إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مباحث النبوة - قوة النبي صلى الله عليه وسلم دالة على صدقه

مباحث النبوة - قوة النبي صلى الله عليه وسلم دالة على صدقهللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قوياً شجاعاً وفارساً مغواراً لا يشق له غبار، فهو أشجع الخلق وأقواهم في الله تعالى، بلغ من شجاعته أن الصحابة الكرام كانوا إذا اشتد القتال وحمي الوطيس يحتمون به عليه الصلاة والسلام، وقد أعطاه الله تعالى قوة أربعين رجلاً، وقد ظهرت شجاعته وقوته في مواقف كثيرة ومعارك مع المشركين، وهذا كله مما يدل على أنه رسول الله حقاً وصدقاً عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    القوة والشجاعة من صفات الأنبياء وعلامات صدقهم

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس العلامات التي يعرف بها صدق أنبياء الله ورسله على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وقلت: هذه العلامات كثيرة وفيرة يمكن أن نجملها في أربع علامات:

    الأولى منها: النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه، فيما يتعلق بخَلْقِه وخُلُقه.

    والأمر الثاني: النظر إلى دعوته.

    والثالث: النظر إلى المعجزات وخوارق العادات التي أيده بها رب الأرض والسماوات.

    والرابع: النظر إلى حال أصحابه.

    هذه الأمور الأربعة إخوتي الكرام! من تأملها يستطيع أن يفرق بين النبي والمتنبئ، بين النبي والدعي، بين النبي الصادق والمتنبئ الكذاب، وكنا -إخوتي الكرام- نتدارس العلامة الأولى: وهي النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه، فمن تأمل أنبياء الله ورسله عليهم جمعيا صلوات الله وسلامه خَلْقاً وخُلُقاً، واستبان من هذا التبين أنهم رسل الله حقاً، كنا نتكلم إخوتي الكرام عن حال الأنبياء من حيث الخلق، وهو الشق الأول من العلامة الأولى، وغالب ظني أننا تدارسنا هذا في موعظتين ويعلم الله ما كان في ظني أن يطول الأمر إلى هذا المقدار، ولعل هذه الموعظة أيضاً ستكون في بيان ما يتعلق بخلق النبي عليه الصلاة والسلام، وأما الخلُق -وهو الشق الثاني من العلامة الأولى- فنتدارسه في المواعظ الآتية إن أحيانا الله.

    إخوتي الكرام! قلت: إن الله جعل أنبياءه ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه في درجة الكمال فيما يتعلق بخَلْقهم وخُلُقهم، أما الخَلْق ففيه الكمال، جلال وجمال، ملاحة وبهاء، فجمع نبينا وأنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه الكمال في الخلق، ففيه ملاحة وبهجة وإشراق، وفيه جلال وهيبة ورهبة كما تقدم معنا شيء من تقرير هذا.

    إخوتي الكرام! هذا الخلق الذي جعلهم الله عليه بهذه الصورة مع الخُلُق الذي هو أيضاً في درجة الكمال، قلت: يستحيل أن يكون من اتصف بهذا الوصف في كمال في خَلقه وخُلُقه، ثم بعد ذلك يكذب على ربه جل وعلا، ولا يعاجله الله بالعقوبة وهو يقول: إنه رسول، والله يزيده كمالاً في خَلْقه وخُلُقه، هذا لا يمكن أن يقع على الإطلاق. لقد تقدم معنا شيء مما يتعلق بخَلْق نبينا عليه الصلاة والسلام، وأريد أن أكمل هذا الموضوع في هذه الموعظة إن شاء الله.

    إخوتي الكرام! أنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه حازوا درجة الكمال في الخَلْق، ومن هذا الكمال الذي كانوا عليه في خلقهم القوة والشجاعة على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، فأقوى الناس على الإطلاق أنبياء الله ورسله، وأقوى أنبياء الله ورسله نبينا صلى الله عليه وسلم.

    وقد أخبرنا ربنا جل وعلا عن هذه القضية فيما يتعلق بالأنبياء، وأثنى عليهم بالقوة، فالله جل وعلا يقول في حق العبد الصالح داود على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:17]، والأيد مصدر (آد يئيد أيداً) إذا قوى واشتد، وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:17]، أي: ذا القوة، صاحب القوة البدنية، والقوة القلبية العلية، والأيد كما قلت: مصدر آد يئيد أيداً، كما أن لفظ الأيد يأتي بمعنى جمع اليد (أيدي)، والمراد هنا المصدر، ومنه قول الله جل وعلا: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات:47]، أي: بقوة وإحكام وإتقان، وليس المراد بنيناها بأيدينا، كما قال الله: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، فليس المراد هنا إثبات صفة اليد؛ لأن الأيد هنا المراد به القوة.

    وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى قوة هذا العبد الصالح في خَلْقه وخُلُقه على وجه التمام والكمال، ففي المسند والصحيحين وغير ذلك، والحديث في أعلى درجات الصحة من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان لا يفر إذا لاقى) إذا التقى بأعداء الله لا يفر، فهذا نبي، والله ضمن له النصر، وهو صاحب القوة على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، فكيف يتوقع أن يفر ويهرب؟ هذا لا يمكن أن يتصف به نبي صيامه أكمل صيام، يصوم يوماً ويفطر يوماً، وهذا أشق من صيام الدهر، لأن من صام الدهر صار له عادة وديدنة لا يشعر بمشقة، أما الذي يصوم ثم يفطر ثم يصوم، فهذه عبادة يميزها عن العادة، وحقيقة هذا هو الحزم، وهذا هو الكمال، وهكذا في القيام، ينام نصف الليل، ثم يقوم الثلث، ثم ينام السدس، وهذا أعظم مما لو قام الجزء الأخير أو الجزء الأول أو الليل بكامله، هذا أشق وأعظم عند الله جل وعلا، فلو قدرنا أن الليل عشر ساعات، فينام خمس ساعات، هذا النصف، ثم يستيقظ ثلاث ساعات ونصفاً، في التهجد، ثم ينام ساعة ونصفاً، فيكون قد قام من الثلث الأخير نصفه، لأن الثلث الأخير سدسا الليل ونام نصف الثلث الذي هو السدس، لأنه قد يقول قائل: لم ما قام ثلث الليل الأخير كله؟ فنقول: لقد قام قبله فحصل من ثلث الليل الأخير الذي له فيه فضيلة، حصل نصف ثلث الليل الأخير، فهو عندما قام جزءاً من ثلث الليل الأخير وهو نصف الليل الأخير دخل معه، لأن ثلث الليل الأخير سدسان، فلما نام السدس بقي سدس، وهو سدس الليل الكامل، فقامه في قيامه.

    انظر لهذا القيام: ينام النصف، ويقوم الثلث، وينام السدس، وفي نيامه السدس هذا إعانة لبدنه على صلاة الفجر بجد ونشاط، وذهاب للصفرة من وجهه؛ لأن من واصل القيام اصفر وجهه، فهو لا يريد أن تكون فيه هذه العلامة، ويريد أن يستقبل الطاعة بجد ونشاط، ثم انظر لهذا الأمر: نوم وقيام ثم نوم وقيام، وهذا أصعب مما لو كان قياماً متصلاً في الثلث الأخير، فهذه عبادته وقوته.

    1.   

    مواقف تصف قوة النبي صلى الله عليه وسلم وشجاعته

    (وكان لا يفر إذا لاقى) وهكذا كان حال نبينا عليه صلوات الله وسلامه فلنمتع أنفسنا بقوة نبينا عليه الصلاة والسلام في هذه الموعظة، ثم بعد ذلك أتكلم على ثلاثة أمور أكرم الله بها بدن نبينا عليه الصلاة والسلام: بشق صدره، وخاتم النبوة الذي بين كتفيه، وولادته مختوناً مسروراً عليه صلوات الله وسلامه، وهذه كلها من باب الكمال في الخَلْق الذي تميز به عن سائر الخلق عليه صلوات الله وسلامه.

