إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. سلسلة مباحث النبوة
  5. مباحث النبوة - كرم النبي صلى الله عليه وسلم وجوده

مباحث النبوة - كرم النبي صلى الله عليه وسلم وجودهللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكرم الناس بما أعطاه الله تعالى، كان ينفق ماله في جميع وجوه الخير ولا يدخر منه شيئاً، وكان يؤثر غيره على نفسه، ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ثم يعيش في شظف من العيش، وقلة من المال، فما عرفت الدنيا أزهد منه فيها، ولا عرفت أكرم منه بما لديه منها، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنه نبي الله حقاً وصدقاً صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تواضع النبي صلى الله عليه وسلم في مسكنه وأثاثه

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:

    إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس الأمور التي يعرف بها صدق النبي والرسول على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وكنا نتدارس الأمر الأول منها ألا وهو النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه في خَلقه وخُلقه عليه صلوات الله وسلامه، وقد مر الكلام على الشق الأول من هذا الأمر الأول ألا وهو النظر إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام في خلقه، وبينت أن الله جعل أنبياءه ورسله على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه أتم الخلق خلقاً، وأحسن الخلق خلقاً، فخلقهم أجمل خلقٍ، وأبهى خلق على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وهكذا خُلقهم عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، فهم أحسن الناس أخلاقاً، ونبينا عليه الصلاة والسلام هو أفضلهم في ذلك عليه وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    وقلت: إخوتي الكرام! سنتدارس خلق نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا الخلق قلت: إما أن يكون مع الحق، وإما أن يكون مع الخلق، أما خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع ربه فقلت: سأختم به الكلام على خلقه عليه صلوات الله وسلامه، وأما خلقه مع الخلق فينقسم إلى عدة أقسامٍ: أولها: خلقه مع أهله في بيته عليه صلوات الله وسلامه، خلقه مع أصحابه وأمته، خلقه مع الملائكة الكرام عليه وعليهم جميعاً الصلاة والسلام، خلقه مع أعدائه من شياطين الإنس والجن، خلقه مع الحيوانات العجماوات ومع الجمادات، لا بد من بيان خلق نبينا عليه الصلاة والسلام، وكيفية معاملته مع هذه الأشياء حتى يظهر خلقه عليه الصلاة والسلام على وجه التمام بصورةٍ مصغرة، وإلا فإن الكلام على خلقه كما ينبغي لا يمكن الإحاطة به، فيكفي أن خلقه القرآن، وإذا كان البشر ليس في وسعهم أن يحيطوا بمعاني القرآن، فليس في وسع أحدٍ أن يحيط بأخلاق نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن بالكلام على هذه الأمور يصبح عندنا صورةٌ واضحةٌ عن خلق نبينا عليه صلوات الله وسلامه، ويستنبط الإنسان بعد ذلك منها دلالةً واضحةً على أنه رسول الله حقاً وصدقاً عليه صلوات الله وسلامه.

    أول هذه الأمور وهو ما بدأنا في مدارسته في الموعظة الماضية: خلقه مع أهله عليه صلوات الله وسلامه، وقلت: ينبغي أن يحدد عدة أمورٍ في هذا الأمر فيما يتعلق بمسكنه عليه صلوات الله وسلامه، وبأساس ذلك المسكن الذي كان يستعمله هو وأهله عليه صلوات الله وسلامه، وبالطعام الذي كان يتناول في ذلك المسكن على نبينا صلوات الله وسلامه، وفي معاملته بعد ذلك مع نسائه عليه وعليهن صلوات الله وسلامه، هذه الأمور الأربعة كلها تدخل تحت الأمر الأول ألا وهو معاملته وخلقه مع أهله عليه صلوات الله وسلامه، ولا بد -كما قلت- من الكلام على المسكن والأثاث والطعام؛ لأنها مقدماتٌ لخلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع زوجاته الكريمات عليه وعليهن صلوات الله وسلامه.

    وبينت -إخوتي الكرام- في الموعظة الماضية ما يتعلق بمسكن نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وكيف كان ذلك المسكن في منتهى التواضع، ولكل زوجةٍ من أمهاتنا أزواج نبينا عليه وعليهن صلوات الله وسلامه لكل واحدةٍ حجرة، لكن تلك الحجر تقدم معنا وصفها لو قام الإنسان لنال السقف بيده، ولو مد رجليه لنال الجدار من أي جهةٍ كانت، ثم هي من جريد نخلٍ كسي وطلي بطين، هذه هي حجر خاتم النبيين عليه صلوات الله وسلامه، ولذلك تقدم معنا أنه عندما ضمت الحجر إلى المسجد -وكان ذلك في سنة ثمانٍ وثمانين- حزن أهل البيت الطيبون الطاهرون، وهكذا من كان حاضراً من الصحابة، وهكذا التابعون، وقلت: حصل في المدينة ضجةٌ ورجةٌ وشدةٌ تشبه الضجة والرجة التي حصلت عند موت النبي عليه الصلاة والسلام، فبكوا بكاءً كثيراً عندما ضمت هذه الحجر إلى المسجد؛ لأن معالم بيوت النبي عليه الصلاة والسلام ذهبت، وكان يتمنى سلفنا أن يطلع المتأخرون على بيوت النبي عليه الصلاة والسلام، ليعلموا أنه ما كان كـفرعون وهامان وقارون ، على نبينا صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! قلت: وذلك المسكن، وهكذا ما حصل فيه من أثاث كما سيأتينا وصفه، ومن طعامٍ جوع يومٍ وشبع يوم، ثم معاملةٌ طيبةٌ، ما حصل في ذلك المسكن بتلك الصفات، قلت: هذا من باب الاختيار من خير المخلوقات عليه الصلاة والسلام، فما كان الدافع له -كما تقدم معنا- قلةٌ وفقر، فقد أعطاه الله من الغنى وكان ينفقه على غيره عليه صلوات الله وسلامه، وما كان ذلك أيضاً من باب الضن والبخل، إنما تعامل مع الدنيا بما يليق بها، فهي دار ممر وليست بدار مقر.

    فأعقل الناس فيها العباد وأكيس الناس فيها هم الزهاد

    وأكيس الناس وأعقل الورى هم الذين زهدوا فيما ترى

    إذ نبذوا الدنيا لعلمهم بها ورغبوا في أختها لقربها.

