إسلام ويب

مباحث النبوة - ميراث الأنبياءللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم ميراث، لكنه ليس ميراثاً مالياً دنيوياً، بل إن ميراثهم هو الهدى والعلم والإيمان، فالأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وما تركوا بعدهم من مال فهو صدقة لا يورث، وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم وترك في بيت عائشة رضي الله عنها شيئاً قليلاً من الشعير، فظلت تأكل منه سنوات طويلة لبركته، فلما كالته فني سريعاً، وهذا يدل على أن العد والإحصاء ونحوه يذهب بركة المال.

    1.   

    الأنبياء لا يوصون وصية مالية ولا يورثون وراثة مالية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صلحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس المبحث الثالث من مباحث النبوة، وقد دار هذا المبحث حول بيان الأمور التي يعرف بها صدق النبي والرسول على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله جميعاً صلوات الله وسلامه، وهذه الأمور -إخوتي الكرام- قلت: إنها كثيرة وكثيرة، ويمكن أن نجملها في أربعة أمور:

    أولها: النظر إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه، في خَلقه وخُلقه، وثانيها: النظر إلى دعوة النبي عليه الصلاة والسلام ورسالته التي بعث بها وبلغها، وثالثها: النظر في المعجزات وخوارق العادات التي أيده الله بها, ورابعها: النظر إلى حال أصحابه الكرام، فهم صورة لمن اتبعوه على نبينا وآله وأصحابه صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس الأمر الأول من هذه الأمور الأربعة، ألا وهو النظر إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه، في خَلقه وخُلقه، وتقدم معنا أن الله أعطى رسله على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه الكمال في الأمرين في الخلْق والخلُق، فهم في خَلقهم وخُلقهم جمال وجلال، ويتصفون بصفات الكمال كما تقدم معنا تقرير ذلك إخوتي الكرام.

    وقد تدارسنا ما يتعلق بالأمر الأول في بيان خَلق الرسول على نبينا صلوات الله وسلامه، ووجه دلالة ذلك على أنه رسول الله حقاً وصدقاً على نبينا صلوات الله وسلامه، وانتقلنا بعد ذلك إلى الجانب الثاني من الأمر الأول ألا وهو النظر إلى خلق النبي عليه الصلاة والسلام، وقلت -إخوتي الكرام!: إن خلق النبي عليه الصلاة والسلام إما أن يكون مع الحق جل وعلا، وإما أن يكون مع الخلق، وخلقه مع الخلق إذا أردنا أن نتدارسه ينبغي أن نوضحه ضمن سبعة أمور كما تقدم معنا أيضاً:

    خلقه عليه الصلاة والسلام مع أهله أزواجه وأهل بيته، خلقه عليه الصلاة والسلام مع أصحابه وأمته، خلقه عليه الصلاة والسلام مع الملائكة الكرام على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، خلقه عليه الصلاة والسلام مع أعدائه من شياطين الإنس، خلقه عليه الصلاة والسلام مع أعدائه من شياطين الجن، سادس هذه الأمور: خلقه عليه الصلاة والسلام مع الحيوانات، سابعها: خلقه عليه الصلاة والسلام مع الجمادات, وكيف كان يتعامل مع هذه المخلوقات بأسرها على نبينا صلوات الله وسلامه؟

    وأما ما يتعلق بالجانب الثاني من خلقه ألا وهو خلقه مع الحق جل وعلا، فسيأتينا بيان عبادته لربه عليه الصلاة والسلام ومعاملته مع ذي الجلال والإكرام.

    إخوتي الكرام! أما ما يتعلق بمعاملة النبي عليه الصلاة والسلام وخلقه مع أهله فذكرت أنه لإيضاحها ينبغي أن نتدارس أربعة أمور أيضاً:

