إسلام ويب

مباحث النبوة - طبت حياً وميتاًللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله تعالى خلق الخلق واختار منهم رسلاً، وجعل الرسل من البشر ويعتريهم ما يعتري جميع البشر في الحياة الطبيعية، إلا أن الله تعالى صانهم تكريماً لهم وتشريفاً عن ما فيه منقصة كالتثاؤب؛ لأنه من الشيطان، وكرمهم بأن جعل أجسادهم لا تتغير بعد موتهم ولا يعتريها ما يعتري سائر الموتى من بني آدم.

    1.   

    التثاؤب في حق رسول الله وجميع الأنبياء

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد: إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس المبحث الثالث من مباحث النبوة في بيان الأمور التي يعرف بها صدق النبي والرسول على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله جميعاً صلوات الله وسلامه، وقد قدمت الكلام على أن هذه الأمور كثيرة وفيرة، يمكن أن نجملها في أربعة أمور نتحقق بها من صدق من يدعي أنه رسول على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    أول هذه الأمور: النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه خَلْقاً وخُلُقاً.

    وثاني هذه الأمور: النظر إلى دعوته ورسالته التي بعث بها ودعا إليها.

    وثالث هذه الأمور: المعجزات والخوارق التي أيده الله بها.

    ورابعها: النظر إلى حال أصحابه وأتباعه رضوان الله عليهم أجمعين.

    كنا إخوتي الكرام! نتدارس الشق الأول من الأمر الأول ألا وهو النظر إلى خلق النبي عليه الصلاة والسلام، وقد قلت فيما مضى: إن الله أعطى رسله وأنبياءه على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، أعطاهم الكمال في خَلْقهم وخُلُقهم، ففي خلقهم وخلقهم كمال من جلال وجمال كما تقدم معنا، وأخذنا الشق الأول لنتدارسه وكان في ظني أن نجمل الكلام عليه في موعظة أو موعظتين، لكن الدروس فيما يبدو ويظهر زادت على خمسة دروس في الشق الأول في بيان ما يتعلق بخَلْق النبي عليه الصلاة والسلام، ووجهة دلالة ذلك على أنه رسول الله حقاً وصدقاً على نبينا صلوات الله وسلامه، وهذه الدروس أقول: وإن طالت في هذا الجانب فهي في الحقيقة قطرة من البحر الذي عليه نبينا عليه الصلاة والسلام في خلقه من الكمال من جلال وجمال، من ملاحة وبهاء على نبينا صلوات الله وسلامه، وإذا فاتنا أن نصحب النبي صلى الله عليه وسلم، وأن نمتع العينين بالنظر إلى نور وجهه الكريم الشريف عليه صلوات الله وسلامه وفداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا، فلا أقل من أن نطيل الحديث بعض الشيء في وصف بدنه وخَلْقه وجسمه الشريف على نبينا صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! كما قدمت أعطى الله أنبياءه الكمال في خَلْقهم فجعل خَلْقهم يتصف بالجمال والجلال فعوارض البشر التي يصاب بها كثير من البشر بوصفهم بشراً، وبوصفهم من بني آدم، هذه العوارض إذا كان فيها ما يشير إلى نقص فقد صان الله الأنبياء الكرام عنها، فالتثاؤب من العوارض البشرية التي يصاب بها بنو الإنسان، لكن التثاؤب يصان عنه الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام، لا يمكن لنبي أن يتثاءب؛ هذا يتنافى مع الجمال والجلال، مع الملاحة والبهاء، الذي يكون عليه خَلْق النبي عليه الصلاة والسلام، التثاؤب من الشيطان، ويدل على فتور وضعف عزيمة في الإنسان، فكيف يتصف به نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وقد ثبت في كتاب التاريخ لشيخ المحدثين الإمام البخاري ، والأثر رواه ابن سعد في الطبقات، وابن أبي شيبة في المصنف، عن يزيد الأصم، ويزيد المعتمد في أمره أنه من أئمة التابعين الكبار الأبرار، وهو يزيد بن الأصم أبو عوف البكائي ، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها وعن سائر الصحابة الكرام الطيبين، يقال: له رؤية للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن لا يثبت ذلك كما قال الحافظ ابن حجر ، نعم هو من أئمة التابعين الأبرار وميمونة رضي الله عنها أم المؤمنين تكون خالة لـيزيد بن الأصم رضي الله عنه وأرضاه، وتوفي سنة ثلاث ومائة للهجرة، وحديثه مخرج في صحيح مسلم والسنن الأربعة، وروى عنه البخاري في الأدب المفرد، وهذا الأثر لفظه عن يزيد الأصم رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( ما تثاءب النبي صلى الله عليه وسلم قط ). أي: أن نبينا لم يتثاءب عليه صلوات الله وسلامه.

    والأثر إخوتي الكرام! مرسل، وله حكم الرفع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يحكي هذا الوصف عن نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن بما أنه لم يدركه فإذاً يكون له حكم الإرسال، وهذا المرسل روي ما يشهد له أيضاً من مرسل آخر رواه ابن أبي شيبة أيضاً في المصنف، والإمام الخطابي كما قال الحافظ في الفتح في الجزء العاشر صفحة ثلاث عشرة وستمائة، والأثر الثاني مروي عن مسلمة بن عبد الملك الأمير ، وقال الحافظ عندما ذكر هذا الأثر عنه في الفتح قال: إنه صدوق، وحديثه مخرج في سنن أبي داود ، يقول هذا العبد الصالح مسلمة بن عبد الملك الأمير : ( ما تثاءب نبي قط ) على وجه العموم، وأثر يزيد بن الأصم : ( ما تثاءب النبي صلى الله عليه وسلم قط )، وهنا ( ما تثاءب نبي قط )، هناك يخبر عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه أنه لم يجر منه تثاؤب مطلقاً، منذ ولادته إلى وفاته عليه صلوات الله وسلامه، هذا يتنافى لو تثاءب مع الكمال الخلقي الذي جعل الله عليه أنبياءه ورسله عليهم صلوات الله وسلامه، فهذه الصفة التي تكون لنبينا الميمون عليه الصلاة والسلام هي ثابتة أيضاً لجميع أنبياء الله ورسله، فما تثاءب أحد منهم؛ لأن هذا يتنافى مع الكمال، مع الجمال والجلال الذي جعل الله عليه أنبياءه ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! ولا غرو في ذلك ولا عجب، فالعطاس من الله والله يحبه، والتثاؤب من الشيطان والله يكرهه، وإذا كان كذلك فكيف يتصف الأنبياء على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه بخصلة هي من فعل الشيطان ووسوسته وتحريكه، وهو المتسبب فيها؟ لا يمكن أن يكون هذا أبداً.

    وقد ثبت في المسند والحديث في صحيح البخاري ، ورواه البخاري في الأدب المفرد أيضاً، وهو في سنن الترمذي وأبي داود وصحيح ابن خزيمة ، ومستدرك الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم فحمد الله فحق على من سمعه أن يشمته، وأما التثاؤب فإنه من الشيطان، فإذا جاء ذلك أحدكم -أي التثاؤب- فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب وقال: ها، ضحك الشيطان منه ).

    إذاً: لا يمكن لنبي أن يتثاءب على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    1.   

    تغير أجساد الأنبياء بعد الموت

    إخوتي الكرام! تقدم معنا أن هذا الكمال الخَلْقي الذي جعل الله عليه أنبياءه ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه يصاحبهم في الحياة وبعد الممات، فلا تتغير أبدانهم، ولا يعتريهم ما يعتري البشر من تحلل وعفونات ونتن وغير ذلك، أبدانهم طرية تتثنى، وهم في قبورهم أحياء حياةً أكمل من حياة الشهداء بكثير، هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا رب البرية، وهم في قبورهم يصلون ويعبدون الحي القيوم، وتقدم معنا أن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء، وأن أعمالنا تعرض على نبينا عليه صلوات الله وسلامه، فما كان من خير حمد الله عليه، وما كان من شر وسوء استغفر لنا نبينا صلى الله عليه وسلم.

