إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مباحث النبوة - قوت النبي صلى الله عليه وسلم [2]

مباحث النبوة - قوت النبي صلى الله عليه وسلم [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاع النبي صلى الله عليه وسلم وعانى من ذلك شدة وتعباً، حتى إنه كان يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع، وقد أنكر قوم شد الحجر على البطن، ولكن قولهم مردود بما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وبما ثبت من فوائد لشد الحجر على البطن عند الجوع، وقد ثبت أيضاً عن كثير من الصحابة الكرام أنهم شدوا الحجارة على بطونهم من شدة الجوع، رضي الله عنهم وأرضاهم.

    1.   

    جوع النبي صلى الله عليه وسلم وربطه الحجر على بطنه

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس المبحث الثالث من مباحث النبوة في بيان الأمور التي يعرف بها صدق النبي والرسول، على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    وقلت إخوتي الكرام: إن الأمور التي يعرف بها صدق أنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه فيما يبلغونه عن الله وأنهم رسل الله، الأمور كثيرة وفيرة متعددة يمكن أن نجملها في أربعة أمور:

    أولها: النظر إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه في خَلقه وخُلقه.

    وثانيها: النظر إلى دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته التي بعث بها، وشريعته التي بلغها.

    وثالث الأمور: خوارق العادات والمعجزات التي أيد الله بها رسله الكرام، على نبينا وعليهم جميعاً الصلاة والسلام.

    ورابع الأمور وآخرها: النظر إلى حال أصحاب النبي عليه وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، فهم صورة لمعلمهم ومرشدهم وهاديهم ونبينهم على نبينا وأصحابه وآله صلوات الله وسلامه.

    وهذه الأمور الأربعة -إخوتي الكرام- كنا نتدارس الأمر الأول منها ألا وهو النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه في خَلقه وخُلقه، وتقدم معنا أن الله منح رسله الكمال في خلقهم وفي أخلاقهم، فمنحهم الجمال والجلال في الأمرين وكمل لهم الحسنى في خلقهم وفي أخلاقهم عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    وقد تقدم معنا -إخوتي الكرام- ما يتعلق بالشق الأول من هذين الأمرين، فيما يتعلق بخلق النبي عليه الصلاة والسلام، وما في ذلك من دلالات على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً وصدقاً، ثم انتقلنا لمدارسة الشق الثاني وهو التأمل في خُلق النبي عليه الصلاة والسلام، وقلت: إن خلقه لا يمكن أن يحيط به إنسان كما لا يمكن أن يحيط بمعاني القرآن على التمام، إنما نبحث في خلقه عليه صلوات الله وسلامه حسبما في وسعنا، وقلت: إذا كان الأمر كذلك وأردنا أن نتعرف على أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام ووجه دلالة ذلك الأمر على أنه رسول ذي الجلال والإكرام، فينبغي أن نتدارس سبعة أمور تتعلق بأخلاقه عليه صلوات الله وسلامه:

    أولها: خلقه عليه الصلاة والسلام في بيته ومع أهله، وثانيها: خلقه عليه الصلاة والسلام مع أصحابه وأمته، وثالثها: خلقه عليه الصلاة والسلام مع الملائكة الكرام، ورابعها: خلقه عليه الصلاة والسلام مع أعدائه من شياطين الإنس، وخامسها: خلقه عليه الصلاة والسلام مع أعدائه من شياطين الجن، وسادسها: خلقه عليه الصلاة والسلام مع الحيوانات العجماوات، وسابعها: خلقه عليه الصلاة والسلام مع الجمادات الصامتات.

    وهذه الأمور السبعة إخوتي الكرام! بدأنا بالأول منها ألا وهو خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع أهله في بيته، وقلت: إن هذا الأمر أيضاً ينبغي أن نتدارسه ضمن أربع مراحل بها يحصل الكلام على خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع أهله الكرام في بيته عليه وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وهذه المراحل الأربع والأمور الأربعة هي:

    أولها: النظر إلى مسكن النبي عليه الصلاة والسلام وإلى حجره التي كان يسكن فيها مع نسائه الطيبات الطاهرات المطهرات، عليه وعليهن صلوات الله وسلامه، وثانيها: أثاث ذلك المسكن وما فيه من متاع دنيوي، وثالثها: الطعام الذي كان يقدم في تلك الحجر في بيوت نبينا عليه الصلاة والسلام، ورابعها: وهو آخر الأمور وما تقدم من الأمور الثلاثة مقدمة للأمر الرابع: كيفية معاملة نبينا عليه الصلاة والسلام مع نسائه وحال نسائه معه عليه وعليهن صلوات الله وسلامه، لتظهر لنا هذه الصورة المثالية في خلق خير البرية، عليه صلوات الله وسلامه مع نسائه في تلك البيوت التي تقدم معنا وصفها ووضعها.

    أما بيوته عليه صلوات الله وسلامه وأثاثه وطعامه فقد تقدم معنا حاله في هذه الأمور، وأنه حال من جعل الدنيا معبراً ولم يتخذها وطناً ومقراً عليه صلوات الله وسلامه، فقد رضي بالدون من تلك الأشياء في الكم وفي الكيف، فأخذ القليل من تلك الأمور الثلاثة، فأما حجره فتقدم معنا أنه لو مد الإنسان رجليه إلى أي جهة من جهات حجر نبينا عليه الصلاة والسلام وهو في داخل الحجرة لنالت رجلاه الجدار، ولو رفع يده لنال السقف، ثم تلك الجدران تقدم معنا أنها جريد نخل كسي بطين على نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم.

    وأما الأثاث فتقدم معنا ما فيها من أثاث قليل لا قيمة له من حيث الكم، ثم هو خشن من حيث الكيف، فغاية فراش نبينا عليه الصلاة والسلام من أدم من جلد حشوه ليف وهو خوص النخل كما تقدم معنا، وأما الطعام فكنا نتدارسه في الموعظة الماضية، وقلت أيضاً: أخذ نبينا عليه الصلاة والسلام بالقليل من حيث الكمية في طعامه عليه الصلاة والسلام، وبالخشن أيضاً من حيث الكيفية في طعامه عليه الصلاة والسلام، فكان جوعه أكثر من شبعه عليه صلوات الله وسلامه، ثم بعد ذلك عندما كان يأكل ما عنده الألوان التي نملأ بها بطوننا في هذه الأيام، فقد فارق الدنيا فداه نفسي وأبي وأمي عليه صلوات الله وسلامه وما ملأ بطنه من خبز الشعير، وما شبع ثلاثة أيام تباعاً من خبز الشعير حتى لحق بالله الجليل على نبينا صلوات الله وسلامه.

    وقلت -إخوتي الكرام-: ما كان هذا من قلة ولا من بخل عليه صلوات الله وسلامه، فقد أعطاه الله من الغنى ما لم يعط أحداً من خلقه، وكان يهب أحياناً من الهدايا والعطايا للفرد الواحد ألف بعير عليه صلوات الله وسلامه، ويعطي من الغنم ما يملأ ما بين جبلين، فالغنى جاءه لكنه آثر به غيره، فكان إذا جاءه الغنى آثر غيره، وإذا أصيب بالشدة والفقر رضي وصبر عليه صلوات الله وسلامه، فقام بالعبودية التامة لله جل وعلا في الحالتين: في حال الغنى إيثار، وفي حال الفقر صبر والتجاء إلى العزيز القهار سبحانه وتعالى.

    وتقدم معنا -إخوتي الكرام- ما يتعلق بطعام نبينا عليه الصلاة والسلام، وذكرت حديث أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وهي أدرى الناس بما يأكله نبينا عليه الصلاة والسلام وآل بيته الكرام عليه وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وتقدم معنا أنه كان يمر ثلاثة أهلة في شهرين وما يوقد في بيت نبينا عليه الصلاة والسلام نار، لا لخبز ولا لطبخ عليه وعلى آله صلوات الله وسلامه، وتقدم معنا أن الحديث في الصحيحين وغيرهما، فلما قيل لأمنا عائشة رضي الله عنه: فماذا كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء.

    وقلت: هذا المعنى متواتر عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وكان يعرفه الخاص والعام، والصحابة الكرام رضوان الله عليهم جميعاً على علم به على وجه التمام؛ ولذلك قررت هذا المعنى بعشرة أحاديث من رواية أصحاب مختلفين متعددين، والروايات كلها صحيحة كما تقدم معنا في نوع أكل نبينا عليه الصلاة والسلام، وفي مقدار طعامه عليه الصلاة والسلام هو وآله بيته الكرام عليه وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    وختمت الحديث على ذلك -إخوتي الكرام- بما قلت سأختم الحديث به في بيان شدة جوع نبينا عليه الصلاة والسلام، وكيف كان يعالج ذلك الجوع أحياناً بربط حجر على بطنه الشريف فداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا عليه صلوات الله وسلامه، وذلك الحجر الذي كان يشده على بطنه عليه صلوات الله وسلامه كان كثيراً ما يقرن الله به معجزات واضحات تدل دلالة بينة على أنه رسول رب البريات على نبينا وآله صلوات الله وسلامه.