    أولها: النظر إلى مسكن النبي عليه الصلاة والسلام، وتقدم معنا أن مسكن النبي عليه الصلاة والسلام هو مسكن من جعل الدنيا معبراً ولم يتخذها مقراً، وثاني هذه الأمور: النظر إلى أثاث ذلك المسكن الذي كان يستعمله نبينا وأهله عليه وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وقلت: إن ذلك الأثاث أيضاً كحال زاد الراكب، كما تقدم معنا إيضاحه وبيانه، وثالث الأمور: طعام نبينا عليه الصلاة والسلام وأهله الكرام عليه وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، ماذا كان يقدم في ذلك السكن من طعام؟ وآخر الأمور: كيف كانت المعاملة بين نبينا عليه الصلاة والسلام وأهل بيته؟ وفي ذلك إيضاح تام في أنه رسول ذي الجلال والإكرام على نبينا صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! تقدم معنا ما يتعلق بالأمرين الأول والثاني فيما يتعلق بمسكنه وأثاثه عليه الصلاة والسلام، وختمت الكلام في الموعظة الماضية ببيان تركة النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يخلف ديناراً ولا درهماً، ولا بعيراً ولا شاةً، ولا عبداً ولا أمةً عليه الصلاة والسلام، وإنما خلف سلاحه ودرعه عليه صلوات الله وسلامه، وبغلته التي كان يركب عليها، وأرضاً جعلها صدقة في وجوه البر على المسلمين، وبينت بعد ذلك ما يتعلق بهذا، بينت أمرين اثنين: الأول: الوصية، وهل الأنبياء يوصون أم لا؟ وقلت: إن الوصية المالية منفية عنهم؛ لأنهم لا يخلفون شيئاً، وإذا خلفوه فلا يورث عنهم على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، نعم، إنهم يوصون لكن بغير الوصية المالية كما تقدم معنا في سرد بعض وصايا نبينا عليه الصلاة والسلام.

    والأمر الثاني: قلت: كما أنهم لا يوصون لا يورثون، وقررت هذا بالأحاديث المتواترة: ( إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة) وقلت: إن الحديث متواتر ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    إخوتي الكرام! أحب أن أختم الكلام في هذه الموعظة بأمرين اثنين يتعلقان بتركة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا كان لا يورث وراثة مالية، كما أنه لا يوصي وصية مالية، فهل يورث وراثة ليست مالية كما تقدم معنا؟ وهل يوصي وصية ليست مالية؟ والأمر الثاني: معجزة في تركة نبينا عليه الصلاة والسلام سنتدارسها وما فيها من عظات وعبر، ثم أختم الكلام بما وعدت أن أبينه ضمن وصية نبينا عليه الصلاة والسلام من إخراج المشركين النصارى واليهود الملعونين من جزيرة العرب.

    1.   

    ميراث الأنبياء

    إخوتي الكرام! أما فيما يتعلق بالإرث من نبينا عليه الصلاة والسلام، فلا يورث هو ولا إخوانه الأنبياء عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه وراثة مالية، وما يخلفه النبي فهو صدقة في حكم الوقف تنتفع به أمته من بعده ويتساوون في ذلك، طلباً لبركة ذلك النبي على نبينا وأنبياء الله ورسله جميعاً صلوات الله وسلامه، لكن هل يورث الأنبياء وراثة ليست مالية؟ نعم، كما أنهم يوصون وصية ليست مالية، ووراثتهم تكون عن طريق اقتباس العلم منهم والهدى الذي أتوا به وبلغوه إلى الناس، ولذلك كان العلماء ورثة الأنبياء، فهذه وراثة تحصلها الأمة من النبي عليه الصلاة والسلام ليست وراثة مالية دنيوية، إنما هي وراثة دينية يتقربون بها إلى رب البرية.

    ميراث الأنبياء هو الهدى والعلم

    وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذا، وأخبر أنه هو وإخوانه من الأنبياء والمرسلين عليه وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه يورثون في هذا الجانب، أي: الجانب العلمي والهدى الذي بعثوا به وبلغوه إلى الأمة، ثبت في المسند والسنن الأربعة إلا سنن النسائي، والحديث رواه ابن حبان في صحيح والإمام الدارمي في سننه، وإسناد الحديث حسن من رواية أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة )، وفي رواية: ( سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع )، وفي رواية: ( رضاً بما يطلب، وإن الملائكة لتستغفر لطالب العلم، وإنه ليستغفر لطالب العلم من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر )، حتى الحيتان في الماء، ( وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب )، وخامس الأمور: ( وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ).

