إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مباحث النبوة - خلق النبي صلى الله عليه وسلم مع السيدة خديجة [1]

مباحث النبوة - خلق النبي صلى الله عليه وسلم مع السيدة خديجة [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد زواج خديجة بالنبي صلى الله عليه وسلم ومكثها معه خمسة عشر عاماً تعرفت خلالها على أخلاقه وخصاله، وخبرت أحواله عن قرب، بعد ذلك أراد الله إكرامها بأن تكون أول شخص يشهد لحظة التحول الكبرى في حياته صلوات الله وسلامه عليه، حيث بعث إليه أكرم رسله جبريل، فكانت في تلك الأثناء خير سند له، وكأن لسان حالها يقول له: لن تحمل هذا الهم وحدك، فرضي الله عنها وأرضاها.

    1.   

    زواج النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة رضي الله عنها

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع أهله الطيبين الطاهرين المباركين، وهذا المبحث قدمت له بثلاثة أمور:

    أولها: في بيان مسكن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وثانيها: في بيان أثاث ذلك المسكن.

    وثالثها: في بيان الطعام والقوت الذي كان يقدم في تلك الحجر المباركة الشريفة الفاضلة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام.

    وبعد ذلك الأمر الرابع الذي شرعنا في مدارسته: في معاملة نبينا عليه الصلاة والسلام لأهله، هذا الأمر الرابع الذي ما تقدم من الأمور الثلاثة إنما هو تمهيد له كما قلت، وقلت: إن هذا الأمر الرابع أيضاً سيقوم على أربعة أمور أيضاً:

    أولها: الإثبات الإجمالي بأن نبينا عليه الصلاة والسلام هو خير الناس لأهله الكرام عليه الصلاة والسلام، فأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخيرهم خيرهم لأهله، ونبينا عليه الصلاة والسلام هو خير الخليقة لأهله عليه.

    وقلت: هذا الأمر سأقرره بأمر ثان ألا وهو شهادة أعلم الخلق بنبينا عليه الصلاة والسلام وهي أمنا خديجة الطيبة الطاهرة المباركة رضي الله عنها وأرضاها، فقد علمت حال نبينا عليه الصلاة والسلام قبل أن تتزوجه، ثم علمت حاله قبل بعثته وبعد أن تزوجته، ثم علمت حاله بعد بعثته عندما كانت أيضاً زوجة له على نبينا وآله صلوات الله وسلامه.

    والأمر الثالث: في بيان الحالة التفصيلية لمعاملة خير البرية مع أهله وأسرته عليه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    والأمر الرابع إخوتي الكرام كما تقدم معنا: في استعراض موجز لأحوال أمهاتنا أزواج نبينا وذريته الطيبة المباركة عليه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وقد كنا نتدارس الأمر الثاني من هذه الأمور الأربعة بعد أن بينت أن نبينا عليه الصلاة والسلام هو أكمل الخلق خلقاً مع الحق ومع الخلق، وبناء على ذلك فهو أحسن الناس والخليقة معاملة لأهله عليه صلوات الله وسلامه، قلت: وقد شاءت حكمة العليم الحكيم سبحانه وتعالى، شاءت حكمة الله لأنبيائه أجمعين أن يقوموا برعاية الغنم لينتقلوا بعد ذلك إلى سياسة الشعوب والأمم، وقد جمع الله لنبينا عليه الصلاة والسلام رعاية الغنم مع رعاية الإبل قبل بعثته عليه صلوات الله وسلامه؛ ليجمع بين السكينة والسيادة عليه صلوات الله وسلامه، فهو المتواضع، وهو السيد.. سيد ولد آدم ولا فخر عليه وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه. ‏

    إرسال خديجة الرسل إلى النبي وعرضها نفسها عليه للزواج

    واستعرضت إخوتي الكرام! عند هذا المبحث بعد ذلك بداية المبحث الثاني الذي يتضمن شهادة أمنا خديجة لنبينا عليه الصلاة والسلام ضمن مراحل أولها: في بيان اختيارها لنبينا عليه الصلاة والسلام زوجاً لها قبل أن يبعثه الله نبياً لهذه الأمة المباركة المرحومة، وقد تقدم معنا أنها هي التي فاتحته بذلك وعرضت نفسها عليه كما ثبت هذا في معجم الطبراني والبزار بسند صحيح، وورد أيضاً أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي تقدم لخطبتها، وأن أختها أيضاً توسطت في خطبتها، وأن نفيسة أيضاً توسطت في خطبتها، وهذه الأمور الأربعة كلها حاصلة أذكرها وأدلل عليها ثم أجمع بينها وأنتقل بعد ذلك إلى شهادة أمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها في نبينا عليه صلوات الله وسلامه.

    تقدم معنا إخوتي الكرام في آخر الموعظة الماضية أنها عرضت نفسها على النبي عليه الصلاة والسلام فقبل، وورد في بعض الروايات أنه هو الذي تقدم، ولا معارضة بين الأمرين، تقدم بناء على عرضها وهي وفت بعد ذلك بوعدها فقامت بإقناع والدها، وتم لها ما أكرمها الله به في الدنيا والآخرة.

    ثبت في مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير، والحديث في مجمع الزوائد في الجزء التاسع صفحة عشرين ومائتين وإسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع، والأثر رواه الإمام البيهقي في دلائل النبوة مختصراً في الجزء الثاني صفحة ثلاث وسبعين عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر خديجة ، أي: في الخطبة، ويريد أن يقترن بها وأن يتزوجها عليه صلوات الله وسلامه، وكان أبوها يرغب عنه أن يزوجه، يعني: لا يريد أن يزوجه، وتقدم معنا أن الدافع لذلك هو الدافع المادي فقط، فهو فقير عليه صلوات الله وسلامه وهي أبوها من أسرة غنية ثرية جداً، يرغب عن أن يزوجه، فصنعت أمنا خديجة رضي الله عنها طعاماً وشراباً كما تقدم معنا في الرواية الأولى، وتلك من رواية جابر بن سمرة رضي الله عنهم أجمعين، فدعت أباها وزمراً من الناس، يعني: نفراً وجماعات وزمراً من الناس من قريش، فطعموا وشربوا حتى ثملوا، يعني: سكروا وفقدوا عقولهم، فقالت أمنا خديجة رضي الله عنها لأبيها: إن محمد بن عبد الله يخطبني فزوجني إياه، وهو كما قلنا: أكل من اللحم وشرب فثمل، فزوجها إياه وهو سكران، قال: فخلقته، أي: جعلت له الخلوق وطيبته به، والخلوق -بفتح الخاء وضم اللام- طيب يصنع من زعفران وغيره، ويميل لونه إلى حمرة أو إلى صفرة، ونحن نهينا أن نتطيب بهذا الخلوق، أي: بالطيب الذي يظهر له أثر على الجلد.

    فقد ثبت في الكتب الستة إلا سنن ابن ماجه من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزعفر الرجل)، أي: أن يتطيب من طيب له أثر من صفرة أو حمرة كما هو الحال في الزعفران.

    وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه، وخير طيب الرجال ما خفي لونه وظهر ريحه، (نهى عليه الصلاة والسلام أن يتزعفر الرجل)، فهي خلقته بالخلوق الذي يظهر له أثر في بشرته على وجهه وعلى يديه وعلى أعضائه، وألبسته حلة، وهي ثياب من قطعتين من لون واحد، وكذلك كانوا يفعلون بالآباء، يعني: إذا زوجت البنات يفعل بالأب هكذا، يخلق ثم يلبس حلة من قبل ختنه الذي هو زوج ابنته، فلما سري عنه سكره نظر فإذا هو مخلق وعليه حلة، فقال: ما شأني؟ ما هذا الذي حصل؟ فقالت أمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها: إنك زوجتني محمد بن عبد الله ولذلك خلقك وألبسك الحلة، وعملنا هذه الوليمة، فقال أبوها وهو خويلد : أنا أزوج يتيم أبي طالب ! لا لعمري! أنا أزوج يتيم أبي طالب ! يعني: هذا الفقير أزوجه، وأنت تملكين ما يطمع أثرياء قريش بك، ثم أزوجك ليتيم أبي طالب ، هذه الثروة الطائلة كلها تذهب لهذا اليتيم، فقالت خديجة رضي الله عنه: أما تستحي، تريد أن تسفه نفسك عند قريش، يقولون: أنت زوجت ثم نكثت، فلم تزل به حتى رضي رضي الله عنها وأرضاها.

    إذن هنا هو تقدم، لكن كما قلت يجمع بين هذا وبين ما تقدم أنه تقدم بناء على عرضها ورغبتها، فتقدم وهي وفت بما وعدت، فدبرت هذه الحيلة الشرعية المباركة بحيث اقترنت بخير البرية عليه صلوات الله وسلامه بموافقة والدها عن طريق ما عملته من هذه الحيلة التي لا حرج في استعمالها، من أجل أن تنال موافقة ورضا والدها، وقد حصل لها ما تريد.