    إخوتي الكرام! وهذا البناء الذي يبنيه الإنسان في هذه الحياة لا يؤجر على ما يضع فيه من نفقةٍ إذا زاد ذلك البناء عن مقدار الضرورة والحاجة، فالعبد يؤجر على نفقته كلها إلا ما يجعله في التراب، والبناء إذا زاد عن مقدار الحاجة فهو وبالٌ على الإنسان، وإذا أراد الله بالعبد شراً وهلاكاً خبر له باللبن والطين، أي: زين له أن يبني وأن يجمل بيته وأن يحسنه، وسيأتينا -إخوتي الكرام- تقرير هذا بأدلته إن شاء الله بعد الانتهاء من بيان ما يتعلق بالأمر الأول بمسكن النبي عليه الصلاة والسلام وأساسه وطعامه، ومعاملته لأهله في ذلك المسكن على نبينا وآل بيته صلوات الله وسلامه.

    أنتقل بعد ذلك إلى بيان هدي الإسلام في البناء، وأفرد لذلك موعظة لنعرف وضعنا في هذه الحياة، وإلى أين نسير، وأذكر ما يدل على هذه الأمور التي ذكرتها: أن العبد يؤجر في نفقته كلها إلا في التراب، وإذا زاد البناء عن مقدار الحاجة فهو وبالٌ على صاحبه، وإذا أراد الله بعبدٍ شراً خبر له في اللبن والطين، حتى يبني وحتى يشيد ويزخرف وينجد. سوف يأتينا تقرير هذا بأدلةٍ صحيحةٍ عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وأبين هدي الإسلام في البناء -إن شاء الله- بعد الانتهاء من هذا الأمر الأول بإذن الله، إنما أريد أن يرسخ في أذهاننا هنا أن نبينا عليه صلوات الله وسلامه عندما كان يقتصر على ذلك المسكن المتواضع، وعلى ما فيه من أثاث قليلٍ، وعلى طعامٍ يسير عليه صلوات الله وسلامه، كان يختار ذلك لا لأنه لا يملك، لا لأن الدافع له قلةٌ وفقر، ولا لأن الدافع ضن وبخل، فهو أكرم خلق الله، وما عرفت البشرية أكرم من نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وما شهدت الحياة أكرم من خير المخلوقات نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وكنت قررت هذا ببعض الأدلة في أول الموعظة الماضية.

    1.   

    كرم النبي صلى الله عليه وسلم وجوده وذكر بعض ما ورد في ذلك

    بما أننا في شهر الجود والكرم أحب أن أذكر شيئاً من كرم النبي عليه الصلاة والسلام في بدء هذه الموعظة قبل أن ننتقل إلى بيان أثاثه؛ ليظهر لنا جلياً واضحاً أن الدافع لذلك ما كان بسبب قلةٍ وفقر، ولا بسبب ضنٍ وبخل على نبينا صلوات الله وسلامه، فاسمع لجوده عليه صلوات الله وسلامه.

    حديث جابر: (ما سئل رسول الله شيئاً قط فقال لا)

    ثبت في المسند والصحيحين، والحديث رواه البيهقي في دلائل النبوة، ورواه الإمام البخاري في الأدب المفرد، وهو في أعلى درجات الصحة، من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال: لا)، وفي بعض الروايات: (ما سئل عن شيءٍ قط فقال: لا)، عليه صلوات الله وسلامه، كلمة (لا) لا تصدر من فمه عليه صلوات الله وسلامه، إن كان عنده بذل وإلا سكت، أما أن يقول: لا، فلا يطاوعه لسانه أن يرد السائل بكلمة: لا، فإذا سكت يعلم السائل أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس عنده ما يعطيه فيذهب، قال الإمام العز بن عبد السلام عليه وعلى أئمتنا رحمات ذي الجلال والإكرام: ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (لا) منعاً، وقد يقولها اعتذاراً ليعتذر، ثم استدل بقول الله جل وعلا في سورة التوبة: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [التوبة:91-93].

    يقول العز بن عبد السلام : لم يقل: (لا) امتناعاً، منعاً، أي: عنده ويمتنع، إنما قد يقولها اعتذاراً كما قال: لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ولكن هذا الجواب مع وجاهته من هذا الإمام المبارك غير مسلمٍ وغير دقيق، ولفظ الحديث عامٌ، أما الآية فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا أجد ما أحملكم عليه)، ولم يقل: لا أحملكم، وبين اللفظين من الفرق كما بين السماء والأرض، فقد أتوا يطلبون مركباً للجهاد في سبيل الله فقال: (لا أجد ما أحملكم عليه)، فهذا ليس فيه لسؤالهم رداً لجوابهم بلا، إنما كأنه يقول: رب أنت تعلم حالي، فليس عندي ما أحملكم عليه، فشتان بين قوله: (لا أجد ما أحملكم)، وبين قوله: لا أحملكم، فما قال: (لا) عليه صلوات وسلامه قط، وما سأله سائلٌ فأجابه: بلا، إن كان عنده أعطاه، وإلا سكت، وقد يقول بعد ذلك لبيان عذره: لا أجد، لا أجد ما طلبته، ونحو ذلك، وهذا الذي ذكرته هو كلام الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله، قاله في الرد على العز بن عبد السلام ، قال: إن قوله غير مسلم، فبين الصيغتين من الفرق ما لا يخفى، ولا يجوز الاستدلال بقول الله: لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ [التوبة:92]، على أنه يقول (لا) من باب الاعتذار، لا من باب المنع، فإنه لا يقول (لا) اعتذاراً ولا منعاً.

    حديث أنس: (ما سئل رسول الله على الإسلام شيئاً إلا أعطاه...)

    واستمع لنماذج من جوده عليه صلوات الله وسلامه، ثبت في المسند وصحيح مسلم ، والحديث من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، قال: (ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين فذهب هذا الرجل إلى قومه فقال: يا قوم! أسلموا فإن محمداً عليه صلوات الله وسلامه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر)، عندما كانت تأتيه الغنائم عليه صلوات الله وسلامه يوزعها ويحرم نفسه منها، بيت النبوة عليه صلوات الله وسلامه ينبغي أن يكون بعيداً عن الدنيا؛ لئلا يكون في ذلك شبهة لمشتبه أن يقال: أراد النبي عليه الصلاة والسلام بدعوته أن يملأ بطنه، وأن يبني بيته، بل لسان حاله: نحن في بيتنا نجوع يوماً ونشبع يوماً.