    وتقدم معنا الحديث من رواية جابر بن عبد الله في موقعة الخندق، وكيف أكل ألف صحابي رضوان الله عليهم أجمعين من شعير قليل، وعناق صغير، ولا زالت البرمة تغط باللحم كما كانت وأكثر، فأهدي إلى الجيران بعد أن أكل من هذا الطعام ألف من الصحابة الكرام.

    أيضاً حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه عندما أكل من مد من شعير، والمد قلت بقرابة نصف كيلو وأقل كما تقدم معنا، أكل منه ثمانون صحابياً وأهدي منه أيضاً، وهذا بعد أن شد حجراً على بطنه عليه صلوات الله وسلامه، ثم ختمت الكلام بحديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أنه إذا نزلت بالمؤمنين شدة وكانوا يشدون الحجر على بطونهم، فكان نبينا عليه صلوات الله وسلامه يأخذ من تلك الشدة النصيب الأوفى فكان يشد حجرين والصحابة يشدون حجراً حجراً على بطونهم.

    هذا انتهينا من مدارسته -إخوتي الكرام- فيما مضى، وقلت: سأتكلم على ما يتعلق بشد الحجر على بطن نبينا الشريف الطيب المطهر على نبينا وآله صلوات الله وسلامه، وهل في ذلك من فائدة؟ وقلت: إن بعض علمائنا الكرام طعن في هذه الرواية لوهم عنده في ذلك، فلنرد له وهمه ولنلتمس له العذر ولنسأل ربنا لنا وله المغفرة والرحمة.

    1.   

    فوائد ربط الجائع حجراً على بطنه

    إخوتي الكرام! أما شد الحجر على بطن نبينا عليه الصلاة والسلام فهذا ثابت عنه وقد فعله كثير من الصحابة الكرام عندما تشتد بهم الشدائد في الأيام، وشد الحجر على البطن وربط الحجر على البطن له فوائد كثيرة يمكن أن نجملها في أربع فوائد، إذا شد الإنسان الحجر على بطنه عند الجوع لذلك فوائد كما قلت كثيرة.

    إقامة الصلب

    أولها: ليقيم الإنسان صلبه، فالذي تضمر بطنه ولا يبقى فيها طعام وتصبح عنده مخمصة، ربما انثنى بطنه وسقط وخر على وجهه، ولذلك يقول أئمتنا الكرام: كنا نظن أن الرجلين تحملان الإنسان، وتحملان البطن، فتبين لنا أن البطن هو الذي يحمل الرجلين، فإذا خوي البطن سقطت مع أن الرجلين منتصبتان؛ ولذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام -وهو طبيب القلوب والأبدان فداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا عليه صلوات الله وسلامه- إذا اشتد به الجوع يربط على بطنه حجراً، وكما قلت: هذا من باب الاختيار، ومن باب معاملة الدنيا بما يليق بحالها ووضعها ومكانتها فلا تزن عند الله جناح بعوضة، من هوانها على الله أنه جاع فيها الأنبياء على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    أما الآخرة فهي عند ربك للمتقين، هناك لا يشبع إلا الأتقياء، لا يمكن لكافر هناك أن يذوق طعاماً ولا أن يشرب شراباً، وعندما يستغيث أهل النار بأهل الجنة ويصرخون: أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [الأعراف:50]، هناك الطعام والشراب إكرام، وأما هنا فهذه نعمة من الله للكافر وللمؤمن، فقد يترتب عليها إهانة، وقد يترتب عليها مثوبة هذا أمر آخر، ولذلك من هوان الدنيا على الله جل وعلا أنه أعطاها لمن يحب ولمن لا يحب، أما الجنة فلا يمكن أن يدخلها من لا يحبه الله جل وعلا.

    ولذلك فإن لنبينا عليه الصلاة والسلام في الآخرة من الدرجات العلا والكرامة عند ربنا ما لا يحصل لغيره، مع أنه عانى وقاسى عليه صلوات الله وسلامه في هذه الحياة ما لم يقاسه غيره عليه صلوات الله وسلامه.

    إذاً: هذا الطبيب طبيب القلوب والأبدان عليه صلوات الله وسلامه، كان يوجه الناس إلى هذا التوجيه السديد إذا جاعوا ضمرت البطون خشية أن يخر الإنسان على وجهه فليشد حجراً على بطنه وليعقد الإزار عليه، حتى يبقى بطنه منتصباً وصلبه ظاهراً قائماً منتصباً لا انحناء فيه ولا يعتريه سقوط بعد ذلك، وكما قلت: أن البطن يحمل الرجلين لا العكس، والرجلان لا تحملان البطن، فإذا امتلأ البطن مشى الإنسان، وإذا خوى وضعف وخر الإنسان على وجهه فماذا تغني عنه بعد ذلك رجلاه ويداه؟ ولذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام يضع الحجر وهي صفائح رقيقة بحجم الكف توضع على البطن، ثم يشد الإزار عليها حتى يبقى البطن منتصباً والظهر قائماً، هذه الحكمة الأولى من وضع الحجر على البطن.

    منع كثرة التحلل في البطن والأمعاء بسبب عدم وجود طعام

    الحكمة الثانية: ليمنع نبينا عليه الصلاة والسلام كثرة التحلل في بطنه عليه صلوات الله وسلامه، فإن البطن إذا خويت ولم يبق فيها طعام ليهضم، ستشتغل بعد ذلك عملية الهضم والتآكل إلى نفس الأمعاء، فلأجل أن تقف هذه الأمعاء عند حدها ولا يصبح فيها ضعف وتآكل، يضع النبي عليه الصلاة والسلام الحجر ويشد بعد ذلك المئزر عليه عليه صلوات الله وسلامه، ليمنع كثرة التحلل في أمعائه وفي داخلة بطنه عليه صلوات الله وسلامه؛ لأن الأكل إذا لم يوجد في البطن فإن عملية الهضم ستشتغل بالأمعاء وتأخذ منها، وتحلل شيء منها يضعفها، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يضع الحجر ويشده من أجل أن يخفف التحلل في أمعائه الداخلية عليه صلوات الله وسلامه.

    الشعور بالراحة والسكينة والهدوء خاصة عند شدة الحر

    الأمر الثالث من الحكم: أن الإنسان إذا جاع يضعف، وهذه الحجارة فيها رقة ورطوبة ونداوة ولطافة، فإذا وضعها على بطنه شعر بشيء من الراحة والسكينة، لا سيما في شدة الحر في بلاد الحجاز، جائع يتضور جوعاً وحر شديد فجسمه يلتهب، فيأخذ هذه الحجارة ويضعها على البطن فكأنها بمثابة مروحة تروح القلب وتسكنه وتهدئه بواسطة ما فيها من رطوبة ونداوة، وهي من الأجسام العازلة للحرارة، فعندما يضعها على بطنه الشريف عليه صلوات الله وسلامه، يشعر براحة، لتخفيف الألم الذي يعانيه من الجوع وحرارة الجوع وقرص الجوع، فهذه أيضاً حكمة معتبرة كان نبينا عليه الصلاة والسلام يفعلها، وكان أبو هريرة كثيراً ما يضع بطنه على الأرض وعلى الحصى من أجل أن يشعر بشيء من الرطوبة واللطافة والنداوة التي يجد ما يقابلها من الحرارة والجوع والشدة من حدة الجوع، فيلصق بطنه وكبده على الأرض، وهكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يشد الحجارة من أجل أن يشعر برطوبة بنداوة بشيء من الراحة عندما يضع الحجر على بطنه.

    التذلل والانكسار لله تعالى

    المعنى الرابع من شد الحجر على البطن: تذلل وانكسار لله جل وعلا، لهذه الأمور الأربعة كان نبينا عليه صلوات الله وسلامه يشد الحجر على بطنه عندما يشتد به الجوع، وتقدم معنا أنه أحياناً كان يشد حجراً واحداً وأحياناً حجرين، فمن كثرة ضمور بطنه يضع حجراً فوق حجر عليه صلوات الله وسلامه ويشد الإزار عليه، أو حجراً بجنب حجر؛ لأن الضمور امتد إلى البطن والخاصرتين فيضع حجرين من جميع الجوانب ثم يشدها عليه صلوات الله وسلامه.