    إذاً: هذه وراثة، لكنها ليست وراثة مالية دنيوية، ( إن العلماء ورثة الأنبياء )، ورثوا عنهم هذا الهدى الذي بعثهم الله بتبليغه ونشره بين الناس، وقد كان الصحابة الكرام يذكرون الأمة بهذا المعنى، ففي معجم الطبراني الأوسط، وإسناد الحديث حسن، عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أنه دخل سوق المدينة بعد موت نبينا عليه صلوات الله وسلامه، فرأى الصحابة الكرام في هذا السوق يبيعون ويشترون ويتفاوضون في أمر الدنيا، فنادى بأعلى صوته: يا أهل السوق! ما أعجزكم! قالوا: وما ذاك؟ قال: ميراث النبي صلى الله عليه وسلم يقسم في مسجده وأنتم هنا تبيعون وتشترون. فتركوا دكاكينهم وأسرعوا إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، وفهموا من الإرث الإرث الدنيوي لعل الواحد منهم يحظى بشيء من متاع النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلوا المسجد فلم يروا شيئاً يقسم من ميراث النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أثاثه الذي كان يستعمله في بيته عليه صلوات الله وسلامه، ثم خرجوا من المسجد، فقابلهم أبو هريرة رضي الله عنه على باب المسجد، فقالوا: ذكرت لنا أن ميراث النبي صلى الله عليه وسلم يقسم في مسجده فلم نر شيئاً؟ قال: ماذا رأيتم في المسجد؟ قالوا: رأينا أناساً يصلون، وأناساً يقرءون القرآن، وأناساً يتذاكرون الحلال والحرام، ثلاثة أصناف في مسجد نبينا عليه الصلاة والسلام، قال: ويحكم! ذاك ميراث النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم )، ورحمة الله على من قال:

    العلم ميراث النبي كذا أتى في النص والعلماء هم وراثه

    ما خلف المختار غير حديثه فينا فذاك متاعه وأثاثه

    إذاً: الأنبياء يورثون عن طريق العلم والهدى الذي بعثوا به وبلغوه إلى الأمة، ولا يورثون وراثة مالية، وعليه فما ورد من لفظ الإرث في حق الأنبياء على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، في كلام الله جل وعلا، فالمراد به إرث النبوة، إرث العلم، إرث الهدى، إرث الدعوة إلى الله جل وعلا، إرث الحكمة، لا إرث المال.

    المراد بقول زكريا عليه السلام: (يرثني ويرث من آل يعقوب) وراثة النبوة والحكمة والعلم

    وعليه ما طلبه نبي الله زكريا على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه من أن يهب الله له منه غلاماً زكياً يرثه ويرث من آل يعقوب، المراد من هذا الإرث إرث النبوة، إرث العلم، إرث الدعوة إلى الله، إرث الحكمة، يقول الله جل وعلا مشيراً إلى هذا في أوائل سورة مريم: ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي [مريم:2-5]، والموالي هم العصبات، خفت أن لا يكونوا على مسلكي، وأن لا يكونوا على طريقي، فبيني وبينهم بعد من ناحية الصلة، ومهما كان بينك وبين عصباتك من صلة فليست الصلة كحالك مع ولدك، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم:5-6]، فماذا كانت البشارة والجواب على هذا الدعاء؟ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا [مريم:7]، إلى آخر الآيات.

    إذاً: المراد: يرثني في النبوة، في العلم، في الحكمة، في الدعوة إلى الله جل وعلا على بصيرة، فولده يربيه على يديه، وطلب من الله أن يبارك له في هذا الولد، وأما عصباته وأقرباؤه فبينه وبينهم شيء من البعد مع القرابة، فلا يملك من أمرهم شيئاً، يعني حال الأقرباء والعصبات كيف سيكون بعد موتي؟ لا أعلم، أريد ولداً يكون قرة عين، وأريد منك أن تبارك فيه وأن يكون نبياً، وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم:6].

    وهكذا قال الله جل وعلا في سورة الأنبياء: وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:89-90]، فالمراد من الإرث هنا الإرث في النبوة.