    يعطي غنماً ما بين جبلين، وهو بعد ذلك حجره في تلك الصورة عليه صلوات الله وسلامه، فما كان يفعل ذلك لفقرٍ وقلة، ولا لضن وبخل عليه صلوات الله وسلامه، إنما كان يفعله معاملةً مع الدنيا بما يليق بحالها، فهذه دار ممر، وحالنا فيها كمسافرٍ استظل تحت شجرة ثم راح وتركها، فعلام الركون إلى هذه الدار التي سنفارقها شئنا أم أبينا؟ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27].

    قال أنس رضي الله عنه كما في المسند وصحيح مسلم في الرواية المتقدمة: وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها. يأتي ليسلم من أجل دنيا يطلبها من النبي عليه الصلاة والسلام، فيعطيه ويتألفه النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يرده، فدخل من أجل دنيا، فما يلبث إلا يسيراً فيرى خلق النبي عليه الصلاة والسلام، يرى إمامه، وقدوته، وبركته عليه صلوات الله وسلامه، وزهده، ورغبته عن الدنيا، وحال الصحابة معه، فيكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها وما عليها، مع أنه أسلم من أجل متاعها، ثم بدأ يعطي الدنيا وما يملك منها تقرباً إلى الله جل وعلا، جاء من أجل دنيا فلما جاء بدأ يجود بالدنيا اقتداءً بنبيه عليه صلوات الله وسلامه، هذا جود النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا كرمه، وتلك حجره عليه صلوات الله وسلامه.

    حديث سهل بن سعد في قصة الرجل الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم بردته فأعطاه إياها

    واستمع لهذه القصة التي هي في صحيح البخاري وغيره: يجود بثوبه الذي يلبسه عليه صلوات الله وسلامه، ثوبه الذي يلبسه إن طلبه أحد نزعه وأعطاه إياه، وحقيقة الطلب محرج غاية الحرج، أن يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام ثوبه الذي يلبسه وما يملك غيره، ثم ذلك الثوب أهدي إليه ولا يملك غيره، لكن هناك علةٌ معتبرةٌ من الطالب، والأعمال بالنيات.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري ، والحديث في سنن ابن ماجه ، ورواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية سهل بن سعد رضي الله عنه قال: ( جاءت امرأةٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام ببردةٍ منسوجةٍ فيها حاشيتها )، والحاشية هي طرف الثوب، وقيل: طرفه الذي فيه الهدب، يعني الخيوط المدلاة التي تكون للشيء عندما يكون جديداً، قبل أن تقطع ويلبس، لا زالت منسوجة جديدة، نسجتها هذه المرأة رضي الله عنها وأرضاها، فقالت: ( نسجتها بيدي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكسوكها فقال: نعم، فأخذها عليه الصلاة والسلام محتاجاً إليها )، في واقع الأمر هو بحاجة إلى شيءٍ يلبسه في ذلك الوقت عليه صلوات الله وسلامه، قال: ( فخرج إلينا، وإنها إزاره )، لبسها وخرج إلى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ( فقال رجلٌ: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! ما أحسن هذه -يعني البردة- فاكسنيها )، يعني أعطني إياها من أجل أن ألبسها، ( فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم، سأكسوك إياها. فلما قام النبي عليه الصلاة والسلام قام إلى حجرته ونزعها وأعطاه إياها فلامه الصحابة الكرام، وقالوا له: ما أحسنت -أي: في كلامك وسؤالك وطلبك- لبسها النبي عليه الصلاة والسلام محتاجاً إليها، ثم سألته، وقد علمت أنه لا يرد سائلاً )، أنت تعلم أنه لا يرد، لو سألته إزاره أو قميصه يعطيك، ولا يرد سائلاً، أنت ما أحسنت في طلبك، وفي روايةٍ: (قد علمت أنه لا يسأل شيئاً فيمنعه)، فكيف تسأله هذه البردة التي هو محتاجٌ إليها؟! على نبينا صلوات الله وسلامه، فقال هذا الصحابي: (رجوت بركتها)، أحين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم، فما أريدها من أجل أنها بردة، أريد أن أتبرك فيها فقط، وبركة في أي وقت؟ قال: ( رجوت بركتها لعلي أكفن فيها، والله ما سألته لألبسها، بل لتكون كفني بعد وفاتي، قال سهل : فكانت كفنه )، فهنيئاً له، وقد بوب الإمام البخاري على هذا الحديث في كتاب الجنائز باباً فقال: من استعد للكفن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليه، فهذا استعد للكفن وقال: أريد أن أكفن فيها فما أنكر عليه، وعليه لو أن إنساناً اقتنى كفناً وقال: إذا مت فكفنوني في هذا، ثم هذا الكفن أخرجه ما بين الحين والحين يصلي فيه، يسجد عليه، يجلس عليه ويقرأ القرآن ليكون فيه هذه البركة، فلا حرج، كما هو ثابت في صحيح البخاري ، وبوب عليه البخاري أيضاً في كتاب الأدب فقال: باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل، وذكره في كتاب البيوع في باب ذكر النساج، أي: أن النساجة مشروعة استنباطاً من قول المرأة: هذه نسجتها لك، ويجوز للإنسان أن يبيع ما ينسجه بعد ذلك، وعليه فقد أورده في ثلاثة مواضع من كتابه.

    وهذا الرجل قال الحافظ ابن حجر : لم أقف على تسميته رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم وبآثاره وآثار الصالحين

    إخوتي الكرام! هذه القصة أوردها كما قلت البخاري في صحيحه، وهي في المسند وسنن ابن ماجه ومعجم الطبراني الكبير، وأنا أنظر في شرحها من كتب السنة، فعندي ثلاثة شروح في بيتي لصحيح البخاري ، ولا أملك غيرها، ولو كان عندي غيرها لرجعت إليها، فأريد أن أذكر لكم ما في هذه القصة، ثم بعد ذلك أعلق تعليقاً وجيزاً على ما يتعلق بهذا الأمر إن شاء الله.

