إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مباحث النبوة - قوت النبي صلى الله عليه وسلم [1]

مباحث النبوة - قوت النبي صلى الله عليه وسلم [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان قوت النبي صلى الله عليه وسلم قوت من جعل الدنيا معبراً ولم يجعلها مستقراً، فكان عليه الصلاة والسلام يشبع يوماً ويجوع يوماً، وكان يأكل خبز الشعير؛ بل إنه مات وما شبع هو ولا أهله من خبز الشعير، ومات ولم يجد من رديء التمر ما يشبع بطنه، ولا أكل خبزاً مرققاً حتى لقي ربه، وكان يجوع أكثر مما يشبع، وبلغ به الأمر أنه كان يربط على بطنه الحجر من شدة الجوع عليه الصلاة والسلام، كل ذلك لأنه رسول الله حقاً وصدقاً، وما يدخر له عند ربه خير وأبقى.

    1.   

    الأحاديث الواردة في وصف قوت وطعام النبي صلى الله عليه وسلم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبمحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس المبحث الثالث من مباحث النبوة في بيان الأمور التي يعرف بها صدق النبي والرسول على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    وتقدم معنا -إخوتي الكرام- أن الأمور التي يعرف بها صدق النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة وفيرة يمكن أن تجمع في أربعة أمور: أولها: النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه.

    وثانيها: النظر إلى دعوته وشريعته ورسالته.

    وثالثها: النظر إلى معجزاته وخوارق العادات التي أكرمه الله بها وأيده بها.

    ورابعها: النظر إلى حال أصحابه الكرام رضوان الله على الصحابة أجمعين.

    إخوتي الكرام! وكنا نتدارس الأمر الأول من هذه الأمور وهو النظر إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه، وقلت: تحت هذا الأمر الأول نوعان من النظر: النظر إلى خَلق النبي عليه الصلاة والسلام، والثاني: النظر إلى خُلق النبي عليه الصلاة والسلام، فالله أعطى رسله الكمال في الأمرين، ومنحهم الجمال والجلال في خلقهم وفي أخلاقهم على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    وقد تقدم معنا -إخوتي الكرام- ما يتعلق بالأمر الأول وهو النظر إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام في خلقه، وشرعنا بعد ذلك في مدارسة الجانب الثاني في النظر إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام في خُلقه، وقلت عند هذا المبحث باختصار: لا يمكن لإنسان أن يقف على وجه التمام على خلق نبينا عليه الصلاة والسلام، كما لا يمكن له أن يحيط بمعاني القرآن، إنما نتدارس من أخلاق نبينا عليه الصلاة والسلام ما في وسعنا حسب الإمكان.

    ولذلك إخوتي الكرام! قلت: إذا أردنا أن نقف على صورة مجملة واضحة لأخلاق نبينا عليه الصلاة والسلام فينبغي أن نبحث في سبعة أمور: أولها: خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع أهله، ثانيها: خلقه عليه الصلاة والسلام مع أصحابه وأمته، ثالثها: خلقه عليه الصلاة والسلام مع الملائكة الكرام على نبينا وعليهم جميعاً أفضل الصلاة وأزكى السلام، ورابعها: خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع أعدائه من شياطين الإنس، وخامسها: خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع أعدائه من شياطين الجن، وسادسها: خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع الحيوانات العجماوات، وسابعها وهو آخر الأمور: خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع الجمادات الصامتات.

    هذه الأمور السبعة يظهر بها على وجه الإيجاز والإجمال صورة مختصرة واضحة لخلق نبينا عليه الصلاة والسلام، وقد بدأنا بالأمر الأول من هذه الأمور السبعة وهو النظر إلى خلق نبينا عليه الصلاة والسلام في بيته مع أهله، وقلت إن هذا الأمر إذا أردنا أن نحيط به بصورة مختصرة ينبغي أن نتدارسه ضمن أربع مراحل: المرحلة الأولى: في بناء مسكن نبينا عليه الصلاة والسلام وحال حجره، والثاني: في أثاث ذلك المسكن ومتاعه، والثالث: طعامه الذي يقدم في تلك الحجر والبيوت الطاهرة المطهرة، والرابع: في كيفية المعاملة التي تجري بين نبينا عليه الصلاة والسلام وبين أهله الكرام على نبينا وآله وأصحابه صلوات الله وسلامه.

    وحقيقة من وقف على هذا الأمر من الأمور السبعة في خلق نبينا عليه الصلاة والسلام، يظهر له أن نبينا محمد رسول الله حقاً وصدقاً على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    وقد تدارسنا إخوتي الكرام! ما يتعلق بمسكن نبينا عليه الصلاة والسلام، وقلت باختصار: كان سكنه في هذه الحياة سكن من جعل الدنيا معبراً ولم يتخذها مقراً، وهكذا متاعه في ذلك السكن عليه صلوات الله وسلامه فهو متاع قليل كمتاع المسافر، لا يأخذ في سفره إلا ما يحتاجه ويكفيه، وأما القوت والطعام الذي يقدم في تلك الحجر المباركة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، فتقدم معنا أنه طعام قليل يسير، اختار الدون عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر فيما يتعلق بكميته وكيفيته، فكان يأخذ الطعام القليل مع خشونته أيضاً، فلا يكثر من الكمية ولا يختار الألوان الطيبة الشهية على نبينا صلوات الله وسلامه.

    وقلت: فعل نبينا هذا اختياراً من أجل أن يعامل الدنيا بما تستحق، ومن أجل أن يكمل له أجره عند الله جل وعلا، فإنه لا ينال أحد من هذه الحياة نعيماً إلا نقص من درجته عند الله وإن كان عليه كريماً، كما تقدم معنا هذا إخوتي الكرام، وذكرت بعض الأحاديث في طعام نبينا عليه الصلاة والسلام وبدأتها بحديث أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وكيف كان يمر على حجر نبينا عليه الصلاة والسلام وبيوته ثلاثة أهلة في شهرين ولا يوقد في بيوته الطاهرة الكريمة الطيبة نار، لا لخبز ولا لطعام على نبينا وآله أفضل الصلاة وأزكى السلام.

    وقلت: هذا المعنى -إخوتي الكرام- ثابت عن عدد من الصحابة الكرام في وصف قوت وطعام نبينا عليه الصلاة والسلام، وقلت: إنه متواتر، أقطع بذلك وأسأل أمام الله عز وجل، وقلت: سأقرره بعشرة أحاديث كما تقدم معنا، ذكرت الحديث الأول في تقرير معنى حديث أمنا عائشة رضي الله عنها من رواية عبد الرحمن بن عوف ، وذكرت الحديث الثاني من رواية أبي أمامة ، والحديث الثالث من رواية أبي هريرة ، والحديث الرابع من رواية أنس عن سيدتنا فاطمة رضي الله عنهم أجمعين، ورواية هذا الحديث تقدم معنا أنها في المسند ومعجم الطبراني بسند صحيح، وفي هذا الأثر والحديث أن سيدتنا فاطمة رضي الله عنها وأرضاها عندما قدمت لأبيها على نبينا وآله وأصحابه صلوات الله وسلامه كسرة من خبز الشعير قال لها: ( هذا أول طعام يأكله أبوك منذ ثلاثة أيام )، والحديث الخامس تقدم معنا من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، وهو كما تقدم معنا في المسند وسنن الترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يبيت الليالي المتتابعة، وهكذا أهله الكرام على نبينا وعليهم جميعاً الصلاة والسلام، لا يجدون عشاء، وإنما كان أكثر خبزهم خبز الشعير.

