إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مباحث النبوة - علامات في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم

مباحث النبوة - علامات في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلمللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد خلق الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في أتم صورة وأكملها، فقد حاز عليه الصلاة والسلام الكمال والتمام في خلْقه وخلُقه، وذلك حتى يظهر صدقه فيما يبلغ عن ربه، فمن رأى وتأمل خلْق النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه يجزم ويوقن أنه رسول الله حقاً وصدقاً، فقد أعطي حسناً وجمالاً وبهاءً وحياءً، وهو مع ذلك كله ذو هيبة عند أصحابه وأحبابه، ولا غرو في ذلك فهو رسول الله الحائز لصفات الجمال والجلال.

    1.   

    ذكر بعض ما يتعلق بهرقل

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! كنا في المبحث الثالث من مباحث النبوة على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وهذا المبحث -كما تقدم معنا- مبحث جليل يدور حول بيان الأمور التي يعرف بها صدق النبي والرسول على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وقلت إخوتي الكرام! أنه لابد من وجود علامات تدل على صدق المحق وكذب المبطل، لا بد من وجود علامات تدل على صدق الصادق، وعلى كذب الكاذب، فنبينا عليه الصلاة والسلام وأنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه لابد وأن يكون فيهم علامات تدل على أنهم رسل رب الأرض والسماوات، وهذه العلامات -كما تقدم معنا إخوتي الكرام- كثيرة وفيرة، ويمكن أن يصل الإنسان إليها عن طريق النظر بعقله وتحكيم فطرته، إذا تأمل هذه العلامات فرق بين النبي والمتنبئ.

    وتقدم معنا بعض هذه العلامات عن طريق الإجمال، وذكرت ما استدل به هرقل على صدق نبينا عليه الصلاة والسلام في نبوته، وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً وصدقاً، ودارت أسئلته على عشرة أمور، منها ما يتعلق بنسب النبي عليه الصلاة والسلام وأسرته، ومنها ما يتعلق ببيان دعوته، ومنها ما يتعلق ببيان معاملته لغيره، ومنها ما يتعلق ببيان حال أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، ثم خلص من هذه الأسئلة والأجوبة التي أجاب عليها أبو سفيان ، خلص من ذلك إلى أن نبينا عليه الصلاة والسلام هو رسول الله حقاً، فقال لـأبي سفيان : إن كان ما تقول حقاً فهو نبي، وسيملك موضع قدمي هاتين، وهذا الذي تحقق بعد ذلك على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    وهذه الأسئلة التي وجهها هرقل إلى أبي سفيان كنت سردتها وبينت جواب أبي سفيان وتعليقنا عليها في الموعظة الماضية، أبو سفيان بعد أن سئل تلك الأسئلة الحسان من قبل هرقل ملك الروم وعظيم الروم، قال: ما رأيت من رجل قط كان أدهى من ذلك الأقلف، أي: الذي لم يختتن، وتقدم معنا أن النصارى لا يختتنون، فيقول: هذه الأسئلة تدل على دهائه وذكائه، وعظم عقله.

    انتهينا -إخوتي الكرام- من بيان هذه العلامات عن طريق الإجمال، ووعدتكم أن أتكلم على نهاية هرقل في أول هذه الموعظة، لنكمل إن شاء الله بعد ذلك الكلام على الأمور التي يعلم بها صدق الرسول على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    هرقل امتدت به الحياة، وعاش بعد وفاة نبينا عليه الصلاة والسلام، لكنه ما شرح الله صدره للإيمان، وأمره عند ربنا الرحمن سبحانه وتعالى، ففي غزوة مؤتة في العام الثامن للهجرة، بعد الأسئلة التي سألها أبا سفيان بسنتين، قاد جحافل الروم وكانوا مائة ألف، وانضم إليه أيضاً مائة ألف من قبائل لخم وجذام، وحصلت بين هؤلاء الجموع من الروم ومن هذه القبائل وبين المسلمين الموقعة الشهيرة في العام الثامن للهجرة وهي غزوة مؤتة، وفيها كان أمير الجيش حب رسول الله عليه الصلاة والسلام زيد بن حارثة ، ثم بعد ذلك جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة رضي الله عنهم أجمعين، ثم لما قتل هؤلاء الثلاثة بتأمير النبي عليه الصلاة والسلام لهم على التوالي والتعاقب، أخذ الراية خالد بن الوليد ، فاستطاع أن يعود بمن بقي من الجيش سالمين إلى المدينة المنورة على نبينا صلوات الله وسلامه، وهذا أقل ما قيل في عدد الروم ومن معهم أنهم مائتا ألف، وكان عدد المسلمين ثلاثة آلاف، فكل فرد يقابله سبعون فرداً، هذه الموقعة كان القائد فيها هرقل .