    يقول الإمام ابن حجر في الجزء الثالث صفحة أربعٍ وأربعين ومائة: في الحديث التبرك بآثار الصالحين، كأنه يرى أن ما حصل من الصحابي مع النبي عليه الصلاة والسلام ليس من خصوصيات نبينا عليه الصلاة والسلام، فتبرك هذا الصحابي المبارك بنبينا المبارك عليه صلوات الله وسلامه؛ لأن البركة في النبي أكثر منها في الصحابي، وعليه إذا أراد أن يتبرك مسلمٌ بصالحٍ فلا حرج، هذا كلام الحافظ ابن حجر ، والحافظ ابن حجر توفي سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة للهجرة، والإمام العيني صاحب عمدة القاري توفي سنة خمسٍ وخمسين وثمانمائة للهجرة، أي: بعد ابن حجر بثلاث سنين، وكلاهما كان يسكن في القاهرة في بلاد مصر، وهما مفخرةٌ لأهل مصر، الإمام العيني إمام الحنفية، والإمام ابن حجر إمام الشافعية، وهما في زمنٍ واحد، وكل منهما كان قاضياً، والإمام العيني أصله من بلاد الشام، وذهب واستوطن بلد الكرام بلد مصر، وتوفي فيها عليه رحمة الله سنة خمسٍ وخمسين وثمانمائة للهجرة، يقول في عمدة القاري في الجزء الثامن صفحة ثلاث وستين: في الحديث دلالةٌ على جواز التبرك بآثار الصالحين. الشرح الثالث الذي عندي من شروح البخاري وهو إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري للإمام القسطلاني ، المتوفى سنة ثلاثٍ وعشرين وتسعمائةٍ للهجرة، يقول في الجزء الثاني صفحة ست وتسعين وثلاثمائة: في الحديث: التبرك بآثار الصالحين، وإنما ذكرت هذا إخوتي الكرام لما سأبينه إن شاء الله قريباً.

    وكنت ذكرت في بعض المواعظ السابقة وقلت: إن التبرك بنبينا عليه الصلاة والسلام حياً وميتاً، به وبآثاره مشروعٌ بلا نزاعٍ عند أئمتنا، وقررت هذا بالأدلة، ومنها الحديث الذي ذكرته سابقاً وهو المسند وصحيح مسلم ، ورواه أهل السنن الثلاثة أيضاً أبو داود وابن ماجه والإمام النسائي مختصراً، من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أجمعين عندما أخرجت جبة النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: (هذه كان يلبسها النبي صلى الله عليه وسلم عند عائشة ، فلما قبضت عائشة رضي الله عنها قبضتها إليّ، فنحن نرسلها للمريض يستشفي بها)، تقدم معنا هذا الحديث، وهو في صحيح مسلم ، في أصح الكتب بعد صحيح البخاري ، وبعد كلام الباري جل وعلا، وهو في المسند أيضاً، فتلك الجبة جبة النبي عليه الصلاة والسلام كان يغسلها الصحابة الكرام ويطلبون الشفاء بمائها إذا أصيبوا بمرض، يقول الإمام النووي في شرح صحيح مسلم في الجزء الرابع عشر صفحة أربعٍ وأربعين: في هذا الحديث دليلٌ على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم. هذا كلام شيخ الإسلام الإمام النووي المتوفى سنة ستٍ وسبعين وستمائةٍ للهجرة. إذاً صار معنا أربعة شيوخ من شيوخ أهل السنة الكرام، من شراح السنة: ابن حجر ، والعيني ، والقسطلاني ، وقبلهم الإمام النووي .

    ويقول القاضي عياض في شرح صحيح مسلم ، ونقل ذلك عنه الإمام الأبي في كتابه إكمال الإكمال في الجزء الخامس صفحة ثمانٍ وسبعين وثلاثمائة، وقد جمع بين شرح القاضي عياض والمازني وأبي العباس القرطبي والإمام النووي لصحيح مسلم ، هذه الشروح الأربعة جمعها الإمام الأبي في كتابه إكمال الإكمال، والكتاب مطبوع في سبع مجلداتٍ كبيرة، وكان ينقل كثيراً عن شيخه ابن عرفة ، والإمام الأبي عليه رحمة الله، توفي بعد المائة الثامنة، وهو محمد بن خلفة بإسكان اللام وكسر الخاء ، وقد ترجمه الإمام الشوكاني في البدر الطالع، ينقل في هذا الكتاب عن القاضي عياض الذي توفي سنة أربعٍ وأربعين وخمسمائة قبل الإمام النووي ، في الجبة التي كانت عند أسماء نغسلها للمريض ليستشفي بها، قال القاضي عياض : لبركة مسه إياها، وعادة السلف والخلف التبرك بذلك.

    جواز التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته

    إخوتي الكرام! هذه الآثار ذكرتها لنعي أمراً مهماً؛ وهو أنني بعد أن ذكرتها كأن بعض الناس أثار لغطاً حولها، وكان يقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام فيه بركة، وجسمه مبارك، لكن يتبرك به في حياته عليه صلوات الله وسلامه، وما ثبت أن أحداً من الصحابة الكرام تبرك بشيءٍ من نبينا عليه الصلاة والسلام وآثاره بعد موته، وأنا أقول لهذا الذي يدعو إلى العقيدة على حسب زعمه: العقيدة لا تؤخذ إلا من كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما عدا هذا فهي تعقيدٌ وضلال، وهذه الآثار التي نذكرها نحن في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم ، ففي صحيح البخاري طلب الرجل من النبي عليه الصلاة والسلام البردة ليكفن فيها، وأقره النبي عليه الصلاة والسلام، إذاً يتبرك بها بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، وتبقى عنده ليكفن فيها، وفي صحيح مسلم تقول أسماء -وهذا كان فاشياً في ذلك العصر-: إذا مرض المريض نأتي بالجبة نغسلها ويشربها ويستشفي بمائها، هذا ثبت في صحيح مسلم ، وكان يفعل في بيت النبوة على نبينا صلوات الله وسلامه، فمن يقول: إن هذا التبرك كان في حياته، إذا كان حياً ففيه بركةٌ عليه الصلاة والسلام في جسده وجسمه، لكن لما توفي ما وجد أحدٌ من الصحابة كان يتبرك بآثاره فيما كان عليه اجتماع الصحابة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، والعبرة بما كان عليه الخلفاء الراشدون، هل كانوا يتبركون بآثار النبي عليه الصلاة والسلام؟ الذي يقول هذا يهرف بما لا يعرف، وهو إذا أراد أن يرد على هذا فكان الأفضل له أن يتقي الله ولينظر إلى النصوص التي ذكرت، ثم بعد ذلك إما أن يقول: النصوص ليست صحيحة، وإما أن يقول: الصحابة الذين فعلوها على ضلال، لنرى أي عقيدة يدعو إليها بعد ذلك؟ هذا كان يفعله الصحابة الكرام ونبينا عليه الصلاة والسلام يقرهم عليه، وفعل في حياته على أننا نأخذ آثاره لنتبرك بها بعد موته، ولتكون معنا في قبورنا بعد موتنا، وأقر ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، وقد بوب شيخ المحدثين على هذا: باب من استعد للكفن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليه.