    هذا إخوتي الكرام! تقدم تقريره، وكان المفروض بعد أن تدارسنا هذا أن ننتقل إلى الشق الثاني من الأمر الأول من الأمور التي يعرف بها صدق النبي والرسول، ألا وهو خلق أنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، لكن أردت أن أجعل هذه الموعظة ختام الكلام على خلق النبي عليه الصلاة والسلام، وسيدور هذا حول أمرين اثنين:

    الأمر الأول: حول تنبيه على أمر يتعلق بما مضى حول خَلْق نبينا عليه الصلاة والسلام.

    والأمر الثاني: عظم المصيبة على هذه الأمة بفقد خَلْق النبي عليه الصلاة والسلام وبدنه، عندما انتقل إلى جوار ربه، على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! أما الأمر الأول الذي سأذكره -وقد تقدم معنا- ( أن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء ) وذكرت الأحاديث التي تقرر هذا وتدل عليه، وأن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون، هذا الحديث جرى بيني وبين بعض ما أعلم ما أعبر عنهم بعض الشيوخ أو بعض الضالين؟ جرى بيني وبينه كلام حول هذا الحديث، وهو في المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، فلما ذكرت له هذا الحديث وهو حديث أوس بن أوس : ( إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء )، قال لي: الحديث ضعيف، قلت: صححه أئمتنا ولا نزاع بينهم في ذلك، قال: من صححه؟ قلت شيخ الإسلام الإمام النووي من جملة من صححه، قال: النووي متمذهب لا يؤخذ بكلامه، قلت: فما علة الحديث عندك؟ حتى ترد كلام النبي عليه الصلاة والسلام، وتطعن في أئمة الإسلام؟ قال: أقول لك: النووي متمذهب.

    وأنا أقول: إن سنة النبي عليه الصلاة والسلام ينبغي أن نحترمها، وكم من يدعي في هذه الأيام أنه على السنة، وأنه صاحب حديث، وهو في الحقيقة على بدعة وصاحب حدث.

    وكان أئمتنا الكرام يقولون كما هو قول وكيع بن الجراح شيخ الإمام الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله، يقولون: من طلب الحديث كما هو نفعه الله، ومن طلب الحديث ليؤيد به رأيه فهو مبتدع، يطلب الحديث لكن في ذهنه هوى ورأي وأمر من الأمور، يريد أن يتصيد من السنة ما يقرره، وبعد ذلك ما يخالفه يرده، ليست هكذا دراسة ومدارسة حديث نبينا عليه صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! هذا الحديث -كما قلت- حديث صحيح، ويدل على أن أجساد الأنبياء لا تأكلها الأرض ولا تبلى.

    وهذا الذي يقول هذا الكلام إنما يقوله لأنه لا يوجد في هذه الحياة من يقدر الأمور حق قدرها، أو يحاسب كل إنسان على كلامه، ولو وجد لضربت رقبته وألقيت بين رجليه، وعلق بعد ذلك مصلوباً أمام الناس عندما يقول هذا الكلام الذي فيه طعن بنبينا عليه الصلاة والسلام، ألا وهو أن أجساد الأنبياء تبلى كغيرهم، لا يا عبد الله!

    1.   

    محنة الإمام وكيع بالقول بتغير جسد النبي عليه الصلاة والسلام بعد موته

    وقد جرى من بعض أئمتنا الكرام في العصر الأول في القرن الثاني للهجرة ألا وهو وكيع الذي ذكرته قبل قليل، وهو شيخ الإسلام، توفي سنة سبع وتسعين ومائة للهجرة، وكما قلت: هو شيخ الإمام الشافعي وهو من الأعلام ومن أئمة الهدى، جرت منه زلة سأذكرها لكم، وهذه الزلة رواها، لكن روى الحديث ضعيفاً، يشير إلى أن نبينا عليه الصلاة والسلام بعد موته انتفخ بطنه، وانثنت خنصراه -خنصر الإنسان وهما إصبعان معروفان- يقول: انثنى خنصراه، وصار في بطنه شيء من الانتفاخ، فأفتى شيخ أهل مكة في ذلك الوقت عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد وهو في الإسناد ( حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم فلا تغفلوا )، أفتى بأن تضرب رقبة وكيع بن الجراح ، وأخذ وحبس، وقد أصر الأمير على ضرب رقبته من أجل رواية رواها، وما قال: هذا رأيي، فلماذا رواها إذاً؟! حتى تدخل سفيان بن عيينة إمام الحرم المكي لهذا الأمير وتوسط في إخراجه، وقال: هذا الحديث رويناه وما روي لـسفيان بن عيينة ، إنما قال هذا من أجل تخليص هذا العبد الصالح من زلة زلها في كلامه عندما روى هذه الرواية التي هي ليست ثابتة، فاستمعوا إخوتي الكرام إلى هذا الأمر، وقارنوا بين ما يقع من هذا الإمام في ذلك العصر، وبينما يقع في هذا العصر، إمام من شيوخ أهل السنة الكرام روى أثراً يمكن أن يؤول، انتفاخ البطن من مرض يمكن أن يقع، والإنسان إذا مرض فإن أصابعه تذبل، وإذا خرجت روح الإنسان من بدنه فإن أصابعه تميل، يعني: ليس في هذا منقصة، لكن لما كان ظاهر الخبر يشعر بأن النبي عليه الصلاة والسلام تغير بعد موته عما كان عليه في حياته قالوا: ينتقص النبي عليه الصلاة والسلام، فلا جزاء له إلا ضرب الرقبة.

    تعليق الإمام الذهبي على القول بتغير النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء بعد موتهم

    استمع إلى ما يقوله الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء التاسع صفحة تسع وخمسين ومائة فما بعدها في محنة وكيع، يقول: تورط فيها ولم يرد إلا خيراً، ولكن فاتته سكتة -يعنى: ليته سكت- وليس كل ما ينقل يروى، إذا لم يكن ثابتاً وفيه غض ومنقصة من منصب النبي عليه الصلاة والسلام فاسكت عنه، سبحان الله! نحن الآن نرد ما هو ثابت -كما تقدم معنا- حديث (حياتي خير لكم ومماتي خير لكم)، ماذا أقول؟ جاء بعض المخرفين في هذا الوقت وقال: إنه حديث موضوع، أما تتقي الله منقول أنه موضوع؟ أما تتقي الله؟!

    فاستمع هنا، يقول: ولم يرد إلا خيراً، ولكن فاتته سكتة -أي: ما لزم الصمت والسكوت- وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع )، وهذا أثر مروي عن نبينا عليه الصلاة والسلام في مقدمة صحيح مسلم، ورواه أبو داود في سننه، فليتق كل عبد ربه، ولا يخافن إلا ربه.

    قال علي بن خشرم: حدثنا وكيع ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبد الله البهي : ( أن أبا بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته فأكب عليه فقبله، وقال: بأبي وأمي، ما أطيب حياتك وميتتك ).