    هل أسلم هرقل؟

    ثم في العام التاسع في غزوة تبوك عندما قاد النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة بنفسه في هذه الغزوة الطويلة البعيدة، فلما وصل النبي عليه الصلاة والسلام إلى تبوك كتب إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام مرة ثانية، وكاد هرقل أن يسلم، لكن حصل منه ما حصل في المرة الأولى، عندما عرض الأمر على بطارقته وعلى أهل ديانته نفروا، فبقي على دينه وأرسل إلى النبي عليه الصلاة والسلام شيئاً من الذهب كما ثبت هذا في صحيح ابن حبان ، فقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، وفي رواية المسند كما ذكر هذا الحافظ في الفتح وإسناد الأثر صحيح ( أن هرقل كتب إلى النبي عليه الصلاة والسلام يقول له: إني مسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: كذب )، وفي رواية في كتاب الأموال لـأبي عبيد ، لكن من رواية بكر بن عبد الله المزني مرسلاً: ( أن هرقل كتب إلى النبي عليه الصلاة والسلام يقول له: إني مسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: كذب عدو الله لا زال على نصرانيته).

    وهذا الذي حصل من هرقل ، وجواب النبي عليه الصلاة والسلام يدل على أن هرقل مات على نصرانيته، وأنه كذاب في دعوى الإسلام كما أخبر عن ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وهذا الحديث الطويل الذي أورده الإمام البخاري في آخر كتاب الوحي، افتتح الإمام البخاري كتاب الوحي بحديث عمر رضي الله عنه وهو في الكتب الستة: (إنما الأعمال بالنيات)، وختمه بهذا الحديث الطويل عن ابن عباس رضي الله عنهما كما تقدم معنا أن أبا سفيان بن حرب أخبره عن هذا الحديث الطويل، وختم الإمام البخاري كتاب الوحي بهذا الحديث الطويل، كأن الإمام البخاري يشير بهذا إلى أن أمر هرقل أمر خفي لم يجر منه إيمان ويثبت عليه، والله أعلم بحقيقة أمره، كأنه يشير بختم كتاب الوحي بهذا الحديث مع بدئه بحديث: (إنما الأعمال بالنيات)، كأنه يشير إلى أن هرقل إذا كان في قرارة نفسه وفي قلبه موحداً مؤمناً بالله ورسوله النبي صلى الله عليه وسلم، لكن منعه خشية القتل من إظهار الإيمان، فبقي في الظاهر على دين قومه، لكنه أقر وأذعن لله جل وعلا ولرسوله عليه الصلاة والسلام، وشهد له بالرسالة، فإن كان كذلك فيبقى الحديث: (إنما الأعمال بالنيات)، والله هو الذي سيحكم في هذا يوم تبلى السرائر، كأن الإمام البخاري كما قال الحافظ ابن حجر يشير إلى هذه المسألة، أن أمر هرقل مشكل غير ظاهر.