    1.   

    اعتراض الإمام ابن حبان على أحاديث وضع النبي الحجر على بطنه والرد عليه

    الحديث إخوتي الكرام تقدم معنا أنه صحيح، وقلت هو في الصحيحين والمسند وغيرهما من رواية جابر بن عبد الله وأنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين.

    وهو أيضاً في الترمذي في السنن والشمائل وغير ذلك من رواية أبي هريرة ، لكن بعض أئمتنا -وهو واحد فقط من علماء هذه الأمة المباركة المرحومة على نبينا صلوات الله وسلامه- استشكل ثبوت ذلك وقال: إنه وقع تصحيف من الرواة في لفظ الحديث، فلنبين من هو العالم أولاً، ثم ما توجيهه للحجارة التي شدها نبينا عليه الصلاة والسلام على بطنه الشريف فداه نفسي وأبي وأمي عليه صلوات الله وسلامه؟

    والذي استشكل ذلك هو شيخ المسلمين وإمام المحدثين في زمنه الإمام أبو حاتم ابن حبان ، وهو محمد بن حبان الذي توفي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة للهجرة، وهو صاحب كتاب الأنواع والتقاسيم المعروف بصحيح ابن حبان، كان إماماً علامة عصره حافظاً مجوداً، وكان شيخ خراسان في زمنه رأساً في معرفة الحديث، قال الذهبي في ترجمته في السير في الجزء السادس عشر صفحة أربع وتسعين نقلاً عن هذا الإمام المبارك شيخ المسلمين الإمام ابن حبان : لعلنا كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ، أي: أخذ العلم عن أكثر من ألفي شيخ، قال الذهبي معلقاً على ذلك: قلت: هكذا فلتكن الهمم. يكتب عن أكثر من ألفي شيخ، وكلما كثرت شيوخ الإنسان كلما تفتح عقله وتنورت بصيرته، وكان أئمتنا يقولون: لقيا الرجال تلقيح للألباب، فإذا أردت اللب والعقل أن يلقح وأن يتنور وأن يأتي بالثمرات الطيبة فأكثر من لقاء الرجال، وهم العلماء والصالحون، هؤلاء هم الرجال، فلقيا الرجال تلقيح للألباب، قال الذهبي عليه رحمة الله: هذا مع ما كان عليه من علم بالفقه والعربية والفضائل الباهرة وكثرة التصالح، ولذلك عندما أريد أن أنبه على كلامه ينبغي أن نعرف قدره، وما منا إلا من أخطأ ورُد عليه إلا المصطفى عليه صلوات الله وسلامه:

    فهو الذي ما ساء قط وهو الذي له الحسنى فقط

    لأنه عليه جبريل هبط

    وأما من عداه فما أكثر ما يخطئ وما أكثر ما يصدر منه من إساءة، أما نبينا عليه صلوات الله وسلامه فما يخرج من بين شفتيه إلا حق وصدق، وقد صانه الله وعصمه من الخطأ والزلل عليه صلوات الله وسلامه، فلذلك إذا وجدت عثرة أو زلة أو خطأ لبعض أئمتنا نذكرها لأجل أن نحذر منها، وأن نحذرها وأن نقول: هذه عثرة وزلة، لا لأجل أن نشين قائلها، وكفى بالمرء نبلاً أن تعد معايبه، والكريم من عد سقطه، كما كان أئمتنا يقولون، أما أنه إنسان بلا سقط فهذا لا يمكن إلا إذا كان نبياً معصوماً على نبينا وأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    هذا الإمام المبارك يقول في صحيحه وهو صحيح ابن حبان ، في كتاب الأنواع والتقاسيم، وقد رتب كتابه على حسب الأبواب كما هو المعمول به في كتب الأحاديث، رتبه الشيخ الصالح أبو الحسن المصري علي بن بلبان ، وفي كثير من الكتب ضبط اللام بالتسكين وهذا غلط وتصحيف، فالصواب: بلَبان وليس بلْبان، وقد رتب صحيح ابن حبان في الكتاب الذي ترونه بين يدي في تسعة أجزاء أسماه: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ، وأبو الحسن علي بن بلبان توفي سنة تسع وثلاثين وسبعمائة للهجرة، بعد الإمام ابن حبان بأكثر من أربعة قرون، فقد توفي ابن حبان سنة ثلاثمائة وأربع وخمسين، أبو الحسن علي بن بلبان ، وبذلك ضبطه الحافظ ابن حجر في تبصير المنتبه بتحرير المشتبه في الجزء الأول صفحة تسع وتسعين، وعبارته: بلَبان بموحدتين بينهما لام مفتوحات. بموحدتين يعني بباء منقوطة من تحت، بينهما لام مفتوحات يعني الباء الأولى واللام والباء الثانية مفتوحات، وهو من أسماء الأتراك. يعني هذا الاسم أصله من الأتراك، وقد رتب أيضاً معجم الطبراني الكبير بإشارة شيخه الإمام العلم القطب الحلبي عليهم جميعاً رحمة الله، ومعجم الطبراني الكبير من أكبر كتب السنة.

    أما الإمام ابن حبان فله ترتيب غريب عجيب في صحيحه، يصعب إخراج الحديث منه، فجاء هذا الإمام وترك الكتاب كما هو بإسناده وكل شيء، لكنه رتب الأحاديث على حسب الموضوعات، وهذا مثل مسند الإمام أحمد ، فمسند الإمام أحمد لم يرتب على حسب الأبواب، فرتبه الشيخ البنا عليه رحمة الله في الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ، ثم شرح الترتيب في أربعة وعشرين جزاءاً.

    قول الإمام ابن حبان: إن المراد شد الحُجز وأنها تصحفت إلى الحجر

    في كتاب الصوم باب ذكر الزجر عن الوصال في الصوم، عند حديث الوصال الذي سأذكره لكم ذكر الإمام ابن حبان رأيه في شد الحجر على بطن نبينا عليه الصلاة والسلام، وقال: هذا تصحيف، كما سأقرأ عليكم كلامه، قال: إنما المراد شد الحُجز لا الحجر، والحُجز جمع حجزة وهي معقد الإزار، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يشد إزاره فتوهم بعض الناس من الحُجز فظنوا أنها حجر، وهذا تصحيف، وقوله: إن هذا تصحيف، تصحيف منه وخطأ غفر الله لنا وله، فاسمعوا كلامه ثم استمعوا لما أيضاً فيه من رد على قوله بما هو كتبه بيده في صحيحه رحمه الله ورضي عنه.

    قول الإمام ابن حبان: إن الله تعالى كان يطعم نبيه إذا واصل فكيف يتركه إذا جاع

    أورد حديث أنس في ذكر الزجر عن الوصال في الصوم، والوصال في الصوم: أن لا يفطر الإنسان بعد غروب الشمس بل يواصل يومين أو أكثر، أي: إذا دخل الليل لا يأكل، فقد يواصل يومين أو أكثر، وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يواصل أياماً متعددة لكنه نهى أمته عن الوصال، وسوف يأتينا تفسير ما يتعلق بالوصال إن شاء الله ضمن مباحث الحديث في سنن الترمذي إذا وصلنا إليه في كتاب الصوم بعون الله جل وعلا.

    حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تواصلوا، قالوا: إنك تواصل )، يعني أنت قدوتنا وأسوتنا ونحن نقتدي بك، أنت تواصل فلا تفطر بعد غروب الشمس وتمد الصيام إلى اليوم الثاني والثالث والرابع، قال: ( إني لست كأحدكم، إني أطعم وأسقى ).

    وحديث أنس الذي رواه ابن حبان ثابت في الصحيحين أيضاً، وسنن الترمذي وهو حديث متواتر، ثبت عن عدة من الصحابة الكرام في الصحيحين، وعن عدة من الصحابة الكرام في غير الصحيحين، فهو في الصحيحين من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وهو في الصحيحين أيضاً من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها، وهو في الصحيحين أيضاً من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، وهو في صحيح البخاري وسنن أبي داود وغيرهما من رواية أبي سعيد الخدري ، وفي بعض الروايات أن النبي عليه الصلاة والسلام قال للصحابة الكرام: ( إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ).