    حديث سلمى امرأة أبي رافع في قوت النبي صلى الله عليه وسلم

    ووقفنا إلى الحديث السادس من الأحاديث العشرة، وقلت: إنه حديث سلمى امرأة أبي رافع رضي الله عنهم أجمعين، أما سلمى فهي مولاة نبينا عليه الصلاة والسلام، وقيل: إنها مولاة لـصفية بنت عبد المطلب عمة نبينا على نبينا وآله وأزواجه صلوات الله وسلامه، وأما أبو رافع فهو مولى النبي عليه الصلاة والسلام، وقد كان عند العباس ثم وهبه لنبينا خير الناس على نبينا وآله وأصحابه صلوات الله وسلامه.

    تقول سلمى امرأة أبي رافع رضي الله عنهم وأرضاهم، كما في معجم الطبراني الكبير بسند جيد، وانظروا الحديث في مجمع الزوائد في الجزء العاشر صفحة خمس وعشرين وثلاثمائة، وفي الترغيب والترهيب للإمام المنذري في الجزء الرابع صفحة سبع وتسعين ومائة.

    وخلاصة الحديث: عن سلمى رضي الله عنها وأرضاها قالت: دخل عليّ الحسن بن علي وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس رضوان الله عليهم أجمعين بعد موت نبينا عليه الصلاة والسلام، دخل هؤلاء الثلاثة الصحابة الكرام الحسن وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، دخلوا على سلمى امرأة أبي رافع مولاة نبينا عليه الصلاة والسلام، فقالوا لها: اصنعي لنا طعاماً مما كان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكله، أي: اصنعي لنا طعاماً كان يحبه النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت سلمى رضي الله عنها وأرضاها: يا بني! إذاً لا تشتهونه. لقد تغيرت الأوضاع وتبدلت لو صنعت لكم طعاماً من الطعام الذي كان يشتهيه رسول الله عليه الصلاة والسلام ويحبه، فإن نفوسكم لا تميل إليه، بعدما ألفت النعمة والأشكال والألوان، قالت سلمى رضي الله عنها وأرضاها: فقمت فأخذت شعيراً فطحنته ثم نفثته، والنفث هو النفخ، تنفخ عليه ليطير القشر الذي هو كالإبر، وسيبقى أيضاً بعد ذلك في الشعير شيء القشر، أخذت شعيراً فطحنته ثم نفثته، وجعلت منه خبزة، خبزت قرصاً من الشعير، قالت: وكان أدمه الزيت، فبلته بالزيت ونثرت عليه الفلفل، هذا هو الطعام الذي كان يحبه نبينا عليه الصلاة والسلام، رغيف قرص من خبز الشعير يؤتدم بزيت وينثر عليه الفلفل من أجل أن يطيب طعمه، قالت: ثم قربته إليهم فقلت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب هذا، هذا إذا تيسر له، يعني هذه نعمة عظيمة عنده عليه الصلاة والسلام: ( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً، كفافاً )، عليه صلوات الله وسلامه، هذا كان يحبه ويكثر من أكله إذا تيسر له، لكن أحياناً يطوي الأيام الثلاثة والأربعة ولا يدخل جوفه طعام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، أما هذا لو تيسر له رغيف قرص من خبز الشعير يؤتدم بزيت وينثر عليه الفلفل، لآثر النبي عليه الصلاة والسلام هذا الطعام على غيره ورأى أنه في ذلك اليوم أكل من لذائذ الأطعمة، وهذا الذي تقوله سلمى : إذاً لا تشتهونه يا بني، لو قدمت لكم ما يحبه النبي عليه الصلاة والسلام لا تشتهونه.

    وحقيقة لو قدم هذا لنا الآن فلن نأكله، نسأل الله أن يتوب علينا، وأن يحسن ختامنا، وأن يعرفنا بقدر أنفسنا، والله ما ابتعد سلفنا عن الدنيا إلا لكرامتهم على ربهم، وما خضنا فيها إلا لهواننا على الله عز وجل.

    فهذا خير خلق الله عليه الصلاة والسلام، أفضل طعام عنده خبز الشعير، مأدوم بزيت عليه فلفل، إذا تيسر هذا فهذا من أطايب الطعام عنده عليه الصلاة والسلام، وتقدم معنا أنه لا لقلة ولا لبخل عليه الصلاة والسلام، فالأمر موجود ويجود به وهو أكرم من عرفته البشرية على وجه الأرض عليه صلوات الله وسلامه، وكان يقسم أحياناً عطاءً ما يزيد على ألف بعير في المجلس الواحد عليه الصلاة والسلام، ثم يأكل بعد ذلك خبز الشعير عليه صلوات الله وسلامه، وتقدم معنا شيء من كرمه عليه صلوات الله وسلامه، فهذا هو الذي اختاره وآثره لا لضيق ولا لتضييق من نفسه وادخار للأموال في جيبه وبيته، فقد كان ينفق المال على الناس ثم هو بعد ذلك إن تيسر له قرص من خبز الشعير مأدوم بزيت عليه فلفل فيحبه غاية الحب عليه الصلاة والسلام.

    سلمى تعلم زوجها أبا رافع وهو في الصلاة

    وهذه سلمى -إخوتي الكرام- من باب الإشارة إلى هذه الفائدة والدعابة التي دارت لها مع زوجها عند ذكر حديثها، لها مع زوجها قصة ظريفة أضحكت نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وخلاصتها كما في مسند الإمام أحمد في الجزء السادس صفحة اثنتين وسبعين ومائتين، والأثر رواه الإمام البزار وانظروه أيضاً في كشف الأستار في زوائد الإمام البزار في الجزء الأول صفحة ست وأربعين، ورواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير، انظروا المجمع في الجزء الأول صفحة ثلاث وأربعين ومائتين، قال الإمام الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح، وفيه محمد بن إسحاق وقد قال: حدثني هشام بن عروة ، يعني جميع رجال الإسناد رجال الصحيح ومنهم محمد بن إسحاق وهو من رجال الصحيح وأخرج له مسلم ، وكما تقدم معنا أنه من رجال السنن الأربعة، وأخرج له مسلم في صحيحه، والبخاري تعليقاً، وهو صاحب المغازي، توفي سنة خمسين ومائتين للهجرة في السنة التي توفي فيها فقيه الملة أبو حنيفة رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، فـمحمد بن إسحاق يقول في الحديث: حدثني في الحديث: حدثني هشام بن عروة ، لماذا قال الإمام الهيثمي هذا؟ تقدم معنا أن هشام بن عروة له كلام في محمد بن إسحاق ، فقد كان هشام بن عروة يتهم محمد بن إسحاق في الرواية ويقول: إنه يقول ما لم يسمع، ويقول: يروي عن زوجتي فاطمة بنت المنذر والله إن رآها قط. يعني: ما رآها قط فكيف يروي عنها؟ إذاً هو يختلق هذه الرواية، فكأنه يطعن في رواية محمد بن إسحاق ، فالإمام الهيثمي يقول هنا أن الإمام محمد بن إسحاق صرح بالتحديث عن هشام بن عروة ، فقال: حدثني هشام بن عروة ، وهشام بن عروة ثقة فقيه توفي سنة خمس وأربعين ومائة للهجرة، وتقدم معنا أن طعن هشام بن عروة في محمد بن إسحاق لا يؤثر فيه مطلقاً؛ لأن هذا من باب الحمية وليست جاهلية بل حمية شرعية، فقد ظن أن التحديث عن زوجته يلزم منه مقابلة ورؤية لوجهها, فيقول: كيف هذا؟ إذاً روايته لا يعول عليها، وقلت: هذا يلتمس له العذر في طعنه لكنه لا يؤثر هذا الطعن في محمد بن إسحاق ، ولذلك هو صدوق كما قال أئمتنا وحديثه في درجة الحسن، نعم هو من المدلسين وقد صرح بالتحديث فانتفى التدليس وعليه فإسناد الحديث صحيح، على حسب ما يقرر الإمام الهيثمي، فهو في المسند ومسند البزار ومعجم الطبراني الكبير.

