إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مباحث النبوة - جود النبي صلى الله عليه وسلم وجود نسائه

مباحث النبوة - جود النبي صلى الله عليه وسلم وجود نسائهللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأكرمهم على الإطلاق، فهو الجواد الكريم المفضال الذي كان يجود بكل ما يملك عليه الصلاة والسلام، فما سأله أحد شيئاً إلا أعطاه إياه، وما عرفت الدنيا أكرم ولا أجود منه صلى الله عليه وسلم، كل ذلك مع قلة ذات يده وعزوفه عن الدنيا وزخرفها، مع أنه لو أراد لجعل الله له جبال تهامة ذهباً، لكنه آثر الآخرة الباقية على الدنيا الفانية، وقد تعلم نساؤه أمهات المؤمنين منه الجود والكرم، وضربن أروع الأمثلة في الكرم والإنفاق.

    1.   

    جود النبي صلى الله عليه وسلم وكرمه مع قلة ذات اليد

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحابته وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس الأمور التي يعرف بها وصدق النبي والرسول على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسوله صلوات الله وسلامه، وهذه الأمور تقدم معنا أنها أربعة أمور:

    أولها: النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه، في خلقه وخلقه.

    والثاني: النظر إلى دعوة النبي عليه الصلاة والسلام ورسالته التي أتى بها.

    والثالث: النظر إلى الكرامات والمعجزات وخوارق العادات التي أيده الله بها.

    والرابع: النظر إلى حال أصحابه، التلاميذ صورة لشيخهم ومربيهم.

    هذه الأمور الأربعة من تأملها لا يرتاب في صدق الأنبياء والمرسلين على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه، ولا يرتاب أيضاً في كذب من يدعي النبوة ممن لم ينبئه الله ولم يرسله؛ لأنها لا تنطبق عليه هذه الأمور.

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس الأمر الأول منها والعلامة الأولى ألا وهي: النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه في خلقه وخلقه، وقلت: إن الله أعطى أنبياءه ورسله على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه الكمال في الأمرين: في خلقهم، وفي أخلاقهم على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وجمعوا بين البهاء والجمال، واتصفوا بالكمال في الخلق والخلق على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    وقد تدارسنا ما يتعلق بالأمر الأول ألا وهو النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه خلقاً، وانتقلنا بعد ذلك إلى المدارسة لما يتعلق بالنبي عليه الصلاة والسلام خُلقاً، وقلت: إذا أردنا أن نتكلم على أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام التي توضح أنه رسول حقاً لربنا الرحمن، ينبغي أن نتكلم على أخلاقه مع الحق جل وعلا، ومع الخلق، وخُلُقه مع الخلق عليه صلوات الله وسلامه تكون -كما تقدم معنا- مع أهله ونسائه وأهل بيته عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، ومع أصحابه الطيبين الطاهرين وأمته إلى يوم الدين، ومع الملائكة الكرام المقربين على نبينا وعليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم التسليم، ومع أعداء نبينا عليه الصلاة والسلام من شياطين الإنس ومن شياطين الجن، وكيف كان خلقه مع هذين الصنفين من أعدائه؟!

    ثم نتكلم على خلقه مع الجمادات ومع الحيوانات عليه صلوات الله وسلامه، فمن تأمل خلقه مع هؤلاء الأصناف السبعة، وبعد ذلك خلقه مع الحق جل وعلا، لن يرتاب في أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً وصدقاً.

    وبدأنا بأول هذه الأمور السبعة التي هي خلقه مع الخلق، قلت: أما خُلقه مع الحق فسوف نختم به الكلام على أخلاق نبينا عليه الصلاة والسلام.

    أما خلقه مع الخلق فقد ذكرت أننا سنبدأ بخلقه مع نسائه وآل بيته على نبينا وعلى بيته الطيبين الطاهرين صلوات الله وسلامه، وقلت: خلقه في بيته يتحدد ضمن الكلام على أربعة أمور لابد منها:

    الأول: الثلاثة الأولى مقدمة للأمر الرابع منها: بيان داره وبيوته التي كان يسكنها، الأثاث الذي في تلك البيوت، الطعام الذي يتناول في تلك الحجر، ثم المعاملة بينه وبين نسائه على نبينا وعليهن صلوات الله وسلامه في تلك الحجر، ماذا كان يجري من معاملة مثالية ما عرف لها المتقدمون ولا المتأخرون نظيراً إلا في أنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، ومع ذلك دون ما أثر عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وقد تكلمنا -إخوتي الكرام- على ما يتعلق بحجر النبي عليه الصلاة والسلام ووصفتها، وكيف كانت تلك الحجر متواضعة، وهي حال من اتخذ هذه الحياة معبراً ولم يتخذها موطناً ومقراً عليه صلوات الله وسلامه، وباختصار: كان الإنسان إذا دخل إلى حجر النبي عليه الصلاة والسلام، ورفع يديه ينال السقف، وإذا تمدد في أي جهة من جهات حجره على نبينا وآل بيته صلوات الله وسلامه ينال الجدار إذا مد رجليه إلى أي جهة من الجدار، وهذه الحجر كانت من جريد النخل ومطلية بطين على نبينا صلوات الله وسلامه.

    وهذه الحالة التي كان عليها خير خلق الله عليه الصلاة والسلام قلت: هي من باب الاختيار لا من باب الاضطرار، فلو أراد أن تسير معه جبال الدنيا ذهباً ولؤلؤاً وزمرداً وفضة لسارت معه، لكنه يعلم أن ما عند الله خير وأبقى، وأن هذه الحياة مهما طالت فإلى فناء وزوال، وأنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فاختار تلك الحالة الطيبة الكريمة على نبينا صلوات الله وسلامه؛ ليكون هذا برهاناً على صدقه في دعوى نبوته عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فقد كان أغنى الخلق، وما عرفت البشرية ولا عرف العالم ولا عرف الوجود نفساً أغنى من نفس نبينا عليه الصلاة والسلام، وكان أجود الخلق عليه صلوات الله وسلامه، وما عرفت البشرية صاحب جود كنبينا المحمود عليه الصلاة والسلام.