    ثم قال البهي: وكان ترك يوماً وليلة، بل ترك يومين وليلتين عليه صلوات الله وسلامه لانشغال الأمة بأمر الخلافة ومن سيلي أمر المسلمين، حتى ربى بطنه وانثنت خنصراه، أي: صار في بطنه انتفاخ وخنصراه مالتا نحو الأرض، قال ابن خشرم : فلما حدث وكيع بهذا بمكة اجتمعت قريش، وأرادوا صلب وكيع ، ونصبوا خشبةً لصلبه، فجاء سفيان بن عيينة فقال لهم: الله الله، هذا فقيه أهل العراق وابن فقيههم، وهذا حديث معروف، قال سفيان : ولم أكن سمعته إلا أني أردت تخليص وكيع ، كأنه يقول: هذا منقول، وهذا إذا لم يثبت فالجناية على من رواه، يعني: لا دخل لـوكيع فيه، قال علي بن خشرم : سمعت الحديث من وكيع بعدما أرادوا صلبه فتعجبت من جسارته، وأخبرت أن وكيعاً احتج فقال: إن عدةً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عمر قالوا: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد الله أن يريهم آية الموت، يعني وكيع ما كفى أنه روى الأثر وليس بصحيح كما سيأتينا كلام الذهبي، عندما جاءوا وقالوا: كيف تروي هذا؟ قال: لا إشكال فالنبي عليه الصلاة والسلام مات، لكن بعض الصحابة عندما شكوا في موته منهم عمر رضي الله عنهم أجمعين لهول المصيبة وشدة الواقع، أراد الله أن يريهم آية في بدن النبي عليه الصلاة والسلام بأنه مات، فانثنت خنصراه -يعنى: ذبل وظهر عليه علامة الموت- رواه أحمد بن محمد بن على بن رزين ، قال: حدثنا علي بن خشرم ، وروى الحديث عن وكيع قتيبة بن سعيد .

    يقول الإمام الذهبي : فهذه زلة عالم، فما لـوكيع ولرواية هذا الخبر المنكر المنقطع الإسناد؟ كادت نفسه أن تذهب غلطاً، والقائمون عليه معذورون بل مأجورون، فإنهم تخيلوا من إشاعة هذا الخبر المردود غضاً لمنصب النبوة، وهو في بادئ الرأي يوهم ذلك، لكن إذا تأملته فلا بأس إن شاء الله بذلك، فإن الحي قد يربو جوفه، يعني: ينتفخ، كأن يصاب بمرض، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يصاب بالأعراض البشرية التي تزيد في أجره ورفعة قدره عند الله جل وعلا من مرض، وهذا لرفع درجاته، وليس في ذلك منقصة، وليس هذا من الشيطان، فإن الحي قد يربو جوفه، وتسترخي مفاصله، وذلك تفرع من الأمراض، يعني: نوع من المرض، وأشد الناس بلاءً الأنبياء، وهذا قطعة من حديث صحيح ( أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة )، رواه الإمام الترمذي ، وابن ماجه ، وأحمد في المسند، والدارمي ، وابن حبان، وصححه ابن حبان وعدد من أئمتنا الكرام، وهكذا الإمام الترمذي.

    وإنما من المحظور أن تجوز على النبي عليه الصلاة والسلام تغير سائر موتى الآدميين ورائحتهم، -يعني تقول: يتغير كما يتغير الآدميون، وينتن كما ينتنون، هذا هو المحظور- والمحظور أن تجوز أكل الأرض لأجسادهم، ولو قلت: نضرب رقبتك، فهذه منقصة في حق النبي عليه الصلاة والسلام، وأنت تنتقصه بذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام مفارق لسائر أمته في ذلك، فلا تأكل الأرض بدنه، ولا يتغير، ولا ينتن عليه صلوات الله وسلامه.

    قال الذهبي: فلا يبلى، ولا تأكل الأرض جسده، ولا يتغير ريحه، بل هو الآن وما زال أطيب ريحاً من المسك، وهو حي في لحده حياة مثله في البرزخ، يعني: حياة الأنبياء الذين هم يحيون في البرزخ حياةً أكمل من حياة الشهداء، التي هي أكمل من حياة سائر النبيين، وحياتهم بلا ريب أتم وأشرف من حياة الشهداء الذين هم بنص الكتاب: أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، وهؤلاء حياتهم الآن التي في عالم البرزخ حق، ولكن ليست هي حياة الدنيا من كل وجه، ولا حياة أهل الجنة من كل وجه، يعني: ليست حياة الأنبياء في البرزخ كحياة أهل الدنيا فلا يأكلون ولا يشربون، وليست كحياة أهل الجنة من كل وجه، إن هناك أيضاً أكلاً وشرباً واتصالاً بما أحل الله، هذا يمنع منه الأنبياء، لكن كما قلت: أبدانهم تبقى ويعبدون الله، وهذه أشرف حياة تكون للإنسان، ولهم شبه بحال أهل الكهف، ومن ذلك اجتماع آدم وموسى لما احتج عليه السلام وحجه آدم بالعلم السابق، كان اجتماعهما حقاً، وهما في عالم البرزخ، وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم أخبر أنه رأى في السموات آدم وموسى وإبراهيم وإدريس وعيسى وسلم عليهم، وطالت محاورته مع موسى، هذا كله حق في حديث الإسراء الطويل، والذي منهم من لم يذق الموت بعد هو عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقد تبرهن لك أن نبينا عليه الصلاة والسلام ما زال طيباً مطيباً، وأن الأرض محرم عليها أكل أجساد الأنبياء، وهذا شيء سبيله التوقيف، وما عنف النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام رضوان الله عليهم لما قالوا له بلا علم: (وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت -يعني بليت-؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)، وتقدم معنا سابقاً.

    موقف والي مكة من قول وكيع في تغير جسد النبي ودفاع سفيان بن عيينة عنه

    أقول: وهذا بحث معترض في الاعتذار عن إمام من أئمة المسلمين، وقد قام في الدفع عنه مثل إمام الحجاز سفيان بن عيينة ، ولولا أن هذه الواقعة في عدة كتب في مثل تاريخ الحافظ ابن عساكر، وفي كامل الحافظ ابن عدي لأعرضت عنها جملة، يعني: لئلا يكون حول هذا الإمام شيء من الغبش والتشويش، لكن هذه مسطورة، ومزبورة في الكتب التي ترجمته، فأنا أريد أن أحمل كلامه على محمل حسن، وأنا أقول: هذه زلة ولا داعي بعد ذلك أن نضلل وأن نتهجم.

    يقول: ففيها عبرة حتى قال الحافظ يعقوب الفسوي في تاريخه: وفي هذه السنة حدث وكيع بمكة عن ابن أبي خالد عن البهي فذكر الحديث ثم قال: فرفع ذلك إلى العثماني -يعني: إلى أمير مكة الحاكم- فحبسه، وعزم على قتله، ونصبت خشبة خارج الحرم، وبلغ وكيعاً وهو محبوس، قال الحارث بن صديق : فدخلت عليه لما بلغني الخبر، وقد سبق إليه الخبر، قال: وكان بينه وبين ابن عيينة يومئذ متباعد -يعني: يوجد شيء من الافتراق والبعد- فقال لي: ما أرانا إلا قد اضطررنا إلى هذا الرجل، يقول وكيع: نحن الآن بحاجة إليه، وهذا شيخ الحرم المكي واحتجنا إليه، فقلت: دع هذا عنك، فإن لم يدرك قتلت، يعني: ليس الآن تقول: نحن ما أرانا إلا محتاجين، دعك الآن من هذا الكلام، ويعني: التسويف، أسرع بالإرسال إلى ابن عيينة ليتدارك الأمر، فأرسل إلى سفيان ، وفزع إليه، فدخل سفيان على العثماني ، يعني: متولي مكة فكلمه فيه، والعثماني يأبى عليه، فقال له سفيان : إني لك ناصح، هذا رجل من أهل العلم، وله عشيرة، وولده بباب أمير المؤمنين، يعني: الخليفة في بغداد، فتشخص لمناظرتهم، يعني: اذهب إلى هناك وتفاهم معهم، أو إذا قتلته سيذهب بك إلى هناك، قال: فعمل فيه كلام سفيان ، أي: أثر في الأمير، فأمر بإطلاقه، فرجعت إلى وكيع فأخبرته، فركب حماراً وحملنا متاعه وسافر، فدخلت على العثماني من الغد فقلت: الحمد لله الذي لم تبتل بهذا الرجل، وسلمك الله، فقال: يا حارث ! ما ندمت على شيء ندامتي على تخليته.