    قال الإمام ابن حبان : هذا الخبر دليل على أن الأخبار التي فيها ذكر وضع النبي صلى الله عليه وسلم الحجر على بطنه هي كلها أباطيل -وضبط في بعض النسخ بواطيل- هذه كلها باطلة لا صحة لها، رفقاً بنفسك يا إمام، هي في الصحيحين كما تقدم معنا، وهو يقول: كلها أباطيل، قال: وإنما معناها الحُجز لا الحجر، وفي طبعة هنا -وما أردأ الطبعات التي تجري في هذه الأيام- يقول: الحجرة، بالتاء وهذا غلط، والحُجز: جمع حجزة وهي طرف الإزار، قال: إذ الله جل وعلا كان يطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسقيه إذا واصل، فكيف يتركه جائعاً مع عدم الوصال؟ انتبه! يعني ما قام عنده من قرينة يرد بها ذلك اللفظ ويحكم بأنه خطأ وتصحيف وباطل، يقول: إن الله كان يطعم نبيه عليه الصلاة والسلام إذا واصل، كما قال هنا: ( إني لست كأحدكم إني أطعم وأسقى )، ( إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني )، فـابن حبان يقول: إذ الله جل وعلا كان يطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسقيه إذا واصل، فكيف يتركه جائعاً مع عدم الوصال حتى يحتاج إلى شد حجر على بطنه الشريف عليه صلوات الله وسلامه؟ وما يغني الحجر عن الجوع؟ هذا كلام ابن حبان في صحيحه في الجزء الثاني صفحة ست وثلاثين ومائتين، في ترتيب الإمام ابن بلبان .

    الجواب على قول ابن حبان: إن الله تعالى كان يطعم نبيه إذا واصل الصوم فكيف يتركه إذا جاع

    وعليه فقد طعن في هذا من وجهين: الوجه الأول: أن الله جل وعلا يطعم نبيه عليه الصلاة والسلام ويسقيه إذا واصل، فكيف يتركه يجوع إذا لم يواصل؟ الأمر الثاني: يقول: ما فائدة الحجر؟ وماذا يغني الحجر عن الجوع؟ هذا أيضاً من ناحية العقل يقول: مردود، إنسان يشد جحراً على بطنه هل يغنيه عن الأكل؟ وبالفوائد التي تقدمت معنا يبطل القول الثاني، وهو ما فائدة شد الحجر؟ قوله: هذا تصحيف، وهذه بواطيل، وهذه أباطيل، فالجواب: أن الأحاديث صحيحة، ولا تصحيف فيها، وسأوجهها بعد أن أبين ما يتعلق -على وجه الاختصار- بمعنى قول نبينا المختار عليه الصلاة والسلام: ( إني أطعم وأسقى )، ( إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني )، أكثر أئمتنا من الكلام في معنى هذه الجملة الشريفة من نبينا عليه الصلاة والسلام، يأتينا كما قلت شرحها مفصلا بأدلتها وتوجيهها ونسبة كل قول إلى من قال به في مبحث الصيام من سنن الترمذي، لكن من باب الاختصار غاية ما قيل في ذلك يمكن أن يرجع إلى أربعة أقوال:

    أولها: أنه كان يطعم ويسقى حقيقة وحساً عليه صلوات الله وسلامه، من باب الكرامة، فإن قيل: إذا ثبت الطعام والشراب فليس بصائم فضلاً عن أن يكون مواصلاً، فإن أكل في النهار وشرب فليس بصائم، وإن أكل في الليل فليس بمواصل؟ وإذا كان كذلك فكان يمكن أن يقول للصحابة: كيف تقتدون بي في الوصال؟ فأنا لا أواصل، إنني آكل وأشرب وعليه فكلوا واشربوا، لأنه كان يأكل من مكان آخر، إنما قال: ( إني لست كهيئتكم )، كأنه يقول: أواصل لكن لي حكم آخر، فعلى هذا القول يقول: إنه يأكل حقيقة ويشرب حقيقة، فإن قيل: إنه إن أكل في النهار فليس بصائم وإن أكل في الليل فليس بمواصل، وكان بإمكانه أن يقول للصحابة: إني لا أواصل أنا آكل في الليل، وإذا قال لهم: أنا آكل في النهار فليس بصائم، قال أئمتنا: هذا لا يبطل الصيام ولا الوصال؛ لأن ذلك كرامة من الله جل وعلا، والكرامة لا تبطل العبادة، هو في الأصل مواصل؛ فإن أكل في النهار فيبقى صائماً، وإن أكل في الليل يبقى مواصلاً، هذا كرامة والكرامة لا تبطل العبادة، هذه معونة من الله جل وعلا لها حكم خاص، وهذه حالها كحال الإنسان إذا أكل ناسياً فإن صومه لا يبطل، لكنه أكل أطعمه الله وسقاه، وهنا يطعم ويسقى من باب الكرامة، ولا يبطل صيامه إن أكل في النهار، ولا يبطل وصاله إن أكل وشرب في الليل عليه صلوات الله وسلامه.

    وهذا -كما تقدم معنا- في حادثة شق صدر نبينا عليه الصلاة والسلام عند بيان خلقه الشريف عليه صلوات الله وسلامه، وتقدم معنا أنه أخرج قلبه وغسل في قسط من ذهب، ونحن نهينا عن استعمال الذهب، فنقول: تلك كرامة، والكرامة لها حكم خاص، فكأنها صارت أشبه شيء بما يكون في الآخرة، فنحن في الآخرة نحلى من أساور من ذهب ولؤلؤاً، ولباسنا فيها حرير بإذن الله الجليل سبحانه وتعالى وفضله ورحمته ومنته وكرمه، فهذه الكرامة التي تحصل لمن يكرمه الله لا تبطل العبادة ولا تدخل تحت المعروف من الرسوم المحددة والشريعة المبينة. هذا هو القول الأول: أنه يطعم ويسقى حقيقة، ولا يبطل صيامه ولا وصاله، وقال بهذا جمع غفير كما سيأتينا.

    القول الثاني: قيل إن الطعام كان بمثابة طعام النائم، فنبينا عليه الصلاة والسلام يحصل له من الأحوال مع الله جل وعلا وتجليات الله له بما يليق بمقام نبينا عليه صلوات الله وسلامه، فكانت تحصل له في تلك الحالة إطعام وسقيا عليه صلوات الله وسلامه، لكن تشبه ما يحصل لنا من الطعام والشراب حال النوم، فلو أن الإنسان نام ورأى في النوم أنه يأكل ويشرب وشعر بشيء من القوة عند استيقاظه فإنه لا يفطر، فقيل: إن الطعام الذي كان يقدم لنبينا عليه الصلاة والسلام في حال وصاله، وحال مناجاته لربه، وتجلي الله له بما يناسب حال النبي عليه الصلاة والسلام، كان يحصل له إطعام وسقيا كما يحصل للواحد منا إطعام وشراب في حال نومه، يأكل ويشرب، فيشعر بلذة وارتياح ويتسلى عن جوعه، لو نام وهو جائع أو شعر أنه دخل الجنة وبدأ يأكل من فواكهها، وما فيها من نعيم تراه استراح وسر وجهه، وأحياناً يضحك وهو نائم، مع أنه نام وهو جائع، وعندما يستيقظ يشعر بشيء من اللذة والارتياح، وإذا كان صائماً فإنه لا يفطر لما حصل عنده من طعام في النوم، لكن ليس بطعام محسوس من طعام الدنيا، هذه صارت معونة من الله جل وعلا وجاءته في الرؤيا، وهكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يطعم ويسقى كما يطعم الواحد منا ويسقى في حال نومه ومنامه.

    القول الثالث: أيضاً قال به جمع غفير من علمائنا، قالوا: المراد من قوله: ( أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني )، ( إني لست كهيئتكم إني أطعم وأسقى )، قالوا: المراد من ذلك ما يترتب على الطعام والشراب من أثر ألا وهو القوة.

    فالمراد إذاً لازم الطعام والشراب: ( إني أطعم وأسقى )، أي: إن الله يقويني ويمدني بالمعونة والعافية والهمة العالية وعدم الضعف والعجز وإن واصلت شهراً كاملاً، هذه معونة من الله جل وعلا، كما جعل الله ملائكته لا يأكلون ولا يشربون سبحانه وتعالى، وعلى نبينا وملائكة الله جميعاً صلوات الله وسلامه، ومع ذلك يمدهم بهذه القوة، وهنا كذلك يجعل الله النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الحالة يستغني عن الطعام والشراب ويمده بقوة تحصل من الطعام والشراب لو أكل لكن بدون طعام وشراب.

    القول الرابع: ذهب إليه الإمام ابن القيم في زاد المعاد وما أوجهه وأظرفه! وقد قرره بقرابة صفحة ونصف، وذكر أبياتاً لطيفة من الشعر في تقريره لن أذكر شيئاً منها إنما سأذكر قوله مختصراً.