    وهكذا إخوتي الكرام توسطت أختها، وكما قلت توسطت نفيسة ، وبعدما أقرر هذا نجمع بين هذه الآثار، أرسلت نفيسة أن تعرض على النبي عليه الصلاة والسلام، فلما قبل ولتتحقق وليزداد الوثوق من موافقة النبي عليه الصلاة والسلام كلمت أختها، فكلمته فقبل، ثم فاتحته بنفسها، ثم هو تقدم عليه صلوات الله وسلامه.

    أما عرض أخت خديجة خديجة على نبينا عليه الصلاة والسلام فقد رواه الطبراني أيضاً والبزار ، وانظروا الأثر في المجمع في المكان المتقدم في الجزء التاسع صفحة عشرين ومائتين كما قلت، ورواه أيضاً البيهقي في دلائل النبوة، لكن الأثر الأول تقدم معنا أن إسناده صحيح، وأما هذا ففيه عمر بن أبي بكر المؤملي ، وكان قاضياً في بلاد الأردن، وهو ضعيف وضعفه أبو زرعة وغيره، وقال أبو حاتم : متروك، انظروا ترجمته في الميزان وفي المغني في الضعفاء كلاهما للإمام الذهبي ، وقد نص الحافظ ابن حجر في التقريب على أنه متروك، وذكره ليميز بينه وبين من يشابهه في الاسم وليس لهذا رواية في الكتب الستة، وإذا رأيتم ترجمة في التقريب في نهايتها تمييز يورده من أجل أن يميز بين هذا الراوي وبين من يشاركه في الاسم من رجال الكتب الستة، ويترجمه عندما يذكره، لكن ليس له رواية في الكتب الستة، مترجم في التقريب وليس له رواية في الكتب الستة، والحديث عن عمار بن ياسر رضي الله عنهم أجمعين.

    الأول تقدم معنا عن جابر بن سمرة ، والثاني عن ابن عباس ، وهذا عن عمار بن ياسر رضي الله عنهم أجمعين، ومعناه صحيح يشهد له ما تقدم، قال: كان عمار إذا سمع ما يتحدث به الناس من تزوج نبينا عليه الصلاة والسلام بأمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها يقول: أنا أعلم الناس بذلك، أي: بتزوج النبي عليه الصلاة والسلام من أمنا خديجة على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، كنت له خدناً وإلفاً في الجاهلية، أي: بمعنى صاحباً مقارباً له في العمر والسن، وأنا صاحب له قبل أن يبعث عليه صلوات الله وسلامه، قال عمار بن ياسر : فخرجت معه حتى مررنا على أخت خديجة رضي الله عنها وأرضاها وهي جالسة على أدم -على جلد مدبوغ- فنادتني -نادت عمار بن ياسر رضي الله عنه وأرضاه- فانصرفت إليها ووقف النبي صلى الله عليه وسلم بعيداً، كما هي حالته كما تقدم معنا في الرواية الأولى من رواية جابر بن سمرة عندما كان شريكه يذهب ليتقاضى الأجرة وهو لا يذهب؛ لأنه يستحي أن يقابل النساء عليه صلوات الله وسلامه، وهذا قبل أن يبعث، والله جل وعلا رباه فأحسن تربيته، ونشأه فأحسن تنشئته، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] عليه صلوات الله وسلامه.

    فقالت أخت خديجة لعمار : أما لصاحبك في تزويج خديجة من حاجة؟ ما له رغبة في تزوجها؟ وأن تكونه خديجة زوجة له؟ فجاء عمار إلى نبينا المختار عليه الصلاة والسلام فعرض عليه الأمر فقال: بلى، أريد أن أتزوجها إذا تيسر، فأخبر عمار أخت خديجة بذلك في نفس المجلس، وسبق أن قلنا أن الأمر مرتب حيث سبقت بالعرض نفيسة ، ثم هذه، ثم بعد ذلك خديجة ، فالأمر كله مرتب، والموافقة حاصلة، لكن ما بقي إلا إقناع الولي، فقالت أخت خديجة : اغد علينا إذا أصبحنا، في اليوم التالي مباشرة تعال ولا تتأخر، يقول عمار : فغدوت أنا ومحمد عليه صلوات الله وسلامه وقد ذبحوا بقرة، وألبسوا أباها حلة، وضربوا عليه قبة، فلما أكلوا من اللحم وشربوا من الخمر وسكروا، كلمت خديجة أخاها بأن يزوجها بواسطة أبيها، وأن يعرض على أبيها الأمر في تزويجها من محمد عليه الصلاة والسلام، فرضي أخوها بذلك فكلم والده فأجاب، فعقد لنبينا عليه الصلاة والسلام ووالدها كما قلت: سكران، ثم نام بعد أن أكل من الطعام وشرب من الخمر، فلما استيقظ وجد عليه الخلوق، وهو في هذه القبة، ويلبس الحلة، قال: ما هذه؟ فقالت أمنا خديجة رضي الله عنها وأختها: هذه حلة كساكها محمد ختنك، والختن هو الصهر ويقال له: ختن لأن قرابته بسبب التقاء الختانين كما قال أئمتنا، ليس عن طريق النسب، إنما عن طريق المصاهرة والزواج، يقال له: ختن، كساكها محمد ختنك عليه الصلاة والسلام، فأنكر ذلك، وخرج من بيته يصيح في شوارع مكة مستنكراً لهذا الأمر حتى أتى الحجر في الكعبة المشرفة وهو يصيح: أنا ما زوجت محمداً عليه الصلاة والسلام من خديجة .

    فخرجت بنو هاشم فكلموه، فقال: ما زوجت محمداً من خديجة ، ثم قال: أين صاحبكم الذي تزعمون أنني قد زوجته؟ فبرز إليه النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: هذا هو، فلما نظر إليه قال: إن كنت زوجته فذاك تم الأمر، وإن لم أزوجه فقد زوجته الآن، لما نظر إليه عليه صلوات الله وسلامه، وهذه الرواية تفيدنا فائدة ثانية وهي أن والد خديجة اقتنع بعد أن صحا من سكره بنبينا عليه الصلاة والسلام على وجه التمام عندما نظر إليه، فقال: إن كنت زوجته فذاك الأمر تم وانتهينا، وإن لم أزوجه فقد زوجته الآن، فقد فعلت، هو زوج لابنتي وليس عندي اعتراض على ذلك.

    وكما قلت أيضاً تقدم من نفيسة وهي بنت أمية التميمي العرض على النبي عليه الصلاة والسلام، والجمع بين هذه الأمور أن نقول: عرضت أمنا خديجة على نفيسة أن تكلم النبي عليه الصلاة والسلام فقبل، ثم عرضت على أختها أن تباشر الكلام بنفسها فقبل، ثم فاتحته بنفسها فقبل عليه الصلاة والسلام، ثم تقدم ودبرت أمنا خديجة رضي الله عنها ما تقدمت الإشارة إليه من أجل إقناع والدها رضي الله عنها وأرضاها، يجمع بين هذه الأمور الأربعة بهذه الشاكلة، عرض من نفيسة ، ثم من أخت خديجة ، ثم من خديجة ، ثم موافقة النبي عليه الصلاة والسلام وتقدم.

    نعم إن أمنا خديجة رضي الله عنها عرضت نفسها على نبينا عليه الصلاة والسلام، وتقدم معنا ينبغي أن تدرج مع الأصناف الثلاثة لتكون رابع الأصناف، وهي أشد الأصناف فراسة عندما اختارت خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه، وقد ثبت في سيرة ابن هشام في الجزء الأول صفحة تسعين مائة: أن أمنا خديجة رضي الله عنها قالت لنبينا صلى الله عليه وسلم: رغبت فيك لقرابتك، وسطتك في قومك -والوسطة يعني الشرف والعز والمكانة النبيلة- قومك، وأمانتك، وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثم عرضت نفسه عليه صلوات الله وسلامه عليه.

    حكم عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح ليتزوجها

    وكما قلت إخوتي الكرام الأمور الأربعة حصلت، لكن آخرها عرض من أمنا خديجة ، ثم باشر النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة من والدها، ودبرت أمنا خديجة ما دبرته من أجل إتمام الأمر وقد تم ولله الحمد والمنة.