    ويدل على هذا عدة أمور -إخوتي الكرام- أبرزها: أن الدنيا حقيرة وضيعة لا شأن لها عند الله جل وعلا، ولا عند عباد الله، وأتقى عباد الله وأزكاهم وأذكاهم هم رُسُل الله على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، فهل يمكن لرسول أن يعلق همته بدنيا بعد موته، وأنه يخشى على هذه الدنيا بيد من ستكون؟ فيقول: لا أريد أن تكون بيد العصبات والأقارب البعيدين، أريد أن تكون الدنيا بيد ولدي؟ أيظن هذا بنبي ورسول أن يطلب هذه الدنيا الحقيرة وأن يجعلها الله لولده؟ لا ثم لا.

    الأمر الثاني: أن نبي الله زكريا كانت مهنته النجارة، كما ثبت ذلك في المسند وصحيح مسلم وسنن ابن ماجه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( كان زكريا نجاراً )، وإذا كان يزاول هذه المهنة مهنة النجارة، فهل سيستغرق فيها وقته من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؟ لا، بل يشتغل في النجارة بمقدار يحصل منه قوته ويتفرغ بعد ذلك لعبادة الله ولهداية الناس ولنشر دين الله جل وعلا.

    إذاً: هي مهنة في الأصل لا تدر ربحاً كثيراً، ثم هو لم ينهمك فيها كحال الطماعين بحيث يشتغل في هذه المهنة من الصباح إلى المساء ليحصل مالاً كثيراً، فهل سيتكدس عنده ثروة ضخمة عظيمة حتى يخشى عليها بعد موته فيقول: رب! أخشى على ثروتي أن تنتقل إلى عصبتي فأريد منك أن تهب لي ولداً لتنتقل هذه الثروة إليه؟ لن ينتقل إليه إلا عدة النجارة فقط، المطرقة ونحوها، فهل يعني يرث عدة النجارة؟ هذا لا يمكن أن يقال، إذاً: المقصود: يرثني في العلم في النبوة في الدعوة إلى الله بالحكمة والبصيرة، وأريد أن تجعله نبياً كما مننت عليّ بذلك: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم:6].

    فاستجاب الله له ووهب له يحيى، وجعله سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين.

    المراد بقوله تعالى: (وورث سليمان داود) وراثة النبوة والعلم والحكمة

    وهكذا وراثة نبي الله سليمان لوالده داود في النبوة والعلم والحكمة والدعوة إلى الله جل وعلا، يقول الله جل وعلا في كتابه في سورة النمل: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ [النمل:15-16]، بأي شيء؟ في النبوة، وقد كان لداود أولاد كثيرون، فلم يرثه إلا سليمان؛ لأنه هو النبي، ورثه في النبوة، إذاً ليس المراد بالإرث الإرث المالي، ولو كان المراد منه الإرث المالي لما خص الله هذا الولد من بين سائر إخوته: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل:16-17]، إلى آخر الآيات.

    إذاً: منّ الله عليه بالنبوة، وأعطاه هذه الخوارق والمعجزات، وليس المراد من الإرث الإرث المالي، ولو كان كذلك لما خص الله هذا الولد من بين سائر إخوته، ولو كان المراد منه الإرث المالي لما كان هناك داع لذكره، فمن المعلوم أن تركة الوالد تنتقل إلى الولد، فلمَ يذكر الله تعالى هذا وهو معلوم؟ إذاً: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ [النمل:16]، وراثة خاصة لا تحصل إلا بعناية إلهية خاصة، وهي أن يكون نبياً بعده، وهذا الذي حصل، فقد ورثه في النبوة، أي: جعل الله الابن نبياً كالأب، وهذه أعظم وراثة تحصل وتنتقل من الأب إلى الابن بفضل الله عز وجل وتقديره ولطفه ومشيئته.