    قوة النبي صلى الله عليه وسلم وشجاعته في غزوة بدر

    أما قوته فقد ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي ، والحديث إسناده صحيح عن علي رضي الله عنه، وهو الشجاع الصنديد، يقول علي رضي الله عنه في موقعة بدر: ( لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو، وكان أشد الناس بأساً )، أي: قوةً، فهذا علي والصحابة الكرام يلوذون، أي: يحتمون بالنبي عليه الصلاة والسلام، سبحان الله! متى جرت عادة الجنود أن يحتموا بقائدهم؟ الأصل أن الأمير هو الذي يحتمي بالجنود، لكن هنا العكس، أشجعنا يلوذ ويحتمي ويختبئ وراء النبي عليه الصلاة والسلام من شدة بأس الحرب، وكان عليه الصلاة والسلام أشد الناس بأساً.

    وفي رواية: يقول علي رضي الله عنه كما في المسند: ( لما حضر البأس يوم بدر )، والبأس: هو القتال والشدة والمشقة، ( لما حضر البأس يوم بدر اتقينا برسول صلى الله عليه وسلم )، أي: احتمينا به وجعلناه وقاية بيننا وبين الأعداء عليه صلوات الله وسلامه، ( اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أشد الناس بأساً، لم يكن أحد أقرب إلى المشركين منه )، هذا هو النبي عليه صلوات الله وسلامه كان في المقدمة، وهو أشد الناس بأساً، وشجعان الصحابة الكرام كانوا يلوذون به ويتقون به عليه صلوات الله وسلامه.

    هذه قوة الأنبياء، هذا هو كمال الخَلْق، هذه القوة العظيمة التي أعطاها الله لأنبيائه ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه ليكونوا في درجة الكمال، خَلْقاً وخُلُقاً، أما رجل رعديد جبان لو خوف ينقطع قلبه، حقيقة هذا لا يصلح أن يكون نبياً، هذا في الناس منقصة، فكيف يتصف به نبي الله على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه؟!

    لذلك في قصة حادث الهجرة الشهير، أشجع الخلق بعد الأنبياء هو أبو بكر على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله والصديقين جميعاً صلوات الله وسلامه، ومع ذلك يقول: يا رسول الله! لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا، انظر لكلام النبي عليه الصلاة والسلام، قال: (يا أبا بكر ! ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا)، فانظر لحال أبي بكر وحال نبينا عليه الصلاة والسلام، وحال أبي بكر على حسب حاله، وكان خوفه رضي الله عنه على النبي عليه الصلاة والسلام، يتخوف عليه ويقول: أنا إن مت فأنا فرد، وأما أنت فالعالم كله بحاجة إليك عليك صلوات الله وسلامه، لكن اعتراه ما اعتراه من الخوف البشري والضعف الجبلي في الإنسان، لكن نبينا عليه الصلاة والسلام هون عليه وقال: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، قال تعالى: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40].

    قوة النبي صلى الله عليه وسلم وشجاعته وثباته يوم حنين

    هذا هو حال أنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، إذاً أشجع الصحابة يلوذ ويتقي ويحتمي ويتترس بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الوصف الذي ذكره علي رضي الله عنه تتابع الصحابة رضوان الله عليهم على ذكره عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وعلى أن هذا الوصف كان وصفاً للنبي عليه الصلاة والسلام في جميع المعارك، فهو الذي لا يمكن أن يفر، ولا أن يقع في قلبه شيء من الهول والرعب والفزع عليه صلوات الله وسلامه.

    ففي موقعة حنين، والحديث في الصحيحين، قال رجل للبراء رضي الله عنه وأرضاه: يا أبا عمارة ! أفررتم يوم حنين؟ وهذه كلمة عامة شاملة يدخل فيها النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، فقال البراء رضي الله عنه وأرضاه: ( لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر )، وفي رواية: ( لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يول )، أي: ظهره ولم يهرب، وفي رواية: ( لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ولى ).

    نعم، نحن حصل منا ما حصل، لكن النبي عليه الصلاة والسلام ما حصل منه فزع ولا رعب ولا فرار، إذاً من الذي فر؟ إنهم الشبان، بعد فتح مكة خرجوا سراعاً إلى موقعة حنين، وأكثرهم حديث عهد بإسلام، وشبان ليس عندهم أسلحة، فكانوا في المقدمة، فلما رشقوا بسهام كالمطر ولوا وفروا، وما عندهم علم بأساليب الحرب والقتال، فمن الذي ثبت؟ ثبت النبي عليه الصلاة والسلام ومعه كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

    جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة ؟ قال: أشهد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولى، ولكنه انطلق أخفاء من الناس، أي: متخففون ليس عليهم سلاح، وهم أيضاً أخفة في أنفسهم، شباب عندهم نشاط، أخفاء من الناس، حسر، جمع حاسر، لا يحملون شيئاً من الأسلحة، وعدة القتال، إلى هذا الحي من هوازن، وهم قوم رماة، فرموهم برشق من نبل كأنها رِجْلٌ من جراد، أي: قطعة كبيرة من جراد، أي: كأنها سرب عظيم، كأنها رجل من جراد، أي: جراد منتشر، جاءت السهام كأنها مطر فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب -وهو ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام- وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنزل النبي عليه الصلاة والسلام عن بغلته وترجل ودعا واستنصر وهو يقول: ( أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ، اللهم أنزل نصرك )، قال البراء : كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني بالنبي صلى الله عليه وسلم.

    وفي رواية لـمسلم : قال رجل للبراء : يا أبا عمارة ! فررتم يوم حنين؟ قال: لا والله! ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسراً، ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فلقوا قوماً رماة، لا يكاد يسقط لهم سهم، فرشقوهم رشقاً، ما يكادون يخطئون، فأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل واستنصر وقال: ( أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب )، على نبينا صلوات الله وسلامه، وبعد ذلك جاءه الصحابة الذين فروا رضوان الله عليهم أجمعين وحصل لهم النصر.

    وثبت في الصحيحين أيضاً من حديث أنس وعبد الله بن زيد ، وهو الأنصاري الذي أُري الأذان في نومه رضي الله عنهم أجمعين: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام عندما كان على بغلته فالتفت يميناً وقال: يا معشر الأنصار! قالوا: لبيك رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن معك أبشر، فالتفت عن يساره وقال: يا معشر الأنصار! فقالوا: لبيك رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن معك أبشر )، نحن لا نفر، ولذلك طلب النبي عليه الصلاة والسلام من العباس أن ينادي: يا أهل بيعة الشجرة! يا أهل بيعة العقبة! تعالوا أنتم الخلص، فهؤلاء الشبان الأخفاء ما عندهم دراية بالحرب، وحديثو عهد بإسلام، فحصل منهم ما حصل، أما الخميرة والأساس فتظهر في هذا الوقت، فانعطفوا على النبي عليه الصلاة والسلام ورجعوا إليه عطفة البقر على أولادها، وكتب الله لهم النصر، ونتيجة المعركة عندما تألف النبي عليه الصلاة والسلام بقسط كبير من هذه الغنائم بعض الذين أسلموا في فتح مكة، ودخل في قلب بعض الأنصار شيء، أما أهل الرأي منهم والشيوخ فسلموا الأمر للنبي عليه الصلاة والسلام، وأما الشبان منهم فكأنهم وجدوا شيئاً، وأنهم هم أهل القتال وأهل النجدة، وعن يمين النبي عليه الصلاة والسلام وعن شماله، فعند الفزع يكثرون، وعند المغانم يأتي أهل الطمع ويأخذون، فهم أولى بهذه المغانم.

    فلما علم النبي عليه الصلاة والسلام بما دار بينهم جاءهم وقال لهم: (أما ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ فبكوا وقالوا: بلى، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: والله لو سلك الأنصار شعباً وسلك الناس شعباً لسلكت شعب الأنصار -والحديث في الصحيحين- الأنصار شعار والناس دثار)، والشعار: هو الثوب الذي يلاصق البدن، والدثار ما يكون فوقه، أي: أنتم خاصتي، وليس بيني وبينكم كلفة، ولذلك إذا حصل شيء من الحيف الظاهري عليكم، فأنا وأنتم حالنا واحد، أما هؤلاء فنتألفهم ونعطيهم هذا المال، وأما أنا وأنتم فليست همتنا في هذا العرض الدنيوي، أنتم شعاري، الأنصار شعار، والناس دثار، رضي الله عنهم وأرضاهم.

