة والسلام، والذي دعانا إليها كما قلت الأمر الرابع، بعد أن يحسن الإنسان إلى أهله ينبغي أن يتحمل منهن ما يتحمل، وإذا ابتلاك -أو أقول أكرمك- الله بزوجة أو بزوجات تعلم هذه الأخلاق التي كان يتخلق بها عليه صلوات الله وسلامه، لتعرف كيف تعيش في بيتك مع زوجك أو مع زوجاتك، فهذا كما يلزمك مع الزوجة يلزمك من باب أولى مع الزوجات، إذا حصل ما حصل فلا داعي لصراخ ولا لمشاتمة ولا لضرب ولا لسب ولا لطلاق، فأحياناً قد تطلق بالثلاث والأربع، فاتق الله في نفسك! واقتد بنبيك عليه الصلاة والسلام.

    وقلت سابقاً: هذه الحوادث جرت في بيت النبي عليه الصلاة والسلام لحكم كثيرة منها:

    أولها: للدلالة على أن هذه الحياة حياة كدر مهما طالت.

    والثاني: لنقتدي بنبينا خير البشر عليه الصلاة والسلام في جميع أحوالنا، فلو لم يجر هذا في بيته فكيف سنعالج أمورنا؟ فانتبه هذا خير خلق الله عليه الصلاة والسلام يجري بين نسائه ما يجري، وليس هو يسكت ويقر، لا، بل يقول: ( دونك قومي فانتصري, وسبيها كما تسبك ). وهو جالس عليه الصلاة والسلام يستمع, حتى تنتهي هذه الخصومة فيعود الود والوئام والحب بين هذه القلوب الطاهرة بعد أن فرغ كل واحد كما يقال انفعاله، خلاص يعود لطبيعته وإلى رشده وإلى عقله ووعيه.

    تعامل النبي مع سائر زوجاته في غيرتهن من عائشة ومن كثرة ما يهدى له وهو عندها

    واستمع لهذه الحادثة أيضاً وهي في مسند الإمام أحمد والصحيحين وسنن الترمذي والنسائي ؛ لأنها تتعلق بمبحثنا في موضوع ما كان يجري بين أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام, وانتبه كيف بعد ذلك عندما الواحدة تكلم من قبل النبي عليه الصلاة والسلام تقف عند حدها. كما قلت الحديث في المسند والصحيحين وسنن الترمذي والنسائي عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( إن الناس كانوا يتحرون هداياهم يوم عائشة يبتغون بها أو يبتغون بذلك مرضات رسول الله صلى الله عليه وسلم ). لاشك أنهم علموا أن قلبه يميل لأمنا عائشة أكثر من ميله إلى غيرها، وقلنا: هذا الميل كله بإرشاد رباني ووحي إلهي, فما نزل عليه كما سيأتينا في لحاف امرأة من نسائه إلا في لحاف أمنا عائشة , وهذا للإشارة إلى تقديمها، وكما قلنا: هذا تقديم قلبي، أما المعاملة الظاهرة: ( هذا قسمي فيما أملك, فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ).

    وفي رواية عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( إن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كن حزبين ). التسع ينقسمن إلى حزبين، حزب رئيسه أمنا عائشة , وحزب آخر رئيسه أم سلمة , فاستمع لهذين الحزبين المباركين، وأحسن ما عرفته البشرية من أحزاب في المنافسة على الخير والحرص على خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه، قالت أمنا عائشة : ( فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة -والرئيس عائشة - والحزب الآخر أم سلمة وسائر أزواج النبي عليه الصلاة والسلام, وهن أربع مع أم سلمة , زينب وميمونة وجويرية ورملة أم حبيبة ). هذه خمس مع أم سلمة , أربع وهي، وأما عائشة ثلاث وهي، أربع وخمس, كن حزبين. قالت: ( وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لـعائشة , فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام أخرها حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة رضي الله عنها وأرضاها ذهب صاحب الهدية بها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في بيت عائشة ). تكلم حزب أم سلمة الأربع فقلن لها: ( كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم الناس, فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية فليهد إليه حيث كان من نسائه ). وهذه الهدية ما تستأثر بها أمنا عائشة , لا ثم لا، لكن يحصل لها الفضيلة في بيتها، جاءت الهدية إليها ثم قسمها النبي عليه الصلاة والسلام بين نسائه, فكأن تلك البيوت مفضولة وهذه بيت الفاضل، يعني: هذا يخرج منه الجود وتلك البيوت تأخذ فقط، فقالت أمهاتنا الأخريات: لم بيت عائشة هو منبع الجود؟ تأتي الهدية إلى البيت الذي يكون فيه النبي عليه الصلاة والسلام, ومن ثم تقسم لسائر بيوته. فهذا الحزب الثاني قال للمسئول أمنا أم سلمة رضي الله عنهن جميعاً: ( كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فكلمته أم سلمة بما قلن فلم يقل لها شيئاً -سكت وما أجابها بشيء- فسألنها فقالت: ما قال لي شيئاً، فقلن لها: كلميه مرة ثانية، قالت: فكلمته حين دار إليها )، يعني: حين جاءتها ليلتها ونوبتها، ( فلم يقل لها شيئاً، فسألنها فقالت: ما قال لي شيئاً، فقلن الثالثة: كلميه حتى يكلمك )، يعني: لا تقبلي منه السكوت، قولي له: النساء يطلبن أن تقول للصحابة: كل واحد يهدي إليك حيث كنت, ولا يتحرون بهداياهم ليلة عائشة , ولا تسكتي, أعيدي عليه حتى يجيبك, ننظر ماذا سيقول النبي عليه الصلاة والسلام, فدار إليها فكلمته، فقال لها: ( لا تؤذيني في عائشة , فإن الوحي لم يأتيني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة ). وتقدم معنا الحكمة من ذلك, قلنا: لمكان أبيها، فأبوها لم يفارق النبي عليه الصلاة والسلام في سفر ولا حظر، فسرى سره إليها، فكان الوحي ينزل على نبينا عليه الصلاة والسلام وهو في لحاف ابنة أبي بكر , على نبينا وآله وصحبه جميعاً صلوات الله وسلامه. وقيل: لحكمة ثانية أوردها الحافظ ابن حجر , ذكرتها, وهي أنها كانت تبالغ في نظافة ثيابها وجسمها وطهارتها، فكان الملك يخصها بذلك من قبل الله جل وعلا، فينزل على النبي عليه الصلاة والسلام في لحافها، وانتبه للانصاف والوقوف عند الحد قالت أم سلمة: ( أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله عليه الصلاة والسلام )! إذا كان هذا الكلام يؤذيك أنا أتوب إلى الله منه ولا أعود إليه. انظروا لهذا الإنصاف. وكما قلنا: هذه غيرة ظاهرية تزول بعد ذلك.