    إذاً إخوتي الكرام! الأنبياء لا يورثون إرثاً مالياً، لكن يورثون في العلم وفي النور وفي الهدى الذي بعثوا به وبلغوه إلى الناس، فمن جعله الله نبياً بعدهم فتكون الوراثة له كاملة، نبياً يرث نبياً في النبوة، وبعد نبينا عليه الصلاة والسلام انقطعت رتبة النبوة والرسالة، فغاية الوراثة أن يكون الإنسان عالماً عاملاً صالحاً صديقاً، فالعلماء ورثة الأنبياء، وهم خلفاء الرسل، نسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يجعلنا منهم إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    إخوتي الكرام! هذا ما يتعلق بهذا الأمر، كما بينت أنه لا يوصون وصية مالية، ثم قلت: يوصون بغير ذلك، ولا يورثون وراثة مالية، لكن يورثون بغير ذلك كما تقدم معنا الآن.

    1.   

    ذكر ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم في بيته من شعير قليل بعد موته وبيان البركة التي كانت فيه

    الأمر الثاني: معجزة جلية في تركة خير البرية عليه الصلاة والسلام: تقدم معنا أنه ما ترك شيئاً، لكن خلف في بيت أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها شيئاً من الطعام، لننظر لمعجزة نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا الطعام بعد موته وانتقاله إلى جوار ربه، ثبت في المسند والصحيحين وسنن الترمذي وابن ماجه ، والحديث رواه البيهقي في دلائل النبوة عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: توفي النبي صلى الله عليه وسلم وليس عندي شيء يأكله ذو كبد. ليس في البيت طعام على الإطلاق، إلا شيئاً واحداً فقط، قالت: إلا شطر شعير في رف لي. والشطر هو النصف، لكن هل هو نصف صاع أو نصف مد؟ العلم عند الله، ما ذكرت هذا الشطر من أي شيء، تقول: ما ترك في بيتي شيئاً يأكله ذو كبد إلا شطر شعير، كأنها تقول: إلا شيئاً قليلاً من شعير، لكن هل هو شطر الصاع أو شطر المد؟ العلم عند الله، إلا شطر شعير في رف لي، تقول: فأكلت منه حتى طال عليّ، فكلته ففني، جاءت وصبته بعد ذلك وأرادت أن تكيله كم سيخرج وزنه وتقديره، ففني بعد ذلك، وفي رواية الترمذي : قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: فأكلنا منه ما شاء الله، أي: من السنوات الطويلة الكثيرة، ثم قلت للجارية: كيليه، فلم نلبث أن فني، قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: فلو تركناه لأكلنا منه أكثر من ذلك. وأنا أقول: والله الذي لا إله إلا هو! لو لم تكله لأكلت منه حتى تلقى ربها، لكن منعت نفسها وحرمتها من هذا الخير عندما كالت هذا الطعام، مع أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان أوصاها مراراً أن لا تحصي، وأن لا تضبط الشيء، عداً ووزناً، وأن تطلب من الله البركة.

    1.   

    الأحاديث الواردة في النهي عن العد والإحصاء للمال وأن البركة تنزع بسبب ذلك

    وهذا -إخوتي الكرام- مطلوب منا، فاسمعوا لبعض الآثار التي تدل على ذلك، الإنسان ينبغي أن يربط قلبه بربه جل وعلا، ولا يبالغ في الإحصاء والعد والضبط لما عنده، لا من فلوس ولا من طعام، الفلوس التي في جيبك ما تعدها صباحاً ومساء، وحقيقة إذا كنت ممن يعلقون قلوبهم بالله فلن تعلم كم في جيبك، وإذا أحصيت يحصى عليك، وإذا أوعيت يوعى عليك، وإذا أوكيت يوكى عليك، وإذا قلت: باسم الله، فحاشا لفضل الله أن تمد يدك وأن يخيبك، فنبينا عليه الصلاة والسلام كان يعرف هذا المعنى في نفس أمنا عائشة في حال حياتها، فلم تتذكر هذا قبل أن تكيل هذا الشطر من الشعير، وكان يغرس هذا المعنى في كثير من نفوس الصحابة، وفي ذلك تعليم لنا، فانتبهوا لهذه القضية إخوتي الكرام.