    إذاً: كانوا يتقون برسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقول البراء : كنا والله! إذا احمر البأس، أي: اشتد القتال، وحصل لمعان السيوف وبريقها كأنها شمس تضيء من اصطكاك السيوف ببعضها، ونار تقدح، كنا في هذه الحالة نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قول النبي: (أنا النبي لا كذب..) ودفع توهم أن يكون النبي يقول الشعر

    إخوتي الكرام! قول نبينا عليه الصلاة والسلام: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، هذا شعر، وهو نوع من أنواع الرجز، والرجز من الشعر، والله يقول في حق نبيه عليه الصلاة والسلام: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69]، والسبب في ذلك: أن الله صان أنبياءه ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه عن قول الشعر؛ لأن الشعر كما قال أئمتنا: مبني على المجازفات والمبالغات والخيالات والتلبيسات، فأعذبه أكذبه، فلا يمكن أن يكون ذلك في النبي عليه الصلاة والسلام، يضاف إلى ذلك أن الشعر فيه شيء من الفصاحة، فلو اتصف به النبي عليه الصلاة والسلام لقالوا: ما يأتينا به هو من باب الفصاحة التي هو ماهر فيها وهو الشعر، هذا فضلاً عن أن الشعر قائم على التخييل والتلبيس وإظهار الباطل بثوب الحق، فقد يقال: ما أتانا به من نصوص شرعية، هذا هو حال الشاعر موَّه علينا بهذه العبارات المعسولة، ولذلك قال تعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69]، فكيف قال الشعر: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ؟

    زعم بعض رواة الحديث أن البيت ينبغي أن يفتح فيقال: أنا النبي لا كذبَ؛ لينكسر الوزن ولئلا يكون شعراً، فيخرج عن وزن الشعر، وهذا في الحقيقة خلاف الرواية الثابتة، وإذا ثبتت الرواية فما هو التوجيه بين قول نبينا عليه الصلاة والسلام للشعر، ونفي الله للشعر عنه والشاعرية فيه فلم يكن شاعراً عليه صلوات الله وسلامه؟

    ذكر أئمتنا عدة توجيهات لذلك، منها: قيل: هذا لم يقله النبي عليه الصلاة والسلام، إنما قيل له فغير هو الضمير، قيل له: أنت النبي لا كذب، أنت ابن عبد المطلب ، في غير موقعة حنين، فتمثل بما قيل له مع تغيير الضمير، فليس هو من نظمه وقوله وإنشائه عليه صلوات الله وسلامه، فهذا الذي مدح به أخبر به عن نفسه في موقعة حنين فقال بدل أنت: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ، وهذا يحتاج إلى إثبات كما قال أئمتنا.

    الجواب الثاني والتوجيه الثاني: قالوا: هذا رجز، والرجز ليس من الشعر، وهذا لا يصح، فإن الرجز نوع من أنواع الشعر.

    الجواب الثالث: قيل: إن الشعر يطلق على القطعة التامة والقصيدة، فمن قال بيتاً أو بيتين لا يقال عنه: شاعر، وقد يقول الإنسان أحياناً كلاماً فيأتي على وزن الشعر ولا يقصد الشعر، هذا يقع في كلام الناس، فإنا مرة قلت جملة مع بعض إخواننا، فقال: هذا على وزن كذا من بحور الشعر، فقلت: يعلم الله أني لا أعرف الشعر ولا أوزانه، وهذا لا لمدح في؛ بل هذا نقص، فعدم الشعر في النبي عليه الصلاة والسلام مدح، أما فينا فلجهلنا به، فما عندي علم به، فهذه الجملة التي قلتها بيت من الشعر لكنه دون قصد، وهنا: قوله: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ، قالها دون قصد للشعر، والشاعر هو الذي يلقي قصيدة وقصائد، أما أن يقول الإنسان بيتاً واحداً، فهذا لا يدخله في وصف الشعراء.

    والتوجيه الرابع: وهو الذي ذهب إليه الحافظ ابن حجر ، وقدمه على هذه التوجيهات الثلاثة، وهو قريب من الثالث، قال: يكون الإنسان شاعراً إذا قال الشعر وقصده، إذا قال شعراً وقصده، وأما إذا قال شعراً بيتاً أو أكثر دون قصد، أي: تكلم بكلام ووافق أوزان الشعر فلا يكون شاعراً، والفرق بين الجواب الثالث والرابع: أن الثالث يقول: لا يكون شاعراً إلا إذا قال قطعة كبيرة، أما البيت والبيتان فلا يكون فيها شاعراً، والرابع يقول: مهما قال من أبيات لا تعتبر شعراً إلا إذا قصدها، فقد يقول كلاماً، وهذا الكلام يأتي على أوزان الشعر، لكن دون قصد منه، فلا يدخل في وصف الشعراء، وأنه شاعر، وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69].

    معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)

    وقول النبي عليه الصلاة والسلام: (أنا النبي لا كذب)، يحتمل أمرين اثنين:

    الأول: وهو الذي يتعلق ببحثنا: أنا النبي، وقد وعدني الله بالنصر ولن يكذبني الله، ولن يخلف وعده، فكيف أفر؟ كيف أولي الأدبار؟ فإن الفرار يقع ممن ليس بمبعوث لا مرسل من قبل العزيز القهار، لأنه لا يثق هل سيحصل له النصر أم لا؟ أما أنا فلو اجتمع العالم بأسره فلن أفر، أنا نبي الله حقاً وصدقاً، أنا النبي وعدني الله بالنصر بدون كذب، ولن يكذبني، لن يخلف الله وعده، ولذلك وجدت فيه هذه الشجاعة، وهذه القوة، وهذا الثبات، وهذه الرجولة على وجه التمام والكمال.

    والقول الثاني: وهو قريب منه لكنه يختلف في التعليل: أنا النبي لا كذب، أي: أنا صادق في دعوى النبوة، ولن يكذبني الله ما وعدني به من النصر.

    أما القول الأول: أنا النبي، وقد وعدني الله بالنصر فلا كذب في وعد الله لي، وسأنتصر وتكون الدائرة لي على من خالفني وعاداني مهما كثر وقوي، (أنا النبي) لا كذب لوعد الله لي بالنصر، (أنا النبي) لا كذب في دعواي فأنا رسول الله حقاً وصدقاً، والقولان متقاربان، لكن القول الأول والتعليل الأول -كما قلت- أظهر القولين، فكأنه يقول: أنا النبي، وإذا كان نبياً فهو صادق في دعوى النبوة، فكأنه يقول: أنا النبي، وبرهان نبوتي أن الله سيحقق لي ما وعدني من نصري عليكم، وسترون في نهاية الأمر، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:32-33].

    وإنما أضاف نفسه إلى جده لأنه كان يشتهر بذلك عند الناس، فوالده عبد الله توفي والنبي عليه الصلاة والسلام حمل في بطن أمه على نبينا وآل بيته صلوات الله وسلامه، ولذلك كان يضاف إلى جده الذي تعهده وتكفل به ورباه حتى بلغ من عمره ثماني سنين، فقد توفي عبد المطلب وعمر النبي عليه الصلاة والسلام ثماني سنين، فكان يقال له: ابن عبد المطلب ، ولذلك عندما كانت تأتي وفود الأعراب إلى النبي عليه الصلاة والسلام كحديث ضمام في صحيح مسلم وغيره قال: يا ابن عبد المطلب ! إني سائلك ومشدد عليك، وهنا أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب على نبينا صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! في موقعة حنين لما نزل النبي عليه الصلاة والسلام من بغلته، وترجل على رجليه، أخذ كفاً من رمل وحصى كما هو ثابت في صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع ، ثم رماها في وجوه هوازن الذين جاءوا ورشقوا الصحابة بنبل كأنها رجل من جراد، أي: جماعة كبيرة من جراد، أخذ كفاً من تراب وحصى ثم نسفها في وجوه القوم، وقال: (شاهت الوجوه)، يقول سلمة : فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ الله عينيه تراباً، من هذه الرمية التي رماها نبينا عليه صلوات الله وسلامه: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17].