    فإذا كانت نيته صادقة في قوله: إني مسلم، فلن يضيع ما صدر منه عند الله، لكن جواب النبي عليه الصلاة والسلام الذي ذكرته فيما يظهر والعلم عند الله يزيل هذا الإشكال، وأن أمره ليس بخفي، إنما هو واضح مُصِرّ على نصرانيته، آثر الدنيا على الآخرة.

    ذكر الإمام الذهبي عليه رحمة الله في كتابه سير أعلام النبلاء ما يؤيد ما أشار إليه الإمام البخاري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، فكأنه يرى أنه إذا صدر ما صدر من هرقل من الإذعان والإقرار والاعتراف، وأنه لو أمكنه لتجشم الذهاب إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، ولو كان عنده لغسل عن قدمه، ولقبل رأسه، يقول: هذا إذا صدر منه على سبيل الإذعان والحقيقة، ثم ما استطاع أن يظهر هذا وأن يثبت عليه من أجل الخوف الذي يحيط به من رعيته وأهل دينه، لعله ينفعه في يوم من الأيام عند الله.

    قصة هرقل مع أسيره عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه

    يقول الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء الثاني صفحة خمسة عشر: فمن أسلم في باطنه -يقول هذا بعد قصة أذكرها عند نهاية كلامه- فيرجى له الخلاص من خلود النار، إذ قد حصل في باطنه إيمان ما، وإنما يخاف أن يكون قد خضع للإسلام والرسول عليه الصلاة والسلام، واعتقد أنه محق مع كون أنه على دين صحيح، فتراه يعظم الدينين، يعني يقول: الإسلام حق، والنبي عليه الصلاة والسلام صدق، لكن ما هو عليه من النصرانية أيضاً دين صحيح، فيعظم الدينين، يعظم الإسلام ونبي الإسلام، ويبقى على نصرانيته، ويعظم ديانته، فإن كان كذلك فهذا لا شك في كفره، واعتقد أنه محق، مع كون أنه -يعني هرقل وأمثاله- على دين صحيح، فتراه يعظم الدينين كما فعله كثير من المسلمانية، أي: الذين يظهرون الإسلام، وأن الإسلام أحق من النصارى وهم على نصرانيتهم، فهذا لا ينفعه الإسلام حتى يتبرأ من الشرك.

    هذا الكلام أورده الإمام الذهبي في ترجمة عبد الله بن حذافة رضي الله عنه، وهو من الصحابة الأطهار الأبرار، قيل: إنه شهد بدراً، وقيل: لم يشهدها، فحول شهوده بدراً خلاف، لكنه من الصحابة على كل حال، وقد أرسله عمر رضي الله عنه أميراً على جيش ليقاتل الروم، والروم في بلادهم، فأسر على حدود الشام، فقيل لملك الروم: أسر أمير الجيش، وهو صاحب نبي الإسلام على نبينا صلوات الله وسلامه، فقال: ائتوني به، ثم لما جاء عبد الله بن حذافة إلى ملك الروم، عرض عليه أن يتنصر، وقال: أزوجك ابنتي وأعطيك نصف ملكي، كان يطمع في ذلك لأنه صحابي جليل وفي ردته فتنة للمسلمين الذين في قلوبهم ضعف إيمان، لكن الإيمان كما قال هرقل: إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، فقال عبد الله بن حذافة لملك الروم: لو أعطيتني جميع ما تملك ومثله وما يملكه العرب ما رجعت عن ديني محمد عليه الصلاة والسلام طرفة عين، فاقطع أملك من ذلك، قال: أقتلك، قال: أنت وذاك، فقال لأعوانه وحراسه وأفراد جيشه: خذوه وضعوه على شجرة واضربوه بالسهام، لكن لا تسددوا السهام عليه، دعوها تسقط بجواره، ليدخل في قلبه الخوف والفزع، لعله يرتد إذا فاوضناه مرة ثانية.