    وفيما فعلته أمنا خديجة رضي الله عنها يستنبط حكم شرعي منه ومن أمثاله قرره أئمتنا ألا وهو جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، وهذه المسألة من فترة قريبة جرى بحث حولها، وكنت مع بعض الإخوة والشيوخ الكرام في هذه القضية، وكأنه كتب عنها، فكأن بعض الناس استنكر وقال: هل المرأة يجوز أن تعرض نفسها على إنسان من أجل أن يتزوجها؟ قلت: وما الحرج؟ لكن لا بد من الضوابط الشرعية، يعني: هي تعرض نفسها من أجل صلاح فيه، ثم بعد ذلك هو يأتي الأمر من بابه عن طريق الولي، لكن هو علم رغبتها وأقنعته أنها تقنع أهلها، فليتقدم وهي عليها تدبير الباقي، فلا حرج، وكأن بعض الإخوة استنكر هذا غاية الاستنكار وقال: كيف هذا؟ وكان معنا بعض الإخوة من الشيوخ لما بحثنا القضية، وذكرت له الأحاديث في ذلك، وأنه حصل هذا، وذكرت له بعض الآثار الثابتة في صحيح البخاري وغيره كما سأقرأ عليكم إن شاء الله وأذكر لكم، فقال: نعم، هذا عرض، لكن هي تعرض بواسطة وليها، هذا معنى الأثر، يعني وليها يأتي يعرض ويتكلم، قلت: يا أخي لا يوجد دلالة في الأثر على ذلك أبداً، وأنس رضي الله عنه عقب على كلام ابنته كما ستسمعون في صحيح البخاري عندما قالت: وا سوأتاه! ما أقل حياءها امرأة تعرض نفسها! فقال لها أنس : هي خير منك رغبت في رسول الله عليه الصلاة والسلام فعرضت نفسها عليه، فهنا ليس موضوع ولي عرض، هي جاءت وعرضت، وقد بوب أئمتنا على هذا باباً يشير إلى الجواز، وهذا ثابت في صحيح البخاري ، أصر هو على رأيه وانفض المجلس على هذا، ورأيه باطل قطعاً وجزماً، وأنا لا أعلم خلافاً بين أئمتنا الكرام في هذه المسألة، وأن المرأة يجوز أن تعرض نفسها على الرجل الصالح حتماً كما قلت بالصفات الشرعية، هو قال: كيف ستعرض نفسها عليه؟! قلت: يا أخي! المسألة سهلة، افرض أنها قابلته في مسجد، قابلته في شارع، افرض أنها أرسلت مع قريب لها أو قريبة لها كلمت أخته وقالت: كلمي فلاناً أخاك أنني راغبة فيه، فالمسألة سهلة، ولا يلزم منه أن تحصل خلوة ويحصل ما حرم الله حتى تعرض نفسها عليه، لا يلزم هذا على الإطلاق، لكن هذا وارد في السنة الصحيحة، وقد بوب عليه أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري في كتاب النكاح باباً فقال: باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح.

    والحديث في سنن النسائي وبوب عليه باب عرض المرأة نفسها على من ترضاه، أي: من ترضاه زوجاً لها وكفئاً لها وهو صالح طيب مستقيم، يقول ثابت البناني: ( كنت عند أنس رضي الله عنه وأرضاه وعنده ابنة له -قيل هي أمينة والعلم عند الله ما ورد تسميتها- فقال أنس : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض عليه نفسها قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس : ما أقل حياءها )- وأي قلة حياء فيها، ليتنا مكانها، امرأة تأتي لخير خلق الله عليه الصلاة والسلام وتقول: ألك بي حاجة، فغفر الله لك ما هذا التعبير، ما أقل حياءها! وا سوأتاه! يعني كأنها تقول هذه فعلة قبيحة، امرأة تعرض نفسها على الرجل، طيب! ما الحرج؟ هي تعرض نفسها في حرام أو فيما أحله الرحمن؟ والمرأة إذا كانت زوجة للإنسان كلما عرضت نفسها عليه وتجملت له وكانت عروباً تتصنع له، فهذا أعظم لأجرها، أما تقول: أنا ما أعرض نفسي، إذا كان له حاجة يأتي يتعرض لي وإلا لا أريده، لا خير في هذه المرأة، ما أقل حياءها! وا سوأتاه! فقال أنس : ( هي والله خير منك رغبت في النبي صلى الله عليه وسلم فعرضت عليه نفسها ) يعني: أنت تعترضين عليها، أنت المفضولة وهي الفاضلة، والبلاء أن يعترض المفضول على الفاضل، هي ماذا عملت؟ رغبت في النبي عليه الصلاة والسلام فعرضت نفسها عليه.

    ثم أورد بعد ذلك حديثاً آخر وهو حديث سهل بن سعد : ( عندما جاءت امرأة أيضاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام ووهبت نفسها له وقالت: إن كان لك بي حاجة، فصوب إليها النظر عليه الصلاة والسلام ثم صرفه، فقام بعض الصحابة وقال: إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها... ) إلى آخر الحديث، يقول الحافظ ابن حجر : وفي الحديثين جواز عرض المرأة نفسها على الرجل، وتعريفه رغبتها فيه، وأنه لا غضاضة عليها في ذلك، وأن الذي تعرض المرأة نفسها عليه بالخيار، يعني: هذه امرأة تعرض نفسها عليك، لكن ما عندك استعداد للزواج، لكن لا ينبغي أن يصرح لها بالرد، لئلا يكسر خاطرها، بل يكتفي بالسكوت، هي إن عرضت لا غضاضة عليها، والحديثان يدلان على ذلك، وأنت إن كان لك رغبة صرحت وقلت: أنا أرغب منك فيما تقولين وتعرضين، وإذا ما لك رغبة اسكت فقط فسكوتك يعلم أنك لا تريد، فلا تكسر خاطرها وتقول: ما أريد هذا، فحقيقة كسر القلوب من العيوب، فلا تكسر خاطرها إذا رغبت فيك، فاسكت وهي تعرف المراد، فلعل الله يهيئ لها من هو خير منك، وخزائن الله ملأى.

    كما قلت إخوتي الكرام هذا في فتح الباري،ـ انظروه في الجزء التاسع صفحة خمس وسبعين ومائة، وهنا أمنا خديجة رضي الله عنها فعلت هذا.

    من اشترك في تزويج خديجة بالنبي

    إخوتي الكرام! فيمن زوج خديجة من نبينا عليه الصلاة والسلام ورد في الآثار ثلاثة أقوال نجمع بينها كما جمعنا في كيفية عرض خديجة على نبينا صلوات الله وسلامه عليه، الذي عرض نفيسة وأختها وهي، ثم هو تقدم،ـ وهنا قيل: زوجها عمها، وقيل: أبوها، وقيل: أخوها، ونجمع بين الأمور الثلاثة والأشخاص الثلاثة فلا تعارض، وأما ما ذهب إليه ابن هشام وابن سعد من ترجيح وتصويب كون الولي في تزوجها عمها وهو عمرو بن أسد فبعيد، وقيل: إن الذي زوجها أخوها وهو عمرو بن خويلد أيضاً بعيد، ولا داعي لهذا، إنما هؤلاء هم العصبات، وهم الأولياء، فوالدها هو الذي أبرم عقد النكاح بحضور عمها وبعرض أخيها وموافقته كما تقدم معنا في بعض الروايات، وهؤلاء الثلاثة اشتركوا في ذلك، فلا داعي أن نقصر العقد على واحد، وأن نقول: بقية الروايات ترد، لا، هؤلاء كلهم حضروا العقد فنسب لكل منهم بأنه شارك في شيء من العقد، أنه هو الذي تولى تزويج أمنا خديجة من نبينا عليه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    من رغّب خديجة في الزواج بالنبي

    وهذا كما أن الذي رغب أمنا خديجة في نبينا عليه الصلاة والسلام متعدد أيضاً، يعني الذي عرض متعدد، والذي حضر العقد متعدد، والدافع في نبينا عليه الصلاة والسلام رغبات متعددة، من جملة ذلك ميسرة رغب أمنا خديجة رضي الله عنها في نبينا عليه الصلاة والسلام عندما أخبرها أنه صادق أمين، وهذا غلامها، وقد ذهب معه في التجارة إلى بلاد الشام، وأن الغمام يظلله من الشمس عليه صلوات الله وسلامه، وأنه يقل الكلام ويقل اللغو، وهذا لا نظير له في البشر عليه صلوات الله وسلامه، حقيقة عندما يعرض هذا الغلام أوصاف هذا الإنسان، وهو خير إنسان يكون في ذلك دافع في قلب أمنا خديجة للميل إليه، ميسرة من جملة من رغب خديجة في نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وأختها تقدم معنا أنها قالت: ما رأيت رجلاً أشد حياء ولا.. ولا.. ولا.. من محمد عليه الصلاة والسلام، فرغبت خديجة في ذلك، ومنها الثناء العام الذي كان يتميز به نبينا عليه الصلاة والسلام، فكان يعرف قبل بعثته بالصادق الأمين عليه صلوات الله وسلامه كما تقدم معنا هذا بأدلته، ومنها أيضاً أمر رابع وهو أمر غريب حقاً، وهذا من البشائر التي في الكتب السابقة بنبينا عليه الصلاة والسلام، لكن النساء استنكرنه وأمنا خديجة رضي الله عنها في ذلك الوقت فرحت به وسألت ربها أن يكون من نصيبها.