    الاستدلال بحفظ أجساد الشهداء على عدم تغير أجساد الأنبياء بعد موتهم

    ثم قال: خطر ببالي هذه الليلة حديث جابر بن عبد الله أكرم بهذا الأمير، حولت أبي والشهداء بعد ست وأربعين سنة، فوجدناهم رطاباً يثنون لم يتغير منهم شيء، أمير مكة يقول: أنا الآن بعد أن أطلقته ندمت، يعني: هذا لا زال يستحق ضرب الرقبة، يقول: أنا لما أطلقته رجعت إلى بيتي في الليل فتذكرت حديث جابر، وأذكر لكم حديث جابر في أنه عندما ذهب ليخرج والده عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنهم أجمعين، وهو من شهداء أحد أن يغير قبره عندما جاء السيل وجرفهم، جاء بعد ست وأربعين سنة، هذه حادثة ثانية من تغيير عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، وسبقتها حادثة سأذكرها إن شاء الله، بعد ست وأربعين سنة وجد لوالده ولـعمرو بن الجموح أيضاً، وجد هذين الصحابيين الجليلين عندما نبش السيل قبريهما رطاباً يتثنون كأنهم وضعوا هذه الساعة، وكان عبد الله والد جابر قد أصيب في وجهه فجرح، فلما استشهد وضع إصبعه على وجهه، يقول: فلما حولنا قبره يعني: في القبر بعد أن جرفه السيل رفعت يده فانبعث الدم منها -بدأ يسيل- بعد ست وأربعين سنة، فأعدت إصبعه إلى مكان الجرح فوقف الدم. فالأمير يقول: فإذا كان الشهداء ما ثنيت أجسامهم ولا بليت، فكيف بخاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، يقول: أنا ندمت على تخلية وكيع وليتني ضربت رقبته، وهو شيخ المسلمين، وما قال: إن الأرض أكلت أبدانهم ولا أنتنوا ولا تغيروا، إنما قال: انثنت خنصراه، بعد أن أخر دفنه، وهذا من ذبول الموت لا بد منه، يعني: الإنسان عندما يكون حياً يكون فيه هذا النشاط ويحرك أصابعه، فإذا نام يذبل، وإذا مات يذبل، لكن بدون عفونة وتغير ونتن وثناء جسم، هذا كله ما حصل عليهم، مع ذلك يقول الأمير: أنا ندمت على تخلية هذا، ليتني ضربت رقبته تعظيماً لرسول عليه الصلاة والسلام.

    إخوتي الكرام! قصة عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر رضي الله عنهم أجمعين ثابتة في صحيح البخاري، وهذا في التغيير الأول ونقلهم في المرة الأولى، وقد أشار إليه البخاري في كتاب الجنائز باب: هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟

    وفي الحديث أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين أخرج والده بعد دفنه بستة أشهر، لكن السبب في الإخراج هنا أنه دفن مع عمرو بن الجموح ، وكان صاحباً لـعبد الله والد جابر، وكان عمرو بن الجموح أيضاً زوجاً لأخت عبد الله والد جابر، فهو زوج عمة جابر بن عبد الله، دفنا في قبر واحد، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( كانا متآخيين متصاحبين في الحياة، فدفنوهما في قبر واحد عمرو بن الجموح وعبد الله والد جابر، بعد ستة أشهر يقول جابر: ما طابت نفسي أن يكون والدي مع آخر في قبر واحد، فأردت أن أكرم والدي ليكون كل واحد في قبر، كما أن الإنسان في الحياة يستريح إذا كان في بيت بمفرده وما يضايقه أحد في حجرته، يريد أن يجعل والده بعد الممات كذلك، فجاء وفتح عن القبر، فأخرج والده ودفنه بجوار قبر عمرو بن الجموح رضي الله عنهم أجمعين، هذا بعد ستة أشهر، والأثر في صحيح البخاري، يقول: فاستخرجته بعد ستة أشهر كيوم دفنته، ما تغير منه شيء رضي الله عنه وأرضاه.

    والاستخراج الثاني كان بعد ست وأربعين سنة، جاء السيل فخرق القبرين على بعضهما وهدم القبرين، فصار كأنهما قبر واحد، فجاء الصحابة إلى جابر وقالوا: أدرك والدك فقد جرفه السيل.

    والأثر في الموطأ، ورواه الحاكم في المستدرك والطبراني في معجمه الكبير، ورواه ابن سعد في الطبقات، وإسناد الأثر كما قال الحافظ : صحيح رجاله ثقات، يقول: وبوب عليه البخاري في كتاب الجهاد: باب الدفن في قبر واحد للضرورة، وفيه يقول جابر بعد ست وأربعين سنة: فأخرجتهما يعني: والده وعمرو بن الجموح لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس. وفي رواية ابن إسحاق في المغازي: فأخرجناهما يتثنيان تثني كأنهما دفنا بالأمس.

    إذاً: هذا حديث في حق الصحابة الكرام، ما تغيرت أبدانهم بعد ست وأربعين سنة في حر الحجاز، فكيف إذاً حال النبي عليه الصلاة والسلام؟ إذاً: وكيع كأنه بهذه الرواية عمل جناية لا بد من ضرب الرقبة، لا إله إلا الله.

    ووالد جابر وهو عبد الله رضي الله عنه وأرضاه له منزلة عالية عند الله جل وعلا، كما أخبر عن ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، ففي المسند والصحيحين وسنن النسائي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( لما قتل والدي يوم أُحد ومثل المشركون به، جئت فكشفت عن وجهه وقبلته وبدأت أبكي، فجعل الصحابة ينهوني عن البكاء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاني، ثم جاءت عمتي وهي زوجة عمرو بن الجموح رضي الله عنهم أجمعين، فبدأت تبكي، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: تبكيه أو لا تبكيه )، وفي رواية: ( تبكين أو لا تبكين )، وفي رواية: ( لا تبكيه، فو الذي نفسي بيده ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه )، يعني: حتى رفع ووري رضي الله عنه وأرضاه في ترابه، ( الملائكة تظله بأجنحتها )، وقد كلم الحق جل وعلا عبد الله والد جابر رضي الله عنهم أجمعين، كلمه كفاحاً بعد استشهاده أي: مشافهةً من غير حجاب ولا حاجز.

    ثبت الحديث بذلك في سنن الترمذي وقال: حسن غريب، ورواه الإمام ابن ماجه في سننه، والحاكم في مستدركه وصححه ووافقه عليه الذهبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـجابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين: ( ألا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قلت: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال: إن الله لم يكلم أحداً إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحاً، فقال: عبدي تمن علي أعطك، ماذا تريد؟ تمن علي أعطك، فقلت: ربي أريد أن تعيدني إلى الحياة الدنيا لأقتل فيك ثانيةً، قال: قد سبق القول مني بأنهم إليها لا يرجعون، قلت: فأخبر من ورائي، فأنزل الله: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169] ).