    وتقدم معنا أنه كان يعطي غنماً تملأ ما بين جبلين، ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر عليه صلوات الله وسلامه، مع غناه في نفسه وجوده بيمينه، فكانت يمنيه أجود بالخير من الريح المرسلة، رضي بالفقر في معيشته، وآثر غيره بما يملكه عليه صلوات الله وسلامه، فمنذ أن بعثه الله حتى لقي بربه ما شبع يومين متتاليين من خبر الشعير عليه صلوات الله وسلامه، وكان يجوع يوماً ويشبع يوماً على نبينا صلوات الله وسلامه، وهذا كما قلت: لا لقلة ما كان يملك عليه صلوات الله وسلامه، لكن يوزع ويعطي ويؤثر على نفسه، ولا لبخل على نبينا صلوات الله وسلامه، فهو أجود من عرفته البشرية في هذه الحياة، وما يمكن أن يأتي ولا وجد قبله أجود منه عليه صلوات الله وسلامه.

    يقول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسر ويفرح بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه. يعني: عندما يعطي فرحته بالإعطاء أعظم من فرحة الآخذ بالأخذ، كان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه، وكان أجود الناس بالخير، وكانت يمينه أجود من الريح المرسلة، يذكر هذا في كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد على نبينا صلوات الله وسلامه في الجزء الثاني صفحة: (22)، وتقدم معنا في الموعظة الماضية شيء من جوده، وكيف لو سألته ملابسه التي يلبسها لأعطاك إياها، وحقيقة هو أولى الناس بما قاله بعض الشعراء يمدح بعض الأجواد، لكنه قصر في مدح غير نبينا عليه الصلاة والسلام بهذه الأبيات، هذه الأبيات لا ينبغي أن يمدح بها إلا خير العباد عليه صلوات الله وسلامه، ولا تنطبق إلا على نبينا خير المخلوقات عليه صلوات الله وسلامه، يقول:

    تعود بسط الكف حتى لو أنه ثناها لقبضٍ لم تجبه أنامله

    لو أراد أن يثني كفه لقبضٍ لم تجبه أنامله.

    تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله

    ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائلهْ

    هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله

    1.   

    اكتساب عائشة وسائر أزواج النبي خلق الكرم والجود منه صلوات الله وسلامه عليه

    إخوتي الكرام! ذكرت شيئاً من جود نبينا عليه الصلاة والسلام في شهر الجود والكرم في شهر رمضان الذي نعيش فيه، وهذا الخلق الذي كان في نبينا عليه الصلاة والسلام أحب أن أبين أنه سرى في أهل بيته وفي نسائه، ويحق لهن أن يتصفن بذلك، كيف لا وهن أزواج خير خلق الله على نبينا وآل بيته صلوات الله وسلامه، ولذلك سأقرر الآن وجود هذه الصفة في نسائه، وأبين بعد ذلك ما عرض الله عليه زيادة على ما تقدم، ثم ننتقل إلى بيان أثاث نبينا عليه الصلاة والسلام في حجره وفي بيته.

    أما جود نسائه فلن أتكلم على جودهن كلهن، إنما سآخذ واحدة منهن، وبقية الحوادث تأتي عند ترجمة أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام كما وعدت بذلك إذا انتهينا من هذه الأمور الأربعة.

    وقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام وسيأتينا هذا عند ترجمة نسائه: أن أول نسائه لحاقاً به أطولهن يداً، أي: أكثرهن جوداً، وهي زينب رضي الله عنهن أجمعين، فاسمع لجود واحدة دون زينب رضي الله عنهن أجمعين وعلى نبينا وعليهن صلوات الله وسلامه.

    أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ثبت في طبقات ابن سعد ، والأثر إسناده صحيح، وانظروه في الجزء الثامن صفحة (67)، وهو في حلية الأولياء في الجزء الثاني صفحة (47)، عن أم ذرة ، وهي من الصحابيات المباركات، انظروا ترجمتها في الإصابة في الجزء الرابع صفحة (448) تقول أم ذرة رضي الله عنها: بعث عبد الله بن الزبير ، وهو ابن أخت أمنا عائشة رضي الله عنها، فهي خالته، هو ابن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، بعث عبد الله بن الزبير بمال في غرارتين، يعني: في وعائين وفي شنطتين ومحفظتين وصندوقين، بعث بمال في غرارتين يكون مائة ألف درهم، أرسله من مكة إلى أمنا عائشة رضي الله عنها وهي في المدينة، فدعت بطبق، فجعلت تقسم وتوزع، فلما حان المغرب وأمست قالت للجارية: عليَّ بفطوري، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت: يا أم المؤمنين! أما كنت تركتِ لنا درهماً نشتري به لحماً نفطر عليه؟ قالت: رحمك الله! لا تعنفيني، لو ذكرتيني لفعلت. سبحان ربي العظيم! مائة ألف تقسمها كلها عندما تصل إليها لا تترك لنفسها منها درهماً، وهي صائمة، وكانت تصوم وتواصل، تصوم الدهر بعد موت نبينا عليه صلوات الله وسلامه، كما سيأتينا في ترجمتها، ثم ما تركت لنفسها درهماً تفطر عليه، فلما قالت لها أم ذرة : هلا تركتِ درهماً نشتري به لحماً نفطر عليه؟ قالت: رحمك الله لا تعنفيني لو ذكرتيني لفعلت. لو قلتِ لي: نترك درهماً نشتري به لحماً، نفطر عليه لفعلت، لكن ما بقي من المائة ألف درهمٌ واحد.

    هذا الجود أخذته من نبينا المحمود عليه صلوات الله وسلامه، كان يعطي غنماً ما يملأ ما بين جبلين، ثم يخرج من الدنيا وما شبع من خبز الشعير، وينام -كما سيأتينا- على الحصير الذي هو أثاث بيته حتى يؤثر في جنبه عليه صلوات الله وسلامه، وهذا حال نسائه الطاهرات المباركات، مائة ألف تقسمها ولا تترك لنفسها درهماً، وإياك أن تظن أن هذه حادثة فردية، فقد جرى مثل هذا لأمنا عائشة مئات الحوادث وما فيها من خيرات تنفقها ذات اليمين وذات الشمال، وهي لا تملأ بطنها من خبز الشعير لا في حياة نبينا الجليل عليه الصلاة والسلام ولا بعد موته على نبينا وآل بيته صلوات الله وسلامه.