    روى الإمام ابن إسحاق في المغازي قال: كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه في المسجد الحرام حول الكعبة المشرفة، فاجتمعن يوماً في يوم العيد فيه، فجاء يهودي فقال: أيا معشر نساء قريش! إنه يوشك فيكن نبي قرب وجوده، فأيتكن استطاعت أن تكون فراشاً له فلتفعل، هذا اليهودي جاء إلى نساء قريش وهن يجتمعن في المسجد الحرام ووقف على رءوسهن وقال: يا معشر نساء قريش! اقترب خروج نبي من قريش، وتقدم معنا سابقاً عند خاتم النبوة فيما حصل لسلمان رضي الله عنه وأرضاه، وأن آخر الأساقفة والقسس قال له: لا يوجد أحد على الدين الحق دين النصرانية، إنما قد أظل زمان خروج نبي ووصف له نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وهنا هذا اليهودي جاء إلى مكة وألهمه الله هذا الكلام قال: يا معشر نساء قريش! سيبعث عما قريب فيكم نبي، من استطاعت منكن أن تكون فراشاً له فلتفعل، فلتغتنم هذا، قال: فحصبته النساء وقبحنه وأغلظن له، أنت الآن يهودي وتريد منا أن نعرض أنفسنا على الرجال، وأن نكون فراشاً لرجل سيبعث، فما استرحن إلى هذا الكلام، قال: وأغضت خديجة رضي الله عنه على قول اليهودي، ووقع ذلك في نفسها، فلما أرسلت معه غلامها ميسرة وعاد من التجارة، وذكر لها صفات النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يكن نبينا عليه الصلاة والسلام نبئ، قالت: إن كان ما قاله اليهودي حقاً ما ذاك إلا هذا، ليس يبعث فينا معشر قريش إلا هذا، فتعلقت به وما ملكت نفسها، وحقيقة طينة طيبة، وقلب طاهر، وما تظن أنها ترغب في الاقتران به من أجل شهوة بشرية إنسانية، لا ثم لا، إنما هذا المعنى لما في قلبها من طهارة رسخ في ذهنها، نبي سيبعث، هنيئاً لمن تقترن به.

    اليهودي يقول: من استطاعت منكن أن تكون فراشاً له فلتفعل، فالنساء استنكرن وهي كتمتها وسألت ربها أن يكون هذا النبي زوجاً لها، وما تعلم من هو عليه صلوات الله وسلامه، لكن لما ذهب غلامها معه وحكى لها صفاته عليه الصلاة والسلام قالت: إن كان ما قاله اليهودي حقاً ما ذاك الذي بشرنا به اليهودي إلا محمد عليه صلوات الله وسلامه، وفراستها في محلها رضي الله عنها وأرضاها.

    من ذهب مع النبي من أعمامه لطلب خديجة

    إخوتي الكرام! كما تعدد من عرض، وتعدد الدافع، وتعدد العاقد، تعدد أيضاً من ذهب مع النبي عليه الصلاة والسلام معه لأجراء العقد من أعمامه، وما قيل: إنه ذهب حمزة ، وذهب أبو طالب رضي الله عن حمزة وعن آل بيت نبينا وصحبه الكرام وعلى نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وأما أبو طالب فقد شاء قدر الله جل وعلا ألا يؤمن، إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56] سبحانه وتعالى.

    وتقدم معنا أن أعمام النبي عليه الصلاة والسلام أربعة آمن اثنان حمزة والعباس ، وكفر اثنان أبو لهب وأبو طالب ، أما أبو لهب فهذا العاتي الشرير الذي كان يبذل ما في وسعه لإيذاء ابن أخيه نبينا الجليل عليه الصلاة والسلام، وأما أبو طالب فعلى العكس كان يبذل ما في وسعه لنصرته، لكن ما آمن حتى لا يعير من قبل قريش أنه ترك ملة الآباء والأجداد عبادة الأصنام ونسأل الله حسن الختام.

    فذهب حمزة رضي الله عنه وأرضاه وأبو طالب مع النبي عليه الصلاة والسلام، نعم إن الذي عقد العقد هو أبو طالب ؛ لأنه كما تقدم معنا نشأ في كنفه وهو بمثابة الوالد له، وألقى أبو طالب خطبته الشهيرة في عقد ذلك الزواج المبارك الميمون، فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معد -ضئضئ بمعنى: الأصل والمعدن، يعني: نحن من أصل معد- وعنصر مضر، وجعلنا سدنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجاً وحرماً آمناً، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل إلا رجح به شرفاً وفضلاً ونبلاً وعقلاً، وهو وإن كان في المال قُلٌ -أي: قليل لا يملك منه كثيراً- فإن المال ظل زائل وأمر حائل، ومحمد عليه الصلاة والسلام من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة وبذل لها ما آجله وعاجله من مال كذا وكذا، ومقدار المهر اثنتا عشرة أوقية ونشا، وهذه هي مهور أمهاتنا أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام، وتقدم معنا أن الأوقية أربعون درهماً، اثنتا عشرة أوقية تصبح أربعمائة وثمانين درهماً، والنش نصف الأوقية، يعني عشرون، فالمجموع خمسمائة درهم، مهر أمهاتنا جميعاً أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا تحمله أبو طالب .

    فبعد أن تم العقد أرسلت أمنا خديجة وهي مستعجلة لتنال الخير والبركة ممن سيكون نبي هذه الأمة حسب فراستها على نبينا صلوات الله وسلامه، فقالت له: مر عمك فلينحر بكراً، وهي الفتية من الإبل، ما يؤخر الأمر، وأطعم الناس في هذا اليوم، تم العقد فلا تؤخر البناء والاتصال، وهلم فقِل مع أهلك، يعني: نم القيلولة مع أهلك فقد صرت زوجة لك، عمك ينحر بكراً، وأطعم الناس، وهلم فقل مع أهلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم معها، فأقر الله عينه، وفرح عمه فرحاً شديداً.

    1.   

    موقف خديجة من ابتداء أمر بعثته صلى الله عليه وسلم

    هذه المرأة الطيبة المباركة الطاهرة العاقلة الفاضلة صاحبت نبينا عليه الصلاة والسلام خمساً وعشرين سنة، خمس عشرة سنة قبل بعثته، فانظر عند بعثته من سنة خمس وعشرين إلى أربعين، وهذا السن في الإنسان يظهر ما عنده، وهو سن الشباب، وما في النفس سيظهر، وهي صاحبته في هذه الفترة، وهذا كله قبل أن يكون نبياً، فتعرف سره وعلنه.. مدخله ومخرجه، كما كانت تعرف أخباره قبل أن تتزوجه، بعد ذلك صاحبته في جميع أحواله، وهذا كله قبل بعثته.

    ولما نبئ اختبرته باختبار كما سيأتينا وقالت: هذا ليس بشيطان، ثم قالت له أيضاً عندما قال لها: (خشيت على نفسي)، قالت: كلا والله ما يخزيك الله أبداً، فيك وفيك وفيك من الصفات النبيلة الطيبة الطاهرة، فكيف ينزل عليك شيطان ويقترب منك الشيطان؟! الشيطان يأتي إلى شياطين الإنس أمثاله، هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ [الشعراء:221-223]، أما شيطان يأتي لأولياء الرحمن ما يمكن هذا أبداً، فانظر لكلامها في نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم انظر لاختبارها، وهذا كما قلت هو الأمر الثاني في مبحثنا في شهادة أمنا خديجة في نبينا عليه وآله صلوات الله وسلامه.

    أول ما بدئ به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي

    أما كلامها فيه رواه الإمام أحمد في المسند والشيخان في الصحيحين، ورواه البيهقي في دلائل النبوة، والترمذي في السنن، ورواه عبد الرزاق في مصنفه، وابن حبان في صحيحه، وأبو نعيم في دلائل النبوة، ورواه الإمام أبو بشر الدولابي وقد توفي سنة عشر وثلاثمائة للهجرة في كتابه الذرية النبوية الطاهرة على نبينا صلوات الله وسلامه، وسيأتينا تلخيص ما في هذا الكتاب عند المبحث الرابع من هذه الأمور في استعراض أسرة نبينا عليه الصلاة والسلام.

    ولفظ الحديث عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وكما قلت هو في الصحيحين وغيرهما، أعلى الأحاديث صحة ودرجة، عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: ( أول ما بدئ برسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة، وفي رواية: الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ) هذه هي أول مراتب الوحي، وقد استمرت مع نبينا عليه الصلاة والسلام ستة أشهر توطأة لنزول الملك عليه، رؤيا صالحة صادقة، ما يراه في نومه إذا استيقظ يراه واضحاً جلياً واقعاً، من باب تأنيسه بما سيحصل له عليه الصلاة والسلام، ولذلك الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة؛ لأن فترة نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام كانت ثلاثاً وعشرين سنة، ستة أشهر منها أوحي إليه فيها عن طريق المنام، وستة أشهر نسبتها إلى ثلاث وعشرين سنة ست وأربعين جزءاً، يعني واحد من ستة وأربعين، هذا أظهر ما قيل بأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.