    وعليه فقوله: إذا كان حياً ففيه بركة في جسده وجسمه، نقول: وإذا كان ميتاً فهل فيه بركة أم لا؟ إذا قلت: لا بركة فيه، فقد كفرت فصحح اعتقادك، وإذا قلت: فيه بركة، فعلام تكثر اللغط؟ وقد تقدم معنا ترجمة بعض الأبواب في كتب السنة: باب بركة النبي صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً، وهذا الذي فعله الإمام ابن حجر في المطالب العالية حينما بوب بهذا الباب: باب بركة النبي صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً، فهذا -إخوتي الكرام- كلامٌ باطل.

    حكم التبرك بآثار الصالحين

    وأما موضوع التبرك بآثار الصالحين، فأنا ما ذكرت قبل هذه الموعظة أنه يجوز أن نتبرك بآثار الصالحين، لكن ذكرت بعض قصصٍ عن سلفنا، منها: من نظر إلى وجه الإمام أحمد يعدل عبادة سنة، ومنها: مجيء ثابت رضي الله عنه إلى أنس ليقبل يده؛ لأن هذه اليد مست يد النبي عليه الصلاة والسلام، هذا ذكرته، لكن هل أحد سمع مني أنني قلت: يجوز التبرك بآثار الصالحين؟ لا ثم لا، ذكرت هذه القصص، وأنهم استنبطوا منها هذا وقالوا ما قالوه، فإن قيل لي: أنت تقول بذلك أم لا؟ أقول: نعم بضوابط شرعية، سأفرد الكلام عليها في موعظةٍ نجتث بها الباطل ونستأصله إن شاء الله، ونقرر الحق الذي عليه أهل السنة الكرام في هذه المسألة، إنما أريد أن أقول هنا: أنا عادتي فيما يجري فيه خلاف، أحب أن يزول الخلاف بين المسلمين، وعندما تأتينا قصة أؤولها بما يتفق الجميع على تأويلها، ولعلكم تذكرون تأويلي الذي ذكره هذا الإنسان، أن النظر إلى وجه الإمام أحمد يعدل عبادة سنة، أنا قلت: بل ذلك هو الإيمان، وليس عبادة سنة ولا عشر سنين، هذا هو علامة الإيمان، كيف؟ حتى لا تستغرب فعندما تنظر إلى الإمام المبجل شيخ أهل السنة تعظيماً لله، وتوقيراً لله الذي جعل هذا العبد بهذه المكانة، فلا غلو فيه ولا عبادة، أنت بذلك عظمت الله، أنت عندما تنظر إلى كافر وتعظمه، وترى له منزلة على المسلمين، قد تكفر بذلك، وعندما تنظر إلى شيخ الإسلام وتحتقره قد تكفر بذلك، فأنا قلت: هذا معنى هذا الكلام، أننا ننظر إلى هذا الشيخ المبارك الذي أكرمه الله بحفظ حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذي أكرمه الله بالدفاع عن عقيدة أهل الحق، عندما ننظر إليه تقديراً وتوقيراً وحباً وإكراماً، هذا لا يعدل عبادة سنة فقط؛ بل إن الحب في الله والبغض في الله هو أوثق عرى الإيمان، وهذا ذكرناه -إخوتي الكرام- ضمن مبحث محبتنا لله، وقلنا: هذا علامة على محبتنا لله، ولذلك قلنا: ينبغي أن نحب الصحابة، وأن نحب العلماء، ذكرنا هذا، واستعرضت ما قيل في كلام الإمام أحمد وقلت: لا غلو في ذلك، وعليه فإنني أريد أن أقول: ليس هذا من باب التبرك عند من ينكر التبرك، ومن قال: هذا من باب التبرك، أي: هذا تبرك بشيءٍ مشروع، وهو طاعة نتقرب بها إلى الله إجلالاً لهذا الإمام، نحبه في الله، هذه النظرة هذه المحبة هذا التوقير تعظيماً لله يعدل عبادة سنين، وكأنني بذلك أريد أن يزول الخلاف حول التبرك بآثار الصالحين هل هو مشروع أو لا؟ فأولت ما نقل عن أئمتنا بهذا التأويل، ولعلكم تذكرونه.

    وعادتي -إخوتي الكرام- كثيراً في الأمور المتنازع فيها أحب أن أجمع الأمة على كلمة الله، لما كنت أقرر للإخوة مبحث التوسل، وأنه لا يجوز أن نسأل بها إلا الله، لكن إذا سألناه بإمامنا بمحبتنا لما يحبه ربنا، فهذا جائز باتفاق أئمتنا عند مبحث التوسل، نأتي بعد ذلك للتوسل بالنبي عليه الصلاة والسلام، ومن يتوسلون بالنبي ويقولون: أسألك بنبيك أن تغفر ذنبي، وأن تفرج كربي، أقول: إخوتي الكرام! الخلاف لفظي، فلا تهولوا الأمر، ودعونا نتفق عليه، لو قلنا: نسألك بمحبتي لنبيك عليه الصلاة والسلام أن تغفر ذنبي فهذا جائز، فالذين يقولون: نسألك بنبيك، ماذا يقصدون بالنبي؟ هل يقصدون به لحمه ودمه؟ قالوا: لا، نقصد أنه نبي الله، وأننا آمنا به، وأننا نحبه، فإن كان كذلك فقولوا: اللهم إنا نسألك بحبنا لنبيك أن تغفر ذنوبنا، ونكون قد اتفقنا، وزال القيل والقال مما بيننا، وعليه لو توسل واحدٌ بالنبي عليه الصلاة والسلام وقال: أسألك بنبيك أن تغفر ذنبي، التمس له عذراً وقل: إن شاء الله أنت على هدى، ولا تقصد التوسل بذاته، إنما تقصد بمحبتك لنبيك عليه الصلاة والسلام، باتباعك له، قل له بهذا اللطف وسيقول: نعم، أنا أقصد هذا، فقل له: ما تقصده صرح به؛ لئلا تكون العبارة موهمة، ولا داعي بعد ذلك لأن تلمزه بالشرك، ولا أن يلمزك بالجفاء للنبي عليه الصلاة والسلام.