    استمع إلى حادثة أخرى رواها أيضاً أبو نعيم في الحلية، وابن سعد في الطبقات، عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: رأيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تتصدق بسبعين ألف درهم جاءتها، وكان يرسل إليها من قبل الصحابة ومن قبل أغنياء المسلمين إكراماً لنبينا الأمين، وهي أم المؤمنين بنص القرآن: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]، كانوا يرسلون لها، لكن لا تأخذ مما يرسل إليها درهماً واحداً، يقول عروة : حضرتها تقسم سبعين ألفاً، وكانت ترقع جانب درعها، وفي رواية: جيب درعها، والدرع نوع من الثياب التي تلبسها ترقعه وهي توزع سبعين ألف درهم تتصدق بها، ثم بعد أن تنتهي من الصدقة تقوم وترقع جانب درعها رضي الله عنها وأرضاها.

    وقد تكررت هذه الحوادث، ففي الحلية أيضاً ومستدرك الحاكم بسند صحيح، وانظروا الأثر في المستدرك في الجزء الرابع صفحة: (13)، عن عروة بن الزبير أيضاً، قال: أرسل معاوية من الشام رضي الله عنه وعن سائر الصحابة الكرام مائة ألف درهم إلى أمنا عائشة رضي الله عنها، فقسمتها ولم تترك منها درهماً، فلما حان وقت فطورها دعت بفطورها، فقالت لها مولاتها التي أعتقتها وهي بريرة رضي الله عنها: هلا تركتِ لنا درهماً نشتري به لحماً نفطر عليه؟ فقالت: رحمك الله لو ذكرتيني لفعلت. مائة ألف انتهينا منها وما بقي منها درهم واحد، نفطر على خبز وزيت.

    وروى أبو نعيم في الحلية عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه، وأمنا عائشة تكون عمته رضي الله عنهم أجمعين، قال: أهدي إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سلال من عنب، والسلة معروفة، وعاء من عيدان تنسج، أرسلت سلال من العنب إلى أمنا عائشة رضي الله عنها فقسمته، فرفعت الجارية سلة دون علم أمنا عائشة رضي الله عنها، الجارية التي تعمل عند أمنا عائشة تعرف أن جميع السلال سوف توزع ولن يبقى منها شيء، وأمنا عائشة صائمة، فلما حان وقت الفطور أحضرت الجارية سلة العنب، وأمنا عائشة لا تعلم بها، فقالت: من أين هذا؟ قالت: رفعته لأجل أن تفطري عليه، فقالت أمنا عائشة : أفلا كان عنقوداً واحداً؟ والله لا آكل منه شيئاً. ترفعين سلة كاملة، نحن بيت النبوة ندخر سلة عنب؟! ما يأتينا نرسله للناس، طيب إذاً ما الفائدة من إرسال الناس إليكم؟ كلما أرسل إليكم شيء وزعتموه، وأنتم ما أكلتم منه، على نبينا وآل بيته صلوات الله وسلامه.

    هذا الخلق أخذته أمنا عائشة ، وهكذا صاحباتها أمهاتنا على نبينا وعليهن صلوات الله وسلامه ممن كان يؤثر الخلق على نفسه عليه صلوات الله وسلامه، فيجود ويرضى بعد ذلك بخبز الشعير والنوم على الحصير على نبينا صلوات الله وسلامه، تأمل هذا الخلق، تأمل هذه المعاملة، تأمل هذا الإيثار في نبينا المختار عليه صلوات الله وسلامه لتتحقق أنه أغنى الناس نفساً، وأنه أكرم الناس يداً، ومع ذلك كان يرضى بالفقر في معيشته في بيته مع نسائه عليه صلوات الله وسلامه، وسيأتينا أن نساءه لما سألنَ زيادة النفقة، ولا تظنوا أنهن يردن حلياً إلى الكتفين أو إلى المرفقين، بل إن الواحدة تريد أن تأكل فقط، تطلب أكلاً كما أن الناس يأكلون، فتح الله عليك والأمة صارت بخير ونعمة، لمَ لا زلنا دون الناس؟ وهذا بيت خير الأسياد بيت نبينا سيد الناس عليه الصلاة والسلام، نأكل مثل الناس، فلما طلبن هذا هجرهن شهراً كاملاً، ونزلت آية التخيير، وهي التي تخلع القلوب، وكان أئمتنا يقولون: هذه أشد آيات القرآن تخويفاً: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:28]، لا ألزمكن بالبقاء معي.. سبحان الله! ماذا يردن من الدنيا؟ هي تريد أن تملأ بطنها تمراً فقط، نشبع يوماً ونجوع يوماً، ومع ذلك تنزل هذه الآية التي تخلع القلب: إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:28-29].

    والحديث سيأتينا وهو في الصحيحين، ثم بعد أن هجرهن شهراً كاملاً بدأ بأصغرهن بأمنا عائشة قال: سأعرض عليك أمراً لا تستعجلي حتى تستشيري أبويك، ويقرأ الآية عليها، فتقول: أفيك أستشير؟ بل أختار الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، آكل خبز الشعير والنوم على الحصير، مع هذه اللذة التي نحصلها في الحياة والسعادة بعد الممات، هذا يغنينا عما عداه، بل أختار الله ورسوله، فأمنا عائشة ، وهكذا سائر أمهاتنا بعد تلك الحادثة أخذن درساً، فعندما يأتيها مائة ألف أو سبعون ألفاً، أو سلال عنب، تتذكر الآية التي نزلت وتخلع القلب: تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [الأحزاب:28]، أنتن أزواج خير العباد عليه الصلاة والسلام، الركون إلى الدنيا هذا لا يليق ولا ينبغي أن يكون في بيت النبوة على نبينا صلوات الله وسلامه، هذا حال أمهاتنا أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام، لقد أخذن هذا الخلق الكريم الطاهر من نبينا عليه صلوات الله وسلامه، مات ولم يملأ بطنه من خبز الشعير فضلاً عن غيره عليه صلوات الله وسلامه.

    1.   

    تواضع النبي صلى الله عليه وسلم واختياره شظف العيش وقلة المال مع كرمه وجوده

    إخوتي الكرام! وكما قلت: لا تظنوا أن هذا من باب القلة، فالله قد أعطاه من الغنى الذي ملكته يداه وجاد به ما لم يعطِ أحداً، بل عرض عليه ما لم يعرض الله على الأولين، ولا يمكن أن يحصله أحد من العالمين، لكنه أبى، فاستمعوا لبعض الحوادث زيادة على ما ذكرت، عندما عرض الله عليه أن يسير جبال مكة ذهباً، انظروا تقريراً لذلك بأحاديث أخرى.