    وكان هذا العبد الصالح -أعني عبد الله والد جابر- هو أول مقتول في موقعة أحد، وهو الذي تفرس بذلك كما في مسند الإمام أحمد وغيره قال لولده: لولا أنني سأخلف تسع بنات بعدي لقدمتك بين يدي لتقتل، وما أحد أخلفه أعز علي منك بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام، أي: أنت بعد الرسول عليه الصلاة والسلام، أما هو أعز الخلق عليه صلوات الله وسلامه، فأريد أن تبقى من أجل البنات، من أجل أخواتك. ثم قال: وما أراني إلا أول مقتول، أي: أنا أتوقع أن أول من سيقتل في هذه الموقعة هو أنا، وكان كذلك رضي الله عنه وأرضاه.

    موقف المسلمين من قول وكيع في تغير جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم

    ثم قال الفسوي : فسمعت سعيد بن منصور يقول: كنا بالمدينة فكتب أهل مكة إلى أهل المدينة بالذي كان من وكيع، أي لما خرج وكيع من مكة ندم أهل مكة على تخلية وكيع، فكتبوا إلى أهل المدينة. وقالوا: تداركوا الأمر إذا جاءكم اقتلوه واصلبوه، وقالوا: إذا قدم عليكم فلا تتكلوا على الوالي، وارجموه حتى تقتلوه، قال: فعرضوا علي ذلك، وبلغنا الذي هم عليه، فبعثنا بريداً إلى وكيع ألا يأتي المدينة، ويمضي من طريق الربذة، وكان قد جاوز مفرق الطريقين، فلما أتاه البريد رده، أي: من الذهاب إلى المدينة ومضى إلى الكوفة.

    يقول: ونقل الحافظ ابن عدي في ترجمة عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد أنه هو الذي أفتى بمكة بقتل وكيع ، وقال ابن عدي : أخبرنا محمد بن عيسى المروزي فيما كتب إلي قال: حدثنا أبي عيسى بن محمد قال: حدثنا العباس بن مصعب ، قال: حدثنا قتيبة ، قال: حدثنا وكيع ، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، فساق الحديث ثم قال: قال قتيبة : حدث وكيع بمكة بهذا سنة حج الرشيد ، هارون الرشيد فقدموه إليه، فدعا الرشيد سفيان بن عيينة وعبد المجيد بن أبي رواد ، فأما عبد المجيد فإنه قال: يجب أن يقتل، فإنه لم يرو هذا إلا من في قلبه غش للنبي صلى الله عليه وسلم. وقال سفيان : لا قتل عليه، رجل سمع حديثاً فأرواه -يعني: فنقله ورواه- والمدينة شديدة الحر توفي النبي صلى الله عليه وسلم، فترك ليلتين؛ لأن القوم في إصلاح أمر الأمة، واختلفت قريش والأنصار، فمن ذلك تغير، أي: التغير الطبيعي الذي هو انثناء الخنصرين، قال قتيبة : فكان وكيع إذا ذكر فعل عبد المجيد ، يعني: أنه أفتى بقتله وضرب رقبته، قال: ذاك جاهل سمع حديثاً لم يعرف وجهه فتكلم بما تكلم، يقول: أنا ما أردت انتقاص النبي عليه الصلاة والسلام، وليس في قلبي غش إنما هذه كالمرض الذي يصاب به الإنسان، فصار في بطنه شيء من الانتفاخ من حر الحجاز وخنصراه انثنتا، لا أقول: تعفن ولا تغير ولا بلي.

    انتبه لكلام الذهبي ، بعد أن حكى كلام وكيع في عبد المجيد وأن عبد المجيد جاهل كيف يقول: من يقول هذا في قلبه غش على النبي عليه الصلاة والسلام؟ قلت: فرضنا أنه ما فهم توجيه الحديث على ما تزعم، ما فهم أن مرادك مما ذكرته من أثر أن هذا تغير طبيعي كالمرض، أفما لك عقل وورع أنت؟ افرض أن عبد المجيد ما فهم مرادك أفما لك عقل وورع أنت؟ أما سمعت قول الإمام علي : (حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله عليه الصلاة والسلام؟) والأثر ثابت عن علي في صحيح البخاري : أما سمعت في الأثر: ما أنت محدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنةً لبعضهم؟

    ثم إن وكيعاً بعدها تجاسر وحج وأدركه الأجل في نصف طريق مكة من الكوفة، لكن لو دخل مكة هل سيترك أم لا؟ العلم عند الله، ولعل الله أراد به خيراً؛ لئلا يقال: قتل من أجل غش في قلبه نحو النبي عليه الصلاة والسلام وهو بريء من ذلك.

    الموقف الشرعي مما نقل عن وكيع ومحنته

    إخوتي الكرام! ما جرى من وكيع زلة، والأثر لا يثبت، فهو ضعيف ومنقطع، ولكن لا نشنع عليه بذلك، إنما لنعلم أن الذي يقول: إن بدن النبي عليه الصلاة والسلام ينتن ويبلى في قبره بعد موته ينبغي أن تضرب رقبته بالاتفاق، إذا كان هذا روى أثراً يقول: هذا ليس فيه إشارة إلى بلى جسده، ولا إلى تعفن بدنه، إنما هذا كالمرض الذي يصيب الإنسان عند الموت حصل انتفاخ من شدة الموت وسكراته، وانثناء الخنصر عندما مات عليه الصلاة والسلام.

    الإمام الذهبي تعرض إلى هذا أيضاً في ميزان الاعتدال عند ترجمة عبد المجيد بن أبي رواد ، يقول هنا: ونقم على عبد المجيد أنه أفتى الرشيد بقتل وكيع ، والحديث حدثناه قتيبة ، قال: حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله البهي ، وتقدم معنا.

    قال قتيبة : حدث به وكيع بمكة، وكان سنة حج فيها الرشيد ، فقدموه إليه، فدعا الرشيد سفيان بن عيينة وعبد المجيد فقال: عبد المجيد : يجب أن يقتل، فإنه لم يرو هذا إلا وفي قلبه غش للنبي صلى الله عليه وسلم، فسأل الرشيد سفيان فقال: لا يجب عليه قتل رجل سمع شيئاً فرواه، والمدينة شديدة الحر، توفي النبي عليه الصلاة والسلام يوم الإثنين فترك إلى ليلة الأربعاء، قلت: النبي صلى الله عليه وسلم سيد البشر، وهو بشر يأكل ويشرب وينام ويقضي حاجته ويمرض ويتداوى، فهو في هذا كسائر المؤمنين -يعني: هذه أعراض بشرية تعتريه كما يعتري غيره من أكل من شرب من قضاء حاجة من نوم، فلما مات بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم عمل به ما يعمل بالبشر من الغسل والتنظيف والكفن واللحد والدفن، انتبه لكن ما زال طيباً مطيباً حياً وميتاً، وارتخاء أصابعه المقدسة وانثناؤها وربو بطنه ليس معنا نص على انتفائه، والحي قد يحصل له ريح وينتفخ منه جوفه، يعني: غازات، فلا يعد هذا إن كان قد وقع عيباً، لكن الأثر لا يثبت، وإنما معنا نص على أنه لا يبلى، وأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل ويقع هذا لبعض الشهداء رضي الله عنهم.