    وتقدم معنا كلام الذهبي عن شد الرحل للسلام على النبي عليه الصلاة والسلام، قال: أن نشد الرحل لمسجده، وللروضة التي كان يشهدها النبي عليه الصلاة والسلام بنفسه، وليسلم عليه مقابل الحجرة الشريفة، ثم تكلم على شد الرحل، وقلت إخوتي الكرام! باختصار: لا داعي للنزاع حول أشياء ما ينازع فيها إلا من يريد أن يحدث في الأمة شقاقاً وفرقة.

    نحن اتفقنا على أن شد الرحل لزيارة المسجد مشروعة، إذاً نشد الرحل للمسجد الشريف، وإذا وصلناه فزيارة النبي عليه الصلاة والسلام والسلام عليه مقابل حجرته الشريفة مشروعٌ أم لا؟ نعم، إذن أي خلاف بيننا؟! لماذا بعد ذلك تضيق نفوسنا؟ فهذا يقول: أنا سأشد الرحل للزيارة فقط، وذاك يقول له: أنت مشرك! لا داعي للتنازع حول شيء لا ينازع عليه في الحقيقة، نحن سنزور النبي عليه الصلاة والسلام، ونزور مسجده، نشد الرحل كما أمرنا لمسجده، وإذا وصلنا فسوف نزور قبره ويرتفع الخلاف بيننا، ولا داعي بعد ذلك أن يلمز بعضنا بعضاً، لا ببدعة، ولا بجفاءٍ للنبي عليه الصلاة والسلام.

    وبمثل هذا -إخوتي الكرام- نقضي على الخلاف، فالذي يشد الرحل زيارةً للنبي عليه الصلاة والسلام، ويريد زيارة المسجد، عندما تقول هذا الكلام قنع منك ورضي، وفهم أنك تحب النبي عليه الصلاة والسلام، وما تقصد بذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس له منزلة، وأنت لا داعي بعد ذلك أن تجرئه عليك من أجل أن يسفهك، وأن يقول: أنت لا تحب النبي عليه الصلاة والسلام، فالخصومة بين الأمة زالت بمثل هذا.

    فهذا إخوتي الكرام لا بد من وعيه، ولا بد من إدراك أن هذا الأمر الذي يجمع الأمة -وهذا ما أحاول أن أفعله- وهو الذي نلجأ إليه.

    أذكر لما ذكرت قصة سهل التستري عندما جاء وقبل لسان أبي داود ، استغرب البعض واستنكروا هذا، فقلت: يا أخي! تقبيل الجبهة جائز؟ قال: جائز، وتقبيل اليد جائز؟ جائز، من باب الإكرام والاحترام، فقلت: إذا قبل لسانه هل يجوز أم لا؟ قال: ما أرى الدليل، قلت: لو سألتك: لو قبلت الجبهة أو قبلت الرأس أو قبلت الكتف هل يجوز احترماً؟ قال: يجوز، قلت: ما دام يجوز فلم ذاك لا يجوز؟ لماذا تمنع الأمر وتجعله بدعةً وضلالة، مع أنه فعل مع شيخ المحدثين في زمانه الإمام أبي داود ؟ فاتق الله، احمله على محملٍ حسن وانتهى الأمر، بما أنه يجوز تقبيل اليد، ويجوز تقبيل الجبهة، فيجوز تقبيل اللسان وانتهى الأمر، وهذا فعله سلف كرام، إذا ما ارتاحت نفسك لفعله فلا تضلل الفاعل، وقف عند حدك.

    إخوتي الكرام! هذا الأمر هذا الأمر ينبغي أن نعيه، وآثار صحيحة كنت ذكرتها استنبط منها أئمتنا جواز التبرك بآثار الصالحين، إن قيل لي: ما رأيك؟ أقول: سنذكر لذلك ضوابط في موعظةٍ لا تتسع لها مواعظ شهر رمضان، لنتدارس هذا الأمر بأدلته ولنكون على بينة، ولنبين التبرك المشروع للصالحين، والتبرك الممنوع إن شاء الله، إنما إطلاق الكلام هكذا جزافاً، وأن هذا ضلالٌ وشرك لا يجوز، وكذلك القول: بأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان حياً ففيه بركة نتبرك به، وما ثبت أن بعض الصحابة كان يتبرك به بعد موته، هذا كذبٌ على الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وإذا كان هذا لا نقره ولا نرضى به، فأيضاً مثله ما يحاول بعض الناس أن يؤول التبرك، وأن يعلل الحوادث التي جرت من الصحابة نحو نبينا عليه الصلاة والسلام بتعليلاتٍ باردةٍ هو مرفوض عنه، وهذا من باب النفس الفلسفي لا من باب المشرب السلفي.

    بيان غلط من ينكرون التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم رجاء المغفرة والرحمة والأجر

    هناك كتاب: التوسل أنواعه وأحكامه، جمعها محمد عيد عباسي من بحوث كتبها الشيخ الألباني ، يقول في صفحة ثمانٍ وخمسين: التبرك يرجى به شيءٌ من الخير الدنيوي فحسب. هذا تعريف التبرك، فالصحابي عندما طلب الجبة من النبي عليه الصلاة والسلام ليكفن فيها، ليحصل خيراً دنيوياً، يقول: التبرك يرجى به شيءٌ من الخير الدنيوي فحسب، التبرك هو التماس الخير العاجل، أي: طلب خير عاجل، هذا هو تعريف التبرك عنده.