    اختيار النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون عبداً رسولاً لا ملكاً رسولاً

    روى الإمام أحمد في المسند والبزار وأبو يعلى ، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه وإسناده صحيح كالشمس، وقد صححه ابن حبان وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزائد في الجزء التاسع صفحة (19): إسناد أحمد والبزار رجاله رجال الصحيح، والحديث صحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: ( جلس جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر جبريل إلى السماء على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فقال: يا محمد على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه! هذا ملك نزل، ما نزل منذ أن خلق الله الخلق قبل هذه الساعة )، هذه أول مرة ينزل من السماء إلى الأرض، وسيأتينا بيانه، وهو إسرافيل الملك الموكل بالنفخ في الصور على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فلما نزل سلم على النبي عليه الصلاة والسلام وقال: ( يا محمد! إن الله يقرأ عليك السلام، وأرسلني إليك وقال لي: أتريد أن تكون ملكاً نبياً، أو تريد أن تكون عبداً نبياً؟ )، أنا مرسل من قبل الحق أسلم عليك وأتبرك بك على نبينا صلوات الله وسلامه، وعندي هذه الأمانة، أتريد أن يجعلك الله ملكاً رسولاً، ملكاً نبياً، أو عبداً نبياً؟ فإذا كنت تريد الملك مع النبوة سنعطيك أبهة الملك، ونعطيك ملكاً ما حصل لا لفرعون ولا لـقارون ولا لنبي الله سليمان، ولا لأحد من عباد الرحمن، أو تريد أن تكون عبداً نبياً؟ والعبد ما عنده مظاهر الملك والأبهة والفخامة والترف، ماذا تريد؟ اختر، يقول: ( فنظرت إلى جبريل كالمستشير، ماذا تشير علي؟ فقال جبريل: يا محمد صلى الله عليه وسلم! تواضع لربك، فقلت: بل عبداً نبياً )، لا أريد أن أكون ملكاً نبياً، إنما أكون عبداً نبياً، عبداً رسولاً على نبيا صلوات الله وسلامه.

    ولو اختار أن يكون ملكاً نبياً فاسمعوا ماذا سيعطيه الله جل وعلا، ثبت في مسند أبي يعلى بإسناد صحيح، كما قال الحافظ الهيثمي في المجمع: إسناد الأثر حسن، والأثر رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق، ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى، عن أمنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ( يا عائشة ! لو شئت لسارت معي جبال الذهب )، الجبال تصبح ذهباً ولا تبقى مكانها في قرارها، إنما إذا مشيت تمشي معي، مالاً متنقلاً، ( لو شئت لسارت معي جبال الذهب، جاءني ملك حجزته لتساوي الكعبة )، وهو إسرافيل كما سيأتينا على نبينا عليه صلوات الله وسلامه، حجزته لتساوي الكعبة، والحجزة هو المكان الذي يعقد الإنسان فيه إزاره، فهو في هذه الضخامة وهذا الكبر في شكله على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه: ( حجزته لتساوي الكعبة، فقال: يا محمد على نبيا صلوات الله وسلامه! إن الله يقرأ عليك السلام ويقول: إن شئت أن تكون نبياً عبداً، وإن شئت أن تكون نبياً ملكاً؟ فنظرت إلى جبريل، فقال جبريل لنبينا الجليل عليه صلوات الله وسلامه: يا محمد! ضع نفسك لربك، فقلت: بل أكون عبداً نبياً، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد )، على نبينا صلوات الله وسلامه، والحديث إسناده صحيح كما قلت.

    وهذان الحديثان يشهدان للحديث الثالث، وهو الحديث الذي رواه الطبراني في معجمه الكبير عن ابن عمر ويوضح اسم ذلك الملك الذي نزل من السماء، وفي رواية الطبراني يحيى بن عبد الله البابلتي ، قال ابن سعد : هذا اسم جد أبيه وكان من الملوك، وقال الإمام الحاكم أبو أحمد : البابلتي مكان بين حوران وبين الرقة في بلاد الشام، يقال له: البابلتي.

    على كل حال في إسناد الأثر يحيى بن عبد الله البابلتي قال عنه الحافظ الهيثمي : ضعيف، وهو ابن امرأة الأوزاعي ، وكان يكثر من الرواية عن الأوزاعي ، ويقال: إنه ما سمع هذه الروايات منه، وهذا نوع من التدليس، فيأخذها بواسطة ويرويها عنه بدون ذكر الواسطة، يحيى بن عبد الله البابلتي .

    قال عنه الحافظ في التقريب: حديثه في سنن النسائي ، وروى له البخاري في صحيحه تعليقاً، وما ورد في الميزان من أنه من رجال الترمذي وصحيح البخاري ، فهذا خطأ من الذين طبعوا الكتاب، فالتاء هنا ليست تاء، ينبغي أن تكون نوناً، فليست رمزاً للترمذي ، إنما هي رمز للنسائي ، فتجعل سيناً أو نوناً، والخاء ينبغي أن يجعل بها علامة البخاري في تعليقه؛ لأنه ما روى له ضمن الإسناد على أنه من رجاله.

    على كل حال: قال أئمتنا: هو ضعيف من ناحية الرواية، لكن هذه الرواية تشهد لها رواية أبي هريرة المتقدمة، ورواية أمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين، ولفظ الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( لقد هبط علي ملك من السماء، ما هبط على نبي قبلي، ولن يهبط على أحد بعدي )، ما له إلا هذا الهبوط الواحد فقط، ( وهو إسرافيل، على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فقال: يا محمد على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه! إن الله أمرني أن أخيرك بين أن تكون نبياً ملكاً أو عبداً نبياً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن أشار عليه جبريل: بل أكون عبداً نبياً، ثم قال عليه الصلاة والسلام: لو كنت ملكاً نبياً )، يعني: لو اخترت هذا، ( لسارت الجبال معي ذهباً )، يعني: لأعطاني الله من الملك ما لم يعطِ أحداً من ملوك الدنيا وحكامها.