    أما من روى حديث عبد الله البهي ليغض به من منصب النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا زنديق، بل لو روى الشخص حديثاً: إن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، وحاول بذلك تنقصاً كفر وتزندق، يعني: إذا روى حديث سحر النبي عليه الصلاة والسلام وقال: بشر ناقص يمتهن، هذه منقصة في حقه يقصد تحقير النبي عليه الصلاة والسلام فقد كفر وتزندق، وكذا لو روى حديثاً أنه سلم من اثنتين في صلاته، وعندما قيل له: ( أقصرت الصلاة أم نسيت؟ ) وقال: ما درى كم صلى يقصد بقوله شينه ونحو ذلك كفر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ) فالغلو والإطراء منهي عنه، والأدب والتوقير واجب، فإذا اشتبه الإطراء بالتوقير توقف العالم وتورع، وسأل من هو أعلم منه حتى يتبين له الحق فيقول به، وإلا فالسكوت واسع، ويكفيه التوقير المنصوص عليه في أحاديث لا تحصى، وكذا يكفيه مجانبة الغلو الذي ارتكبه النصارى في عيسى، ما رضوا له بالنبوة حتى رفعوه إلى الإلهية وإلى الوالدية، وانتهكوا رتبة الربوبية الصمدية فضلوا وخسروا.

    وقوله: (الوالدية) غلط لعله الولدية، فتكون إلى الإلهية وإلى الولدية، يعني: إلى أنه ولد لله جل وعلا، أما الوالدية ما يظهر لها وجه والعلم عند الله، أما هم كونهم يقولون له: أبونا وكذا ليس في هذه منقصة، إنما إلى الولدية يعني: رفعوه إلى الإلهية وإلى الولدية أنه ولد لله، أما الوالدية لا تصلح.

    على كل حال انتهكوا رتبة الربوبية الصمدية فضلوا وخسروا، فإن إطراء رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤدي إلى إساءة الأدب على الرب، نسأل الله أن يعصمنا بالتقوى، وأن يحفظ علينا حبنا للنبي صلى الله عليه وسلم كما يرضى.

    إخوتي الكرام! هذه الحادثة أردت أن أذكرها لتكون لنا عبرة، ولنعلم بعد ذلك الذين يدعون في هذه الأيام أنهم على سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وينفون سنته، ويردون ما صح من حديثه بما لا سند له، هذا حديث موضوع، وذاك حديث باطل، وهذا صححه النووي مخرف، وهذا متمذهب، إذاً: فالإسلام ممن يؤخذ؟ هل يؤخذ منكم الذين جئتم في آخر هذا الزمان؟ نسأل الله حسن الختام.

    إخوتي الكرام! هذا الأمر الأول الذي أردت أن أنبه عليه، فالنبي عليه الصلاة والسلام طيب مطيب، سواء كان حياً أو ميتاً عليه صلوات الله وسلامه، وكمال الخلق ثابت له في حياته وبعد مماته عليه صلوات الله وسلامه.

    1.   

    مصيبة المسلمين بموت النبي وانعدام رؤيته

    أما الأمر الثاني: هو غياب هذا الجسد الطيب الطاهر الشريف العظيم المبارك، الذي جمع جلالاً وجمالاً ملاحةً وبهاءً، هذا الجسد الذي كتب الله علينا ألا ندركه في هذه الحياة، ولا نمتع العينين بالنظر إليه، حقيقةً هذه مصيبة نزلت علينا، والله لا يعدلها مصيبة على وجه الأرض، فما أصيب المؤمنون بمصيبة كمصيبتهم بموت نبيهم عليه صلوات الله وسلامه، وهذه المصيبة نحتسبها عند الله، وهي أجل المصائب عندنا وهي فقد نبينا عليه الصلاة والسلام، فنسأله أن يثيبنا عليها أعظم الثواب، وألا يرضى لنا ثواباً إلا بالاجتماع مع نبينا عليه الصلاة والسلام في جنات النعيم مع عباده المقربين، إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين.

    تقرير الأئمة عظم مصيبة المسلمين بموت النبي

    إخوتي الكرام! وقد قرر أئمتنا مشايخ الإسلام هذا، وبينوا أن أعظم مصيبة أصيب بها المسلمون في هذه الحياة فقد النبي عليه الصلاة والسلام وموته، وانتقاله إلى الرفيق الأعلى إلى جوار ربه جل وعلا.

    قرر هذا أئمتنا قاطبةً منهم شيخ الإسلام الإمام أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد المنبجي ، الذي توفى سنة خمس وثمانين وسبعمائة للهجرة في كتابه تسلية أهل المصائب، فانظروا إخوتي الكرام هذا الكتاب، وانظروا كلامه في صفحة ثماني عشرة، حيث قرر أن أعظم المصائب على المسلمين موت النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وقرر هذا الإمام السفاريني أيضاً في غذاء الألباب شرح منظومة الآداب في الجزء الثاني صفحة خمس وثلاثين وخمسمائة، وتوفي سنة ثمان وثمانين ومائة وألف للهجرة عليه رحمة الله، وقرر هذا شيخ الإسلام الإمام البيهقي في كتابه دلائل النبوة في الجزء السابع صفحة خمس وستين ومائتين للهجرة، وغالب ظني أن وفاة الإمام البيهقي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة للهجرة عليهم جميعاً رحمات رب العالمين.

    قرروا أن أعظم مصيبة أصيب بها المسلمون في هذه الحياة هي موت خير البريات عليه صلوات الله وسلامه، وانتقاله إلى جوار ربه.

    إشارة نبينا عليه الصلاة والسلام إلى عظم مصيبة المسلمين بموته

    أشار نبينا عليه الصلاة والسلام إلى عظم المصاب بموته.

    ففي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وشرح السنة للإمام البغوي، وقال الترمذي: حسن غريب، وقد حسن الحديث الحافظ المنذري أيضاً في الترغيب والترهيب عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من كان له فرطان من أمتي أدخله الله بهما الجنة، فقالت أمنا عائشة رضي الله عنها: ومن كان له فرط يا رسول الله! قال: ومن كان له فرط يا موفقة! قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟ قال: أنا فرط من لا فرط له، لم يصابوا بمثلي)، وقوله: (من كان له فرطان) أي: قدم ولدين من أولاده توفيا قبل الحنث والبلوغ، يدخله الله بهما الجنة، ( فقالت أمنا عائشة رضي الله عنها: ومن كان له ولد واحد قدمه بين يديه؟ قال: ومن كان له فرط ) يكون سبباً في دخوله الجنة، ( فقالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك )، أي: من مات له ولد من أولاده، أو ما تزوج، أو تزوج وما رزق أولاداً فما حاله عند الله؟

    فالمصيبة العظمى أعظم من موت الآباء والأبناء والأمهات والأزواج والإخوة والأخوات وهي موت خير البريات عليه الصلاة والسلام، قال: ( أنا فرط من لا فرط له، لم يصابوا بمثلي ) على نبينا صلوات الله وسلامه.

    وثبت في سنن ابن ماجه ، وبوب عليه في الجنائز باب: الصبر على المصيبة، والأثر عن أمنا عائشة رضي الله عنها، والأثر المتقدم يشهد لهذا وستأتي آثار كثيرة بمعناه، قالت: ( فتح النبي صلى الله عليه وسلم باباً بينه وبين الناس في مرض موته، أو كشف ستراً )، أي: فتح الباب أو كشف الستر الذي بينه وبين الناس بين حجرته وبين الناس في مسجده عليه صلوات الله وسلامه، (فإذا هم وراء أبي بكر رضي الله عنه يصلون )، والنبي عليه الصلاة والسلام في مرضه في بيته ففتح الباب وكشف الستر ونظر إليهم فإذا هم وراء أبي بكر يصلون، ( فحمد الله على ما رآه من حسن حالهم، ورجا أن يخلفه الله فيهم بالذي رآه، ثم قال عليه صلوات الله وسلامه: أيما أحد من المسلمين أصيب بمصيبة فليتعز بي، فليتعز بمصيبتي عن مصيبته بغيري، فإن أحداً من أمتي لن يصاب بعدي بمثل مصيبتي ) عليه صلوات الله وسلامه.