    نقول: هذه الأحاديث في صحيح البخاري ومسلم كيف خفيت عليكم معانيها؟! يقول بعد ذلك في صفحة إحدى وستين ومائة: وإذا كان الأمر كذلك فإن التبرك بهذه الآثار يصبح أمراً غير ذي موضوعٍ في زماننا، ويكون أمراً نظرياً محضاً، لماذا؟ يقول: لأن آثار النبي عليه الصلاة والسلام من جبة وبردة وشعرات ليس عندنا منها شيء، فعلام البحث فيها؟ يقول: قلت: لا يتعلق كبير فائدةٍ في تقرير مشروعية التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم في زماننا الحاضر، لا يتعلق بذلك كبير فائدة، وهذا مثل ما قال لي بعض الإخوة هنا وهو خريج جامعةٍ إسلامية، قال: لا فائدة في هذا البحث، هل يوجد شيء من آثار النبي عليه الصلاة والسلام حتى تذكره؟ وقد كنت ذكرت فائدته، قلت: لنبين موقف الصحابة نحو النبي عليه الصلاة والسلام، هذا أمر، والأمر الثاني الذي يتعلق بنا: هو إذا فاتنا ذلك التبرك فلا أقل من أن تتعلق القلوب بالنبي صلى الله عليه وسلم، أن نذكر النبي عليه الصلاة والسلام فنلهج به، تتعلق قلوبنا به، أولئك عاصروه ورأوا نور وجهه، وكانوا يتبركون بآثاره، فنحن حرمنا من الأمرين، فلا أقل من أن يخفق القلب عند ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا نمت تسأل ربك أن يريك نور وجه نبينا عليه الصلاة والسلام، وتسأل ربك أن يجمعك مع نبيه في جنات النعيم، لا أقل من هذا، هذه فائدة عظيمة، فلماذا يقال: هذا تراث إسلامي فعله الصحابة لا يتعلق به كبير فائدة؟ يعني هذه الآثار ينبغي أن نحذفها من كتب السنة؟! سبحان ربي العظيم!

    ثم يقول: ولكن ثمة أمرٌ يجب تبيانه وهو: أن النبي عليه الصلاة والسلام وإن أقر الصحابة في غزوة الحديبية وغيرها على التبرك بآثاره والتمسح بها، وذلك لغرضٍ مهم، وخاصةً في تلك المناسبة.. انتبهوا لذلك الغرض، أقرهم على التبرك لغرض، انتبه للتفكير الفلسفي لا السلفي، يقول: وذلك الغرض هو إرهاب كفار قريش، وإظهار مدى تعلق المسلمين بنبيهم وحبهم له، وتفانيهم في خدمته وتعظيم شأنه. هذا هو الغرض، هل أقرهم النبي عليه الصلاة والسلام على التبرك به من أجل أن يظهر للمشركين مدى تعلق الصحابة به؟ أم لأن التبرك به ينفعهم في الدنيا والآخرة؟ قال: إلا أن الذي لا يجوز التغافل عنه ولا كتمانه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد تلك الغزوة رغب المسلمين بأسلوبٍ حكيم وطريقةٍ لطيفةٍ عن هذا التبرك، وصرفهم عنه، وأرشدهم إلى أعمالٍ صالحةٍ هي خيرٌ لهم منه عند الله عز وجل وأجدى، وهذا ما يدل عليه الحديث الآتي عن عبد الرحمن بن أبي قراض رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ يوماً فجعل أصحابه يتمسحون بوضوئه، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ما يحملكم على هذا؟ قالوا: حب الله ورسوله). طيب أين تعريفك السابق للتبرك؟ قال: هو طلب خيرٍ عاجل، وهنا يقول: (ما حملكم على هذا؟ قالوا: حب الله ورسوله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: من سره أن يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله فليصدق حديثه إذا حدث، وليؤد أمانته إذا اؤتمن، وليحسن جوار من جاوره)، يقول في الحاشية: قلت: وهو حديثٌ ثابت، وله طرق وشواهد في معجمي الطبراني وغيرها، وقد أشار المنذري في الترغيب إلى تحسينه.. إلى آخر كلامه.

    يقول: النبي عليه الصلاة والسلام وإن أقرهم لكنه صرفهم عن التبرك، وقال: أحسن من التبرك أن تصدقوا إذا حدثتم، وتؤدوا إذا اؤتمنتم، وتحسنوا جوار من تجاورونه، هذا صرف لهم عن التبرك.

    إخوتي الكرام! مثل هذه التأويلات المتكلف فيها ينبغي أن نحذرها، ولا يجوز أن نحمل سلفنا إياها، ولنقل: هذا من فلسفتنا لا من فهم سلفنا، هل هذا التفكير بتبرك الصحابة بالنبي عليه الصلاة والسلام نطق به إمامٌ جليل؟ هل قال أحد أن هذا التبرك في موقعة الحديبية لإظهار عظمة النبي عليه الصلاة والسلام أمام المشركين؟ وهل حصل التبرك فقط في موقعة الحديبية؟ والصحابي رضي الله عنه الذي أراد البردة ليكفن فيها، ليرهب من؟ اليهود والنصارى لتكفينه فيها، تعالى الله عما يقول المهووسون علواً كبيراً.

    شرب النبي صلى الله عليه وسلم من المطاهر رجاء بركة أيدي المسلمين

    إخوتي الكرام! وأما التبرك بآثار الصالحين الذي يرجف به بعض الناس في هذه الأيام، فقد كثر الكلام حوله، وكما يقال: الذي في جلده شوكة تحكه، لما سمعوا مثل هذه الآثار اشمأزت نفوسهم، التبرك بآثار الصالحين، إكرام للعلماء، قالوا: هذه ذريعة للشرك، وبدأ ينهال على هذا الكلام بما لا ينبغي أن يقوله من يتقي الله في كلامه، أنا أقول لمن يكثر اللغط حول هذا: هذا حديثٌ رواه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط بسندٍ رجاله ثقات كالشمس، ورواه الإمام أبو نعيم في حلية الأولياء، وانظروه في الحلية في الجزء الثامن صفحة ثلاثٍ ومائتين، وانظروا مجمع الزوائد في الجزء الأول صفحة أربع عشرة ومائتين، والحديث -كما قلت- صحيحٌ كما سيأتينا كلام الحافظ الهيثمي ، عن ابن عمر قال: قلت: (يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أتتوضأ من جرٍ مخمرٍ أحب إليك أم من المطاهر؟)، يعني: أيهما أحب إليك: أن تتوضأ من جرة مخمرة مغطاة أم من المطاهر التي يتوضأ منها الصحابة الكرام رضوان الله عليهم؟ (قال: لا، بل من المطاهر، إن دين الله يسرٌ الحنيفية السمحة)، أتوضأ من حيث يتوضأ الصحابة، لا داعي أن يؤتى لي بماءٍ في جرةٍ مخمرةٍ على سبيل الخصوص.