    قالت: ( ثم حبب إليه الخلاء ) عليه صلوات الله وسلامه، وهذا حاله وحال الأنبياء وحال الأتقياء في كل وقت، يأخذون بحظهم من الخلوة والعزلة بينهم وبين ربهم جل وعلا، وينبغي للإنسان أن يكون له دائماً وقت يخلو فيه بربه جل وعلا، لا يكون معه فيه لا زوجة ولا ولد ولا أحد من خلق الله، ولذلك شرع لنا الاعتكاف، والاعتكاف من أفضل العبادات، وإذا كنت معتكفاً فإن أعظم عبادة تقوم بها الفكر والذكر، حتى مدارسة العلم والتعلم اتركه وقت الاعتكاف أعظم لك وأرفع لأجرك، وأصفى لقلبك، هذا الآن وقت مناجاة.

    قالت: ( ثم حبب إليه الخلاء فكان يختلي في غار حراء ) والتحنث بمعنى التحنف، الثاء بدل الفاء: أن يسلك الملة الحنيفية ويعبد الله جل وعلا على شريعة خليل الرحمن إبراهيم حسبما يوجد من بقايا تلك الشريعة، يتحنف أي: يميل عما عليه قومه من ضلال وشرك ويعبد الله، وقيل: التحنث ترك الحنث وهو الإثم والوزر، (فيتحنث) أي: يبتعد عن حنث قومه وهو بمعنى الرواية الأولى، إذا ابتعد فقد تحنث وصار على الملة الحنفية، ( فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد ).

    وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام له عادة قبل بعثته بإلهام ربه أنه يخلو مع الله جل وعلا كل سنة شهراً في غار حراء، وهذا الشهر هو شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، قالت: ( فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة ويتزود لمثلها، حتى جاءه الحق )، وفي رواية: (حتى فجأه الحق)، جاءه مفاجأةً وبغتةً دون توقع منه عليه صلوات الله وسلامه، ( فجاءه جبريل وقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، يقول: فأخذني فضمني حتى بلغ مني الجهد )، (بلغ مني الجهد) بالنصب، أي: غاية وسعي، بلغ مني الجهدُ، أي: بلغ مني الجهد مبلغه وغايته، قال: (ثم أرسلني وقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، ثم ضمه الثانية وأرسله، قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، ثم ضمه الثالثة حتى بلغ منه الجهد، ثم قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ)، وهذه الضمات الثلاث من أجل أن يحصل تهيئة لنبينا عليه الصلاة والسلام على وجه التمام ليتلقى ما سيسمعه من جبريل على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    وقد استنبط بعض شراح الحديث من هذا الضم ثلاث مرات قالوا: لا ينبغي للمؤدب أن يؤدب ولده وتلميذه ومن يتعلم عنده أكثر من ثلاث ضربات، بمثابة تخلية له، يعني: تضربه ثلاث ضربات خفيفة لأجل أن ينتبه، أما ترفع العصا وتجلس تجلده كما يجلد الزاني وأنت تريد أن تعلمه، هذا لا يجوز أبداً، ولذلك هنا حصل من جبريل لنبينا الجليل عليه الصلاة والسلام ثلاث ضمات، ليحصل انتباه، وأنت إذا كان الذي تعلمه عنده غفلة وذهل فتضربه ثلاث ضربات خفيفة، تنبهه ثلاث تنبيهات ليعرف.

    ثم قال له جبريل على نبينا وعليه الصلاة والسلام بعد الضمة الثالثة: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5] )، وهي خمس آيات من أول سورة العلق، وهذا أول ما نزل من القرآن، ويستحيل أن يكون نزل شيء قبل ذلك على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ووجه ذلك أنه لو نزل عليه شيء وقال: ما أنا بقارئ لكان كذباً، ونبينا عليه الصلاة والسلام يستحيل أن يصدر منه ذلك عليه صلوات الله وسلامه، يعني: لو نزل عليه جبريل بسورة المدثر كما قيل في بعض الأقوال، (فقال له: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ)، هذا لا يصلح وأنت قد علمت وأقرئت وصرت قارئاً، لم يقل: أنا الآن لست بقارئ، يعني: ما قرأت شيئاً، وهو الأمي عليه الصلاة والسلام لم يقرأ ولم يكتب، (ما أنا بقارئ).

    وهذه الدلالة أشار إليه الإمام الألوسي عليه رحمة الله، فقال: ما نافية، وهذا الذي رجحه الإمام ابن كثير في تفسيره وفي البداية والنهاية، ورد الأقوال الأخرى على أنها استفهامية وقال: لا يصح هذا مطلقاً، نعم الحافظ ابن حجر أراد أن يجمع بين ما قيل حول (ما) فقال: يحتمل أنه في أول الأمر قال: (ما أنا بقارئ) امتناعاً، ثم قال: (ما أنا بقارئ)، نفياً، ثم قال: ( ما أنا بقارئ ) استفهاماً، وكأنه يريد أن يقول له: أنا لا أقرأ، ثم قال له: اقرأ، قال: ما قرأت شيئاً، ثم قال: اقرأ، قال: أي شيء أقرأ، ما يمكنني أن أقرأ، فهذا يمكن أن يقال، لكن هي نافية أيضاً قطعاً وجزماً، ومما يدل على أنه لم يسبق له أن قرأ شيئاً عليه الصلاة والسلام، وهذا أرجح وأقوى، وهو الصحيح في أول ما نزل من القرآن، وقد أورد أئمتنا ستة أقوال لا بد من الجمع بينها، هذا القول الأول وهو المعتمد، وقيل: سورة المدثر، وقيل: الفاتحة، وقيل: البسملة، وقيل: المزمل، وقيل: ن والقلم، وانظروا هذا المبحث في كتب علوم القرآن في أول ما نزل، خمس آيات من سورة العلق، المدثر، المزمل، الفاتحة، ن والقلم، البسملة: بسم الله الرحمن الرحيم، أما المدثر فالحديث فيها صحيح لكن أولية مقيدة، أي: بعد فترة الوحي؛ لأنه سيأتينا في هذا الحديث أن الوحي فتر، ثم بعد أن جاءه نزل عليه بسورة المدثر: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:1-2]، فهي أولية مقيدة لما بعد فترة الوحي.

    وأما البسملة فهذا لا يصلح أن يعتبر قولاً مستقلاً؛ لأن البسملة كانت تنزل مع كل سورة، وأما سورة المزمل فلا يوجد ما يدل على ذلك من أثر صحيح ثابت، ولا يمكن أن يقال: لعل سورة المزمل اكتملت قبل المدثر وقبل العلق؛ أي: كاملةً، يعني: اكتملت قبل هذه، والعلم عند الله.

    وأما من قال: سورة ن والقلم فهذا منقول عن بعض التابعين، ولا يثبت، وهو قول عطاء الخراساني ولا يثبت له سماع من الصحابة، وأثره كما قال أئمتنا: معضل فهو ضعيف، فلا يثبت هذا، وأما القول: بأنه الفاتحة، فورد في ذلك أثر مرسل لا يصلح أن يحتج به، والعلم عند الله جل وعلا، على كل حال اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، إلى آخر الآيات.

    تقول أمنا عائشة : (فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمنا خديجة يرجف فؤاده)، يضطرب قلبه عليه الصلاة والسلام، يرجف لما حصل له من الفزع والرعب من نزول جبريل عليه قالت: ( فدخل على أمنا خديجة وقال: زملوني زملوني )، كحالة من يصاب بفزع ورعب وتعتريه القشعريرة فيزمل من أجل أن يهدأ ويسكن قلبه، (فزملوه، فلما هدأ قلبه عليه الصلاة والسلام وذهب عنه الروع أخبر أمنا خديجة ما حصل له، وقال: لقد خشيت على نفسي)، وقد أورد أئمتنا في بيان المراد بهذه الخشية اثني عشر قولاً، أرجحها ثلاثة أقوال: خشيت على نفسي الموت؛ لشدة الرعب الذي اعتراني من مقابلة من نزل علي. وقيل: خشيت على نفسي من المرض. وقيل: خشيت على نفسي من دوام المرض، أن أمرض ولا أشفى، والمرض يستمر بي مما حصل بي من الشدة والعناء عند نزول هذا الوحي من السماء على نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وانظروا الأقوال الباقية في فتح الباري في الجزء الأول صفحة أربع وعشرين، وعمدة القاري في الجزء الأول صفحة واحد وستين، والسيرة الحلبية في الجزء الأول صفحة ثلاث وتسعين وثلاثمائة.