    ولفظ الحديث: عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها قالت: ( أتت سلمى -وهي زوجة أبي رافع مولاة نبينا عليه الصلاة والسلام- أتت سلمى النبي صلى الله عليه وسلم تستأذنه على أبي رافع وقد ضربها ) أي: تستأذن عليه وتشتكي زوجها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ( تقول: يا رسول الله! ضربني أبو رافع ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي رافع : يا أبا رافع ! ما لك ولها؟ )، ما لك ولـسلمى لم تضربها؟ فقال: ( يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! إنها تؤذيني، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا سلمى لم آذيتيه؟ فقالت: يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! ما أذيته بشيء، ولكنه كان يصلي فأحدث، فقلت له: يا أبا رافع ! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين إذا خرج من أحدهم ريح في الصلاة أن يتوضأ )، اقطع صلاتك أنت الآن أحدثت فتوضأ ثم صل، قالت: ( فقام يضربني، تقول أمنا عائشة : فجعل النبي عليه الصلاة والسلام يضحك ويقول: يا أبا رافع ! إنها لم تأمرك إلا بخير )، لقد أمرتك بمعروف ونصحتك فلم تضربها؟ غفر الله لك ولنا ولها، هي سمعتك وأنت لم تسمع فهذا ليس بأذى، وهو كان يظن رضي الله عنه وأرضاه أنها تسببت في قطع صلاته فاعتبر هذا أذى فقال: تؤذيني تريد أن تقطع عليّ الصلاة، ولذلك قال له: ( ما أمرتك إلا بخير )، صلاتك عندما أحدثت بطلت، فينبغي أن تتوضأ وأن تصلي، وأما أن تصلي وأنت محدث فلا تصح الصلاة.

    هذه من الدعابات التي جرت مع هذه الأمة المباركة المولاة الصالحة سلمى مع زوجها أبي رافع رضي الله عنهم وأرضاهم، وأبو رافع قد أخذ هذا المعنى من زوجه بعد إرشاد نبينا عليه الصلاة والسلام له فكان لا يقصر أيضاً في نصح المسلمين، وتعديل أحوالهم وإن كانوا في الصلاة في حال مناجاتهم لرب العالمين، لأن زوجته كانت تصحح له وضعه وهو يصلي، فإذا رأى أحداً يصلي وعنده تقصير في شيء يعدل وضعه وهو في الصلاة.

    أبو رافع ينهى الحسن بن علي عن كف شعره وهو في الصلاة

    وهذا حقيقة حال الأكياس الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، يعني هو ما كان يعلم حكم من أحدث في الصلاة لما نبه وأن هذا لا يصح، إذاً ينبغي إذا أخطأ الإنسان في الصلاة أن ينبه، فاستمعوا لهذه القصة التي جرت له مع سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهم أجمعين.

    الحديث رواه الإمام الترمذي وأبو داود وابن ماجه في سننهم بإسناد حسن، من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، قال: مرّ أبو رافع بـالحسن بن علي رضي الله عنهم أجمعين وهو يصلي وقد عقص ظفره في قفاه، وفي رواية: وقد غرز ظفر رأسه. والعقص: هو أن يجعل الإنسان شعره مظفوراً، ثم يأخذ طرف الظفائر ويجعلها في وسط الرأس لئلا تبقى نازلة مدلاة، هذا يقال له عقص، وكانت عادة سلفنا جميعاً أنهم يطيلون شعورهم، وهذا من السنة، ولا يقال: إن الحلق بدعة، بل هو مباح، لكن الأكمل ترك الشعر، وهذا كان حال نبينا عليه الصلاة والسلام وحال الصحب الكرام، وما كانت الشعور تجز إلا في حج أو عمرة، في النسك تذللاً لله وتعبداً له، والأكمل أن يطيل الإنسان شعره، وحقيقة فيه هيبة، الإنسان عندما يطول شعره وهكذا لحيته فإن في ذلك هيبة له مع نور الإيمان، لكن نأخذ بالرخصة في حلق شعر الرأس، أما حلق شعر اللحية فأنصح نفسي وأنصحكم أنه لا رخصة في ذلك، شتان بين شعر الرأس وشعر اللحية، فشعر الرأس إذا استؤصل فاتك الأفضل والأكمل ولا حرج عليك، وأما اللحية فلا يجوز أن تحلق كما تواترت بذلك الأحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    فمر أبو رافع رضي الله عنه وأرضاه بـالحسن بن علي رضوان الله عليهم أجمعين وقد عقص شعره ظفائر وغرزها في وسط الرأس لئلا تبقى مفرقة نازلة على كتفيه، وإذا سجد ستنزل على الأرض، فجاء أبو رافع من ورائه فحلها والحسن يصلي، فالتفت الحسن مغضباً إلى أبي رافع وهو في صلاته دون أن يتغير عن اتجاه القبلة، الالتفات بالرأس فقط يلتفت إلى أبي رافع : ماذا تفعل برأسي وأنا أصلي؟ وتحل الظفائر من وسط رأسي وتجعلها مدلاة نازلة؟ فالتفت الحسن مغضباً إلى أبي رافع ، فقال أبو رافع : يا حسن ! أقبل على صلاتك ولا تغضب، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ذلك كفل الشيطان )، يعني مقعد الشيطان، إذا عقصت شعر رأسك وأخذت الظفائر وجعلتها في الوسط فإن ذلك كفل الشيطان، يعني: مقعد الشيطان، وأنت الآن تصلي والشيطان على رأسك لا يصح، فأنا عندما أحدثت نبهتني زوجتي، وعندما ما قبلت زجرني النبي عليه الصلاة والسلام وقال: ( إنها لم تأمرك إلا بخير )، وأنت لا تغضب يا حسن ! فأنا سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( ذلك كفل الشيطان )، يعني مقعد الشيطان، فينبغي أن ترسل الشعر من أجل أن يسجد معك كما تسجد أعضاؤك، دعه ينزل على الأرض، ولذلك سيأتينا أن من صلى وقد عقص شعره فكأنه صلى وهو مكتوف اليدين، أي: ما امتدت اليدان وأخذن حظهما من السجود والتواضع والتذلل للرحمن، فما يجوز أن تكف شعراً ولا ثوباً في صلاتك كما سيأتينا الإشارة إلى ذلك على وجه الإجمال.

    فـأبو رافع رضي الله عنه وأرضاه انتفع بفعل سلمى رضي الله عنهم أجمعين، وهذا الذي فعله أبو رافع كان يفعله الصحابة الكرام جميعاً إذا رأوا من يخالف في الصلاة، ينبهونه ويعدلونه وهو في صلاته.