    قال ابن عمر : (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه يرجو بركة أيدي المسلمين)، رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله موثقون، وعبد العزيز بن أبي رواد ثقةٌ ينسب إلى الإرجاء، وتقدم معنا نوع الإرجاء الذي فيه وفي ولده، وقلنا: الإرجاء الذي عندهم هو قولهم: العمل ليس من مسمى الإيمان، لكن إن فعله صار تقياً، وقلنا: هذا لا محظور فيه كما تقدم معنا، فليس في إسناد الحديث إلا عبد العزيز وهو ثقة، قال الحافظ في التقريب: عبد العزيز بن أبي رواد صدوقٌ عابد، أخرج حديثه البخاري في صحيحه معلقاً وأهل السنن الأربعة.

    إذاً: النبي عليه الصلاة والسلام كان يتبرك بآثار الصالحين، فهذا التبرك ماذا سيقول عنه من يقولون: إن التبرك بآثار الصالحين شرك؟ إليهم هذا الحديث.

    وأما بقية المبحث الذي يتعلق بالتبرك على وجه الخصوص، فسيأتي دراسته من جميع أطرافه والضوابط الشرعية له؛ لئلا نقع في الغلو؛ ولئلا نقع أيضاً في التقصير، ودين الله بين الغالي والجافي، ونسأل الله أن يجعل هوانا تبعاً لشرع نبينا عليه الصلاة والسلام، وأن يجعلنا ممن يحتكمون إلى أئمة الإسلام في أقوالهم، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وألا يجعلنا في هذا العصر ممن يضلل من سبقنا من أئمة الإسلام، من القاضي عياض والنووي وابن حجر والعيني والقسطلاني وغيرهم وغيرهم، وهؤلاء الخمسة ذكرتهم لأنهم تكلموا على حديثين مرا معنا، وليس من باب التخصيص فقط لخمسة، وسيأتينا كلام أئمة الإسلام في ذلك.

    حرص عمر رضي الله عنه على أن يدفن بجوار النبي صلى الله عليه وسلم طلباً للبركة والرحمة

    أقول لمن يقول: إن الصحابة ما كانوا يتبركون بالنبي عليه الصلاة والسلام بعد موته: هذا عمر بن الخطاب عندما طعن رضي الله عنه وأرضاه كان أهم شيءٌ عنده هو أن يدفن بجوار النبي عليه الصلاة والسلام، رجاء للبركة، لكن أخشى أن يقال عنه الآن: هذا شرك! هذا في صحيح البخاري وغيره، بطنه مفتوحة، وجرحه يثعب دماً، وكانوا إذا سقوه شيئاً من فمه رضي الله عنه وأرضاه يخرج من جوفه مباشرةً، فعلموا أنه ميت، الأمعاء كلها تقطعت، ورأسه على الأرض، ولما وضعوه على وسادة قال: اتركوا رأسي على الأرض، ثم قال لولده عبد الله : اذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل لها: عمر يستأذن، ولا تقل لها: أمير المؤمنين فإني اليوم لست للمسلمين بأمير، قل لها: عمر يستأذن أن يدفن بجوار صاحبيه النبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكر ، فإن أذنت فادفنوني مع صحابي وإلا فأنا رجلٌ من المسلمين ادفنوني في البقيع، فذهب عبد الله بن عمر ، يقول: فدخلت على أمنا عائشة فقالت: كنت أريده لنفسي فلأوثرنه اليوم به، فذهب عبد الله يطير فرحاً إلى والده، فلما قيل له: جاء عبد الله ، قال: ارفعوا رأسي -ينتظر البشارة- فرفعوه، فلما جاء قال: ما وراءك؟ قال: أبشر يا أمير المؤمنين بما تحب، فقد أذنت لك أن تدفن بجوار صاحبيك، فقال: الحمد لله، ما كان شيءٌ أهم إليّ من ذلك المضجع، وهذا في صحيح البخاري ، خليفةٌ راشد يتبرك بالنبي عليه الصلاة والسلام، فإلى هذا المهووس الذي يقول: ما كان الصحابة والخلفاء الراشدون يتبركون بالنبي عليه الصلاة والسلام، اسمع إلى قصة عمر ، ما كان شيءٌ أهم إليه من ذلك المضجع، هذا أعظم شيء في حياته أن يدفن بجوار النبي عليه الصلاة والسلام.

    وقد استحب أئمتنا قاطبةً الدفن بجوار الرجل الصالح، لما ينزل عليه من الخيرات والبركات، وإذا كانت الدنيا تنفع إذا جاورت غنياً لما يأتيك من مائدته عندما يأكل، وذاك عندما يأتي من الخيرات من قبل رب الأرض والسموات، والله أمر بحسن الجوار، أما سيصلك شيء؟ يقول الحافظ في هذا الحديث: فيه حرص على مجاورة الصالحين في القبور طمعاً في إصابة الرحمة إذا نزلت عليهم، وفي دعاء من يزورهم من أهل الخير. هذا هو استنباط أئمتنا، وهذا بعد ذلك تعليق المتأخرين في حينه.

    إخوتي الكرام! هذا هو حال نبينا عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بمسكنه، وأما ما يتعلق بأثاثه عليه صلوات الله وسلامه فأرجئ الكلام عليه إلى أول الموعظة الآتية إن أحيانا الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم تقبل منا الصلاة والصيام والقيام، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، اللهم اجعلنا من عتقاء شهر رمضان، اللهم أدخلنا الجنة من باب الريان بسلام، اللهم اجعل لنا هذا الشهر الكريم أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتقاً لرقابنا من النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.