    توسل النبي بربوبيته تعالى لجبريل وميكائيل وإسرافيل عند افتتاحه لصلاة الليل

    وإسرافيل مع جبريل مع ميكائيل هؤلاء أفضل ملائكة السماء، كما أن أفضل أهل الأرض نبينا الجليل عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يتوسل إلى الله دائماً بربوبيته لهؤلاء الملائكة الثلاثة بأن يحيي قلبه، وفي ذلك تعليم لنا لندعو بهذا الدعاء الذي كان يدعو به نبينا عليه الصلاة والسلام، فجبريل موكل بالوحي وهو حياة الأرواح، وميكائيل موكل بالقطر وهو حياة الأبدان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور، وهو حياة العالم، فمن وهب لهذه الأرواح هذه القدرة على الإحياء: هذا يأتي بالوحي، فتحيا به القلوب، وهذا ينزل المطر بإذن علام الغيوب فتحيا الأبدان، وذاك ينفخ في الصور فيحيا العالم بأسره، من أعطى هذه الأرواح الثلاثة هذه القدرة، قادر على أن يحيي قلبك إذا توسلت إليه بربوبيته لهؤلاء الملائكة العظام، كأنك تقول: يا رب! أنت عظيم، وأعطيت هؤلاء الملائكة أمراً عظيماً، فأسألك أن تحيي قلبي وأن تنوره.

    ثبت في المسند وصحيح مسلم والسنن الأربعة، والحديث في صحيح مسلم ، فلا داعي للتنصيص على صحته فهو في أعلى درجات الصحة، عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يصلي، يفتتح صلاته بعد تكبيرة الإحرام فيقول: اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم )، وهذا الذكر يستحب للإنسان أن يقوله عندما يناجي ربه في قيام الليل، فيفتتح صلاته بعد تكبيرة الإحرام بهذا الدعاء: (اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).

    وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يتوسل إلى الله بربوبيته لهؤلاء الملائكة الثلاثة في كثير من المناسبات، ففي مستدرك الحاكم ومعجم الطبراني الكبير والبزار ، والأثر رواه الإمام ابن السني في كتاب عمل اليوم والليلة، ورواه الإمام الدارقطني في كتاب الأفراد عن أبي مليح ، وتقدم معنا ذكر أبي المليح في أول دروسنا من سنن الترمذي عند حديث: ( مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم )، وقلت: اسمه أسامة بن عمير ، وهو من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين تقدم معنا.

    عن أبي المليح أسامة بن عمير رضي الله عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتين -يعني السنة- يقول هذا الدعاء قبل صلاة الفريضة: اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل ومحمد النبي أعوذ بك من النار ثلاثاً )، يعيدها ثلاث مرات، يتوسل إلى الله بربوبيته لأفضل مخلوقاته، أفضل ملائكة السماء، وأفضل أهل الأرض أن يعيذه من النار.

    والأثر رواه الإمام أبو يعلى والطبراني في الأوسط وإسناده حسن عن أمنا عائشة أيضاً رضي الله عنها وأرضاها، والإمام النووي رحمه الله ورضي الله عنه عزا هذا الحديث لهذه الكتب المتقدمة، عزاه فقط إلى ابن السني في عمل اليوم والليلة في الأذكار، والعزو إلى المستدرك أقوى من كتاب عمل اليوم والليلة بكثير، وهو كما قلت: في المستدرك، والطبراني والبزار وعمل اليوم والليلة لـابن السني والأفراد للدارقطني ، وروي عن أبي يعلى في مسند أبي يعلى والطبراني في الأوسط عن أمنا عائشة ، واقتصر الإمام النووي في عزوه إلى ابن السني في هذا الدعاء، وانظروه فيما يقوله الإنسان بعد ركعتي السنة في كتاب الأذكار، عزا هذه الرواية فقط لـابن السني عن أبي المليح أسامة بن عمير ، والحديث إسناده صحيح كما تقدم معنا.

    وكان نبينا عليه الصلاة والسلام أيضاً يتوسل إلى الله بربوبيته لهؤلاء الملائكة الكرام على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه في غير هذه الأحوال المتقدمة، أي: في غير قيام الليل وافتتاح الصلاة عند قيام الليل، وفي غير الدعاء الذي يقال بعد ركعتي الفجر، ثبت في سنن النسائي وإسناد الحديث حسن، عن أمنا عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ( اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل أعوذ بك من حر النار وعذاب القبر ).

    تخيير الله تعالى لنبيه بين الدنيا وبين الآخرة واختياره للآخرة عليه الصلاة والسلام

    فإسرافيل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام لم ينزل قط قبل هذا النزول، ولن ينزل على أحد بعد ذلك النزول، ثم قال للنبي عليه الصلاة والسلام: ( أنا رسول من قبل الحق إليك بعد أن أبلغك سلامه، إن شئت أن تكون نبياً ملكاً، وإن شئت أن تكون نبياً عبداً )، النبوة لك ثابتة على الحالتين، لكن تريد مظاهر الدنيا وبهجتها فالله على كل شيء قدير، وسيجعل جبال تهامة من مكة إلى اليمن كلها ذهباً وفضة ولؤلؤاً وزمرداً، ولن يكلف الأمر شيئاً، إلا أن يقول الله: كن فتكون، الله على كل شيء قدير، ولا يقدر أحدٌ على قلب الأعيان إلا ذو الجلال والإكرام، هذا الكتاب لو اجتمع أهل الأرض على أن يحولوه إلى ذهب لما استطاعوا، وإذا أراد الله أن يجعله ذهباً قال له كن فيكون وانتهى الأمر.

    لذلك يقول أئمتنا كما نص عليه الإمام ابن كثير عند قول الله الجليل حكاية عن العاتي الخبيث قارون : فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [القصص:79]، يقول الإمام ابن كثير : قال بعض الناس: إن قارون كان يتعاطى ويعاني صنعة الكيمياء، وهي هوس تخيله بعض المخلوقات، وهي أنه يمكن قلب حقائق الأشياء، فيمكن أن يقلب الحجر إلى ذهب، يقول: كان قارون عنده هذه الصنعة، فأوتي ملكاً عظيماً بواسطة علم الكيمياء، قال الإمام ابن كثير : وهذا هوس، وعلم الكيمياء لا حقيقة له، وليس في وسع أحد من البشر أن يقلب حقائق الأشياء، فالذهب ذهب لا عن طريق الصناعة، هذا عن طريق خلق الله، والفضة فضة لا عن طريق الصناعة بل عن طريق خلق الله. يعني: ليس بإمكان البشر أن يحولوا الحجر إلى ذهب أو فضة، ولا الحديد إلى ذهب أو فضة، والماس ماس، وهكذا سائر الأحجار، هذه خلقها الله لا يمكن لأحد أن يغيرها: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30].

    ثم يقول الإمام ابن كثير : وأما قلب الأعيان عن طريق الكرامة لعباد الله الصالحين فهذا ثابت؛ لأن ذلك ليس بمشيئة المخلوقات، إنما هو بمشيئة رب الأرض والسماوات، كما جرى لـحيوة بن شريح عندما سأله سائل وعلم صدقه وما كان عند حيوة ما يعطيه، فأخذ مدرة من الأرض وأجالها في يده، ثم وضعها في يد السائل فقلبها الله ذهباً.