    عبد الله بن عباس ينهى عبد الله بن الحارث عن كف شعره وهو في الصلاة

    ثبت في صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه رأى عبد الله بن الحارث -وكلاهما من الصحابة الأبرار رضوان الله عليهم أجمعين- رآه يصلي ورأسه معقوصة أيضاً، جعل الظفائر في وسط الشعر لئلا تكون مدلاة نازلة على الكتفين وعلى الأرض إذا سجد، فقام عبد الله بن عباس وراءه وهو يصلي فبدأ يحل ظفائره، فلما انصرف قال عبد الله بن الحارث لـعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين: ما لك ورأسي؟ فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف )، هل يصح أن تصلي وأنت مربوط اليدين؟ كيف ستسجد لله؟ فدع الشعر يسجد مع سجودك ولا داعي أن يكون في وسط الرأس، وفي رواية أبي داود فأقر عبد الله بن الحارث لـابن عباس بذلك وقال: نعم.

    وقد أمرنا -إخوتي الكرام- أن نسجد على سبعة أعضاء على سبعة أعظم، كما ثبت بذلك الحديث في المسند والكتب الستة من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة معها الأنف واحد، واليدان، والركبتان، وأطراف القدمين )، هذه سبعة أعضاء ينبغي أن تكون معك عند سجودك، وتكملة الحديث: ( وأن لا أكف ثوباً ولا شعراً )، وفي رواية: ( وأن لا أكفت )، والكفت هو الضم والجمع ( ثوباً ولا شعراً )، وإذا قمت لتصلي فيكره لك أن تجمع ثوبك، وأن تكفه، وهكذا الشعر تنهى عن كفه وجمعه، اتركه ينزل من أجل أن يسجد مع سجودك إذا كان لك شعر، ولذلك من صلى وجمع شعره تحت عمته إذا كان له شعر وعقصه فصلاته مكروهة؛ لأنه ما حصل السجود التام لأعضائه على التمام.

    هذا كله -إخوتي الكرام- من باب التنبيه على لطيفة ونكتة ودعابة جرت من سلمى مع زوجها أبي رافع ، وبقية الشواهد لتقرير ذلك الحكم وأن الإنسان إذا سجد ما ينبغي أن يكف ثوباً ولا شعراً، وينبغي أن يسجد بجميعه وبأعضائه وثيابه وشعره لربه جل وعلا، هذا الحديث السادس إخوتي الكرام.

    حديث النعمان بن بشير: (لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه)

    الحديث الثامن رواه الإمام مسلم في صحيحه والترمذي في سننه عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، أنه قال للصحابة المتأخرين الذين امتدت حياتهم وللتابعين رضوان الله عليهم أجمعين، قال: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ يعني أي طعام تريدونه يحصل لكم وألوان الأشربة عندكم، ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ قالوا: بلى، قال: ( لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه )، والدقل: هو رديء التمر، حشف التمر الذي يرمى في هذه الأوقات، وهو التمر الجاف الذي لا حلاوة فيه، هذا يقال له دقل .. رديء .. حشف، فما يجد نبينا عليه الصلاة والسلام من الدقل ما يملأ به بطنه، والحديث في صحيح مسلم، وقد رواه الإمام مسلم أيضاً عن النعمان بن بشير قال: ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما أصاب الناس من الدنيا فقال: ( لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه )، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي من ألم الجوع عليه صلوات الله وسلامه وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه، وكما قلت الحديث في صحيح مسلم من رواية عمر ومن رواية النعمان بن بشير أيضا رضي الله عنهم أجمعين.

    حديث أنس: (ما أعلم أن رسول الله رأى رغيفاً مرققاً حتى لحق بالله..)

    الرواية التاسعة: رواها الإمام البخاري في صحيحه عن قتادة بن دعامة وهو من أئمة التابعين الطيبين رضوان الله عليهم أجمعين، قال: كنا نأتي أنس بن مالك .. وكان هذا في البصرة عندما استوطن أنس البصرة وقتادة فيها رضي الله عنهم أجمعين، كنا نأتي أنس بن مالك وخبازه قائم، في ضيافة كريم عنده خباز يقدم الطعام للحاضرين باستمرار.. كنا نأتي أنس بن مالك وخبازه قائم فيقدم إلينا الخبز الجيد، وهو الذي يكون منخولاً نخلاً جيداً من دقيق البُر، يقدم لنا الخبز ويقول: كلوا، فما أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رغيفاً مرققاً حتى لحق بالله، على نبينا وآله صلوات الله وسلامه، خبازه قائم يقدم لهم هذه النعم ثم يقول: كلوا فما أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رغيفاً مرققاً، أي: ليناً كهذا الخبز من دقيق البُر المنخول، ما أعلم أنه رأى رغيفاً في حياته حتى لحق بالله عليه صلوات الله وسلامه، وأنس هو خادم النبي عليه الصلاة والسلام وأعلم الناس بأحواله.

    والحديث في صحيح البخاري ، قال أنس : وما أعلم أنه رأى شاة سميطاً بعينه حتى لقي ربه عليه الصلاة والسلام، والشاة السميط: هي التي ينزع عنها صوفها وشعرها بواسطة غليها بالماء، ثم بعد ذلك تحنذ على النار بجلدها، هذه يقال لها: سميط، قال أئمتنا: هذا فعل المترفين؛ لأن الشاة التي تسمط ينزع عنها الصوف والشعر بالماء الحار ثم تشوى وتحنذ بجلدها، هذا فعل المترفين من وجهين:

    الوجه الأول: أن هذا السمط يكون في الغالب للشاة الصغيرة، لأنها ستطبخ مع جلدها فمن أجل أن تنضج ينبغي أن تكون صغيرة، ولو كانت كبيرة فإن لحمها لن يصبح ناضجاً طيباً، وفي ذلك ترف؛ لأن هذه الصغيرة لو تركت لكبرت فصارت الشاة بمقدار ثلاث شياه، لكن المترفين لا يبالون، فما رأى شاة سميطاً حتى لحق بربه عليه الصلاة والسلام.

    والوجه الثاني في أن هذا من فعل المترفين: أن هذا الجلد عندما شوي بالنار فسد ولو سلخ لانتفع به الناس، فهم ضيعوا الجلد بسمطه، وهذه الشاة أكلوها وهي صغيرة وكان بالإمكان أن تترك سنة من أجل أن تصبح الشاة تعدل ثلاث شياه أو أكثر، فما أعلم أنه عليه الصلاة والسلام رأى شاة سميطاً بعينه حتى لقي بربه.

    والوصف الثالث الذي يقوله أنس عن سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: وما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان حتى مات عليه الصلاة والسلام، والخوان: هو ما يوضع عليه الطعام، وهو ليس كالسفرة وليس كالمائدة، المائدة صحون الطعام يقال لها مائدة، والسفرة: من جلد توضع ليوضع عليها الطعام، هذا فعل في حضرة نبينا عليه الصلاة والسلام، أما الخوان فهو جهاز خاص للطعام كالطاولات، أظن أنهم في مصر يقولون عنه طبلية أحياناً، يعني شيء خاص يؤكل عليه، فهذا ما فعل في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام وما أكل على خوان قط، والخوان كما قال علماء اللغة: المشهور فيه كسر الخاء خِوان، ويجوز الضم خُوان، ويجوز أن تقول: إخوان، وهو اسم للشيء الذي يؤكل عليه، وجمعه خُون، وأخاوين، وأخوين، وسمي الخوان خواناً كما قال ثعلب من أئمة اللغة: لأنه يتخون ما عليه، والتخون هو النقص، فما عليه من الطعام ينقص بسبب أكل الآكلين. فما أكل عليه الصلاة والسلام على خوان قط، ولا رأى سميطاً بعينه حتى لقي ربه، ولا رأى رغيفاً مرققاً حتى لحق بالله عز وجل، هذا ما آثره رسولنا عليه الصلاة والسلام في هذه الحياة، وهذا ما اختاره الله له من أجل أن ينال درجة لا ينالها أحد من المخلوقات في نعيم الجنات على نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام.