    إذاً: هو عزاؤنا فيما يقع علينا من مصائب عليه صلوات الله وسلامه، لنتعزى به، فلم يصب المسلمون بمصيبة كمصيبتهم بموت نبيهم على نبينا صلوات الله وسلامه، ولذلك لما توفي ولد لبعض الناس وكان اسم الولد محمد، كتب إليه بعض الناس يعزيه في ولده فقال له:

    اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد

    أو ما ترى أن المصائب جمة وترى المنية للعباد بمرصد

    من لم يصب ممن ترى بمصيبة هذه سبيل لست فيها بأوحد

    فإذا ذكرت محمداً -يعنى ولدك- ومصابه فاذكر مصابك بالنبي محمد.

    لم يصب أحد بعد النبي عليه الصلاة والسلام بمصيبة كمصيبته بموته عليه الصلاة والسلام وفقده.

    والحديث إخوتي الكرام! رواه الطبراني في معجمه الأوسط، وانظروا مجمع الزوائد في الجزء التاسع صفحة سبع وثلاثين، ورواه الإمام البيهقي في دلائل النبوة في الجزء السابع صفحة مائتين واثنتين، عن أمنا عائشة رضي الله عنها أيضاً قالت: ( كشف النبي صلى الله عليه وسلم الستر فرأى الصحابة يصلون وراء أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين فقال: الحمد لله، إنه لم يمت نبي حتى يؤمه رجل من أمته )، ما قال عليه الصلاة والسلام: من أصيب بمصيبة فليتعز بي عن مصيبته بغيري عليه صلوات الله وسلامه.

    والحديث إخوتي الكرام! رواه الإمام مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم ، ورواه ابن سعد عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بي، فإنهم لن يصابوا بمثلي )، والأثر رواه ابن سعد في الطبقات عن عطاء مرسلاً رضي الله عنه وأرضاه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أصيب أحد بمصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها أعظم المصائب )، والأثر رواه ابن سعد أيضاً، ورواه البيهقي في دلائل النبوة، عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( سيعزي المسلمين من بعدي التعزية بي )، قال أبو الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي : كان الرجل من الأنصار إذا مات له قريب بعد النبي المختار عليه الصلاة والسلام يقول له: اتق الله واصبر، فإن لك في رسول الله أسوة حسنة.

    إخوتي الكرام! والأثر مروي أيضاً عن المسور بن مخرمة كما بين ذلك الإمام ابن عبد البر رضي الله عنهم أجمعين.

    موقف الصحابة من موت النبي عليه الصلاة والسلام

    إخوتي الكرام! أعظم المصائب التي وقعت على المسلمين موت النبي الكريم عليه صلوات الله وسلامه، كيف لا وقد انقطع الوحي من السماء؟

    ثبت في صحيح مسلم وسنن ابن ماجه ودلائل النبوة للإمام البيهقي عن أنس رضي الله عنه، قال: قال أبو بكر لـعمر رضي الله عنهم أجمعين: ( تعال لنزور أم أيمن كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها )، وهي حاضن النبي عليه الصلاة والسلام، وهي أمه بعد أمه رضي الله عنها وأرضاها، وهى أم أسامة بن زيد زوج حب رسول الله عليه الصلاة والسلام، زيد بن حارثة رضي الله عنهم أجمعين، ( فلما دخل عليها أبو بكر وعمر بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام بدأت تبكي فقالا لها: ما يبكيك يا أم أيمن ؟ فما عند الله خير لرسوله عليه الصلاة والسلام، قالت: أعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء ).

    إخوتي الكرام! وقد شعر الصحابة الكرام رضوان الله عليهم بهول هذه المصيبة وشدتها، فكان رجاء لهم فصار، رجيةً ومصيبةً وقعت عليهم بموته عليه صلوات الله وسلامه.

    يقول أنس رضي الله عنه كما في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه : ( لما كان اليوم الذي دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء فيها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة أظلم فيها كل شيء، والله ما نفضنا أيدينا عن تراب النبي عليه الصلاة والسلام حتى أنكرنا قلوبنا )، والأثر رواه عنه الإمام الدارمي والحاكم في المستدرك، والبيهقي ، قال أنس رضي الله عنه: (شهدت اليوم الذي دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فما رأيت يوماً أحسن ولا أضوى من ذلك اليوم، وشهدت اليوم الذي مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فما رأيت يوماً أظلم ولا أقبح من ذلك اليوم)، وهذا الشعور الذي عند أنس رضي الله عنه وأرضاه شعر به جميع الصحابة الكرام.

    حال الصحابة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم

    ففي مسند البزار بسند جيد كما عند الحافظ في الفتح، والأثر إسناده رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (ما نفضنا أيدينا من تراب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا) نعم، ذهبت الألفة والصفاء، وذهب ما كان يمدهم به خاتم الأنبياء من تعليم وتأديب.

    إخوتي الكرام! ومن لطف الله بنا ورحمته أنه لم يقطع اتصالنا بنبينا صلى الله عليه وسلم، فجعل صلاتنا تبلغ نبينا عليه صلوات الله وسلامه، ويرد علينا سلامنا، وجعل الله لنا نبينا خيراً في حالتيه: في حياته وبعد مماته، فتعرض عليه أعمالنا بعد موتنا فما رأى من حسن حمد الله عليه، وما رأى من سوء استغفر لنا ربنا؛ لأنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين.

    إخوتي الكرام! هذا حصل لنا بعد موت نبينا عليه الصلاة والسلام، وأما الصحابة الكرام فقد عوضهم الله جل وعلا مع هذا الأمر أمراً آخر يسكن به نفوسهم ويخفف عنهم مصيبتهم، ألا وهو تولية أبي بكر الصديق عليهم بعد موت نبينا الأمين عليه وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، فجاءهم هذا الخليفة الراشد الذي هو كحال النبي عليه الصلاة والسلام في كل شيء، في طينته ومعدنه، نعم لا يوحى إليه كما يوحى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فما فقدوا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه غير شخص النبي عليه الصلاة والسلام، أما معاملته ورأفته ورحمته فكل ذلك كان موجوداً في عهد أبي بكر رضي الله عنه من هذا الخليفة الراشد؛ ولولا ذلك إخوتي الكرام لتقطعت قلوب الصحابة حسرةً لتغير الأمور رحمهم الله ورضي عنهم.

    يقول أنس رضي الله عنه كما في دلائل النبوة للإمام البيهقي : (لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم أظلمت الدنيا حتى لم ينظر بعضنا إلى بعض، وكان أحدنا يبسط يده فلا يراها، وما نفضنا أيدينا عن تراب نبينا عليه الصلاة والسلام حتى أنكرنا قلوبنا).

    إخوتي الكرام! هذا كان حال الصحابة الكرام عندما وقعت عليهم تلك المصيبة، نسأل الله جل وعلا ألا يرضى لنا ثواباً عليها إلا الاجتماع مع نبينا عليه الصلاة والسلام في جنات النعيم، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، أظلمت عليهم الدنيا، لا ينظر بعضهم إلى بعض، إذا بسط الإنسان يده لا يراها، حصل في القلوب ما حصل.

    ولما ذكرت فاطمة رضي الله عنها لـأنس رضي الله عنهم أجمعين، كيف حصل منهم نحو نبينا عليه الصلاة والسلام ما حصل ما استطاع أن يجيبها بشيء من شدة ما وقع عليه وعلى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري وسنن النسائي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه قال: ( لما ثقل بالنبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب -فداه نفسي وأبي وأمي عليه صلوات الله وسلامه- فقالت فاطمة رضي الله عنها: واكرب أبتاه! فقال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلما قبض عليه صلوات الله وسلامه، قالت هذه البضعة الطاهرة: يا أبتاه! أجاب رباً دعاه، يا أبتاه! إلى جبريل ينعاه، يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه، ثم قالت لـأنس رضي الله عنه -خادم النبي عليه الصلاة والسلام: عشر سنين-: يا أنس! أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟ )، والله ما طابت أيتها البضعة الطاهرة ولم تطب، لكن قهرها الصحابة الكرام امتثالاً لأمر الحبيب عليه صلوات الله وسلامه.