    ثم إنهن بقية الحزب دعون فاطمة بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام, فأرسلنها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: ( إن نساءك يسألنك العدل في بنت أبي بكر , فكلمته -يعني: فاطمة - فقال: يا بنية! ألا تحبين ما أحبه، فقالت: بلى )، وفي رواية المسند: ( إنها حبة أبيك ورب الكعبة, فأحبي هذه ). وفي بعض الروايات قال: ( أتحبينني؟ قالت: نعم، قال: فأحبيها، فرجعت إليهن فأخبرتهن، فقلن لها: ارجعي إليه - يعني: مرة ثانية- فأبت أن ترجع، فأرسلن زينب بنت جحش ). هذا المبعوث الثالث، وهي لا زالت من الحزب الثاني، زينب , ( فأتته فأغلظت وقالت: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي قحافة , فرفعت صوتها ثلاثاً, حتى تناولت عائشة وهي قاعدة ), يعني: ما ذنبها؟ الآن هي لا دخل لها بذلك، رسول الله عليه الصلاة والسلام يأتي إليها والمسلمون يهدون إليه في بيتها، طيب هي ما دخلها؟ ( تناولت عائشة وهي قاعدة فسبتها ). افهم معنى السب, لا تفهمه على اصطلاحنا, سبتها كأنها تقول: أنت لم ما تقولين للنبي عليه الصلاة والسلام كما نقول له نحن أن يقول للصحابة أن يهدوا إليه حيث كان, لم أنت تستأثرين بالخير وتتميزين علينا؟ ومن هذا الكلام، كله محاسبات شرعية، ( حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لينظر إلى عائشة هل تتكلم، فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة فقال: إنها ابنة أبي بكر ).

    وفي رواية أخرى قالت: ( كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة ، فاجتمع صواحب لـأم سلمة , فقلن: يا أم سلمة ! إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة , وإنا نريد الخير كما تريد عائشة , فمري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان، أو حيثما دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم، قالت: فأعرض عني، قالت: فلما عاد إلي ذكرت ذلك له فأعرض عني، فلما كانت الثالثة ذكرت ذلك له فقال: يا أم سلمة ! لا تؤذيني في عائشة , فإنه والله ما نزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها ).