    حديث سهل بن سعد: (ما رأى رسول الله النقي ولا رأى منخلاً حتى قبض...)

    الحديث العاشر وهو آخر الأحاديث: رواه الإمام أحمد في المسند والبخاري في صحيحه عن سهل بن سعد وهو من الصحابة الكرام، أنه سئل: هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم النقي؟ فقال سهل : ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم النقي من حين ابتعثه الله حتى قبض. ما وقعت عيناه على نقي، دقيق بُر منخول هذا ما رآه مطلقاً عليه الصلاة والسلام، ودقيق الشعير لا ينخل عندهم ينفخ نفخاً، أما دقيق البُر فنخله في الحقيقة ترف، فقيل له: هل كانت عندكم مناخل تنخلون بها؟ فقال سهل بن سعد : ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم منخلاً قط من حين ابتعثه الله حتى قبض، فقيل له: وكيف كنتم تأكلون الشعير؟ ما عندكم من نفي وهو دقيق البر، ولا مناخل فكيف كنتم تأكلون الشعير؟ فقال: كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثريناه بالماء، يعني بللناه بالماء وعجناه ثم خبزناه. نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثريناه بالماء، والشعير -إخوتي الكرام- لعل من أكله يعرف حاله فقشره كالإبر، لو أخذت قشرة الشعير وغرزتها في جلدك فسيخرج الدم منها، فكيف ستدخل للجوف بدون نخل؟ هذا حال من آثر الآخرة على الدنيا، ينفخ فما طار منه طار من هذا القشر الخفيف، والباقي بعد ذلك يبل بالماء ويعجن ثم يخبز ويؤكل.

    إخوتي الكرام! قال علماء اللغة: المنخل بضم الميم والخاء مُنخُل، وهذا من النوادر لأنه اسم آلة، والأصل أن يقال: مِنخَل، مثل مِطرَقة، هذا هو الأصل، لكن خرج من الأصل فهو مُنخُل، واسم الآلة ينبغي أن يكسر أوله ويفتح ثالثه، فيقال: مِنخَل، لكن هذا من النوادر -كما قال علماء اللغة- في الاستعمال عند العرب، بضم الأول والثالث وهو اسم آلة مُنخُل، وهو ما ينخل به وهو معروف، فما رأى عليه الصلاة والسلام منخلاً منذ أن بعثه الله حتى قبضه عليه صلوات الله وسلامه، وهذا ثابت في أحاديث كثيرة، ففي مسند الإمام أحمد عن أمنا عائشة رضي الله عنها، ولا تعتبر روايتان لأنه تقدم معنا رواية عائشة في تقرير طعام نبينا عليه الصلاة والسلام، إنما أريد ما يتعلق بالمنخل فقط رواية أخرى.

    تقول أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: والذي بعث محمداً بالحق عليه صلوات الله وسلامه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم منخلاً، ولا أكل خبزاً منخولاً منذ بعثه الله إلى أن قبض. فقال لها عروة رضي الله عنه وأرضاه: كيف كنتم تأكلون الشعير؟ شعير لا ينخل كيف تأكلونه؟ وهذا دليل أنه في زمن التابعين وجدت المناخيل، بل صار ينخل البُر، ولذلك يقول أئمتنا: أول بدعة حدثت في هذه الأمة وتوسع في أمر الحياة نخل الدقيق، وأرادوا بعد ذلك ألوان الأطعمة، فقال عروة لأمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: كيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نطحنه ثم نقول: أُف. يعني: ننفخ عليه، والحديث كما قلت في مسند الإمام أحمد.

    1.   

    جوع النبي صلى الله عليه وسلم وشده الحجارة على بطنه وما جاء في ذلك من آثار

    إخوتي الكرام! هذه الروايات كلها تقرر المعنى الذي تقدم معنا وهو أن نبينا عليه الصلاة والسلام اختار الدون في قوته وطعامه من حيث الكمية والكيفية عليه صلوات الله وسلامه، بعد هذا التقرير لهذه الروايات أذكر حالة لنبينا عليه الصلاة والسلام في جوعه وهي معجزة من معجزاته عليه صلوات الله وسلامه، جوع لكن انظر ما يترتب عليه من معجزة تدل على أنه رسول الله عليه الصلاة والسلام حقاً وصدقاً.

    إخوتي الكرام! بلغ من جوع نبينا عليه الصلاة والسلام عندما يطوي الأيام والليالي لا يأكل أنه كان يشد على بطنه الشريف -فداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا عليه صلوات الله وسلامه- يشد صفائح الحجارة، يأتي بالحجارة الرقيقة التي كحجم الكف، فيضعها على بطنه ثم يشد الإزار عليها من أجل أن يقيم صلبه وظهره؛ لأن البطن إذا خوي وضمر يسقط الإنسان على وجهه، فمن أجل أن يقوم الصلب يأتي بهذه الحجارة ويضعها على البطن ويشد عليها عليه صلوات الله وسلامه، وقد وجد في الصحابة من شد حجراً على بطنه، لكن ما وصل إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام، شدوا حجراً واحداً أما هو فكان يشد حجرين في كثير من الأحوال عليه صلوات الله وسلامه، فإن وقع بهم أحياناً شيء من الشدة لكن بمقدار، أما هو عليه صلوات الله وسلامه فيتحمل ما لا يتحمله غيره، وسأذكر لذلك ثلاثة أحاديث فقط فيما يتعلق بشد صفائح الحجارة على بطن نبينا الشريف عليه صلوات الله وسلامه؛ لنعلم مدى اعتنائه بطعامه عليه الصلاة والسلام.

    وكان بعض شيوخنا يقول -ونسأل الله أن يلطف بنا-: من كان همه ما يأكله فقيمته ما يخرج منه، وهذا هو حالنا إلا ما رحم ربك في هذه الأيام، ليس لنا هم ولا فكر ولا بحث إلا ماذا سنأكل وماذا سنطبخ وماذا سنضع من ألوان الأطعمة، ولو أن الإنسان قدم له لون واحد فكأنه فعل كبيرة حينما سيأكل لوناً واحداً! لو قيل لأحدنا مثلاً: كل حتى خبزاً ولحماً فقط يقول: لا، لازم يوجد سلطة ولازم يوجد لبن وعصيرات وفواكه، ولو قلت له: كل خبزاً وزيتاً، سيقول: وهل يوجد أحد يأكل خبزاً وزيتاً هذه الأيام؟ أو خبزاً وخلاً، أو خبزاً وبندورة فقط، يقول: هذا مضى زمنه.

    هذه أحوالنا حقيقة، ولذلك -إخوتي الكرام- نحن أمة لا تصلح لا لدين ولا لدنيا، والله نحن عار حتى على الأرض، الأرض التي نمشي عليها ستعير بنا، تقول: هذه الأمة التي وجدت وما تهتم إلا ببطونها كيف ابتليت الأرض بنا؟ وانظر لحال نبينا عليه الصلاة والسلام وسلفنا، لقد خلقوا لغاية، والغاية التي خلقوا من أجلها قاموا بها على وجه التمام، وأما بعد ذلك أكل أو لم يأكل، ماذا نقص منه إذا ما ملأ بطنه من أطايب الطعام؟ ماذا أصابه؟ لا شيء على الإطلاق، وكما كان أئمتنا يقولون: البطن زجاجة لا تشف، سواء وضعت فيه لحماً أو وضعت فيها خبزاً يابساً، لا أحد يعرف ما في بطنك، لكن إذا اعتاد الناس على الشهوات فهذه هي المهلكات، وكان أئمتنا يقولون: من قنع بالخبز لم يستعبده أحد، من يأكل الخبز لا يستعبده أحد من خلق الله، والخبز موجود في كل مكان: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:56]، وإذا حصلت الخبز فكل ورق الشجر، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كثيراً ما يقتاتون بورق الشجر ويضعون كما تضع الشاة، فهل نقص من قدرهم في الدنيا أو في الآخرة؟ لا والله، ونبي الله موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه لما هرب من بلاد مصر إلى بلاد مدين ما كان معه من طعام إلا ورق الشجر، ولذلك قال بعد ذلك: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24]، أيام متتابعة ما دخل جوفي إلا ورق الشجر، فهل نقص هذه من قدره عند ربه أو في هذه الحياة؟ لا ثم لا، ولذلك ما أوتينا إلا من قبل شهواتنا.