    خلاصة قول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله وهو الذي رجحه، قال: هذا الغذاء غذاء حقيقي لكن هو غذاء المعارف ولذة المناجاة، أي: أطعم وأسقى بالمعارف والمناجاة، قال: فيحصل لي بمناجاة الله جل وعلا من غذاء الروح والمعارف للقلب ما يغنيني عن غذاء الجسد والبدن، قال: وهذا معروف في المشاهدة، فإذا فرح الإنسان يستغني عن الطعام والشراب، وواقع الأمر كذلك، إذا فرح الإنسان يستغني عن الطعام والشراب، يعني الإنسان في ليلة عرسه قد لا يتغدى ولا يتعشى من فرحه، وتهيؤه للقاء زوجه، والبشر يريد أن يلتقي ببشر، وأحياناً تقدم له الطعام عند الغداء فيقول: لا أشتهيه، لأن به من الفرح ما شغل عقله، وقل احتياجات الجسم، وهذا موجود فينا، فإن الواحد منا إذا فرح يغنيه ذلك عن الطعام والشراب، فبدنه يقوم بما يقوم به لو أكل أو شرب، ولا يضعف، وهنا كذلك عندما يناجي الله جل وعلا ويخلو بربه جل وعلا، ويحصل من التجليات لقلب نبينا عليه الصلاة والسلام وغذاء روحه وقلبه من المعارف واللطائف ما يشغل بدنه عن الطعام الحسي والشراب الحسي، فيعتاض عنها بلذة المناجاة، بقوت الروح، بغذاء القلب على نبينا صلوات الله وسلامه

    هذا المعنى الرابع -كما قلت- هو الذي رجحه الإمام ابن القيم وأطال في توجيهه في صفحة ونصف، وذكر ما رد به على القول الأول، قال: لو أُطعم في النهار لما كان صائماً، ولو أُطعم في الليل لما كان مواصلاً، فعليه ليس هناك طعام حسي، إنما هناك غذاء روحي قلبي، هذا الغذاء ينوب عن غذاء البدن، فكأنه يقول: أنا في مناجاة ولذة لا تحصل لكم ولا لأحد من خلق الله، هذه المناجاة مع الله تكفيني عن الطعام الذي تحتاج إليه أبدانكم وعن الشراب الذي تحتاجونه إليه، على نبينا صلوات الله وسلامه.

    الجواب على قول ابن حبان: إن المراد شد الحُجز لا شد الحجر

    إخوتي الكرام! هذا فيما يتعلق بهذا الحديث على وجه الاختصار، نعود إلى كلام الإمام ابن حبان عليه وعلى أئمتنا رحمات ذي الجلال والإكرام.

    قوله: ما يغني الحجر عن الجوع، قلنا: لا قيمة لهذا، وتقدم معنا أن فائدة شد الحجر على البطن كثيرة يمكن أن تجمل في أربعة، كما ذكرتها: أولها: من أجل أن يبقى البدن قائماً منتصباً، وأن لا يسقط الإنسان على وجهه، الأمر الثاني: لئلا يكثر التحلل في الأمعاء الداخلية وفي آلة البطن، الأمر الثالث: أنه يروح نفسه ببرودة الحجارة ليحصل له لطافة ورقة، الأمر الرابع: فيه انكسار لله عز وجل، فقوله: ما يغني الحجر عن الجوع، لا قيمة لهذا الاعتراض الرأيي والعقلي، بقي بعد ذلك قوله: هذا تصحيف فهي الحُجز، وليست الحجر.

    نقول: هذا ليس بتصحيف هذا ثابت في الصحيحين وغيرهما وقد تواتر هذا الفعل عن نبينا عليه الصلاة والسلام وعن الصحابة الكرام، ولذلك رد أئمة الإسلام على الإمام ابن حبان هذا القول الذي ذكره في صحيحه في كتاب الأنواع والتقاسيم، وأول من رد عليه الإمام أبو سليمان الخطابي المتوفى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة للهجرة، أي: بعده بأربع وثلاثين سنة، رد عليه في كتاب أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري ، والكتاب في أربع مجلدات في الجزء الثالث في آخره، والكتاب مرتب ترتيباً تسلسلياً في صفحة ست وأربعين ومائتين بعد الألفين، باب كيف كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام وتخليهم عن الدنيا، وأبو سليمان الخطابي هو أول من شرح السنن في كتابه معالم السنن شرح سنن أبي داود ، وهو أحسن شروح السنة على الإطلاق، وكل من جاء بعده نقل عنه، وهذا الكلام الذي ذكره أبو سليمان كل من جاء بعده ورد على ابن حبان أخذ كلام أبي سليمان عليهم جميعاً رحمة الله.

    يقول أبو سليمان : قد أشكل الأمر في شد الحجر على البطن من الجوع على قوم -وهو يعني به ابن حبان ولعله ما سماه لئلا يظن به تنقيص فكنى عنه- قال: حتى توهموا أنه تصحيف فزعموا أنما هو الحُجز جمع الحجزة التي يشد بها الإنسان وسطه، قال الشيخ أبو سليمان رحمة الله عليه: ومن أقام بالحجاز وعرف عادات القوم علم أنه الحجر، واحد الحجارة، وذلك لأن المجاعة تصيبهم كثيراً، فإذا خوى البطن تهزم، يعني: ضمر وبعد ذلك سقط الإنسان على وجهه، تهزم فلم يمكن معه الانتصاب، فيعمد إلى صفائح رقاق في طول الكف أو أشف منها فيربطها حينئذ على البطن ويشد بحُجزة فوقها وهي معقد الإزار، فتعتدل قامة الإنسان بعض الاعتدال.

    والإمام ابن حجر في الفتح في الجزء الحادي عشر صفحة خمس وثمانين ومائتين ذكر كلام ابن حبان ورد أبي سليمان عليه فقال: سبقه إلى الإنكار المذكور أبو حاتم في صحيحه، فلعله أشار إلى الرد عليه، يعني الإمام أبو سليمان عندما قال: أشكل هذا على قوم، لعله أشار بذلك إلى الرد على ابن حبان ، ثم بعد ذلك قال الحافظ أيضاً في الجزء الرابع صفحة مائتين وثمانية: جواب أنه لا فائدة من شد الحجر على البطن: أنه يقيم الصلب؛ لأن البطن إذا خلا ربما ضعف صاحبه عن القيام بامتناع بطنه عليه، فإذا ربط عليه الحجر اشتد وقوي صاحبه على القيام.

    ذكر حديث في صحيح ابن حبان يثبت جوع النبي صلى الله عليه وسلم

    إخوتي الكرام! كما قلت: كلام الإمام ابن حبان مردود والرواية في الصحيحين وغيرهما، وهذا معروف بكثرة عن الصحابة الكرام كما سأذكر عدة حوادث من سير أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، وأنهم كانوا يشدون الحجر على بطونهم، وهذا كان معروفاً في بلاد الحجاز في ذلك الوقت، إنما أريد أن أذكر رواية تبطل كلام ابن حبان من أوله لآخره، هو رواها في صحيحه، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجوع كما يجوع غيره، هو بشر عليه صلوات الله وسلامه، فإن قيل: إنه يطعم ويسقى فنقول: ذلك فيه حالة خاصة إكراماً من الله له، وما عدا هذا يعتريه ما يعتري البشر عليه صلوات الله وسلامه، وابن حبان روى رواية فيها هذا المعنى أنه كان يجوع، وهو ينكر جوع النبي عليه الصلاة والسلام، يقول: كيف يجوع وقد كان الله يطعمه ويسقيه إذا واصل؟ فإنه صلى الله عليه وسلم يجري عليه الأعراض البشرية، من أجل أن يرتفع قدره وأجره ودرجته عند رب البرية على نبينا وآله صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! روى الإمام ابن حبان حديثاً في صحيحه فيه إثبات الجوع لنبينا عليه الصلاة والسلام، وذلك الحديث سأذكره وقد استدل به أئمتنا على رد الكلام على ابن حبان بما رواه في صحيحه، ولذلك قال الذهبي في السير في ترجمته في المكان المتقدم المشار إليه بعد أن أورد كلام ابن حبان أن شد الحجر على بطن نبينا عليه الصلاة والسلام باطل إنما هي الحُجز، يقول: قلت: قد تلقى ابن حبان في كتابه حديث ابن عباس رضي الله عنهما في خروج أبي بكر رضي الله عنه، وخروج عمر رضي الله عنهم أجمعين من بيوتهما من الجوع، فقال لهما النبي عليه الصلاة والسلام: ( أخرجني الذي أخرجكما )، وهو الجوع كما سيأتينا في رواية الحديث إن شاء الله، يقول الإمام الذهبي : فدل على أنه كان يطعم ويسقى في الوصال خاصة، ومثل هذا قال الحافظ في الفتح في الجزء الرابع صفحة ثمان ومائتين: قد أكثر الناس من الرد على ابن حبان ، وأبلغ ما يرد به عليه: أنه هو أخرج حديثاً في صحيحه فيه إثبات الجوع للنبي عليه الصلاة والسلام، ثم ذكر حديث ابن عباس وقال: فهذا الحديث يرد ما تمسك به.