    مواساة خديجة للنبي عندما لقيه جبريل أول الأمر وبشارتها له

    قال: (لقد خشيت على نفسي)، فماذا قالت أمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها؟ انظر لشهادتها في نبينا عليه الصلاة والسلام، قالت: (كلا والله ما يخزيك الله أبداً)، ما يخزيك من الخزي، وقيل: (لا يحزنك) من الحزن، وروي هذا وهذا، والأمران ثابتان في الصحيح، (لا يخزيك) أو (لا يحزنك) الله أبداً، لا يمكن أن يدخل عليك الحزن، ولا أن تصاب بخزي لا في هذه الحياة ولا بعد الممات، ثم استدلت بأمر استقرائي ألا وهو أن نبينا عليه الصلاة والسلام يتصف بمكارم الأخلاق، سواء كانت تلك الأخلاق مقتصرة على النفس أو متعدية إلى الغير، سواء إلى الأقارب أو إلى الأجانب، سواء فيما يتعلق بالبدن أو بالمال، سواء تلك الأخلاق مع من يستقل بأمره أو من لا يستقل بأمره وهو بحاجة إلى غيره، فخيرك وجودك وإحسانك وخلقك عم الجميع عن طريق البدن والمال، للقريب والأجنبي، لمن يستغني عنك ولمن لا يستغني.

    وأما الصفة المقتصرة عليه هي وصفه الذي لا ينفك عنه: الصدق عليه صلوات الله وسلامه، فقالت: (كلا والله لا يخزيك -لا يحزنك الله- أبداً)، انظر لهذه الصفات الست التي لا يمكن أن يخرج عنها خلق حميد، ولا صفة فاضلة، (إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق).

    الأولى: صلة الرحم، وهذا إحسان إلى القريب، ولا خير فيمن لا يصل رحمه، وإذا حصلت القطيعة بينك وبين رحمك فأنت للبعيد الأجنبي أقطع من باب أولى، وإذا أسأت إلى الرحم القريب فستسيء إلى البعيد من باب أولى، أنت جبار عنيد.

    ثم صفة ثابتة فيك وهي الصدق، ونبينا عليه الصلاة والسلام هو الصادق الأمين، وأئمتنا يقولون: الصدق هو فريضة الله الدائمة، لا تقبل من الإنسان فريضة من الفرائض إلا بوجود هذه الفريضة الدائمة؛ لأن الذي يميز المؤمن عن المنافق الصدق، ولذلك الفرائض الأخرى من صلاة وصيام وحج وزكاة، هذه فرائض مؤقتة، هذه لا تقبل إذا لم تكن مؤمناً، وإذا كنت منافقاً فأعمالك مردودة عليك، ولذلك أمرنا الله أن نسأله أن يجعل لنا مدخل صدق ومخرج صدق: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [الإسراء:80] .

    وأمرنا الله جل وعلا كما أخبر عن الخليل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام أن يجعل له لسان صدق في الآخرين، وأمرنا الله جل وعلا وأخبرنا وبشرنا أن الذين يتقون ربهم ويؤمنون به لهم قدم صدق كما في أول سورة يونس، وإذا آلوا إلى الله جل وعلا فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر كما هو في آخر سورة القمر.

    (إنك لتصدق الحديث، وتحمل الكل -وهي الحوائج والأثقال- وتكسب المعدوم)، أنت تحمل الكل، تعين الضعيف العاجز، الأهل تحملهم وتعينهم، تتحمل أثقال غيرك وأنت الذي تخدم الناس، تحمل الكل، (تكسب المعدوم)، ضبط بضم أوله تُكسب المعدوم، وإذا كان كذلك فقال الخطابي : ينبغي أن يكون المعدم أن تكسبه، أي: تعطيه مالاً يحتاج إليه، قال الحافظ ابن حجر : ولا مانع من إطلاق المعدوم على المعدم؛ لأن المعدم الذي لا يملك قضاء حاجته كالمعدوم الميت، تكسب المعدوم مالاً، تكسب المعدوم ما يحتاجه، أنت تساعد المعدم الذي كأنه من شدة حاجته كأنه معدوم ميت لا يحيا إلا بك.

    (تكسب المعدوم) وضبطت تَكسب بفتح التاء، تَكسب وتُكسب، وإذا كان بفتح التاء فيحتمل هذا اللفظ المعنوي لكل منهما حق، فالأول تكسب المعدوم، أي: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، المعدوم الذي غيرك لا يمكن أن يعطيه أنت تعطيهم من كثرة جودك ومعروفك، وقيل: (تكسب المعدوم) أي: تحصل المال المعدوم، وكانت العرب تفتخر بتحصيل المال والحنكة والذكاء في التجارة، وأنت فيك ذلك، تكسب المال حتى لو كان معدوماً تحصله من سياستك وجدك وذكائك، وهذا لا مدح فيه إلا إذا كان الإنسان يكسب المال وينفقه، فهو بهذا المعنى لا حرج، ونبينا عليه الصلاة والسلام حاله كذلك يكسب المال، ولو كان هذا المال مفقوداً لحصله، ثم إذا استقر في كفه صرفه عليه الصلاة والسلام مساعدةً لغيره.

    قالت: (وتكسب المعدوم، وتقري الضيف)، وإكرام الضيف من الصفات الكريمة.

    ثم أتت بصفة تجمع كل فضيلة فقالت: (وتعين على نوائب الحق)، لا يوجد نائبة في خير وفضيلة إلا أنت تشارك فيها بأوفر نصيب، فمن كان هذا حاله لا يخزيه الله، ولا يقترب منه الشيطان.

    ذهاب خديجة بالنبي إلى ابن عمها ورقة بن نوفل

    ثم ذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ، وكان امرأً قد تنصر في الجاهلية، وقد ذهب إلى بلاد الشام يبحث عن النصرانية، وأخذ شيئاً مما كانت عليه النصرانية قبل أن تتغير، وعنده علم بما سيحصل بعد ذلك في هذه الأمة.

    تقول أمنا عائشة رضي الله عنها: وكان شيخاً كبيراً قد عمي، وكان يكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وروي أنه يكتب في الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب. والجمع بينهما يكتب الإنجيل بالعبرانية ويترجمه إلى العربية فهو كاتب ماهر بالعبرانية وبالعربية، وإنما قالت: يكتب ولم تقل: يحفظ لتبين أن الحفظ هذا من خصوصيات هذه الأمة لما نزل عليهم من الكتاب السماوي، أناجيلهم صدورهم، وأما الأمم السابقة فيكتبون ولا يحفظون، قالت: يكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب.

    فلما ذهبت إليه قالت: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك ما رأى، وإنما قالت من ابن أخيك، وجعلته عماً للنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن ورقة يجتمع مع نبينا عليه الصلاة والسلام في قصي ، وهو من أجداد النبي عليه الصلاة والسلام، وبما أنه أكبر منه فهو كأنه عمه، وقالت له ذلك من أجل أن يعتني بأمره، وأن يجيبه بالأمر الواقع، وهذا ليس بإنسان عادي، اسمع من ابن أخيك ما رأى، فقال: يا ابن أخي! ماذا رأيت؟ فأخبره نبينا عليه الصلاة والسلام خبر ما رأى، فقال كما في زيادة بعض كتب السنة المتقدمة في غير الصحيحين: سبوح قدوس، وفي الصحيحين وغيرهما فقال: (هذا الناموس الذي نزل الله على موسى)، الناموس هو صاحب السر، وخصه كثير من علماء اللغة بصاحب سر الخير، بخلاف الجاسوس فهو صاحب سر الشر والفساد، ذاك جاسوس وهذا ناموس.

    (هذا الناموس الذي نزل الله على موسى)، وإنما لم يقل: على عيسى مع أن عيسى بعد موسى على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه لعدة أمور مع أنه قال أيضاً: (هذا الناموس الذي نزل الله على عيسى) في رواية أبي نعيم في دلائل النبوة بإسناد صحيح، لكن فيما أجاب به خديجة فقط دون هذه الواقعة: (هذا الناموس الذي نزل الله على موسى) هنا قال ذلك؛ لأن شريعة موسى فيها أكثر الأحكام، والإنجيل أمر أتباعه بأن يحكموا بما في التوراة إلا ما غير لهم مما هو قليل قليل، والأصل أن أهل الإنجيل يلزمون بأحكام التوراة إلا وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران:50]، فإذاً التوراة هي المرجع والأصل لليهود وللنصارى، (هذا الناموس الذي نزل الله على موسى)؛ ولأن نبي الله موسى فيه شبه تام بنبينا عليه الصلاة والسلام، والمشابهة بينهما أكثر من المشابهة بينه وبين نبي الله عيسى، فنبي الله موسى بعث بالنقمة على فرعون وقومه، وأمر بالجهاد، ونبي الله عيسى لم يحصل له ذلك، وهكذا ما حصل لنبي الله موسى مع فرعون، سيحصل مثله مع نبينا مع فرعون هذه الأمة وهو أبو جهل والعتاة الآخرون.