    إخوتي الكرام! في حديث سلمة أمر ينبغي أن تنتبهوا له غاية الانتباه، وقد وهم بعض الناس فيه وهماً فاحشاً قبيحاً، يصان عنه نبينا عليه الصلاة والسلام ويتنزه عنه، يقول سلمة : مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم منهزماً، قوله: منهزماً، هذا حال من الفاعل لا من المفعول، أي: مررت أنا منهزماً برسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن في التعبير تأخير، فالأصل أن يقول سلمة : أنا كنت منهزماً، هكذا الكلام، مررت وأنا منهزم برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته البيضاء، ويقول: ( أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب )، فقوله: مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم منهزماً، هذا حال من ضمير (مررت) وهو سلمة ، لا من المفعول في قوله برسول الله عليه الصلاة والسلام، فليس هذا حال من رسول الله، هذا حال من سلمة الذي كني عنه بالضمير، ضمير الفاعل: مررت منهزماً برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال الإمام النووي عند شرح هذا الحديث: أجمع المسلمون على أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يفر ولا ينهزم، ولا يقع في قلبه الروع والرعب عليه صلوات الله وسلامه، فقوله: (منهزماً) هذا حال من سلمة ، وتقدم معنا حال نبي الله داود على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه ذا الأيد، وأنه لا يفر إذا لاقى، فكيف بمن هو أشجع وأقوى منه ومن خلق الله أجمعين، نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه؟! هل يهزم في موقعة حنين؟ هذا لا يمكن، إنما الرواية: مررت منهزماً برسول الله عليه الصلاة والسلام، يعني أنا المنهزم، لكن مررت والنبي عليه الصلاة والسلام ثابت، فبعض الناس ينصرف ذهنه إلى أن (منهزماً) حال من رسولنا عليه الصلاة والسلام، وهذا في منتهي الضلال، فإياك أن تظن هذا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أشجع الخليقة وأقوى الخليقة وأكمل الخليقة خَلْقاً وخُلُقاً عليه صلوات الله وسلامه.

    ركوب النبي على فرس عري للكشف عما أفزع أهل المدينة ليلاً

    إخوتي الكرام! هذا الوصف هو من الكمال، والكمال الخَلقي في النبي عليه الصلاة والسلام متواتر، وورد نقله عن الصحابة بروايات متعددة، تقدمت معنا رواية علي في بدر، ورواية البراء في حنين.

    انظر لهذه الرواية الثالثة من رواية أنس رضي الله عنه وأرضاه في غير الموقعتين المتقدمتين، وهذا هو حال النبي عليه الصلاة والسلام في جميع الأحوال، ثبت في المسند والصحيحين والحديث في سنن أبي داود والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وكان أجود الناس )، جمع الله فيه الكمال والجلال، الملاحة والبهاء عليه صلوات الله وسلامه، والصفة الثالثة: قال: ( وكان أشجع الناس ) طيب برهن على شجاعته، هات قصة تبرهن على هذا.

    يقول أنس كما في الصحيحين والكتب الذي ذكرتها: ولقد فزع أهل المدينة ليلة، اعتراهم فزع، لشيء حدث في ناحية من نواحي المدينة المنورة على نبينا صلوات الله وسلامه، حصل شيء ظنوا أنه باغت المدينة عدو في تلك الناحية، فاعتراهم فزع، يقول: فانطلق ناس قبل الصوت، لنفرض أنه مثلاً وجد حريق، أو وجد شيء في ذلك المكان، فاعترى الصحابة فزع في تلك الليلة، فأسرعوا إلى جهة الصوت، قال: فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم عائداً من جهة الصوت، هم لا زالوا يذهبون، لكن النبي ذهب قبلهم، وكشف الخبر وعاد عليه صلوات الله وسلامه على فرس عري، أي: ليس عليه سرج يضعه على ظهر الخيل، جاء على فرس عري، وهذا لا يقال إلا في البهائم، وأما في بني آدم فيقال له: عريان، قال: جاء على فرس عري استعاره من أبي طلحة ، وهو يقول: (لن تراعوا، لن تراعوا)، أي: لا يوجد فزع، إنما هناك شيء طرأ من داخل المدينة على منورها صلوات الله وسلامه، وما جاء عدو، ولا يوجد شيء من أسباب الفزع، هم خرجوا والنبي عليه الصلاة والسلام خرج وكشف الخبر وعاد بمفرده على فرس عري عليه صلوات الله وسلامه، ويقول: (لن تراعوا لن تراعوا لن تراعوا)، ثم قال لـأبي طلحة : (إن وجدناه)، أي: هذا الفرس الذي استعرته منك، (لبحراً)، أي: هو متسع واسع الجري شديد السرعة كأنه بحر لا ينفد، وهذا الفرس قوته لا تضعف، وجريه لا يفتر.

    يقول أنس رضي الله عنه: ولقد كان يبطئ هذا الفرس، يعني إذا مشى مع الخيول هو أبطؤها، لكن لما ركبه خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه صار بحراً، وإن كان ليبطئ، ثم ما سبق بعد ذلك، هذا الفرس ما سبق بعد ذلك، والحديث في الصحيحين، وشيء يركبه رسول الله عليه الصلاة والسلام هل يُسبق؟ هو لا يسبق، ومركوبه لا يسبق عليه صلوات الله وسلامه قطعاً وجزماً، فقد كان هذا الفرس بطيئاً، وإذا حصلت المسابقة بينه وبين الخيول يكون في المؤخرة، لكن صار بعد ذلك لا يُسبق. (إن وجدناه لبحراً).

    إخوتي الكرام! يحق لمركوب يركبه خير خلق الله عليه الصلاة والسلام أن يكون كذلك، كما سيأتينا -إن شاء الله- عند حديث الإسراء لما قدم البراق إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليركبه، وهو دابة دون الفرس وفوق الحمار، والبراق مأخوذ من البريق، وهو اللمعان، أو من البرق من شدة السرعة كأنه برق خاطف، لما قدم له ليركبه بدأ يستصعب عليه، ويعتريه امتناع وإباء، فقال له جبريل: ما لك؟ والله ما ركبك أحد قبله خير منه، ما ركبك أحد قبل النبي عليه الصلاة والسلام خير منه، قال: فانصب عرقاً، بدأ البراق وهذه الدابة تسيل عرقاً حياء، أما تعليل امتناع البراق، فقد علل بأمرين:

    يقول الإمام ابن حجر : امتناع البراق ليس امتناع إباء، إنما امتناع زهوٍ وخيلاء، لما قدم البراق للنبي عليه الصلاة والسلام ليركبه بدأ يضرب برجليه ويفتخر أنه يركبني خير خلق الله، لكن هذا الافتخار لم يكن فيه ليونة ليركبه النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هو يفتخر، وامتناعه ليس امتناع إباء، إنما امتناع زهو وخيلاء، وهذا الزهو والخيلاء الذي حصل له عندما اقترب من النبي عليه الصلاة والسلام ليركبه ترتب عليه نفور فيه، فاستصعب على النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذا الاستصعاب لا من باب الإباء، بل من باب الزهوّ والخيلاء، يبتهج أن يركبه خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه، لكن هذا الزهو إذا طغى على الأدب الواجب فإنه يعاتب عليه، ولذلك قال له: ما لك؟ ما ركبك أحد قبله خير منه عليه صلوات الله وسلامه، فكيف يحصل منك ما يحصل؟ فتصبب عرقاً واستكان حياء فركبه نبينا عليه الصلاة والسلام.

    هذه هي قوة الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، فهم أكمل الناس خلقاً، جمالاً وجلالاً، وملاحة وبهاءً على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    قصة النبي مع المشرك الذي وقف على رأسه بالسيف قائلاً: من يمنعك مني

    حديث رابع: ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر ، وقد مر معنا عن علي والبراء وأنس وجابر ، ووالله! إن ذلك متواتر عن نبينا عليه الصلاة والسلام فيما وصفه به الصحابة الكرام أنه أشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسن الناس، وأقوى الناس عليه الصلاة والسلام، هذا أمر متواتر، والقوي منهم يلوذ بالنبي عليه الصلاة والسلام عند الشدة، ويتقي به ويتترس به عليه صلوات الله وسلامه.