    ورحمة الله على أبي حازم سلمة بن دينار كان عندما يدخل السوق ويرى الفاكهة يقول لها: موعدك في الجنة، أما في هذه الحياة فبيني وبينك حواجز.

    كنت مرة في بعض البلاد الإسلامية في إندونيسيا وهناك فقر شديد، فقالوا لي مرة: يا شيخ! بعض الفواكه كالتفاح سعر الكيلو يزيد على عشرة ريالات بالريالات القطرية، وراتب الواحد هناك في الشهر مائة ريال قطري أو مائة وخمسون على أقصى حد، والكيلو التفاح سعره عشرة ريالات، فمرة ذكرت لهم التفاح فقال لي واحد منهم: يا شيخ! أنا في حياتي ما ذقت التفاح، أراه فقط في السوق، أما أنني ذقته والله ما أعرف طعمه، وهو طالب في كلية الشريعة، فذكرت لهم هذه القصة ففرحوا، قلت: قولوا له: موعدك الجنة، كما قال سلمة بن دينار .

    هذا حال الشهوات، فاستن بحال النبي عليه الصلاة والسلام، واعلم أن هذه الحالة اختارها مع أنه لو أراد أن تسير معه الجبال ذهباً لسارت، لتعلم ماذا في نفسه عليه الصلاة والسلام من معانٍ في تعظيم الله ومعاملة هذه الحياة بما تستحق.

    حديث جابر في شد النبي الحجر على بطنه عند الخندق

    الحديث الأول: وفيه شد الحجر على بطن نبينا الشريف عليه الصلاة والسلام رواه الإمام أحمد في المسند، ورواه الشيخان في الصحيحين، ورواه الإمام البيهقي في دلائل النبوة.

    ولفظ الحديث: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( لما حفر الخندق رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصاً ) يعني ضمور بطن، وسيأتينا في الروايات أن هذا الضمور شد عليه بحجر من أجل أن يقوم صلب النبي عليه الصلاة والسلام وأن يعتدل، قال: ( فانكفأت إلى امرأتي -يعني رجعت إليها وذهبت إليها- فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصاً شديداً، فأخرجت إلي جراباً فيه صاع من شعير )، وصاع الشعير تقدم معنا أنه عند الجمهور كيلو وسبعمائة وثمانية وعشرون جراماً، تقريباً كيلوين إلا ربع، وأقل بشيء قليل، ( ولدينا بهيمة داجن )، والبهيمة هي: ولد الضأن، والداجن هي: ما تكون في البيت وتألفه فلا تخرج إلى المرعى، ( قال: فذبحتها، وطحنت زوجتي الصاع من الشعير، ففرغت إلى فراغي )، ذبحت البهيمة وسلختها وزوجتي فرغت من طحن الصاع من الشعير، وقطعتها في برمتها في القدر ( ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له زوجته: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه )، انتبه هذه بهيمة صغيرة والشعير قليل، إياك أن تدعو جمعاً كثيراً، ادع النبي عليه الصلاة والسلام ومعه واحد أو اثنان، ونحن بعد ذلك أهل البيت سنأكل، لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، يظن أنه عندنا طعام كثير فيدعو أهل الخندق، وأهل الخندق عددهم ألف رجل يحفرون، قال: ( فجئته فساررته فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! ذبحنا بهيمة لنا وطحنت صاعاً من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك )، توسع جابر رضي الله عنه في الدعوة فقال: ونفر معك، وزوجته سيأتينا في بعض الروايات أنها قالت له: يأتي واحد أو اثنان، قال: ( فصاح النبي صلى الله عليه وسلم: يا أهل الخندق! إن جابراً قد صنع سؤراً فحي هلاً بكم )، والسؤر باللغة الفارسية: الوليمة والطعام، وقد تكلم نبينا عليه الصلاة والسلام بالفارسية بهذه اللفظة فمعه سلمان الفارسي، قال: ( فحي هلاً بكم )، يعني: تعالوا وعجلوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـجابر: ( لا تنزلن برمتكم )، هذا القدر لا ينزل عن النار: ( ولا تخبزن عجينكم حتى أجيئكم )، البرمة تبقى منصوبة على النار والعجين لا يخبز حتى أحضر عليه صلوات الله وسلامه.

    قال: ( فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس، حتى جئت امرأتي، فقالت: بك وبك )، بدأت تعاتبه وتلومه، ألف رجل وما عندنا إلا بهيمة وصاع من شعير، قال: ( وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: قد فعلت الذي قلت لي، فأخرجت عجيننا فبصق فيه عليه صلوات الله وسلامه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك -أي: دعا بالبركة- ثم قال: ادعي لي خابزةً فلتخبز معك )، واحدة ما تكفي، ألف رجل سيأكلون، مع أنه صاع من شعير، لكن ببركة النبي صلى الله عليه وسلم لن يخبزه إلا خابزتان على تنورين، ( واقدحي من برمتكم )، أي: اغرفي، واغرفي منها ما شئت، لكن إياك أن تنزليها أو تكفتيها، كما تقدم معنا حديث: ( لا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعى عليك، ولا توكئ فيوكئ عليك ) قال: ( ولا تنزلوها، قال جابر: وهم ألف، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو ).

    رواية أخرى لحديث جابر في شد النبي الحجر على بطنه عند الخندق

    وفي رواية: يقول جابر بن عبد الله : ( إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة )، والكدية: هي الحجر الصلب القوي الذي لا يستطيع الإنسان أن يفتتها، ( فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل )، أي: نازل إليها، هذا هو البطل المغوار عليه صلوات الله وسلامه ( ثم قام وبطنه معصوب بحجر عليه صلوات الله وسلامه -فداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا- قال جابر : ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً، وعصب النبي عليه الصلاة والسلام بطنه بحجر، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فعاد كثيباً أهيل )، يعني تلك الكدية والحجر الصلب عاد كثيباً، والكثيب: هو الرمل المجتمع، أهيل: سائلة، كأنه صار رملاً يسيل كأنه ماء، كما تسيل الرمال بالرياح في البوادي والصحراء، وفي رواية ( فعاد كثيباً أهيم ) أي: تراباً دقيقاً يابساً يتطاير، هذه الحجر الصماء الصلبة صارت كأنها رماد يتطاير.