    مشروعية تمني رؤية النبي عليه الصلاة والسلام

    إخوتي الكرام! هذا الجسد الطاهر المبارك ينبغي أن نتمنى رؤيته وأن نشتاق إليه، نتمنى رؤيته في المنام، ونتمنى أن يكرمنا الله برؤيته في غرف الجنان، إنه رحيم رحمن.

    وقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام: أنه سيأتي أناس من بعده يتمنون رؤيته بأموالهم وأولادهم وأهليهم، وهؤلاء من أشد الناس حباً له عليه صلوات الله وسلامه.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، والحديث رواه الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أشد أمتي حباً لي ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله)، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وفي رواية: (يود أحدهم أنه أعطى أهله وماله وأنه رآني).

    وفي معجم الطبراني الكبير بسند رجاله ثقات عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أحدكم سيوشك أن ينظر إليّ نظرة بما له من أهل ومال).

    تمني السلف رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام

    وقد كان أئمتنا الأبرار رضوان الله عليهم أجمعين يتمنون حصول هذا لهم في المنام، ويرجون من الله ذلك في غرف الجنان، هذا العبد الصالح هشام بن حسان محدث البصرة أبو عبد الله، قال عنه الإمام الذهبي: إنه قد فاق القنطرة وجاوزها وهو من رجال الكتب الستة، كان يتمنى رؤية النبي عليه الصلاة والسلام، ويشتاق إلى ذلك، وكان إذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام تسيل دموعه على خديه.

    وما ذكر ابن عمر النبي صلى الله عليه وسلم إلا بكى كما في مسند الدارمي ، وإذا مر على بيوت النبي عليه الصلاة والسلام لا يستطيع أن ينظر إليها، وما غرس شجرةً بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام فرضي الله عنه وأرضاه.

    وهذا العبد الصالح عبد الله بن عون أبو عون قدوة عالم البصرة عليه رحمة الله، كان يتمنى رؤية النبي عليه الصلاة والسلام في المنام ويبث شوقه إلى ذلك، ويطلب من إخوانه أن يدعوا له بذلك، فما حصل له ذلك إلا في آخر عمره، فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام في نومه فرح بذلك كثيراً، فما عاش بعد ذلك إلا قليلاً حتى مات رحمه الله ورضي الله عنه، وقد توفي سنة خمسين ومائة للهجرة، وحديثه أيضاً في الكتب الستة، وهو من العلماء الربانيين، دعته أمه مرةً فأجابها، فظن أن صوته علا صوتها، فأعتق رقبتين تكفيراً لارتفاع صوته على صوت أمه، وكان لا يغضب أبداً عليه رحمة الله، وإذا أغضبه أحد يقول له: بارك الله فيك، وكان يقول: ذكر الناس داء، وذكر الله دواء.

    حنين الجذع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام حافزاً لشوق المؤمنين لرسول الله

    إخوتي الكرام! كان الجذع يحن إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، ويحزن لفراقه، ويشتاق إلى رؤيته، وإلى الاتصال به، فكيف بنا نحن إخوتي الكرام؟

    رحمة الله على الحسن البصري عندما كان يروي حديث حنين الجذع يقول: يا معشر المسلمين! الخشبة تحن شوقاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه.

    وحديث حنين الجذع إخوتي الكرام! حديث متواتر، روي عن جابر بن عبد الله ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وعن أنس ، وعن سهل بن سعد ، وأبي بن كعب ، وعن بريدة ، وعن معاذ بن جبل ، وعن أم سلمة ، وروي عن غير هؤلاء بحيث بلغ رواته بضعة عشر صحابياً، وهو حديث مشهور، والخبر به متواتر كما قال الإمام عياض ، وقال الإمام البيهقي : هو من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف، ورواية الأخبار الخاصة فيها كالتكلف.

    وحديث الجذع في صحيح البخاري والنسائي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( كان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جذع في قبلته يقوم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته، فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار -أي: مثل الناقة إذا مضى على حملها عشرة أشهر- حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه، قال الحسن : كان والله يحن لما كان يسمع عنده من الذكر ).

    وفي رواية: ( أن امرأةً من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أجعل لك شيئاً تقعد عليه؟ فإن لي غلاماً نجاراً، قال: إن شئت، قالت: فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صنع له، فصاحت النخلة التي كان يخطب عليها حتى كادت تنشق، وفي أخرى: فصاحت النخلة صياح الصبي، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذها فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت، حتى استقرت، قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر ) أخرجه البخاري .

    وفي رواية النسائي قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب يستند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنع المنبر واستوى عليه اضطربت تلك السارية تحن كحنين الناقة، حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها ).

    ووردت روايات كثيرة توضح هذا وتبينه، ففي رواية معاذ بن جبل رضي الله عنه ( فاحتضن النبي صلى الله عليه وسلم الجذع فسكن، فقال: لو لم أفعل لما سكن ).

    وفي رواية الدارمي عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة ).

    والحديث روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا إلى يوم القيامة، حزناً على فراق رسول صلى الله عليه وسلم، ثم أمر بالجذع فدفن ).

    وفي بعض الروايات: ( فصاحت النخلة صياح الصبي ).

    وفي بعض الروايات: ( اضطربت السارية كحنين الناقة الخلوج ) أي: التي انتزع ولدها منها، وفي بعض الروايات: ( خار ذلك الجذع كخوار الثور )، وفى بعض الروايات: ( فلما جاوز النبي صلى الله عليه وسلم الجذع خار حتى تصدع وانشق ).

    وفي رواية البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ( كان رسول صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع، فأتاه فمسح بيده عليه ).

    وفي رواية: ( فنزل إليه فاحتضنه وسآره بشيء ) يعني: تكلم معه بشيء سراً بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين هذا الجذع، أخرجه البخاري .

    وفي رواية الترمذي : ( فأتاه فالتزمه فسكن ).

    وفي سنن الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: ( أن رسول صلى الله عليه وسلم خطب إلى عذق جذع واتخذوا له منبراً فخطب عليه، فحن الجذع حنين الناقة، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فمسه فسكن )، أخرجه الترمذي، والحديث صحيح.

    إخوتي الكرام! وورد في بعض الروايات كما في الدارمي وغيره من رواية بريدة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للجذع: اختر، إن شئت أن أغرسك في المكان الذي أخذت منه فتكون كما كنت قبل أن تصير جذعاً، وإن شئت أن أغرسك في الجنة، فتشرب من أنهارها، فيحسن نبتك وتثمر، فيأكل منك أولياء الله، قال النبي عليه الصلاة والسلام: فاختار أن أغرسه في الجنة ).

    هذا جذع وهو جماد يحن إلى خير العباد عليه صلوات الله وسلامه، فكيف بالمؤمنين الذين يحبون النبي الأمين عليه الصلاة والسلام.

    أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يحيينا على سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن يميتنا على ملة نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن يبعثنا يوم القيامة من أمته ومن أتباعه، وأن ينادينا يوم القيامة: يا أمة محمد! عليه الصلاة والسلام، يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [الإسراء:71] .

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه عدد ما خلقت وعدد ما أنت خالق يا أرحم الراحمين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم صل عليه صلاةً ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا رب العالمين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.