    انظر لهذا الحديث وهو في الصحيحين وغيرهما من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: غزونا قبل نجد ومعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أردنا أن ننام القيلولة عند القائلة في الظهيرة، تفرق الصحابة تحت الشجر، وذهب النبي عليه الصلاة والسلام تحت شجرة وعلق سيفه بغصن من أغصانها ثم نام تحتها، وما معه أحد فداه نفسي وأبي وأمي عليه صلوات الله وسلامه، ففطن بعض المشركين لحال الصحابة الكرام الطيبين، وأنهم ناموا وابتعدوا عن النبي عليه الصلاة والسلام، فجاءه واسمه غورث بوزن جعفر، كما وردت الإشارة إلى هذا في صحيح البخاري ، وقيل: بضم الغين غُورث ، وقيل: غُويرث ، وقال القرطبي : بالكاف كورث ، وضبط الاسم لا يهمنا، والأرجح -فيما يظهر والعلم عند الله- أنه مشرك اسمه غورث ، جاء والنبي عليه الصلاة والسلام نائم القائلة تحت ظل الشجرة وسيفه معلق بغصن من أغصانها، فأخذ السيف وسله، فانتبه النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا محمد عليه صلوات الله وسلامه! من يمنعك مني؟ إنسان مضطجع وفوقه إنسان قائم عدو له والسيف بيده مصلت، قال: من يمنعك مني؟ قال: (الله)، هذا كالتعليل الذي ذكرناه: أنا النبي لا كذب، وعدني الله بنصره، ولن يخلف الله وعده، فلو أتى أهل الأرض معك وسيوفهم مصلتة لا يقع في قلبي مقدار ذرة من فزع.

    قال: فشام السيف، و(شام) من الأضداد كما يقول أئمتنا، يأتي بمعنى أدخل السيف في غمده، وبمعنى سله من غمده، والمراد هنا أدخله، لم أدخله؟ علم يقيناً أنه لا قدرة له على النبي عليه الصلاة والسلام، ولا قبل له به، هذا كلام الواثق المطمئن، والله جل وعلا ألقى في قلب هذا المشرك الرعب، فشام السيف، أي: أدخل السيف مرة أخرى إلى قرابه وغمده، (فقام النبي عليه الصلاة والسلام وأخذ السيف منه، وقال: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد، وكن خير آخذ يا رسول الله عليه الصلاة والسلام)، يعني لا تعاقب وعاملني بالعفو والمسامحة، لكن ما يمنعني منك أحد، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (اذهب فقد عفوت عنك)، فقال هذا المشرك: أنت خير مني يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله إني أعاهدك ألا أقاتلك وألا أقاتل مع أحد يقاتلك، لا أقاتلك مباشرة، ولا أساعد قوماً يقاتلونك، ولا أقاتل مع قوم يقاتلونك، كل من بينك وبينهم عداوة لا أنصرهم، فتركه النبي عليه الصلاة والسلام، وأخبر الصحابة الكرام بقصته، وذهب سالماً آمناً من بين الصحابة الكرام إلى قومه.

    وقد آمن بعد ذلك كما ثبت هذا في رواية ابن إسحاق ، وفي رواية الواقدي : أنه آمن هو وقومه، وقال: جئتكم من عند خير الناس محمد عليه الصلاة والسلام، وقد عفا النبي عليه الصلاة والسلام عنه ليتألفه، وهو رءوف رحيم عليه صلوات الله وسلامه، وكان هذا العلاج في محله، فآمن بعد ذلك وآمن قومه معه كما في رواية ابن إسحاق والواقدي.

    وورد في رواية ابن اسحاق في المغازي أن هذا المشرك غورث عندما حمل السيف والنبي عليه الصلاة والسلام مضطجع نائم، ففتح عينيه فرأى هذا المشهد، فقال: من يمنعك مني؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام (الله)، في رواية ابن إسحاق عن جابر، يقول: (فضرب جبريل في صدره)، والله على كل شيء قدير، قال: ( فضرب جبريل في صدره فوقع السيف من يده، فقام النبي عليه الصلاة والسلام وأخذ السيف وقال: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد، كن خير آخذ ) على نبينا صلوات الله وسلامه، هذه قوة نبينا عليه صلوات الله وسلامه، هذا الخلق في منتهى الكمال والقوة والصحة والفتوة على نبينا صلوات الله وسلامه.

    وسيأتينا إخوتي الكرام في حادث الإسراء عندما أسري بنبينا عليه الصلاة والسلام وعرج به ومر على السماء السادسة وفيها نبي الله موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، ولما مر عليه وجاوزه بكى، ثم قال كما في حديث الإسراء: غلام بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي، والنبي عليه الصلاة والسلام في حادث الإسراء والمعراج كان عمره قد زاد على الخمسين، فحادثة الإسراء والمعراج وقعت قبل الهجرة بسنة، وعمره حينها اثنتان وخمسون سنة، فكيف يقول عنه: غلام؟ المقصود أنه غلام في الجد والعزم والنشاط والحيوية والفتوة، لا في العمر، فهو شيخ، لكن هذا الشيخ همة الغلمان والفتيان والشجعان والشبان دون همته، هذا الشيخ فيه قوة الشبان والشجعان والغلمان والفرسان على نبينا الصلاة والسلام، هذا حاله، وهذا الكمال في خَلْقهم عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    1.   

    قوة النبي صلى الله عليه وسلم في إتيانه أهله

    إخوتي الكرام! مما يتعلق بالقوة بحث أحب أن أذكر به؛ لأنه جرى حوله لغط فيما يتعلق بقوة نبينا عليه الصلاة والسلام، وحقيقة هو مما يمدح به، وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يذكره ولا يتمدح به إلا ذكور الرجال، ولا يكرهه إلا مخانيث الرجال، هذا الوصف الذي في نبينا عليه الصلاة والسلام كثير من الأنذال لا سيما في هذا الوقت أكثروا اللغط حوله، فنذكره ونبين الكمال فيه، ودلالته على قوة نبينا عليه صلوات الله وسلامه.

    ثبت في المسند والكتب الستة في الصحيحين والسنن الأربعة إلا سنن أبي داود ، فهو في سنن الترمذي والنسائي وابن ماجه مع الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، عن أنس رضي الله عنه، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة، في الليل أو النهار بغسل واحد ) والمقصود بالساعة الواحدة الجزء من الوقت، كان يدور على نسائه عليه صلوات الله وسلامه وهن تسع في ساعة واحدة، في وقت قصير من ليل أو نهار، ونساؤه التسع على نبينا وآل بيته صلوات الله وسلامه ما اكتملن عنده تسعاً إلا في آخر حياته عليه صلوات الله وسلامه، كان قد جاوز الخامسة والخمسين وقارب الستين حين اكتمل عنده تسع نسوة، فهو في العام الثاني تزوج أمنا عائشة وقبلها سودة ، ففي العام الثاني ما كان عنده غير زوجتين على نبينا وعلى آل بيته صلوات الله وسلامه، وكان عمره في العام الثاني من الهجرة خمس وخمسون سنة، فما اكتملت عنده التسع النسوة إلا وقد قارب الستين، يقول أنس : كان يطوف على نسائه التسع في الساعة الواحد من ليل أو نهار بغسل واحد، سبحان الله! نحن أمرنا إذا أراد الإنسان أن يتصل بزوجته مرة ثانية أن يغتسل أو أن يتوضأ؛ لأنه أنشط للعود؛ لأن الجسم يفتر، فلعلك تجهد نفسك ولا تتمكن بعد ذلك من المواصلة مرة ثانية، فلا بد من منشط عن طريق الاستحمام أو الوضوء، والنبي صلى الله عليه وسلم في هذا العمر على نبينا وأيامه وحياته وكل ما يتعلق به صلوات الله وسلامه، ومعه تسع نسوة ويطوف عليهن في جز وقت قصير وبغسل واحد، فقيل لـأنس : أو كان يطيق ذلك؟ يعني في هذا العمر، وتسع نسوة، ووقت قصير يطوف عليهن، كان يطيق ذلك؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين، على نبينا وأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    والحديث رواه الإسماعيلي : ( أنه أعطي قوة أربعين )، ورواه أيضاً عن طاوس مرسلاً: ( أنه أعطي قوة أربعين )، ورواه أبو نعيم في كتاب صفة الجنة: ( أنه أعطي قوة أربعين من أهل الجنة )، قال الحافظ في الفتح في الجزء الأول صفحة 378: وقد ثبت -والحديث صحيح في المسند وسنن النسائي وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ومعجم الطبراني الكبير، وسنن الدارمي ، وإسناد الحديث صحيح صحيح عن زيد بن أرقم - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة في الأكل والشرب والجماع والشهوة).