    ثم بعد ذلك قال: (هذا الناموس الذي نزل الله على موسى)، تحقيقاً لرسالة نبينا عليه الصلاة والسلام، ووجه ذلك: أن اليهود والنصارى لا يختلفون في كون موسى نبي لله عز وجل، لكن في موضوع نبوة عيسى يخالف اليهود أو بعض اليهود، ولذلك أراد ورقة أن يحقق نبوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فقال: (هذا الناموس الذي نزل الله على موسى)، يعني: أنت نبي هذه الأمة قطعاً وجزماً، لا مراء في ذلك ولا شك، وكما قلت لكم: ثبت في كتاب دلائل النبوة بسند حسن أن أمنا خديجة عندما ذهبت إلى ورقة بنفسها، وعرضت عليه ما رآه نبينا عليه الصلاة والسلام، فقال: (إنه ليأتيه ناموس عيسى)، وكل من الأمرين صحيح، هناك أجابها بأن هذا الوحي نزل على عيسى، وهناك نزل على موسى على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    ثم قال ورقة : ( هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً -ليتني أكون حياً- إذ يخرجك قومك ).

    والجذع هو: الصغير من البهائم الفتي القوي، كأنه يريد أن يقول: يا ليتني أكون شاباً، (يا ليتني فيها جذعاً -يا ليتني أكون حياً- إذ يخرجك قومك) فاستغرب نبينا عليه الصلاة والسلام غاية الغرابة، وأنا المحبوب عندهم والمحبب لديهم يخرجوني أيضاً من بلدي ووطني وأسرتي وقومي؟ (قال: أومخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت أحد قط بمثل ما جئت به إلا عودي)، كل من يظهر الحق ينبغي أن يوطن نفسه على معاداة الناس، قال: (وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً)، ثم لم يلبث أن توفي ورقة وفتر الوحي.

    قوله: (لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي)، وفي بعض الروايات: (إلا أوذي)، وهما بمعنى واحد، قوله: (إن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً)، قيل: من الأزر وهو القوة، أي: نصراً قوياً عظيماً شديداً، وقيل: من الإزار، أي: أرفع إزاري، وأتشمر في نصرتك، وأبذل ما في وسعي لحمايتك.

    وفي هذا كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء الأول صفحة ست وعشرين: جواز تمني المستحيل، وورقة يجزم أن هذا لا يمكن أن يقع على حسب العادة المألوفة، فلا يمكن أن يعود شاباً بعد أن صار شيخاً كبيراً وعمي، ومع ذلك يقول: يا ليتني كنت جذعاً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك.

    وقلت مراراً إخوتي الكرام فيما مضى: يجوز للإنسان أن يتمنى الخير مما لا يمكن أن يقع وهو في عداد المستحيل، فيقول: يا ليتني! كنت حياً عندما خلق الله آدم عليه الصلاة والسلام لأحمله على كتفي، ويا ليت حياتي طالت من عهد آدم إلى عهد نبينا محمد عليه الصلاة والسلام من أجل أن أخدم أنبياء الله جميعاً، وأتبرك بهم، وأنظر إلى نور وجوههم، هذا لن يحصل قطعاً، لكن غاية ما هنالك أنه يدل على قلب يتعلق بالخير ويحبه ويريده، ولك أجر على هذه النية الطيبة، وهنا (يا ليتني فيها جذعاً) ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك.

    إخوتي الكرام! ثم لم يلبث أن توفي ورقة كما قلت وفتر الوحي، وإنما فتر الوحي ولم يأت لنبينا عليه الصلاة والسلام بعد أن نزل عليه بهذه الآيات من صدر سورة العلق، ليذهب عنه ما وجده من الروع عليه الصلاة والسلام، وليزداد شوقه إلى لقاء الوحي ومقابلته، وهذا الذي حصل، فذهب عنه الروع بعد ذلك وتطلع نبينا عليه الصلاة والسلام لنزول الملك عليه، فنزل عليه بعد ذلك سورة المدثر: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:1-2]، إلى آخر الآيات.

    إيمان ورقة بن نوفل برسالة محمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته

    أما ما يتعلق بـورقة قبل أن انتقل إلى الأمر الثاني الذي اهتدت أيضاً بسببه أمنا خديجة لمعرفة حال النبي عليه الصلاة والسلام، وشهدت بسببه أنه رسول الله عليه الصلاة والسلام حقاً وصدقاً، أريد أن أبين على وجه الاختصار ما يتعلق بـورقة بن نوفل رضي الله عنه وأرضاه، ورقة آمن بنبينا عليه الصلاة والسلام لكن قبل أن يؤمر بالتبليغ والدعوة، وتمنى لو طالت حياته حتى يكون من أعوانه وأنصاره وأن يفديه بنفسه رضي الله عنه وأرضاه، وهذا يجعله إن شاء الله بلا شك من عباد الله المؤمنين الطيبين، وقد بذل ما في وسعه، وقد عده أئمتنا أيضاً من الصحابة الكرام، وإن كان وصف الصحبة لا ينطبق عليه، لكن كل من ترجم للصحابة ذكروا ورقة ضمن الصحابة، نعم قال الحافظ في الإصابة في أسماء الصحابة في الجزء الرابع صفحة أربع وثلاثين وستمائة، قال: هذا ظاهر أنه أقر بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه مات قبل أن يدعو النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام، وفي إثبات الصحبة له نظر، أما أنه هو مقر ومؤمن ومن عباد الله الطيبين فهذا لا شك فيه، لكن وصف الصحبة هذا الأصل أن يؤمر النبي عليه الصلاة والسلام بالدعوة، وأن يكون رسولاً إلى الناس، ثم من آمن به صار صحابياً، أما هذا كما لو أنه آمن به قبل بعثته، قال: أنا لو بعث النبي عليه الصلاة والسلام وهو حي وأنا حي سأومن به، ثم مات قبل البعثة لا ينطبق عليه وصف الصحبة، مع أنه آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهنا كذلك وصف الصحبة الدقيق لا ينطبق عليه، نعم هو من عباد الله المؤمنين الخيرين الطيبين.

    وقد قرر هذا نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، وأخبرنا بأنه من أهل الجنة، ثبت الحديث بذلك في مسند البزار عن أمنا عائشة رضي الله عنها مرفوعاً متصلاً، وروي عن عروة بن الزبير عن نبينا عليه الصلاة والسلام مرسلاً، والأثران كما قال الحافظ الهيثمي في المجمع: إسنادهما صحيح متصلاً ومرسلاً، عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا ورقة بن نوفل ، فإني رأيت له جنةً أو جنتين)، والحديث رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع في الجزء التاسع صفحة ست عشرة وأربعمائة، وهكذا قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء الثالث صفحة تسع، وانظروا الأثر وكما قلت: هو في كشف الأستار عن زوائد البزار في الجزء الثالث صفحة واحد وثمانين ومائتين، قال الإمام ابن كثير : وإسناده جيد، لكن روي مرسلاً كما قلت عن عروة ، يقول: وهو أشبه، والذي يظهر والعلم عند الله أن من وصل معه زيادة علم، وقد حكم الإمام الهيثمي على الإسنادين بأن رجالهما رجال الصحيح، المتصل والمرسل، (لا تسبوا ورقة ، فإني رأيت له جنةً أو جنتين).

    وثبت في معجم الطبراني الكبير بسند رجاله رجال الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يبعث ورقة يوم القيامة أمةً وحده)، وهذا يدل كما قلت على أنه من المؤمنين، وله هذه المنزلة عند رب العالمين، وورد في سنن الترمذي ، وقال الترمذي : غريب، الحديث رواه الحاكم في المستدرك في الجزء الرابع صفحة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، وقال: صحيح الإسناد، فتعقبه الذهبي فقال فيه: عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي وهو متروك، والأمر كما قال الإمام الذهبي ، وعثمان بن عبد الرحمن الوقاصي من رجال الإمام الترمذي ، ما خرج له إلا الترمذي ، ولذلك قال عن حديثه: غريب، وهو متروك كما قال الحافظ أيضاً في التقريب، ولم يخرج له من أهل الكتب الستة إلا الترمذي . نعم إن الحديث روي من طريق آخر يغني عن هذه الطريق التي هي من طريق الترمذي ومستدرك الحاكم بواسطة عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي .

    الطريق الأخرى رواها الإمام أحمد في المسند من طريق عبد الله بن لهيعة ، قال: حدثني أبو الأسود عن عروة ، عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وإسناد الأثر هذا في المسند حسن، وابن لهيعة صرح بالتحديث، وتقدم معنا مراراً أنه صدوق، وقلت: هو من رجال مسلم ، وأخرج له السنن الأربعة إلا النسائي كما تقدم معنا في ترجمته، عبد الله بن لهيعة ، وقلت: توفي سنة أربع وسبعين ومائة للهجرة رحمة الله عليه وعلى أئمتنا أجمعين.

    ولفظ الأثر عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: (سألت خديجة النبي صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! ورقة صدقك، ومات قبل أن تظهر -أي: قبل أن تبعث وقبل أن تدعو إلى الله جل وعلا- فأين هو؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: رأيته في المنام وعليه ثياب بياض، ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك).

    إذاً الحديث الأول الذي تقدم معنا صحيح: (لا تسبوا ورقة ، فإني رأيت له جنةً أو جنتين).

    والحديث الثاني صحيح: (يبعث يوم القيامة أمةً وحده)، من رواية أسماء رضي الله عنها وأرضاها.

    والحديث الثالث من رواية أمنا عائشة ، نعم هو في الترمذي والمستدرك بإسناد ضعيف، لكن روي من طريق أخرى كما قلت في المسند من طريق ابن لهيعة ، قال: حدثني أبو الأسود عن عروة ، عن أمنا عائشة ، ولا يوجد في الإسناد كما قلت عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي ، وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه في النوم وعليه ثياب بياض، ولو كان من أهل النار لكان عليه غير ذلك).

    وقد نص صاحب كتاب بلوغ الأماني في شرح مسند الإمام أحمد الشيباني في الجزء العشرين صفحة أربع وسبعين ومائة، والجزء الثاني والعشرين أيضاً صفحة تسع وأربعين وأربعمائة على أن حديث الإمام أحمد في المسند إسناده حسن، والإمام الهيثمي لم يورده في المسند؛ لأنه كما قلت عن أمنا عائشة وروي في سنن الترمذي ، فليس هو من الزوائد وإن كان من طريق آخر، انظروا أحاديث كثيرة في منزلة ورقة ومكانته في الإصابة في المكان المشار إليه، وفي البداية والنهاية في المكان المتقدم، وفي المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية أورد حديثاً في مسند الإمام أبي يعلى في الجزء الثالث صفحة خمس وتسعين، وانظروه في كتاب عمدة القاري في الجزء الأول صفحة أربع وستين، وفي بعض الروايات أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (رأيت ذلك القس في الجنة)؛ لأنه كان ممن يدين بالنصرانية، وانظروا أيضاً كتاب دلائل النبوة للإمام البيهقي الجزء الثاني صفحة خمس وأربعين ومائة.

    مساعدة خديجة للنبي في اختبار الذي جاءه في الغار والتأكد من كونه ملكاً مرسلاً من عند الله

    هذا الأمر الأول إخوتي الكرام، وهو أن أمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها قالت لنبينا عليه الصلاة والسلام: (كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)، فمثل هذا لا يقربه شيطان.

    أما القول الثاني أيضاً منها لاختباره، وهذا حقيقةً يدل على رجاحة عقلها، مع علمها به، لكن تريد أن تعلم احتمال أنه حصل شيء من التلبيس، زيادة اطمئنان، فانظر بأي شيء اختبرته قالت له: (أنت رسول الله حقاً)، وهي أول من آمن به رضي الله عنها وأرضاها.

    الأثر رواه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط كما في مجمع الزوائد في الجزء الثامن صفحة ست وخمسين ومائتين، ورواه البيهقي في دلائل النبوة في المكان المتقدم في الجزء الثاني صفحة اثنتين وخمسين ومائة، وأبو نعيم في دلائل النبوة أيضاً صفحة سبعين، ورواه الإمام الدولابي في الذرية الطاهرة على نبينا وآل بيته صلوات الله وسلامه في صفحة خمس وثلاثين، وانظروه في البداية والنهارية، وسيرة ابن هشام في الجزء الأول صفحة ثمان وثلاثين ومائتين، والروض الأنف في الجزء الأول صفحة واحد وسبعين وثلاثمائة، وعيون الأثر في المغازي والسير في الجزء الأول صفحة سبع وثمانين، وفي السيرة الحلبية في الجزء الأول صفحة أربعمائة وأربعة، وفي الوابل للإمام ابن الجوزي لأخبار المصطفى على نبينا صلوات الله وسلامه في الجزء الأول صفحة أربع وستين ومائة، وفي الخصائص الكبرى للإمام السيوطي في الجزء الأول صفحة خمس وتسعين، وغير ذلك، والحديث إسناده حسن كما قال الهيثمي في المجمع.

    ولفظه عن أمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها، أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخبرها عن مجيء جبريل على نبينا وعليه الصلاة والسلام إليه في غار حراء، قالت: (يا ابن عم! هل تستطيع إذا جاءك الذي يأتيك أن تخبرني به؟)، إذا جاءك الآن في البيت نزل عليك الوحي مرة ثانية تعلمني أن الوحي جاءك؟ (قال: نعم، إذا جاءني مرةً أخرى أخبرك)، تقول أمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها: (فجاءه ذات يوم وأنا عنده، فقال: يا خديجة ! هذا صاحبي الذي يأتيني قد جاء)، ولا مانع أن يكون هذا في بيت خديجة ، ولا مانع أن يكون عندما ذهبت لزيارته في غار حراء، والعلم عند الله، المكان غير مبين، لكن لما جاءه مرة ثانية هي كانت بجواره فقال: (هذا صاحبي الذي يأتيني قد جاء، فقالت: قم فاجلس على فخذي الأيمن، فقام وجلس، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: تحول فاجلس على فخذي الأيسر فتحول وجلس، قالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: قم فاجلس في حجري -بين رجليها وفي حضنها رضي الله عنها وأرضاها- فتحول وجلس في حجرها، قالت: هل تراه؟ قال: نعم، فحسرت وطرحت خمارها، قالت: هل تراه؟ -كشفت عن رأسها وشعرها- قال: لا، قالت: والله هذا ملك كريم وما هو بشيطان رجيم)، ثم قالت لـورقة ذلك ما اختبرت به النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لها: (حقاً يا خديجة ! قد حدثتك إنه رسول الله عليه الصلاة والسلام).

    وفي بعض الروايات: (أنها أدخلته بينها وبين درعها -يعني قميصها الذي يلي جسدها رضي الله عنها وأرضاها- قالت: هل تراه؟ قال: ذهب عني يا خديجة )، وفي رواية: (قالت له: أدخل رأسك تحت درعي، فأدخله، قالت: هل تراه؟ قال: ذهب عني، قالت: أبشر! لو كان شيطاناً ما استحيا)، فلو كان الذي يأتي شيطاناً لا ينصرف من هذه الحالة التي أنت فيها، وأنت الآن تلاصق جسمي وأنت زوجي، (لو كان شيطاناً ما استحيا، إنما هذا ملك كريم، وليس هو بشيطان رجيم).

    قال الإمام البيهقي في دلائل النبوة معلقاً على هذا الأثر في المكان المتقدم: وهذا شيء كانت تصنعه أمنا خديجة رضي الله عنها تستثبت به الأمر احتياطاً لدينها وتصديقها، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان قد وثق بما قاله له جبريل، وأراه من الآيات التي ذكرناها مرةً بعد أخرى، وما كان من تسليم الشجر والحجر عليه، أما نبينا عليه الصلاة والسلام بعد المرة الأولى انتهى واطمأن، وبدأ كل شيء من شجر وحجر إذا قابله يقول: (السلام عليك يا رسول الله)، وهذا ثابت في أحاديث متواترة أذكر بعضها.

    منها ما ثبت في المسند وصحيح مسلم وسنن الترمذي والدارمي ، والحديث رواه البيهقي في دلائل النبوة، وأبو نعيم في دلائل النبوة، والإمام أبو داود الطيالسي في مسنده عن جابر بن سمرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن).

    وفي بعض روايات الحديث في الترمذي ودلائل النبوة للبيهقي وأبي نعيم ومسند أبي داود الطيالسي عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن بمكة لحجراً كان يسلم عليّ ليالي بعثت، إني لأعرفه إذا مررت عليه).

    وثبت في البزار ذلك أيضاً عن أمنا عائشة رضي الله عنها عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لما أوحي إلي أو نبئت جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله)، صلى الله عليه وسلم.

    وفي رواية أبي داود الطيالسي في الجزء الثاني صفحة ست وثمانين قال: (ثم جئت إلى منزلي فما تلقاني حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، قال: ثم دخلت على خديجة فقالت: السلام عليك يا رسول الله)، عليه الصلاة والسلام.

    والأحاديث في ذلك كثيرة، أقف عند هذا الحد والباقي نكمله إن شاء الله في الموعظة الآتية إن شاء الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.