    حديث عائشة رضي الله عنها: (أعطي ولا تحصي فيحصي الله عليك)

    ثبت في المسند وسنن أبي داود والنسائي ، والحديث إسناده صحيح كالشمس، عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ذكرت أمام النبي صلى الله عليه وسلم عدة من مساكين أو صدقة، يعني عدداً من المساكين، أو ذكرت عدداً من الصدقات وأحصتها، تقول مثلاً: تصدقت على كذا مسكينة، أو تصدقت بكذا صدقة، تقول: ذكرت أمام النبي عليه الصلاة والسلام عدةً من مساكين أو صدقة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأمنا عائشة: ( يا عائشة ! أعطي ولا تحصي فيحصي الله عليك )، كم مسكين أطعمتيه؟ وكم صدقة تصدقت بها؟ لا تضبطي هذا، ( أعطي ولا تحصي فيحصي الله عليك ).

    وفي رواية الإمام النسائي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف رضي الله عنه وأرضاه، قال: كنا يوماً في المسجد جلوس ونفر من المهاجرين والأنصار يجلسون معنا رضوان الله عليهم أجمعين، فأرسلنا واحداً منا إلى أمنا عائشة رضي الله عنها نستأذن في زيارتها. وقد كان الصحابة والتابعون يزورنها كما قال الإمام الذهبي ، وما رأى أحد صورتها، ثم قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: وقد تلقينا العلم عن نساء كثيرات، وما رأيت صورتهن قط. يعني ما يلزم من الزيارة أن تحصل المقابلة وجهاً لوجه، يبقى الستار مضروباً بينها وبينهم، ثم يسألونها ويستفتونها وتخبرهم بما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، فأرسلوا واحداً يستأذن في زيارتهم لأمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فأذنت، يقول: فدخلنا على أمنا عائشة رضي الله عنها فقالت لنا: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عندي، فجاء سائل فأمرت له بشيء، يطلب صدقةً ومعونةً، ثم دعوت به -بهذا الشيء- فنظرت إليه. جاء سائل يسأل فأمرت خادمتها بريرة رضي الله عنها مثلاً أن تعطي هذا السائل شيئاً، ثم لما أخذت هذا الشيء لتعطيه طلبته أمنا عائشة لتنظر إليه لتتأمله، هل هو كثير وقليل يليق بهذا السائل أم لا؟ فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: ( يا عائشة ! أما تريدين أن لا يدخل بيتك شيء ولا يخرج إلا بعلمك؟ )، ثم قال لها النبي عليه الصلاة والسلام: ( مهلاً يا عائشة ! لا تحصي فيحصي الله عليك )، إذا أمرتِ بصدقة المسكين فلا داعي أن تعلمي كم أعطي، ولا كم دخل بيتك.

    حديث أسماء رضي الله عنها: (.. تصدقي ولا توعي فيوعي الله عليك)

    إخوتي الكرام! هذه المعاني التي كان نبينا عليه الصلاة والسلام يغرسها في أهل بيته الطيبين الطاهرين عليه وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، كان ينبه عليها أيضاً الصحابة الكرام الطيبين رضوان الله عليهم أجمعين، ففي المسند، والحديث رواه أهل الكتب الستة إلا سنن ابن ماجه ، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! ما لي إلا ما أدخل عليّ الزبير رضي الله عنهم أجمعين )، ليس عندها مال من سعيها وكدها وعملها إلا ما يقدم لها الزبير ، وهو زوجها رضي الله عنهم أجمعين، ( أفأتصدق منه؟ فقال عليه الصلاة والسلام لـأسماء : يا أسماء ! تصدقي ولا توعي فيوعي الله عليك )، أي: لا تدخري هذه الأشياء في وعاء ليبقى محفوظاً عندك.

    وفي بعض روايات الحديث: قالت أسماء رضي الله عنها وأرضاها: ( فهل عليّ جناح أن أرضخ مما يدخل عليّ؟ ) والرضخ هو العطية القليلة، تقول: أنا ليس لي مال، والزبير يقدم لي نفقة في هذا البيت، فهل عليّ جناح أن أعطي من هذه النفقة لسائل أو لمحتاج شيئاً قليلاً؟ فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: ( ارضخي ما استطعت، ولا توعي فيوعي الله عليك )، وفي رواية: ( ولا توكي )، والوكاء: هو الربط والشد على الشيء، من أجل حفظه.