    وفي كتاب صفة الجنة المتقدم: أعطي نبينا عليه الصلاة والسلام قوة أربعين من رجال أهل الجنة، والواحد منهم الرجل من أهل الجنة يعطى قوة مائة، كما في الحديث قال الحافظ ابن حجر : وعلى هذا قوة نبينا عليه الصلاة والسلام تعدل أربعة آلاف رجل، يعني لو اجتمع أربعة آلاف أقوياء، ليسوا مثلنا، بل من أقوياء العالم، الذين يتخصصون في الملاكمات والمصارعات، لصرعهم خير البريات عليه صلوات الله وسلامه، فقد أعطاه الله قوة أربعة آلاف رجل، والحديث كما قلت صحيح.

    ولذلك قال أنس : كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين، وورد: أربعين، وفي كتاب صفة الجنة لـأبي نعيم : قوة أربعين من أهل الجنة، والرجل من أهل الجنة يعطى قوة مائة في الأكل والشرب والجماع والشهوة، فعنده قوة أربعة آلاف رجل عليه صلوات الله وسلامه، هذا نشاطه، وهذا كماله عليه صلوات الله وسلامه.

    القوة في الجماع صفة مدح وكمال في الإنسان

    إخوتي الكرام! وهذا الأمر -أعني كثرة التزوج وكثرة الوطء- مما يتمدح به الذكور في هذه الحياة، وهو من علامات كمال الفحولة، واكتمال الذكورة في الإنسان، وقد كان العرب يتمدحون به، وقد كرهه المخنثون في هذه الأيام، واعتبروه منقصة عندما يتزوج الإنسان اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، وعندما يطوف على نسائه الأربع في ليلة واحدة، يقولون: هذا شهواني! أما تستحي من الله؟ في الفحولة كمال، والضعف الجنسي في الإنسان منقصة، ولذلك من صفات النقص الكبيرة التي تكون في الإنسان: العنة، والعنة على قسمين: إما عنة كاملة، أن يكون ليس معه شيء من الحركة، كالخرقة البالية، وإما عنة ناقصة، كأمر أكثر الناس في هذه الأيام، ما عنده نشاط، ولا عنده قوة، فتور وبرود يصاب به الإنسان، هذا كسل في الإنسان، والنشاط يدل على حيوية الإنسان وكماله ورجولته وفحولته، ولذلك إذا تزوج الإنسان امرأة وفيه عنة كاملة، غاية ما تصبر عليه سنة واحدة، وبعد ذلك لها حق طلب الطلاق، وتطلق مع أخذ المهر من أوله لآخره؛ لأن العجز جاء منه، وقد قضى بذلك عبد الله بن مسعود ، وهذا ثابت في مصنف ابن أبي شيبة وسنن الدارقطني بسند صحيح كالشمس، وروي عن علي ، وعن عمر ، وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنهم أجمعين من الصحابة، قال الإمام ابن قدامة : ولا يعرف لهم -الصحابة- مخالف فكان إجماعاً، وعلى ذلك المذاهب الأربعة.

    لو أن إنساناً تزوج امرأة وما استطاع أن يتصل بها، فإنه يؤجل سنة لتمر عليه الفصول الأربعة، فإذا كانت حرارة مزاجه كثيرة، وهذه الحرارة أوجبت عنده فتوراً، فيأتي فصل الشتاء، وإذا كان عنده برودة يأتي الصيف، وهكذا فصل الخريف، وفصل الربيع، فإذا مرت عليه الفصول الأربعة التي تقاوم طبيعته إذا كان بها شيء من الشذوذ، وهو لا زال في عنته وفتوره وضعفه، فتطلق المرأة منه، وهذا في المذاهب الأربعة بلا خلاف.

    فالفحولة والرجولة كمال، وهذا هو الموجود في خير خلق على نبينا صلوات الله وسلامه، وفي أنبياء الله ورسله، وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد:38]، وهذا الأمر مما يحبه ذكور الرجال، ويكرهه مخنثوهم.

    قول النبي صلى الله عليه وسلم: (حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء..) ودلالته على قوته

    ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (حبب إلى من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة)، هذا فحل، هذا قوي، هذا ذكر، هذا شهم، وليس في ذلك منقصة من شهامة الإنسان وفحولته ورجولته أن يحب النساء، لكن عن طريق ما أحل الله، وفي الحديث: (وفي بضع أحدكم صدقة)، ويؤجر على ذلك، ورب جماع خير من عبادة ألف سنة كما يقول الإمام ابن الجوزي في تلبيس إبليس في صفحة 297.

    وأنت إذا عدَّدت وأردت إنجاب الذرية من تعددك، فهذا هو الغاية في التعبد، وإذا أردت به التلذذ فهو مباح يندرج تحته من أنواع الطاعات ما لا يحصى، من إعفاف امرأة وسترها والإنفاق عليها ومجاهدة النفس في تربية الأهل والأولاد، هذه كلها أجور ومغانم وخيرات تحصلها، وقد صارت هذه المحمدة التي اختارها الله لأنبيائه ورسله عليهم صلوات الله وسلامه، وكان يفعلها الصالحون، صارت هذه المحمدة مذمومة في هذه الأيام، وعندما يريد الإنسان أن يتزوج ثانية، يقال له: أنت شهواني، واحدة ما تكفيك؟ أما تستحي من الله؟ هذا فحل، هذا رجل، فإذا أخذت بالضعف الذي يناسبك، فكيف بعد ذلك تعترض على غيرك؟ عندك ضعف ونقص، وتريد بعد ذلك أن تعير غيرك، استر سوأتك واسكت، أما أنك بعد ذلك تعترض على الناس، فحقيقة هذا مذمة، وهذا نقص في الإنسان في هذه الأيام، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة.

    والحديث إخوتي الكرام الذي ذكرته: (حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء)، حديث صحيح، رواه الإمام أحمد في المسند، ولا يقولن قائل: لمَ لم تذكر من خرجه؟ فقد رواه الإمام أحمد في المسند والنسائي في السنن، ورواه البيهقي في السنن الكبرى والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط مسلم ، وأقره عليه الإمام الذهبي ، عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حبب إلي من الدنيا من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة).

    أما ما يرويه بعض النعاق، وهذا موجود في الإحياء وموجود في تفسير الزمخشري وغيره: (حبب إلي من دنياكم ثلاث) فهذا باطل، والصلاة ليست من الدنيا، وهذه زيادة مفسدة للمعنى، بل الثابت: (حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء)، وأما أحب شيء إلى نبينا عليه الصلاة والسلام فهو مناجاة الله: (وجعلت قرة عيني في الصلاة).

    وانظروا للتنبيه على فساد الزيادة: (حبب إلي من دنياكم ثلاث) في مجموع الفتاوى في الجزء الثامن والعشرين صفحة واحدة وثلاثين، وفي زاد المعاد في هدي خير العباد على نبينا صلوات الله وسلامه في الجزء الأول صفحة مائة وخمسين، وانظروها في كتاب الحاوي للفتاوي للإمام السيوطي في الجزء الثاني صفحة 270.

    كثرة الزواج والتعدد مما يمدح به الإنسان

    إخوتي الكرام! من باب وعي الكلام أقول: من كره هذا الأمر حقيقة هو مخنث وفيه خنوثة، أما كونه لا يفعله فهذا موضوع آخر، فلو جاء من يعترض على هذا فلا شك في أنه مخنث سافل خسيس حقير، يعترض على شرع الله الجليل، وأما لو قدر أن إنساناً ما تزوج إلا واحدة أو لم يتيسر له، فهذا موضوع آخر، غاية ما يقال: ما حصل فضيلة هذا الأمر وانتهى الأمر، أما الذي يعترض فهذا بلاء لأنه يعترض على أمر حق، يدل على فحولة الإنسان وكماله ورجولته، ورغبت فيه شريعة الله المطهرة.