    يقول جابر في رواية الإمام أحمد في المسند: أنه أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي صلى الله عليه وسلم على بطنه حجراً من الجوع، وأما تلك الصخرة فلما ضربها نبينا عليه الصلاة والسلام ظهرت معجزات عدا عن معجزة تكثير الطعام، تلك المعجزات أشارت إليها رواية الإمام أحمد في المسند، والنسائي في السنن، ورواها أبو نعيم في دلائل النبوة، والبيهقي في دلائل النبوة أيضاً، وإسناد الأثر حسن كما في فتح الباري في الجزء السابع صفحة سبع وستين وثلاثمائة، وانظروا الأثر في مجمع الزوائد أيضاً في الجزء السادس صفحة إحدى وثلاثين ومائة، ولفظ الحديث: عن البراء بن عازب رضي الله عنهم أجمعين قال: ( عرضت لنا صخرة في بعض الخندق لا تأخذ فيها المعاول -أي: لا تؤثر فيها- فجاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا له: صخرة لا تعمل فيها المعاول، قال: إني نازل إن شاء الله، فجاء ورش عليها الماء عليه الصلاة والسلام وقال: بسم الله، فضربها الضربة الأولى فكسر ثلثها وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة )، أنظر إليها وكيف ستفتحها أمتي، وقد حصل هذا في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، ثم قال: ( بسم الله، فضربها الضربة الثانية فقطعت ثلثاً آخر وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والذي نفسي بيده إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الساعة، ثم ضربها الثالثة وقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر فقال: أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء في مكاني الساعة ) اليمن وفارس وبلاد الشام.

    فقال المنافقون لعنات الحي القيوم عليهم: محمد عليه الصلاة والسلام يعدنا أننا سنفتح الشام وبلاد كسرى واليمن وأحدنا لا يستطيع أن يقضي حاجته! وقد حقق الله لنبينا عليه الصلاة والسلام ما أطلعه عليه، سبحان ربي العظيم، حجر على بطنك يا خير خلق الله عليه الصلاة والسلام ومع ذلك عندك هذه الهمة، وستفتح لك الشام وبلاد كسرى واليمن، وأنت الآن ثلاثة أيام ما ذقت طعاماً وتعصر بطنك بحجر! هذا هو رسول الله عليه الصلاة والسلام حقاً وصدقاً.

    إخوتي الكرام! وهذه الرواية صحيحة، رواها الإمام الطبراني أيضاً في معجمه الكبير وأبو نعيم أيضاً في دلائل النبوة، من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ، ورواها ابن سعد في الطبقات، والطبري في تفسيره، وابن أبي حاتم في تفسيره، وأبو نعيم في دلائل النبوة، والبيهقي في دلائل النبوة من رواية كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف الهزمي عن أبيه عن جده، وجده هو عمرو بن عوف صحابي رضي الله عنهم أجمعين، ورواها أبو نعيم في دلائل النبوة عن أنس بن مالك، ورواها الإمام أحمد لكن في زيادات ولده عبد الله على المسند، والطبراني في معجمه الكبير بسند صحيح من رواية ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي عليه الصلاة والسلام ضرب ثلاث ضربات وبشرهم في الضربة الأولى: يفتح الشام، والثانية: يفتح بلاد كسرى، والثالثة: يفتح اليمن، عليه صلوات الله وسلامه.

    رواية ثالثة لحديث جابر في شد النبي على بطنه عند الخندق

    إخوتي الكرام! هذه رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول فيها: عندما قام النبي عليه الصلاة والسلام وبطنه معصوب بحجر، وفي رواية أبي يعلى في مسنده يقول: لما كان يوم الخندق نظرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته قد وضع حجراً بينه وبين إزاره ليقيم به صلبه من الجوع عليه صلوات الله وسلامه، فانظر لفعل جابر رضي الله عنه وأرضاه لما رأى بنبينا عليه الصلاة والسلام ما رأى، قال: فقلت: ( يا رسول الله! ائذن لي إلى البيت )، أريد أن أذهب لحاجة، وما أعلمه بما دبر في نفسه وأنه سيذبح تلك البهيمة للنبي عليه الصلاة والسلام، ( فقلت لامرأتي: إني رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ما في ذلك صبر )، نبينا عليه الصلاة والسلام يشد الحجر على بطنه الشريف وعندنا صاع من شعير وعندنا بهيمة، لا نستطيع أن نصبر على ذلك، ( فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر -يعني تجهز واختمر للخبز- والبرمة بين الأثافي ) وهي الحجارة التي تنصب عليها البرمة ( قد كادت أن تنضج، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! طُعيم لي -يعني طعام قليل- فقم أنت يا رسول الله عليه الصلاة والسلام ورجل أو رجلان، قال: كم هو؟ فذكرت له صاع وبهيمة عناق، قال: كثير طيب، قل لها: لا تنزعي البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي، فقال: قوموا يا أهل الخندق )، ألف رجل يأكلون من صاع وعناق، وليتهم أكلوا فقط، سيأتينا أنهم أهدوا إلى الجيران؛ لأن الناس أصيبوا بمجاعة، والحديث كما قلت في الصحيحين وغيرهما، ( فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحك! جاء النبي عليه الصلاة والسلام بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ -يعني ماذا عندكم؟- قلت: نعم، قالت: الله ورسوله أعلم )، هناك بدأت تلومه كما تقدم معنا وتقول: بك وبك، أما هنا فقالت: سألك ماذا عندكم؟ قلت: نعم، قالت: الله ورسوله أعلم، إن كان الأمر كذلك فنحن نعلم أنه رسول الله عليه الصلاة والسلام حقاً وصدقاً، ولن يخيبنا الله، ( فجاء رسول الله عليه صلوات الله وسلامه، فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا )، يعني لا تتزاحموا، خذوا الأمر بالراحة وطول البال وكل واحد يأتيه أكثر مما يليه، ( فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر ويغرف حتى شبعوا، وبقي منه بقية فقال: كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة ).

    هذه الحادثة الأولى، التي شد النبي عليه الصلاة والسلام فيها على بطنه حجراً، وأكرمه الله بهذه المعجزة، الذي أكرمه بهذه المعجزة أما كان بالإمكان أن ينزل له من السماء بُراً ودقيقاً وخبزاً نقياً؟ كان بالإمكان، لكن هو الذي اختار هذا عليه الصلاة والسلام، وإذا بعد ذلك جد الجد وحزم الأمر فإن الله جل وعلا لا يتخلى عن رسوله عليه الصلاة والسلام، فصاع من شعير بمقدار اثنين كيلو إلا ربع يأكل منه ألف مقاتل، وهم جياع، ليسوا مثلنا الآن عندما نذهب لوليمة ونحن في طريقنا للوليمة نتجشأ، وأما أولئك فالواحد منهم جائع يريد أن يرى شكل الطعام، فهذا يسليه، فكيف إذا حصل بين يديه خبزاً ولحماً، يأكل منه ألف، ثم يقول بعد ذلك: (أهدوا إلى لجيران ووزعوا على أهل المدينة فالناس أصابتهم مجاعة)، ووالله لو اجتمع أهل الأرض وكانوا مليارات وبلايين لأكلوا من تلك البرمة التي برّك عليها نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام.

    وتقدم معنا في معجزاته، تقدم معنا وطعامه عند النهي عن الإحصاء والعد والربط والاستقصاء، أنه قال لمن أحصوا ما عندهم: ( لو تركتموه لقام لكم ما بقي )، تأكلون منه أنتم ومن يأتي إلى يوم القيامة، ولكن أنتم حرمتم أنفسكم تلك البركة.