    إخوتي الكرام! المرأة إذا تصدقت من مال زوجها فيما جرى به العرف، فهذا مأذون لها فيه، أو في نفقتها الخاصة التي قدمت لها ثم جادت بشيء منها، وأما ما عدا هذين الأمرين فينبغي أن تستأذن الزوج، فإن ما جرى به العرف النفوس تسمح به، وحقها الذي أعطي لها فلها أن تجود بشيء منه، لكن ما جرى به العرف إذا تصدقت به دون أن يأمرها زوجها بصدقة فله نصف الأجر، وإن أمرها فله الأجر تاماً كاملاً، وهذا ينبغي أن يعيه المسلمون، وأن يفوض الإنسان زوجته وأهله للصدقة من بيته حتى إذا تصدقت بشيء جرى به العرف يكتب له الأجر كاملاً، وإذا لم تأذن لها، لكن تصدقت بما جرى به العرف، فهذا مرخص به من حيث الشرع، أو تصدقت بشيء من نفقتها التي أعطيتها إياها فلك أجر، لكن بما أنك لم تأذن فلك نصف الأجر، وإذا أذنت فلك الأجر كاملاً.

    وقد ثبت ذلك في الصحيحين من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فله نصف الأجر )، وهذا مقيد بما يجري به العرف، رغيف الخبز والتمرات وما شاكل هذا، أما أن تدفع من ماله شيئاً كثيراً فله الأجر كاملاً وعليها الوزر، فلابد من استئذانه.

    وفي بعض روايات الحديث: ( ما أنفقته المرأة من غير إذن الزوج فإنه يؤدى إليه شطره )، هذا من غير إذنه، وإذا أذن فله الأجر كاملاً، ولها كذلك الأجر.

    حديث أبي هريرة في مزودة التمر التي أكل منها دهراً بعد دعاء النبي فيها بالبركة

    إخوتي الكرام! مثل هذه الحوادث التي جرت لأمنا عائشة ولـأسماء رضي الله عنهم أجمعين: ( لا تحصي فيحصي الله عليك، لا توعي فيوعي الله عليك، لا توكي فيوكي الله عليك )، كان النبي عليه الصلاة والسلام يغرسها في نفوس الصحابة الكرام جميعاً رضوان الله عليهم أجمعين، ففي المسند وسنن الترمذي ، والحديث رواه البيهقي في دلائل النبوة، وقال الترمذي : إسناده حسن، وهو حديث حسن صحيح من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بتمرات )، وفي بعض الروايات: ( بتميرات ) للتقليل، يعني تمرات قليلة لعلها لا تصل إلى عدد أصابع اليدين يحملها في كفه، ( أتيت النبي عليه الصلاة والسلام بتمرات، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! ادع فيهن بالبركة، قال أبو هريرة رضي الله عنه: فضمهن النبي صلى الله عليه وسلم إليه ودعا فيهن بالبركة، ثم أعطاني هذه التمرات وقال لي: خذهن فاجعلهن في مزودك )، اجعلهن في هذا المزود، وهو وعاء يكون عند الإنسان من جلد أو من خرق، وعاء صغير يضع فيه متاعه، ثم أوصاه النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الوصية فقال له: ( فكلما أردت أن تأخذ منه شيئاً أدخل يدك فيه فخذ ولا تنثره نثراً )، إياك أن تأخذ المزود وأن تفرغه على الأرض، قال أبو هريرة : ففعلت. حافظ على هذه الوصية، ولو بقي المزود عنده ولم يفقد منه لهذا الوقت لأكلنا منه، لكنه ضاع في فتنة وقعت كما سيأتينا، يقول: ففعلت، فلقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق، بإسكان السين، والوسق ستون صاعاً، والصاع عند الجمهور -كما تقدم معنا- ألف وسبعمائة وثمانية وعشرون جراماً، اضربها في ستين تصبح مائة وثلاثة كيلو وستمائة وثمانين جراماً، هذا الوسق الواحد، يقول: كذا وكذا من وسق، هذا ما حمل في سبيل الله تصدق به، عدا ما كان يأكله هو وأهله، والوسق عند الحنفية ستون صاعاً، لكن الصاع عندهم ثلاثة كيلو وستمائة وأربعون جراماً كما تقدم معنا في صدقة الفطر، وعليه فيصبح الوسق الواحد مائتان وثماني عشرة كيلو وأربعمائة جرام، فحمل كذا وكذا من وسق، يتصدق من تمر هذا المزود، ويحمل أوساقاً في سبيل الله جل وعلا، قال: وكنا نأكل منه ونطعم، نأكل ونطعم من نريد التمر، وكان لا يفارق حقوي، وهو مشد الإزار، ويطلق على الإزار أيضاً، أي: كان هذا المزود مربوط بإزاري أينما ذهبت، إذا رأيت مسكيناً تصدقت عليه من هذا التمر، لا يفارق حقوي، حتى كان يوم قتل عثمان فانقطع ذلك المزود وضاع -رضي الله عن عثمان وعن سائر الصحابة الكرام- فحزنت عليه حزناً شديداً. لكنه نفذ الوصية: اضمم يدك وخذ ولا تنثره نثراً.