    أما الحديث فكما قلت: رواه ابن حبان في صحيحه، وهو في موارد الظمآن في صحيح ابن حبان في صفحة سبع وعشرين وستمائة، ورقم الحديث ست وثلاثون وخمسمائة بعد الألفين، والحديث ثابت من رواية عدة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، أذكره -إخوتي الكرام- ثم أشير إلى بعض الروايات الأخرى، الحديث من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، رواه الإمام مسلم ومالك في الموطأ، ورواه الترمذي في السنن، قال أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه: ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة فإذا هو بـأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما )، أي: أخرجني الجوع أيضاً، ( قوموا، فقاموا معه فأتى رجلاً من الأنصار فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته امرأته قالت: مرحباً وأهلاً، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين فلان؟ قالت: ذهب يستعذب لنا الماء )، وهو أبو الهيثم بن التيهان ويقال: التِيهان بالكسر ( إذ جاء الأنصاري زوجها، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ثم قال: الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني )، هنيئاً لك هؤلاء الضيوف الذين تتشرف بهم ملائكة السماء، ما أحد اليوم أكر أضيافاً مني، قال: ( فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا، وأخذ المدية )، ويقال: المِدية بتثليث الميم: مُدية، مِدية، مَدية، وهي السكين، سميت مُدية لأنها تقطع امتداد الحياة، إذا ذبحت الحيوان بها زالت عنه حياته، وتسمى سكيناً لأنها تسكن الحيوان، هو يتحرك يميناً وشمالاً فإذا ذبحته سكن، قال: ( فأخذ المُدية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياك والحلوب -لا تذبح شاة تحلب- فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم ).

    رواية عند الترمذي في خروج النبي من بيته بسبب الجوع ولقائه بأبي بكر وعمر

    وفي رواية للترمذي قال: ( خرج النبي صلى الله عليه وسلم في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر رضي الله عنهم أجمعين، فقال: ما جاء بك يا أبا بكر ؟ قال: خرجت ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنظر في وجهه والتسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر فقال: ما جاء بك يا عمر ؟ رضي الله عنهم أجمعين، قال: الجوع يا رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: وأنا قد وجدت بعض ذلك، فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري ، وكان رجلاً كثير النخل والشاء، ولم يكن له خدم، فلم يجدوه فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: انطلق يستعذب لنا الماء، ولم يلبث أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها -يعني يحملها ويجرها- فيها ماء مبرد، فوضعها ثم جاء يلتزم النبي صلى الله عليه وسلم، يضمه إلى صدره ويتبرك بجسده الشريف عليه صلوات الله وسلامه، ويفديه بأبيه وأمه )، هناك قال: اللهم لك الحمد، ما أحد أكرم اليوم أضيافاً مني، وهنا يلتزمه ويقول: فداك أبي وأمي يا رسول الله عليه الصلاة والسلام، ( ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم بساطاً، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو فوضعه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفلا تنقيت لنا من رطبك؟ قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إني أردت أن تختاروا أو قال: تخيروا من رطبه وبسره، فأكلوا وشربوا من ذلك الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:8]، والنعيم: الحالة المستلذة من النعمة، كل نعمة أنعم بها علينا سنسأل عنها، ورأس النعم رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه أعظم نعمة أنعم الله بها علينا، أعظم من الروح التي بين جنبينا، سنسأل عن هذه النعمة هل شكرنا ربنا عليها؟ وهل قمنا نحوها بما يلزم أم لا؟ وكل ما أنعم الله به عليك من كساء وظل وماء وطعام وغير ذلك، هذا من النعيم الذي ستسأل عنه يوم القيامة، لكن ليس معنى السؤال التوبيخ، فإن السؤال ينقسم إلى قسمين: توبيخ في حق العاصي والجاحد والكافر، وامتنان في حق المؤمن والشاكر، يقول: أنعمت عليك في الدنيا وسأنعم عليك اليوم أكثر وأكثر، وأما ذاك فيقال له: أنعمت عليك فجحدت وألحدت وما عبدت الذي أنعم عليك فلن تر من ذلك النعيم شيئاً، فهذا سؤال امتنان، وذاك سؤال توبيخ وتعريف وتقريع وامتهان، وشتان ما بين سؤال الامتهان والامتنان، قال: ( هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة، ظل بارد ورطب طيب وماء بارد، فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاماً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تذبحن ذات در -وهي الحلوب- فذبح لهم عناقاً أو جدياً فأتاهم بها فأكلوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك خادم؟ ) سيكافئه عليه الصلاة والسلام، هل لك عبد يخدمك؟ ( قال: لا، قال: فإذا أتانا سبي فأتنا، فأتي النبي عليه الصلاة والسلام برأسين ليس معهما ثالث، من السبي من العبيد والمغانم، فأتاه أبو الهيثم ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اختر منهما. فقال: يا نبي الله! اختر لي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن المستشار مؤتمن، خذ هذا فإني رأيته يصلي )، والمراد من الصلاة هنا أي: يكثر من الصلاة والتهجد والنوافل، وإذا أكثر من الصلاة فهو قريب من الله جل وعلا: ( خذ هذا فإني رأيته يصلي، واستوص به معروفاً )، أي لعبادته، وانتبه لهذه الوصية، ماذا ستؤثر فيه وفي زوجه، ونعم البيت بيت أبي الهيثم ، قال: ( فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول النبي صلى الله عليه وسلم: واستوص به معروفاً، فقالت امرأته: ما أنت ببالغ فيه ما قال النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن تعتقه )، لا يمكن أن تحقق هذه الوصية إلا إذا أعتقته، ما أكرم هذه المرأة! وما أكرم تلك الأمة! هنيئاً لأعين اكتحلت برؤيتهم، والله لقد كانوا دواء يتداوى به وصرنا داءً لا دواء له، قالت: ( ما أنت ببالغ فيه ما قال النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن تعتقه، قال: فهو عتيق، فقال النبي عليه الصلاة والسلام عندما بلغه ذلك: إن الله لم يبعث نبياً، ولا خليفة )، وكأنه يشير بذلك إلى أي مسئول كان، لأن أبا الهيثم مسئول في بيته فهو خليفة وأمير لكن على البيت: ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته )، لكن ذاك الخليفة الأعظم وهذا أمير دونه، وكل واحد مسئول عمن تحت يده.

    قال: ( إن الله لم يبعث نبيناً ولا خليفة إلا وله بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر )، وهذا منهم زوجة أبي الهيثم : ( وبطانة لا تألوه خبالاً )، لا تقصر في أن توقعه في الشر والضر والبلاء، حالهم كحال الكفار نسأل الله العافية، لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118]، ( وبطانة لا تألوه خبالاً، ومن يوق بطانة الشر فقد وقي ).

    وهذا الحديث -إخوتي الكرام- صحيح ثابت من رواية عدة من الصحابة الكرام، الجزء الأخير منه ثبت في المسند وسنن النسائي وصحيح البخاري من رواية أبي سعيد الخدري، وثبت في سنن النسائي من رواية أبي أيوب الأنصاري، ولفظ الحديث أيضاً عن النبي عليه الصلاة والسلام: ( ما بعث الله من نبي ولا كان بعده من خليفة إلا كان له بطانتان، بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله )، وفي رواية: ( بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالاً، فمن وقي بطانة السوء فقد وقي ).

    معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لم يبعث نبياً ولا خليفة إلا وله بطانتان)

    قال أئمتنا: المراد من البطانتين في قوله: (له بطانتان)، يحتمل عدة أمور، قال الحافظ ابن حجر : الحديث يحمل عليها جميعاً، بطانتان أي: وزيران، أي: صنفان من المستشارين، وزير سوء ووزير صلاح وصدق وفلاح، هذا يشير بخير وذاك يشير بشر، أي: أن الأمير والمسئول وهكذا الإنسان في بيته قد يبتلى أحياناً بمن يشير عليه بخير أو شر ممن يستشيرهم داخل البيت، بطانة تشير بخير، وبطانة تشير بشر، وزير يشير بنفع ووزير يشير بضر، وأيضاً البطانتان يقصد بهما: الملك والشيطان، الملك يسدد والشيطان يثبط، والإنسان دائماً بين لمة الملك ولمة الشيطان، والقلب دائماً فيه لمتان: لمة ملك إيعاز بالخير وتصديق بالحق، ولمة شيطان إيعاز بالشر وتكذيب بالحق، الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة:268]، أيضاً: يراد: له بطانتان أي نفس لها صفتان: أمارة بالسوء، ولوامة، فنفسه الأمارة تريد أن يفعل ويفعل من المنكرات، واللوامة تلومه على القبائح والرذالات، والمعصوم من عصمه الله.