    فتحويل المدر إلى ذهب هذا بمشيئة الله، ليس عن طريق صنعة الكيمياء، وهذا كرامة، وما جاز لنبي جاز لولي، لكن يقع للنبي معجزة وللولي كرامة، والله على كل شيء قدير، وسيأتينا هذا عند مبحث خوارق العادات إن شاء الله، وهذه القصة ثابتة صحيحة في تفسير ابن كثير في هذا المكان الذي ذكره، وفي تذكرة الحفاظ، وفي تهذيب التهذيب في ترجمة العبد الصالح حيوة بن شريح ، وهو من أئمة التابعين الكرام.

    إذاً: جبال تهامة بأسرها تحول ذهباً وفضة لنبينا عليه الصلاة والسلام إذا شاء، لكنه بعد ذلك ينام على الحصير ويأكل خبز الشعير؛ لأن الدنيا لا وزن لها عند الله، ولا تعدل جناح بعوضة، فكيف يتنافس الناس على عرض دنيوي زائل ليس له عند الله أي اعتبار؟ ولو كانت الدنيا من أولها إلى آخرها تعدل جناح بعوضة لما شرب الكافر في هذه الحياة قطرة ماء، ولو منعه الله من ذلك لتركه يموت عطشاً لهوانه على ربه جل وعلا، ويعطي الله المال لمن يحب ولمن لا يحب، ولا يعطي الدنيا والآخرة إلا لمن يحب، إذا كان كذلك فلا يتنافس فيها الكرام.

    فنبينا عليه الصلاة والسلام عرضت عليه الدنيا فقال: لا، ثم ما منَّ الله به عليه جاد به على غيره، وهو كان على حالته في معيشته منذ أن بعثه الله إلى أن قبضه ما تغير حاله عليه صلوات الله وسلامه، لا قبل المغانم والفتوح ولا بعد المغانم والفتوح عليه صلوات الله وسلامه، وسيأتينا أنه عندما توفي عليه صلوات الله وسلامه ما خلف في بيوته إلا نصف صاع من شعير في بيت أمنا عائشة رضي الله عنها، وهذا الشعير كان عندما يطحن لا ينخل ولا ينفخ ليتطاير القشر، ثم بعد ذلك يخبز ويؤكل كما هو، على نبينا وآل بيته صلوات الله وسلامه، وكما قلت: لا تظن أن هذا لقلة أو بخل، فالأمة الإسلامية في أواخر حياة النبي عليه الصلاة والسلام انتعشت، والحياة حصل فيها رخاء، لكن بيت النبوة ينبغي أن يتميز، وأن يعلم الخلق قاطبة أنه ما أراد بهذه الدعوة دنيا ولا ملكاً عليه صلوات الله وسلامه.

    إذاً: هذا حال النبي عليه الصلاة والسلام، لو اختار أن يكون نبياً ملكاً لسارت الجبال معه ذهباً تمشي معه أينما يريد، وعنده هذا الملك العريض عليه صلوات الله وسلامه.

    نعم إخوتي الكرام! أتي نبينا عليه الصلاة والسلام بمفاتيح الدنيا بأسرها لتكون ملكاً له، فرفض ذلك واختار الحالة التي كان عليها عليه صلوات الله وسلامه، ثبت في المسند بإسناد صحيح كما قال الهيثمي في المجمع في الجزء التاسع صفحة: (20)، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه، وانظروه في موارد الظمآن صفحة: (525) في زوائد ابن حبان ، والحديث قد صححه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الرابع صفحة: (197)، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أوتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق عليه قطيفة من سندس )، مقاليد الدنيا، مفاتيحها من أولها لآخرها، أتي بها على فرس أبلق عليه قطيفة من سندس، من حرير، إن أردت أن تكون ملكاً نبياً لك ذلك، فاختار أن يكون عبداً نبياً على نبينا صلوات الله وسلامه.

    والأحاديث في ذلك كثيرة، ففي معجم الطبراني الكبير بسند حسن عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ( خير النبي صلى الله عليه وسلم بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة )، مع أنه لو أراد الدنيا لن ينقص حظه عند الله من الآخرة، لكن كما قلت: الدنيا لا وزن لها ولا اعتبار، والله عندما خيره في ذلك إشارة وكأنه يقول له جل وعلا: الدنيا لا وزن لها عندي ولا اعتبار، لكن لئلا يظن لهوانك عندي ما أعطيتك إياها، فماذا تريد؟ قال: يا رب! لا أريدها ما دامت ليس لها عندك قدر ولا اعتبار، خير بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة عليه صلوات الله وسلامه.

    حديث ابن عباس في تخيير النبي بين إعطائه مفاتيح خزائن الأرض وبين بقائه على حالة الفقر

    أختم هذا -إخوتي الكرام- بهذا الحديث ثم ننتقل إلى بيان أثاث بيت نبينا عليه الصلاة والسلام وأثاث حجره على نبينا وآل بيته صلوات الله وسلامه، روى الإمام الطبراني في معجمه الأوسط والبيهقي في الزهد، وانظروا كتاب الزهد صفحة: (196)، والحديث قد حسنه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الرابع صفحة: (196)، وهو أيضاً في كتاب الزهد كما قلت صفحة: (196)، لكن من دون أجزاء، كتاب الزهد مجلد واحد، وأما الترغيب والترهيب أربع مجلدات.