    وقد ذكر الإمام القاضي عياض الذي توفي سنة 544 للهجرة في كتاب الشفا بالتعريف في حقوق المصطفى على نبينا صلوات الله وسلامه في صفحة سبع وثمانين: أن مما يتمدح به الإنسان كثرة أزواجه وكثرة وطئه، هذا مما يتمدح به، وهذا دليل على صحته وقوته وفحولته ورجولته، وأقول: وهذا مما فطر الله عليه الناس، هذا في الأصل فطرة عند الناس، وكان العرب يتمدحون به، وحث عليه الشرع المطهر، ولذلك ثبت في صحيح البخاري في كتاب النكاح باب كثرة النساء، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (خير هذه الأمة أكثرهم نساءً)، فخير هذه الأمة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أكثرها نساء، ثم بعد ذلك الصحابة.

    يقول الإمام الغزالي في الإحياء: من كان عنده من الصحابة ثلاث والأربع كثير، ومن كان عنده اثنتان لا يحصى، والقليل من كان عنده واحدة، هذا حال الصحابة، ويستحيل أن يأخذ هؤلاء بالمفضول ويتركوا الفاضل، فلو كان التعدد مفضولاً ناقصاً لما أخذوا به رضي الله عنهم وأرضاهم، وكان علي أزهد الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ولما توفي كان عنده أربع حرائر، وسبعة عشر سرية، فقد مات عن إحدى وعشرين امرأة رضي الله عنه وعنهن وعن الصحابة أجمعين.

    ولذلك قال سفيان بن عيينة : كثرة النساء ليست من الدنيا، فعلي أزهد الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وعنده أربع حرائر، وسبعة عشر سرية، يستشهد عنهن رضي الله عنهم أجمعين.

    هذا لابد من وعيه، وهذا كما قلت: من علامات الكمال للإنسان، وقد ذكر أئمتنا في ترجمة العبد الصالح سليم بن عتر، وكان من القضاة الكبار في مصر، وهو من التابعين، أدرك عمر بن الخطاب وروى عنه، وأدرك علياً وروى عنه وعن عدد من الصحابة الكرام، وانظروا ترجمته في الجزء الرابع صفحة (132) من سير أعلام النبلاء، وغير ذلك من الكتب التي ترجمته، فهو تابعي، وهو مفخرة لأهل مصر، الإمام الفقيه قاضي مصر وواعظها وقاصها وعابدها، أبو سلمة، ثم يقول بعد ذلك: وروي أنه كان يختم كل ليلة ثلاث ختمات، ويأتي امرأته ويغتسل ثلاث مرات، وأنها قالت بعد موته: رحمك الله! لقد كنت ترضي ربك وترضي أهلك.

    وقد علق عليه المعلق -وأنا أعجب لهذه التعليقات- فقال: لا يعقل ذلك، وربما لا يصح عنه. لم لا يعقل؟ هل هو مخالف لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! هل عندك عقل عندما تقول هذا الكلام؟ هل عندك عقل يعقلك عن مخالفة العقل أم لا؟ ما معنى لا يعقل؟ يعني هل هو مستحيل لا يتصور وجوده؟ ألا يتصور أن يختم هذا في الليلة مائة ختمة عن طريق خارق العادة؟ أما يتصور أن يسير من هنا إلى مكة ويعود في جزء من الليل؟ يعقل أم لا يعقل؟ يعقل، أما أنه بعيد في العادة فهذا أمر آخر، وليس إذا استبعد الحس والعقل الشيء معناه أنه لا يعقل، نعم هذا مخالف لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث)، والحديث صحيح رواه أبو داود والترمذي بسند صحيح.

    لكن إخوتي الكرام! إذا ثبت هذا عن طريق إكرام الله له وخرق العادة، وهو الذي يسميه أئمتنا نشر الزمان، وتوسعة الوقت للإنسان، فتقضي في وقت قصير ما يقضيه غيرك في أوقات طويلة، والله على كل شيء قدير، كما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء:1] (ليلاً) أتى به منكراً للإشارة إلى أنه تم في جزء من الليل، ما قال: أسرى به في الليل، حتى يقال: استغرقت عملية الإسراء من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، إنما في جزء منه، وهذا أمر غريب مستغرب، لكنه ليس بمستحيل، هذا هو إذا ورد به خبر صادق صدقنا به، فهنا ينقل في كتب أئمتنا في ترجمة هذا العبد أنه كان يختم ثلاث ختمات، ويتصل بأهله ثلاث مرات، ويغتسل ثلاث مرات، وهذا كلام معقول غير مستحيل، وهذا هو الحاصل في هذا الإنسان.

    ورد في معجم الطبراني الكبير بسند رجاله ثقات كما قال الهيثمي في المجمع في الجزء الرابع صفحة 295: أن أكّاراً كان عند أنس ، أي: مزارعاً، يسقي له بستانه، فخاصمته زوجته إلى أنس -كما يقول محمد بن سيرين - وسبب الخصومة: قالت: لا يدعني في ليل ولا في نهار، كلما يراني يريد أن يتصل بي، وأنا ضعيفة لا أتحمل، فأصلح بينهما أنس على ست مرات في كل يوم وليلة ولا يزيد، وهذا ثابت بإسناد صحيح، فإذا كنت أنت عندك ضعف فلماذا تقول: لا يعقل؟ هذا ثابت في كتب أئمتنا بسند رجاله ثقات، إذا خلقك الله ضعيفاً وفيك ضعف فالزم حدك.

    يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: لقد أعطيت من الجماع شيئاً ما أعلم أحد أعطيه إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية قال: إني لأظن أنه قسم لي منه ما لم يقسم لأحد إلا للنبي عليه الصلاة والسلام.

    قال الإمام ابن القيم في الجواب الكافي صفحة 249: هذا لا يذم إذا صادف حلالاً بل يحمد، وقال: من كمال الرجل أن يحب النساء حباً شرعياً شرعه الله جل وعلا، هذا من كمال الرجل، فأي منقصة في ذلك، وهذا الذي حبب لخير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه؟

    وورد في ترجمة ابن عمر أنه كان أحياناً يفطر على الجماع، وأي حرج في ذلك؟ وأنه كان يقع على ثلاث من جواريه قبل أن يدخل جوفه شيء من الطعام إذا كان صائماً، كانت عنده هذه القوة، وهذه الفحولة، وهذا الكمال، وهذه الرجولة.

    الرد على صاحب كتاب (الفرقان) في اعتراضه على قوة النبي في الجماع

    يوجد كتاب لشيطان من شياطين الإنس في هذه الأيام سماه الفرقان، وهو محمد بن محمد بن عبد اللطيف بن الخطيب ، صاحب كتاب الفرقان، كله هذيان ووسوسة من الشيطان، أقرأ لكم بعض ضلاله وكفره عليه سخط ربه في هذا الكتاب الذي حول القرآن، وهو وشيطان آخر اسمه أبو رية في هذا الوقت، تبنيا هدم الإسلام باسم الإسلام، هذا في القرآن وذاك في السنة، فاستمع لهذا الشيطان ماذا يقول حول هذا البحث الذي ذكرناه، والحديث في الصحيحين، انظر ماذا يعلق عليه صفحة 161، يقول هنا: وهناك الكثير من أمثال هذا الحديث مما يناقض العقل والمروءة والآداب، وقد وردت جميعها في أمهات الكتب الصحيحة المعتمدة، يعني هي موجودة في الصحيحين، لكنها تناقض العقل والمروءة والآداب، وسأورد طرفاً منها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، نسأل الله أن يجعل جهنم لك حصيراً، سيورد أمثلة مما في الصحيحين لا يقبلها العقل ولا المروءة ولا الآداب على سبيل المثال لا على سبيل الحصر.