    قال الحافظ ابن حجر : والحديث ينزل عليها جميعاً، فلكل مسئول مستشارون ووزراء منهم خبيث ومنهم نفيس، ولكل مسئول ولكل إنسان شيئان خفيان باطنان يلقيان في قلبه ما يلقيان، واحد منهما ملك يلقي الخير، والآخر شيطان يلقي الشر، وكل مسئول وكل إنسان أيضاً نفسه تتصف بصفة النفس الأمارة، وتتصف بصفة النفس اللوامة، فهاتان البطانتان يراد بهما الشيء الداخلي، والمستشار شيء داخلي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران:118]، البطانة هو الشيء الداخلي وهو محل السر، فالوزير محل سر، والملك والشيطان محل سر شيء داخلي، وصفة النفس الأمارة واللوامة محله سر: ( والمعصوم من عصمه الله ).

    إخوتي الكرام! هذا الحديث رواه ابن حبان وابن مردويه والطبراني في معجمه الأوسط والصغير عن ابن عباس، أعني حديث جوع نبينا عليه الصلاة والسلام، ورواه أيضاً الإمام ابن مردويه وابن المنذر وابن أبي حاتم والبزار والبيهقي في دلائل النبوة من رواية ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم أجمعين، ورواه البيهقي في دلائل النبوة عن أبي الهيثم بن التيهان ، ورواه الطبراني في معجمه الكبير عن عبد الله بن مسعود لكن من رواية الكلبي وهو متروك، ورواه مسلم -كما تقدم معنا- ومالك في الموطأ والترمذي من رواية أبي هريرة ، ورواه الإمام أبو يعلى في مسنده وأبو بكر أحمد بن سعيد المروزي في مسند أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، وهو كتاب فيما لـأبي بكر من أحاديث مستقلة، توفي هذا العبد الصالح صاحب المسند سنة اثنتين وتسعين ومائتين للهجرة، ورقم الحديث فيه خمسة وخمسون من مسند أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، فقد روى الحديث أبو بكر وأبو هريرة وابن مسعود وأبو الهيثم بن التيهان وابن عباس عن عمر وابن عباس أيضاً عن أبيه كما تقدم معنا، فهذه ست روايات لهذا الحديث وفيه إثبات جوع نبينا عليه الصلاة والسلام، وأنه ما أخرجه من بيته إلا الجوع، وعليه فقد كان يجوع، وقول الإمام ابن حبان : إن النبي عليه الصلاة والسلام يطعم ويسقى كما تقدم في حديث أنس ، فكيف يجوع ويشد الحجر على بطنه؟ هذا خطأ وباطل وهو تصحيف، وليس المراد الحجر إنما المراد الحُجز، هذا مردود، فقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يطعم ويسقى إذا واصل، وما عدا هذا فيعتريه ما يعتري غيره من أجل أن يرفع الله في درجته.

    إخوتي الكرام! خلاصة الكلام: أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان يشد الحجر على بطنه، والأحاديث في ذلك كما تقدم معنا صحيحة ثابتة حسان، من رواية عدة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، واعتراض الإمام ابن حبان على ذلك بما اعترض به غير مسلَّم، ومردود بما رواه هو في صحيحه من أن نبينا عليه الصلاة والسلام ما أخرجه من بيته إلا الجوع، ثم ذهب إلى بيت الأنصاري الصالح أبي الهيثم بن التيهان فحصل ما حصل كما تقدم معنا، وعليه فالأحاديث صحيحة، وهي ثابتة في الصحيحين ولا تصحيف فيها، ويضاف إلى ذلك من شد الحجر فوائد متعددة كما تقدم معنا والعلم عند الله جل وعلا.

    1.   

    ذكر بعض من شد الحجر على بطنه من الصحابة لشدة جوعه

    هذا الأمر الذي اعترضه الإمام ابن حبان مردود قطعاً وجزماً، وكما فعله نبينا عليه الصلاة والسلام فشد الحجر على بطنه، فهو ثابت أيضاً عن عدة من الصحابة الكرام وأنهم كانوا يشدون الحجر على بطونهم عند الشدائد، فعل ذلك أبو هريرة رضي الله عنه، وفعل ذلك أبو سعيد الخدري، وفعل ذلك غيرهما من الصحابة الكرام.

    ذكر ما ورد عن أبي هريرة أنه كان يشد الحجر على بطنه من الجوع

    ففي مسند الإمام أحمد والحديث في المسند في الجزء الثاني صفحة أربع وعشرين وثلاثمائة، وقال الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء العاشر صفحة واحدة وعشرين وثلاثمائة: رجاله رجال الصحيح، عن عبد الله بن شقيق قال: أقمت بالمدنية مع أبي هريرة رضي الله عنه سنة، لازمه يتحمل عنه العلم ويستفيد منه ويحمل الحديث عنه، على أبي هريرة وعلى الصحابة الكرام جميعاً رحمة الله ورضوانه.

    قال: أقمت بالمدينة مع أبي هريرة سنة، فقال أبو هريرة رضي الله عنه ذات يوم ونحن عند حجرة أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: لقد رأيتنا وما لنا ثياب إلا البرود المتفتقة. والبرود: جمع برد، والبرد يجمع على برود وعلى أبراد وعلى أبرد، وهو الكساء الذي يلتحف به، وقوله: متفتقة يعني: ممزقة، يقول: ما لنا ثياب إلا البرد المتفتقة، وأنه ليأتي على أحدنا الأيام ما يجد طعاماً يقيم به صلبه، حتى إن كان أحدنا ليأخذ الحجر فيشده على أخمص بطنه. والأخمص هو انخفاض البطن، ومنه أخمص القدم وهو ما دخل من باطن القدم الذي يرتفع عن الأرض عندما تضع القدم على الأرض، باطن القدم يقال له أخمص، فيأخذ الحجر يشده على أخمص بطنه ثم يشده بثوبه ليقيم به صلبه.

    قال أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه: فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم تمراً بيننا، فأصاب كل إنسان سبع تمرات، كل إنسان خرج نصيبه سبع تمرات، يقول: فيهن حشفة، أي: تمرة من السبع حشفة، والحشفة تقدم معناها وهي رديء التمر، التمر الجاف التي ليس فيها حلاوة، فتحتاج إلى مضغ وليس منها فائدة، قال أبو هريرة : فما سرني أن مكانها تمرة جيدة، فقال له عبد الله بن شقيق : لم تريد حشفة بدل التمرة؟ قال: لتشد لي من مضغي. من أجل أن تقوي لي عملية المضغ وتحريك الفك، ست تمرات جيدات وواحدة حشفة، تلك التمرات تبلع بسرعة من أجل ما فيها من حلاوة ورطوبة وليونة، أما هذه الحشفة فتحتاج إلى مضغ وإلى قوة في الأسنان والأضراس، فهو يريد أن يقوي فكه بهذه الحشفة رضي الله عنه وأرضاه.

    الشاهد: قوله: حتى إن كان أحدنا ليأخذ الحجر فيشده على أخمص بطنه، فهذا ثابت بأحاديث كثيرة عن أبي هريرة ، منها ما في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري وسنن الترمذي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، وعن نفسه أنه قال: والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع. يضع كبده بطنه على الأرض -كما ذكرت- من أجل أن ينكمش ويخف ألم الجوع، ثم من أجل أن يحصل للجسم شيء من البرودة والارتياح ببرودة الحصباء والحجارة.

    وفي رواية: إن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، فهذا ثابت كما فعله النبي عليه الصلاة والسلام فعله الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فقول الإمام ابن حبان عليه وعلى أئمتنا رحمة الله ورضوانه: هذا خطأ وباطل، وما فائدة شد الحجر وهذا تصحيف من الحُجز، كل هذا وهم منه وقد تتابع أئمتنا على رد قوله.

    ذكر ما ورد عن أبي سعيد الخدري أنه شد الحجر على بطنه من الجوع

    وكما ثبت هذا عن أبي هريرة ثبت أيضاً عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين، ففي مسند الإمام أحمد أيضاً في الجزء الثالث صفحة أربع وأربعين من رواية هلال بن حصن قال: نزلت على أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين فضمني وإياه المجلس، فحدث ذات يوم أبو سعيد الخدري فقال: أصبحت في يوم من الأيام والنبي عليه الصلاة والسلام بيننا، أصبحت وقد عصبت على بطني حجراً من الجوع، فقالت له امرأته أو أمه: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله، فقد أتاه فلان فسأله فأعطاه، وأتاه فلان فسأله فأعطاه. وتقدم معنا أنه كان لا يرد السائل ولو سأله ثيابه لأعطاه عليه صلوات الله وسلامه.