    وفي رواية أخرى قالت: ( أرسل أزواج النبي عليه الصلاة والسلام فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنت عليه وهو مضطجع في مرط، وهو كساء كان يتغطى به في بيت أمنا عائشة , فأذن لها، فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إن أزواجك أرسلنني يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة , وأنا ساكتة - وهي أمنا عائشة رضي الله عنها- قالت: فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ فقالت: بلى، قال: فأحبي هذه، قالت: فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعت إلى أزواج النبي عليه وعليهن جميعاً صلوات الله وسلامه، فأخبرتهن بالذي قالت والذي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء، فارجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة , فقالت فاطمة : لا والله لا أكلمه فيها أبداً. قالت عائشة : فأرسل أزواج النبي عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش زوج النبي عليه الصلاة والسلام، وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم )، أي: تضاهيني وتناظرني, من السمو وهي العلو، فهي لها مكانة كمكانتي وقريبة من مكانتي عند النبي عليه الصلاة والسلام، وهي ابنة عمته زينب بنت جحش , على نبينا وعلى آله جميعاً صلوات الله وسلامه. انتبه لكلام أمنا عائشة , ( ولم أر امرأة قط خيراً في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً -يعني: امتهاناً وتحميلاً لنفسها الصعاب والشداد- لنفسها في العمل الذي تصدق به وتتقرب به إلى الله عز وجل ). انظر لهذه الصفات التي تقولها أمنا عائشة في أمنا زينب , فيها هذه الصفات. انتبه! ما عدا فيها بس خصلة واحدة، قالت: ( ما عدا ثورة ), وهي الوثوب والثوران والغضب والانفعال، قالت: ( ما عدا ثورة من حد كانت فيها كانت تسرع منها الفيئة ). فيها تلك الصفات, وفيها غضب, بمجرد ما تغضب تعود إلى الرشد والصواب. قالت: ( فاستأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع عائشة في مرطها على الحال التي دخلت فاطمة عليها وهو بها، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالت: يا رسول الله! إن أزواجك أرسلنني يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة , قالت: ثم وقعت بي ). هذه هي الثورة في الحد، الشدة والغضب والانفعال، مع أنها ما رأت مثلها أتقى لله وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تتقرب به إلى ربها. ( ثم وقعت بي فاستطالت عليّ, وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرقب طرفاً, هل يأذن لي فيها )، تسمح لي أن أرد، قالت: ( فلم تبرح زينب - لم تفارق المكان- حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر فلما وقعت بها لم أنشبها -يعني: لم أمهلها ولم أتركها- حتى أثخنت عليها )، وفي رواية: ( لم أنشبها -أي: أمهلها وأتركها- حتى أثخنتها غلبة )، ليس أنها قطعتها وأسكتتها، ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبسم: إنها ابنة أبي بكر )، وفي رواية المسند قال: ( فأقبلت عليها )، أمنا عائشة على أمنا زينب , ( حتى رأيتها قد يبس ريقها في فمها, ما ترد عليّ شيئا، فرأيت وجه النبي عليه الصلاة والسلام يتهلل ). طيب ماذا حصل من هذا؟ لا شيء، معاتبات ظاهرية جرت في بيوت خير البرية عليه الصلاة والسلام، عولجت في وقتها وانتهى الأمر، ثم هذه الثورة من حد الغضب فيها زالت بعد ذلك, وهذا الانفعال انطفأ، وفي الليل اجتمعن كما كنّ يجتمعن في بيت التي هي ليلتها, يتحادثن مع نبينا خير خلق الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    فلا بد إخوتي الكرام! من وعي هذا الأمر، لكن لا بد من تقدير موقف نبينا عليه الصلاة والسلام, وهو الذي ينبغي أن يقتدي به الأزواج الكرام مع الزوجات في هذه الحياة، فالمرأة إذا حصل منها ما حصل من غضب .. من انفعال .. من تقصير .. من قصور نحو الرجل، فإذا أنت ستقصر كما تقصر هي فالدنيا خربت، أنت القيم وأنت السيد، فأدخل هذا في واسع صدرك، وبعد ذلك عاملها بمعاملة الرفق والحنو والشفقة والصفح وتطييب الخاطر, بحيث تندم على ما جرى منها, وتعود الأمور إلى طبيعتها، بما أنه لا يوجد في القلب خبث متأصل ثابت لازم العلاج سهل، أما إذا كانت القلوب - نسأل الله العافية- فيها الفساد وفيها الخبث هذا كلما أصلحت في الظاهر تنفجر الأمور؛ لأن الداء كامن. لكن انتبه! هنا امرأة صالحة تقية نقية وهذا وصف جميع أمهاتنا أزواج نبينا عليه وعليهن جميعاً صلوات الله وسلامه، ما بقي إلا انفعال ظاهري هذا سيقع ليس فقط بين الضرائر، هذا سيقع بين أخلص الأصحاب مع بعضهم، كان يجري بين أبي بكر وعمر ما يجري من هذه الحوادث، وقلنا نحن: نعيش في هذه الحياة ولا تخلو من شوائب وكدر.

    فهذه الحوادث القليلة التي جرت في بيت نبينا عليه الصلاة والسلام عولجت بالحلم والصفح، وظهرت كما تقدم معنا معاملة نبينا عليه الصلاة والسلام لأمهاتنا، أحسن إليهن وصبر عليهن وتحمل منهن، هو على خلق عظيم فداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا.

    أما بقية الحوادث فلعله بقي معنا حادثتان أذكرهما إن شاء الله، وهذا مجموع الحوادث, لعله تقدم معنا بحدود خمس أو ست حوادث، نضيف إليها حادثتان، وهذا مجموع ما حصل كما قلت في بيوت نبينا عليه وعلى أمهاتنا وآل بيته وأصحابه صلوات الله وسلامه.

    بعد الانتهاء من ذلك سأختم كما قلت الكلام على هذا الأمر بترجمة عطرة موجزة لأمهاتنا؛ لأنه إذا ختمنا هذا المبحث فيما يجري منهن من قصور في الحقيقة نقصر معهن. لا بد بعد ذلك من ترجمة طيبة موجزة لكل أم من أمهاتنا مع نبينا عليه صلوات الله وسلامه.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً. والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.