    قال: فمن ذلك ما روي عن إحدى أمهات المؤمنين رضي الله عنهن قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف على نسائه في الليلة الواحدة بغسل واحد ) وقد جاء هذا الحديث بروايات أخرى، ومن طرق شتى بهذا المعنى، والحديث كما ترى يرفضه الذوق السليم، وتمجه النفوس السامية. يقول له: إذا كنت مخنثاً ماذا نعمل معك؟ أنا أريد أن أعلم لم يرفضه الذوق السليم؟ لم تمجه النفوس السامية؟ إنسان فيه هذه الفحولة وهذه القوة وهذا النشاط، وهو في سن الشيخوخة عليه صلوات الله وسلامه، يبرهن به عن قوته، وعن إكرام الله له، تقول: يرفضه الذوق السليم، وتمجه النفوس السامية! لمَ؟ قال: فإذا ما حاولنا أن نبحث طريق وصوله لراويته أو لراويه عجبنا كل العجب، وحق لنا أن نعجب، فليس له سوى طريقين:

    الطريق الأول: أن يقول الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك لإحدى زوجاته، يقول: وهذا نستبعد وقوعه من عصاة الأمة وطغاتها، فما بالنا بأكرم مخلوق تحلى بأعظم الأخلاق، وحاشا أن يفعل الرسول عليه الصلاة والسلام ما يستوجب اللوم، أو ما يوجب الزراية، ولا أحط من أن يذكر مثل هذا أمام إحدى الزوجات والضرائر. لم؟ إذا قال الإنسان هذا، وأنه أعطي قوة وفحولة، دون أن يصف كيفية ما يقع، فأي حرج في ذلك؟ إذا قال إنسان: عندي نشاط وبإمكاني أن أتصل بأربع نسوة في ساعة من ليل، أي حرج في هذا؟

    يقول: والطريق الثاني: أن يكون دخل عند راوية الحديث وأفضى إليها -يعني عند إحدى أمهاتنا أزواج نبينا عليه وعليهن صلوات الله وسلامه- كما يفضي الرجل إلى امرأته ثم تركها فتبعته، فدخل عند إحدى زوجاته الأخريات فنظرت من شق الباب ورأت ما رأت.

    يقول: إذاً إما أن يخبر وهذا لا يليق بمروءة النبي عليه الصلاة والسلام، أو أنه كان تأتي إحدى زوجاته وتنظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام ماذا يفعل في بيته، يقول: وهذا لا يمكن، ومن أعجب العجب ألا يتعرض شراح الحديث لمثل هذا الحديث بتجريح أو تصحيح، بل كل ما يقولونه ويصرفون الجهد فيه هو هل كان نساؤه عليه الصلاة والسلام اللاتي مر عليهن في ليلة واحدة تسعاً أم سبعاً في هذا العهد؟

    وهو كاذب فما أحد قال: إنهم سبع على الإطلاق، وإني أترك المؤمن الذي لا يتقيد بالتقليد الأعمى، ولا يتبع الأسماء الرنانة التي دس الداسون وأبطل المبطلون تحت ستارها، وهي من كل هذا براء، إني أتركه ليفكر في نفسه: هل مثل هذا صحيح؟ نعم، تحتكم إلينا، نقول: هذا صحيح، وعقلك قبيح، وهل نشر مثله على سواد الأمة جائز وهو في الصحيحين.

    ثم بعد ذلك يقول: يا للداهية الدهياء والخطة العمياء! الرسول الكريم الذي يقول: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، والذي ورد من صفاته وشمائله أنه كان يستحي كاستحياء البكر في خدرها، والذي يقول الله فيه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، هذا الرسول وتلك صفاته وأخلاقه، وهذه شهادة الله له، يزعمون أنه جلس بين صحابته وقال: إني أوتيت قوة أربعين منكم في الجماع، لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم! وأستغفر الله... إلى آخره، يقول بعد ذلك: على أن هذه الأحاديث سواء صح سندها أو لم يصح، فهي على ضعفها وظهور بطلانها قلة لا يعتد بها ما دام إلى جانبها إجماع الأمة، وتظاهر الأحاديث الصحيحة التي تدمغها، وتظهر أغراض الدين والشرع بأجلى مظاهرها.. إلى آخر كلامه.

    هذا الآن يعتبر هذه الأمور نقصاً، وهذا الكتاب أنا أعجب كيف ينشر ويباع في بلاد الإسلام، مع أن بيعها حرام، ونشرها إفساد للأجيال من قبل هذا الضال.

    استمع هنا إلى القراءة التي مرت معنا في المبحث الثاني (نبي ونبيء)، وقلنا: إنه قرأ بها نافع ، يقول هنا: لكن القراء أثابهم الله يأبون إلا قراءة (نبيء) بالهمز، وهي قراءة صحيحة متواترة يأثم جاحدها ويكفر منكرها، وأنا أشهد الله وملائكته ورسله أني بها أول الجاحدين، ولكلام القراء أول المكذبين، ولحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه القرآن أول المصدقين. أنت كذبت الحديث قبل قليل ورددته، والقراءة المتواترة تقول: أنت تشهد الله والملائكة والرسل أنك أول الجاحدين بها وللقراء أول المكذبين.

    إخوتي الكرام! الطعن في القراء طعن في القراءة، والقراءة التي نقرؤها نحن هي قراءة حفص عن عاصم ، وتلك قراءة نافع ، فعندما تطعن في قراءة حفص ونافع كأنك طعنت في القرآن، فإن كيفية القراءة للقرآن هي قراءة القراء.

    ويقول أيضاً: يزعم القراء أن القرآن الذي نزل ليفهمه سائر الناس لا يجوز تلاوته إلا إذا تلقيناه عن بعض الناس. نعم، لا يجوز تلاوة القرآن إلا بالتلقي، لأن قوله تعالى: حم * عسق [الشورى:1-2] ستقرؤها: حمعسق، فلا بد من التلقي، فكيف ستضبط كيفية القراءة؟! يقول هنا: يا معشر القراء! إن الرسول والإسلام منكم براء حتى تتوبوا عن هذا الهراء.

    وآخر ما ختم به كتابه وهو آخر شيء صفحة 235، يقول: إن سائر الأحاديث المنسوبة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام مهما بولغ في توثيق روايتها وثبوت صحتها لا يجوز نسبتها إليه صلى الله عليه وسلم إلا إذا كانت متفقة مع العقل السليم. وأنا أعجب لكلمة (العقل) أي عقل سنحتكم إليه؟ عقلي أم عقلك أم عقل الشيطان؟ أي عقل سنحتكم إليه؟ إذا كان مرد الأمور إلى العقل فلا داعي إذاً للنقل، إذا كنا سنعرض النقل على العقل فلا داعي لوحي الله ورسله، وكل واحد سيقول: اتبعوا عقلي. يقول: مهما بولغ في توثيق روايتها -لعله يقصد رواتها وثبوت صحتها- لا يجوز نسبتها إليه عليه الصلاة والسلام إلا إذا كانت متفقة مع العقل السليم والكتاب الكريم!

    أنت تقول: إنك تصدق النبي عليه الصلاة والسلام، والآن أنت ترد أحاديثه، يقول: أما إذا اختلفت عن ذلك في شيء فهي مما دسه الأعداء، والرسول منه عليه الصلاة والسلام براء، ولا يحق لمسلم أن يدعي صحة ما يرفضه العقل والذوق والمنطق والدين. نعم ما يرفضه العقل لا نقبله، لكن أي عقل؟ العقل الصريح ليس العقل القبيح، فإنه لا يتناقض نقل صحيح مع عقل صريح، أما إذا جاء العقل واستحل الزنا وقال: إنها حرية شخصية، كما هو أكثر البشرية، والقرآن حرم الزنا، فقد حصلت معارضة، فماذا نعمل؟ هل نرد النقل من أجل العقل؟! سبحان ربي العظيم!

    وهذا الكتاب اسمه: كتاب الفرقان في جمع القرآن وتدوينه ورسمه وتلاوته وقراءته ووجوب ترجمته وإذاعته، الناشر دار الباز للنشر والتوزيع مكة المكرمة، والله أسأل الله أن يكرمها من هذا الدنس الذي تنشرونه فيها وفي غيرها.

    وقد كنت مرة في أبها فاتصلت بصاحب المكتبة وقلت له: أما تتقي الله؟ لماذا تنشر هذا؟! قال: يا شيخ! ما أعلم ما فيه، قلت: والله لو زنيت لكان أهون من أن تنشر هذا الكتاب بين النشء، يأتي طالب في المتوسط أو في الثانوي ويأخذه على أنه كتاب لعالم من العلماء، وكله ضلال من أوله إلى آخره، وهذا كما يقال: قطرة من مستنقع آثم في هذا الكتاب، وما أكثر هذه الكتب.

    الكتاب الثاني لـأبي رية ، الذي سماه: أضواء على السنة النبوية، ورد عليه الشيخ المعلمي عليه رحمة الله في كتابه: الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة، فهو يحتاج إلى رد، لكن بالسيف لا بالقلم.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، اللهم أكرمنا ولا تهنا، اللهم آثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم أرضنا وارض عنا، اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، اللهم لا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.