    قال أبو سعيد الخدري بعد كلام أمه أو زوجته: فأتيته وهو يخطب فأدركت من قوله: ( من استعف يعفه الله، ومن استغنى يغنيه الله، ومن سألنا )، يقول النبي عليه الصلاة والسلام من على المنبر دون أن يسأل أبو سعيد الخدري: ( ومن سألنا إما أن نبذل له وإما أن نواسيه )، يعني لن يعدم أحد الأمرين، إن كان عندنا شيء بذلنا له, وإلا واسيناه بالكلام وقلنا: إن جاءنا شيء أعطيناك فطب نفساً: ( ومن سألنا إما أن نبذل له وإما أن نواسيه، ومن يستعفف عنا أو يستغني أحب إلينا ممن يسألنا )، قال أبو سعيد الخدري : فرجعت وما سألته والله. وقد جاء ليسأل كما سأل فلان وفلان، قال: فما زال الله يرزقنا حتى ما أعلم في الأنصار أهل بيت أكثر أموالاً منا، تصديقاً لقوله: (من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله)، لما سمع هذا الكلام كتم سؤاله في نفسه وفوض أمره إلى ربه، فما زالت رحمات الله ونفحاته وفضله ورزقه تأتي إلى هذا البيت العفيف حتى صار أغنى بيت في الأنصار، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام لن يتخلف: ( ومن يستغن يغنه الله )، فإذا طلبت الغنى تأتيك الخيرات من حيث لا تحتسب، وإذا تعرضت لما عند العباد فهذا هو الفقر الحاضر، الطمع فقر حاضر، والغنى عز في الدارين.

    وهذا المعنى -إخوتي الكرام- لو وعاه المسلمون لا سيما في هذه الأيام التي كثر فيها الجشع وسؤال غير ذي الجلال والإكرام، وسؤال المخلوق ذل وامتهان، فلا تمتهن نفسك يا عبد الرحمن، أنت عبد لله عندما تتذلل لله هذه فيه عز لك ورفعة قدر، لكن عندما تسأل المخلوق في الحقيقة هذه منقصة في حق السائل، فسل من خزائنه ملأى سبحانه وتعال، واستغن يغنك الله وتأتك الخيرات من حيث لا تحتسب.

    لذلك ثبت في المسند والكتب الستة إلا سنن ابن ماجه ، والحديث في سنن الدارمي أيضاً، من رواية أبي سعيد الخدري أيضاً وهو راوي الحديث المتقدم أنه قال: ( إن أناساً من الأنصار سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال عليه الصلاة والسلام: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم )، وتقدم معنا أنه إذا جاءه الشيء صرفه في حينه، ثم أكل هو وأهله خبز الشعير على نبينا وآله صلوات الله وسلامه، وهذا خلقه وخلق أهل بيته حتى بعد وفاته، تصب مئات الألوف من الدراهم أمام أمنا عائشة فتقسمها، وإذا حان وقت فطورها أفطرت على خبز وزيت، وعندما يقال لها: هلا تركت درهماً من مائة ألف درهم لنشتري لحماً نفطر عليه؟ تقول: لو ذكرتيني لفعلت، هذا هو بيت النبوة على نبينا وآله صلوات الله وسلامه: ( ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم )، تعلمون حالي ولا يبقى عندي شيء، وتقدم معنا أن نبينا عليه الصلاة والسلام في مرض موته كان عنده سبعة دنانير فقال: ( ما ظن محمد عليه الصلاة والسلام بربه لو لقي الله وهذه عنده )، ( ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر )، هذا حقيقة منهاج وضعه لنا نبينا عليه الصلاة والسلام، ينبغي أن نعيه في هذه الحياة.

    1.   

    فضل استغناء الإنسان عما في أيدي الناس

    وكنت ذكرت -إخوتي الكرام- أن من عنده طعام فلم يأكل ثم مات دخل النار، ومن احتاج إلى طعام ولم يسأل ثم مات دخل الجنة؛ لأن السؤال ليس بواجب، وغاية ما يقال: أن السؤال رخصة، يرخص لك عند الاضطرار أن تسأل غير الله، لكن إذا صبرت ومت فهذا أحسن لك؛ لأن سؤال المخلوق فيه ثلاثة أنواع من الظلم: ظلم لنفسك، واعتداء على ربك، وظلم للمخلوق الذي تسأله.

    أما امتهان النفس، فالأصل أن لا تتذلل لغير الله جل وعلا، ولا تصرف حق الله إلى غيره، وهو الذي قال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وفي الحديث: ( وإذا سألت فاسأل الله )، فكيف تصرف حقه إلى غيره؟ وأما المخلوق فكلما تسأله تضجره؛ لأن ما بيده محبوب عنده، فأنت تنتزع محبوبه منه بإضجارك وإلحاحك، ولذلك تظلم المخلوق وتظلم نفسك وتظلم ربك وتعتدي على حقه، فمن جاع ولم يسأل حتى مات دخل الجنة، وهذا ليس فيه منقصة، لكن من كان عنده طعام وما أكل حتى مات دخل النار لأنه قاتل نفسه، وشتان بين هذا وذاك.

    وهذه هي الحرية التامة مع العبودية التامة، عبودية تامة لله وحرية عن غير الله جل وعلا: ( من يستعفف يعفه الله، من يستغن يغنه الله، من يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر ).

    ومثل هذه الحادثة التي تكررت، ووقعت من أبي سعيد وصار بيته -كما يقول هو عن نفسه- أغنى بيت في الأنصار، جرى مثلها ونظائرها لعدد من الصحابة الكرام سأقتصر على حادثة واحدة هي حادثة أغنى الصحابة على الإطلاق وهو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه، فانظر لفقره في أول أمره، فقد جاء أيضاً ليسأل النبي عليه الصلاة والسلام، فلما سمع منه كما سمع أبو سعيد من النبي عليه الصلاة والسلام، كتم حاجته في نفسه وما سأل، ثم بعد ذلك فتح الله عليه أبواب الغنى فأصبح أغنى الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

    وكان أئمتنا يقولون: من توفيق الله له في أمور الدنيا والرزق أنه لو قلب حجراً لوجد تحته ذهباً، هذا مع أنه هاجر من مكة تاركاً القصور والدور والأموال بكثيرها وقليلها ولا يملك شيئاً، وجاء ليزاحم المهاجرين والأنصار في الأسواق ليبيع في السمن والأقط ثم منّ الله عليه بخزائنه الواسعة.

    الحديث رواه الإمام البزار في مسنده وهو في مجمع الزوائد في الجزء الثالث صفحة أربع وتسعين، وفي كشف الأستار عن زوائد البزار في الجزء الأول صفحة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( كان لي عند النبي عليه الصلاة والسلام عدةٌ ) وعده بعطاء إذا جاءت المغانم والخيرات، يقول: ( فلما فتحت قريظة جئت لينجز لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وعدني، فسمعته يقول: من يستغن يغنه الله، ومن يقنع يقنعه الله، فقلت في نفسي: لا جرم لا أسأل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ) إذا كان الأمر كذلك من يستغن يغنه الله ومن يقنع يقنعه الله، فلن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، وبعد ذلك فتح الله عليه وصار أغنى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    وهذا الحديث أشار إليه الحافظ في الفتح في الجزء الحادي عشر صفحة أربع وثلاثمائة، فقال: وقع في مسند البزار من حديث عبد الرحمن بن عوف أنه وقع له نحو ما وقع لـأبي سعيد الخدري ، وأن ذلك حين افتتحت قريظة، فـأبو سعيد الخدري استغنى وقنع فأغناه الله جل وعلا، وعندما توفي رضي الله عنه وأرضاه وترك أربع زوجات صولحت زوجة من زوجاته الأربع على ربع الثمن بثمانين ألفاً مصالحة، أرادت أن تأخذ ربع الثمن قبل أن تقسم التركة وطلبت ميراثها، فقيل لها: لابد من إحصاء المال، فقالت: أنا أريد أن أتعجل، فصولحت على ثمانين ألفاً، هذا ربع الثمن، فأخذته، وقد كان في أول الأمر لا يملك شيئاً، جاء ليسأل النبي عليه الصلاة والسلام فسمع هذا الكلام: ( من يستغن يغنه الله، ومن يقنع يقنعه الله )، فاستغنى رضي الله عنه وأرضاه، فرزقه الله من حيث لا يحتسب. وقد حصل هذا لجم غفير من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغارا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لم وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب الأرض والسماوات.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.