    والحديث -كما قلت- في معجم الطبراني الأوسط، وذكره الحافظ الهيثمي في المجمع في الجزء العاشر صفحة: (315)، وقال: رجاله رجال الصحيح غير سعدان بن الوليد فلم أعرفه، وسعدان بن الوليد موجود في سند كتاب الزهد للإمام البيهقي ، والحافظ الهيثمي يقول: لم أعرفه، والمنذري حسن الحديث مع وجود سعدان بن الوليد في الإسناد، فهو في معجم الطبراني الأوسط، وفي كتاب الزهد للبيهقي ، وقد رجعت إلى أكثر من عشرة كتب في أسماء الرجال والجرح والتعديل، كالتاريخ الكبير للإمام البخاري ، والجرح والتعديل للإمام ابن أبي حاتم ، والمغني في الضعفاء للإمام الذهبي ، وميزان الاعتدال للذهبي ، واللسان وجرح المجروحين لـابن حبان .. وغيرها لأقف على ترجمة لـسعدان بن الوليد فما وجدت، والأمر كما قال الهيثمي : لم أعرفه، وما وجدت له ترجمة، فاكتبوا هذا الاسم عندكم إذا عثر أحد على ترجمة لـسعدان بن الوليد في كتب الرجال فليخبرني، وبقية الإسناد رجاله رجال الصحيح، وقد حسنه الإمام المنذري فإما أن المنذري اطلع على حاله وخفي علينا فحسن الحديث، والمنذري قبل الإمام الهيثمي ؛ لأن الإمام المنذري من علماء القرن السادس للهجرة، والإمام الهيثمي من علماء القرن الثامن، بل في بداية القرن التاسع، المنذري توفي سنة (656هـ)، وأما الإمام الهيثمي فتوفى سنة (807هـ) وكسور، والمنذري قبله بقرابة مائتي سنة، فإما أن المنذري اطلع على حال سعدان بن الوليد فحسن الحديث بناء على هذا، وإما أنه حسنه لوجود شواهد له، فقد وقفت على شواهد لهذا الحديث، فقد روى نحو هذا الحديث الذي سأذكره الإمام الطبراني في معجمه الكبير، وفي إسناده محمد بن أبي ليلى ولا يوجد سعدان بن الوليد ، ومحمد بن أبي ليلى كما قال الإمام الهيثمي : وثقه جماعة، لكنه سيئ الحفظ، وقال عنه الحافظ في التقريب: صدوق سيئ الحفظ جداً، توفي سنة: (148هـ)، وحديثه في السنن الأربعة، والحديث رواه الطبراني أيضاً في معجمه الكبير من طريق آخر، والبيهقي لكن في دلائل النبوة في الجزء الأول صفحة: (334) من غير طريق سعدان بن الوليد ، ومن غير طريق محمد بن أبي ليلى ، من طريق بقية بن الوليد ، وبقية حديثه مخرج في البخاري تعليقاً، وفي صحيح مسلم وفي السنن الأربعة، قال عنه أئمتنا: صدوق، لكنه كثير التدليس، تقدم معنا أنه يدلس تدليس التسوية، وقال أئمتنا: أحاديث بقية ليست نقية، فكن منها على تقية، لكن على كل حال هو صدوق في نفسه، لكنه يدلس، يحذف الضعيف بين الثقتين، ويسوي الإسناد ويجعله كأنه كله ثقات، وهذا هو تدليس التسوية، وهو شر أنواع التدليس.

    ففي هذا الطريق بقية ، وفي الطريق الذي قبله محمد بن أبي ليلى ، وفي الطريق الذي قبله سعدان بن الوليد ، فلعل المنذري حسن الحديث لتعدد طرقه، وتعدد الطرق يرفعه لدرجة الحسن، هذا عدا عن الشواهد المتقدمة التي تشهد لمعنى الحديث، فإما أنه عرف حال سعدان فحسنه بناء على هذا، وإما لتعدد الطرق وكثرة الشواهد، ولفظ الحديث: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصفا ومعه جبريل على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لجبريل: والذي بعثك بالحق! )، يعني: أرسلك إلي، قال: ( والذي بعثك بالحق! ما أمسى لآل محمد عليه الصلاة والسلام سفة دقيق ولا كف سويق )، ما عندنا سفة دقيق، ما يستفه الإنسان ويأكله، ولا كف من سويق، ما يوجد في البيت شيء، لا دقيق ولا سويق.

    يقول ابن عباس رضي الله عنهما فيما ينقله عن نبينا عليه الصلاة والسلام: ( فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هدة عظيمة، فقال: ما هذا يا جبريل؟ أمر الله القيامة أن تقوم؟ فقال: لا، القيامة لن تقوم الآن، لكن الله جل وعلا لما سمع كلامك أمر إسرافيل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه أن ينزل، وهذا إسرافيل قد جاء، فجاء إسرافيل فسلم على نبينا الأمين عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وقال: يا محمد صلى الله عليه وسلم! إن الله بعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك أن أسير معك جبال تهامة زمرداً وياقوتاً وذهباً وفضة )، (وأمرني أن أسير معك جبال تهامة)، من مكة إلى اليمن، هذه كلها جبال تهامة، كلها إن أردت أن تسير زمرداً وياقوتاً وذهباً وفضة، ( فإن شئت أن تكون نبياً ملكاً، وإن شئت أن تكون نبياً عبداً ).

    كلامك سمعه الله، وهذه الهدة العظيمة من نزول هذا الملك الذي لم ينزل قط على أحد ولن ينزل بعد ذلك على أحد، نزل هذا الملك الموكل بالنفخ في الصور، نزل إكراماً لك، وسمع الله كلامك بأنه ما عندك سفة دقيق ولا كفٌ من سويق، ماذا تريد؟ هل تريد أن نعطيك ما لم نعطِ أحداً من العالمين، وما حصل لأحد من المخلوقين، جبال تهامة تسير معك زمرداً وياقوتاً وذهباً وفضة، تريد؟ وأن يجعلك الله نبياً ملكاً بدلاً من أن تكون نبياً عبداً؟ أتريد هذا؟ قال: ( فأومأ إلي جبريل أن تواضع يا محمد عليه الصلاة والسلام، فقلت: بل أكون نبياً عبداً، بل أكون نبياً عبداً، بل أكون نبياً عبداً، ثلاث مرات ).

    1.   

    اتصاف النبي صلى الله عليه وسلم بالكمال في الجود والكرم

    إخوتي الكرام! هذا حال نبينا عليه الصلاة والسلام، هذا حاله عليه صلوات الله وسلامه، ما هو عليه اختاره، مع الغنى الذي في قلبه، ومع الجود الذي في يده عندما يأتي إليه المال، وكما قلت: ما عرفت الحياة أجود من خير البريات عليه الصلاة والسلام، وما عرف البشر أغنى نفساً منه، وما عرف البشر أشد قناعة ورضا بالدون عليه صلوات الله وسلامه كنبينا صلى الله عليه وسلم، ما عنده يؤثر به غيره، وغناه في قلبه، ثم يأكل الشعير وينام على الحصير على نبينا صلوات الله وسلامه، فقد جمع الله له الغنى مع الفقر، وجمع الله له الجود مع الاقتصاد، أجود الخلق وأغنى الخلق، لكنه اختار في معيشته حياة الفقر لكرامته على ربه جل وعلا، ولو أعطي واحد مما أعطاه لأغناه طول حياته وما احتاج إلى أحد، ولو أعطي مما أعطيت أمهات المؤمنين من مئات الألوف، لكانت كفتها ذلك طول حياتها، لكن ما تغرب الشمس إلا ولم يبق في بيت النبوة شيء على نبينا صلوات الله وسلامه، ثم تفطر على خبز وزيت.