    وهذا من ثقة القلب بالرب فينبغي أن نحافظ على ذلك، وكثرة العد نبتعد عنها، ما تدخله ببيتك إياك أن تعده، وإذا خرج فلا تجلس بعد ذلك تحاسب أين ذهب؟ فإن الله جل وعلا يرزقك من حيث لا تحتسب، وأما العد سواء لما في الجيب أو لما في البيت ليس من شيم الكرام، وليس من شيم من يثقون بذي الجلال والإكرام سبحانه وتعالى.

    حديث جابر: (... لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم...)

    ومثل هذا -إخوتي الكرام- كثير، ثبت في المسند وصحيح مسلم ، والحديث رواه البيهقي في دلائل النبوة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير )، يعني نصف وسق بمقدار خمسين كيلو، مثل كيس الدقيق الآن، قال: ( فما زال يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله ففني، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وعرض عليه الأمر )، يقول: ما أعطيتني من الشعير شطر وسق أكلت منه أنا وامرأتي والضيوف الذين يأتون عندنا، ثم كلته ففني، فقال عليه الصلاة والسلام: ( لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم )، لو لم تكله لأكلتم منه ما دمتم أحياء، ولقام لكم، أي: سد حاجتكم وكفاكم، فلم كلت؟ ولم أحصيت؟ وعندما أحصيت أحصي عليك، وانتهى الشعير.

    ومثل هذا كان يتكرر بكثرة، ففي المسند أيضا وصحيح مسلم وكتاب دلائل النبوة للإمام البيهقي ، في الكتب المتقدمة الثلاثة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كانت امرأة تهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في عكة لها سمناً، فكان يأتيها بنوها فيسألونها الأدم، والعكة معروفة وهي الوعاء من الجلد من جلد الضأن بعد أن يدبغ يصنع منه وعاء يوضع فيه السمن، فيأتي بنوها فيسألونها الأدم وليس عندهم شيء، فكانت تعمد إلى تلك العكة التي تهدي فيها السمن إلى النبي عليه الصلاة والسلام فتجد فيها سمناً، تصب فيخرج السمن بإذن الله جل وعلا، فما زالت تقيم لها أدم بيتها حتى عصرتها، فانتهت، فبقي بعد ذلك إن صبت لا يخرج منها قطرة، فأتت النبي عليه الصلاة والسلام تشكو له الأمر، وأن أدم العكة انتهى، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: ( هل عصرتيها؟ قالت: نعم، قال: لو تركتيها ما زال قائماً )، والله عند ظن عبده به فليظن به ما شاء، فعود نفسك على هذا الخلق الكريم.

    وسيأتينا إخوتي الكرام ما يتعلق بهذه المعجزات وخوارق العادات عند الأمر الثاني الذي يعرف به صدق النبي على نبينا وأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، إنما هذا الأدب -كما قلت- ينبغي أن نعتني به، وهذه معجزة جلية في تركة خير البرية عليه الصلاة والسلام، ما ترك في بيته إلا شطر شعير، شطر شيء قليل، لعله شطر الصاع، فهو كيلو، أو شطر المد فهو ربع كيلو، ومع ذلك أكلت منه أمنا عائشة ما شاء الله، فلما كالته فني.

    والحمد لله رب العالمين.