    حديث أنس في شد النبي الحجر على بطنه واستضافة أبي طلحة له

    هذا الحديث الأول إخوتي الكرام! الذي فيه شد الحجر على بطن نبينا عليه الصلاة والسلام، حادثة ثانية في غير موقعة الخندق، شد أيضاً الحجر على بطنه الشريف عليه صلوات الله وسلامه حتى دعاه أبو طلحة إلى طعام، لكن هناك لا يوجد صاع من شعير ولا يوجد بهيمة، إنما كسيرات فقط من خبز يصب عليها شيء من الأدم في عكة لو عصرناها نحن ما خرج منها قطرة، يعصر عكة فيها شيء من زيت أو سمن على هذه الكسيرات من خبز الشعير يأكل منها ثمانون نفراً، ثم يبقى بقية ليهدى منها أيضاً للجيران، والحديث صحيح رواه الإمام أحمد في المسند، والشيخان في الصحيحين، ورواه الإمام مالك في الموطأ، وابن حبان في صحيحه، والترمذي في سننه، ورواه البيهقي في دلائل النبوة، ورواه حماد بن إسحاق في تركة النبي عليه الصلاة والسلام، ولفظ الحديث: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال أبو طلحة لـأم سليم رضي الله عنهم أجمعين: ( قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفاً أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم، فأخرجت أقراصاً من شعير ثم أخذت خماراً لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت ثوبي وردته لبعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبت به فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في المسجد ومعه الناس، وقمت عليهم ) أي: وقف عليهم ومعه ما معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أرسلك أبو طلحة؟ ) وهو زوج أم أنس رضي الله عنهم أجمعين ( قلت: نعم، قال: أبطعام؟ قلت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: قوموا، فانطلقوا وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم ! قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم )، هذا الأمر اتركه لرسول الله عليه الصلاة والسلام والأمر ليس بتدبيري ولا تدبيرك، ( فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقبله، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه حتى دخلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلم ما عندك يا أم سليم! فأتت بذلك الخبز فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت، وعصرت عليه أم سليم من عكة لها فآدمته، ثم قال فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام ما شاء أن يقول من الدعاء والالتجاء إلى رب الأرض والسماء، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة، حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون رجلاً أو ثمانون ).

    وفي رواية للبخاري ( أن أم سليم عمدت إلى مد من شعير )، والمد عند الجمهور الأئمة الثلاثة تقدم معنا ضبطه بالموازين الحديثة وهو: أربعمائة واثنان وثلاثون غراماً؛ لأن الصاع أربعة أمداد، ألف وسبعمائة وثمانية وعشرون غراماً اقسمها على أربعة يخرج معك أربعمائة واثنان وثلاثون، وهي قريب من نصف كيلو عمدت إلى مد وهو أقل من نصف كيلو، ( فطحنته وجعلت منه خطيفة )، والخطيفة: لبن ودقيق يطبخ ثم يلعق، سوف يأتي ثمانون شخصاً يلعقون من نصف كيلو من شعير، ( وعصرت عليه عكة لها ) ليصبح فيه شيء من الدسم مع اللبن وخبز الشعير، ( ثم بعثته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأتيته وهو في أصحابه فدعوته فقال: ومن معي؟ ) هل يأتي أيضاً الصحابة الحاضرون؟ ( فجئت فقلت: إنه يقول ومن معي؟ فخرج إليه أبو طلحة فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إنما هو شيء صنعته لك أم سليم )، أي: شيء قليل لك خاص لتأكله ( فدخل فجيء به وقال: أدخل عليّ عشرة، حتى عد أربعين، ثم أكل النبي عليه الصلاة والسلام ثم قام، فجعلت أنظر هل نقص منها شيء )، وفي رواية لـمسلم قال أنس : ( بعثني أبو طلحة رضي الله عنهم أجمعين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأدعوه وقد جعل طعاماً، قال: فأقبلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس فنظر إلي فاستحييت، فقلت: أجب أبا طلحة يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! فقال للناس: قوموا، فقام أبو طلحة فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إنما صنعت لك شيئاً، فمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا فيها بالبركة ثم قال: أدخل نفراً من أصحابي عشرة، وقال: كلوا، وأخرج لهم شيئاً من بين أصابعه فأكلوا حتى شبعوا، فخرجوا فقال: أدخل عشرة، فأكلوا حتى خرجوا، فما زال يدخل عشرة ويخرج عشرة، حتى لم يبق منهم أحد إلا دخل فأكل حتى شبع، ثم هيأها -يعني جمع الذي بقي- وجمعها على بعضها فإذا هي مثلها حين أكلوا منها ).

    وفي رواية: ( فوضع النبي عليه الصلاة والسلام يده فيه وسمى عليه وقال: ائذن لعشرة، فأذن لهم فدخلوا فقال: كلوا وسموا الله، فأكلوا، حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً، ثم أكل النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك، وأهل البيت وتركوا سؤره )، يعني بقيته ليهدى إلى الجيران.

    وفي رواية: قال أبو طلحة : ( يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إنما كان شيئاً يسيراً، قال: هلمه فإن الله سيجعل فيه البركة، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكل أهل البيت ثم أفضلوا ما أبلغوا إلى جيرانهم ).

    وفي رواية أخرى: ( ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة وأم سليم وأنس وفضلت فضلة فأهدوا منها لجيرانهم ).

    وفي رواية أخرى في الصحيح: عن أنس بن مالك قال: ( جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فوجدته جالساً مع أصحابه قد عصب بطنه بعصابة على حجر، قال: فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله عليه الصلاة والسلام بطنه؟ فقالوا: من الجوع، فركض إلى زوج أمه وإلى أمه يخبرهما بحال النبي عليه الصلاة والسلام، فذهبت إلى أبي طلحة -وهو زوج أم سليم بنت ملحان - فقلت: يا أبتاه! قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه فقالوا: من الجوع، فدخل أبو طلحة على أمي فقال: هل من شيء؟ فقالت: نعم، عندي كسر من خبز وتمرات، فإن جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده أشبعناه، وإن جاءنا آخر معه قلّ عنهم )، يعني لو جاء واحد فقط معه لقل الطعام ولما شبع النبي عليه الصلاة والسلام.. ثم ذكر الحديث بمعنى ما تقدم.

    إذاً: هذه حالة أخرى، عصب النبي عليه الصلاة والسلام بطنه بحجر، وجعل الله بعد ذلك العسر يسراً، وجعل له معجزة وكرامة، بحيث نصف كيلو من الشعير كفت ثمانين رجلاً، ثم أكل النبي عليه الصلاة والسلام وأكل أبو طلحة وأم سليم وأنس ثم أهدوا إلى الجيران.

    حديث أبي هريرة في رفع النبي عن حجرين مشدودين إلى بطنه

    والحديث الثالث: رواه الإمام الترمذي في سننه وفي الشمائل وقال عنه غريب، وسبب غرابته واستغراب الإمام الترمذي له أنه من رواية سيار بن حاتم العنزي أبو سلمة البصري وهو صدوق له أوهام، توفي سنة مائتين أو قبلها، وحديثه في السنن الأربعة إلا سنن أبي داود ، وحديثه يشهد له شواهد كثيرة.

    وكما قلت هو في السنن والشمائل المحمدية على نبينا صلوات الله وسلامه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع، ورفعنا ثيابنا عن حجر حجر إلى بطوننا ) كل واحد يضع حجراً على بطنه، ( فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثيابه عن حجرين )، يعني إذا أصبتم بشدة فهو يتحمل ما هو أشد عليه صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! ما يتعلق بهذه الأحاديث وبموضوع شد الحجر على البطن عند الجوع، سوف يأتينا الكلام عليه على وجه الاختصار إن شاء الله مع التنبيه على وهم بعض علمائنا في هذه الأحاديث.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولم علمنا وتعلم منا، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.