    إخوتي الكرام! هذه الحال حقيقة هي أكمل الحالات؛ أن يكون غنى الإنسان في نفسه، جوده بيده، ثم يقتصر في نفسه على الفقر والدون، وهذا هو حال نبينا الميمون عليه صلوات الله وسلامه، ينقل الإمام البيهقي في الزهد عن العبد الصالح الإمام الجنيد بن محمد القواريري ، وهو من أئمة الهدى والخير والصلاح، ومن العلماء الربانين توفي سنة: (298هـ)، أنه سئل: من أفضل عند الله الغني الشاكر أو الفقير الصابر؟ فقال: أفضلهما أطوعهما لله، أكثرهما عبادة وأكثرهما طاعة هذا هو الأفضل، فالفقير إذا كانت طاعته أكثر من الغني فهو أفضل، والغني إذا كانت طاعته أكثر من الفقير فهو أفضل، فقيل له: كلاهما جميعاً طائعان في درجة واحدة، غني شاكر مطيع وفقير صابر مطيع، في درجة واحدة، أيهما أفضل إذا استوت الدرجة؟ الغنى أفضل أم الفقر؟ فقال: كلاهما فعله محمود، الغنى مع الشكر والفقر مع الصبر، كلاهما فعلان محمودان، غير أن الله اختار لنبيه عليه الصلاة والسلام الفقر فهو أفضل.

    وأنا أقول لا من باب الرد على هذا الإمام، إنما من باب الزيادة على قوله وإيضاح كلامه: اختار له الفقر في معيشته لا في إيثاره لغيره، فهو كما قلت: أغنى الخلق نفساً، وأكرم الخلق يداً عليه صلوات الله وسلامه، لكن ما أراد أن يتوسع، كما يعطي غيره ويتوسع، بل يعطيك أنت لتتوسع وهو يبقى على ما هو عليه عليه صلوات الله وسلامه، فقد جمع الله له الغنى والجود والفقر، الفقر لتزداد درجته ورفعته عند الله؛ لأن كل من نال من هذه الدنيا نعمة نقص من درجته عند الله، وإن كان عليه كريماً، كل نعمة يحصلها الإنسان في هذه الحياة تنقص من درجته عند الله بعد الممات، وسيأتينا هذا عند غذاء النبي عليه الصلاة والسلام وطعامه، فأراد الله أن يجعل لنبيه عليه الصلاة والسلام أكمل الدرجات، فما حصل نعمة في هذه الحياة، أي: نعمة زائدة يتوسع بها، وهو مغمور بنعمة الله وفضله، وسأل ربه قوتاً، وهو ما يسد الرمق ويقوم بالأود، وسأل ربه كفافاً، وسيأتينا الحديث في الصحيحين، وهو ما يكفي الحاجة ولا يزيد عليها، ويكف عن السؤال ولا يحتاج إلى الخلق، والزائد نوزعه للخلق ولا نريد أن نتوسع به، فهو غني كريم، لكن في معيشته صابر فقير على نبينا صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! إن من يتأمل هذا لن يرتاب في أنه رسول الله حقاً وصدقاً، من يتأمل هذا، من يتأمل معيشته، وسيأتينا بعد ذلك عند هذا الأمر الأول من الأمور السبعة في معاملته مع الخلق، حياته في بيته فقط هذا لو لم تنظر إلى غيرها:

    لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تنبيك بالخبرِ

    عليه صلوات الله وسلامه، حياته في بيته، والنظر إلى نسائه، والله من تأمل هذا بعقل نزيه وفكر صحيح يقول: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً وصدقاً، ليس في ذلك شائبة ولا شك ولا أدنى من ذلك، فقط من يتأمل هذه الحياة، أحياناً يأتيه الضيف فلا يوجد في بيوته ما يأكله ذو كبد، يعني: لو دخلت الفأرة لا تحصل طعاماً في حجر النبي عليه الصلاة والسلام التسع، ومع ذلك يجلسن معه، خيرهن الله فقلن: نختار الله ورسوله، والله لو لم يكن نساؤه أفضل من الملائكة، وعيشتهن مع نبينا عليه الصلاة والسلام خيراً من عيشة الملائكة، لما جلسن معه طرفة عين عليه صلوات الله وسلامه، هذا هو بيت النبوة كما سيأتينا تقرير هذا وتوضيحه إخوتي الكرام.

    هذا الخلق الأول: ما عيشته عليه صلوات الله وسلامه في بيته؟ كيف كان يعيش؟ انظر لهذه الحياة واستنبط منها بعد ذلك تلك الدلالات المعتبرة.

    إخوتي الكرام! ما يتعلق بالأثاث الذي في حجر وبيوت نبينا عليه الصلاة والسلام، وبما يوجد في تلك الحجر من طعام، لعل الله أن يسهل أن نتدارسه في المواعظ الآتية إن شاء الله، وأسأل الله أن أبدأ به دون مقدمات تعيقنا عن مدارسته، بحيث نبدأ في أثاث بيت النبوة وحجر نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم ننتقل إلى ما يقدم في تلك البيوت من طعام، ثم نتدارس ترجمة لأمهاتنا أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام.

    إذا انتهينا من ذلك سوف نتدارس ما وعدتكم به قبل أن أنتقل إلى شيء آخر، ألا وهو نظام البناء في الإسلام، كيف ينبغي أن يكون الاقتداء بحجر نبينا عليه الصلاة والسلام؟

    أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يبلغ صلاتنا وسلامنا على نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن يشفعه فينا يوم القيامة، وأن يجعلنا من أمته وأتباعه وممن يتوفون على سنته وحبه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اجعل لنا هذا الشهر الكريم أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتقاً لرقابنا من النار، اللهم إنك عفوٌ كريم رحيم جواد تحب العفو فاعفُ عنا يا رب العالمين.

    اللهم تقبل منا الصلاة والصيام والقيام، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، اللهم اجعلنا من عتقاء شهر رمضان، وأدخلنا الجنة من باب الريان بسلام، بفضلك ورحمتك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن له حق علينا، اللهم اغفر لمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسِن إلى من أحسَنَ إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.