    فأخذوه ووضعوه على شجرة وربطوه بها، ثم سلطوا السهام عليه يضربونه سهاماً كالمطر، لكن لم يقصدوه بالضرب بحيث تقع يميناً أو يساراً، ثم استدعاه هرقل، فقال: هل تكفر وترجع عن دينك وتدخل في النصرانية وأزوجك ابنتي وأعطيك نصف ملكي؟ فرد عليه الكلام السابق، فقال: إذن أقتلك، قال: أنت وذاك، فقال هرقل: هاتوا قدراً كبيراً، ووضعوا فيه ماء، ثم أوقد عليه النار، فأتى بأحد المسلمين فألقاه في الماء أمامه، فظهر عظمه، أي: انسلخ اللحم منه وظهر العظم، فقال: أترجع عن دينك وتدخل في ديني وإلا أفعل فيك كما فعلت، فبكى عبد الله بن حذافة ، فطمع ملك الروم، فقال: علام تبكي؟ قال: أبكي لأنني لا أملك إلا نفساً واحدة، كنت أتمنى أن يكون لي أنفاس، أي: أرواح، بعدد شعر جسمي حتى يكون أعظم لأجري، لكن نفس واحدة تلقيني في القدر وأموت، فأنا أبكي لأن أجري سيقل، فأنا أريد أن تكون لي أرواح متعددة لأحصل أجراً كثيراً، فقال ملك الروم: دعوه في بيت وأغلقوا عليه وضعوا معه الخمر والخنزير، فإما أن يأكل وإما أن يموت، ففتحوا عليه بعد ثلاث فالتوى عنقه، فقال: ما منعك أن تأكل؟ قال: إن الله قد أحل لي ذلك عند الضرورة، لكن لا أريد أن أشمتكم بمسلم، تقولون: أكل خنزيراً وشرب خمراً، هذا لا يمكن، فقد الحياة أيسر، فقال له ملك الروم: هل لك أن تقبل رأسي وأطلق سراحك؟ قال: وتطلق سراح المسلمين؟ وكانوا ثلاثمائة، قال: نعم، قال: أقبل رأسك، فقام عبد الله بن حذافة وقبل رأس هذا الملك النصراني النجس الكافر، فأطلق سراحه وسراح ثلاثمائة من المسلمين مأسورين، وأعطاه ثلاثين ألف دينار، وثلاثين وصيفة، فأخذ كل هذا وعاد بأسرى المسلمين إلى المدينة في عهد خلافة عمر رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين.

    فقص عبد الله بن حذافة على عمر ما حصل له، وأنه قبل رأس ملك الروم الكافر، فقال عمر : حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة ، وأنا أول من يبدأ، فقام وقبل رأسه رضي الله عنه وأرضاه، وحقيقة ما قبل رأس هذا الكافر لمصلحة نفسه، إنما إذا توقف الأمر على إطلاق ثلاثمائة من المسلمين، فحقيقة الأمر يسهل بجانب إطلاق هذه النفوس العزيزة.

    الإمام الذهبي بعد أن أورد هذه القصة علق عليها، والقصة صحيحة ثابتة، رواها البيهقي في دلائل النبوة، وابن عساكر في تاريخ دمشق، يقول الإمام الذهبي: ولعل هذا الملك قد أسلم سراً، ويدل على ذلك مبالغته في إكرام عبد الله بن حذافة ، ملك الروم بعد أن رأى من عبد الله بن حذافة ما رأى، لعله أسلم، وقال لعبد الله بن حذافة : قبل رأسي وأنا أعطيك ما أعطيك لئلا ألام أمام رعيتي، ولئلا يبطشوا بي، يقول هذا حيلة عليهم، وما أستطيع أنا أن أظهر الإسلام، يقول الذهبي : وكذا القول في هرقل إذ عرض على قومه الدخول في الدين، فلما خافهم قال: إنما كنت أختبر شدتكم في دينكم، فمن أسلم في باطنه هكذا فيرجى له الخلاص من خلود النار، إذ قد حصل في باطنه إيمان ما، وإنما يخاف أن يكون قد خضع للإسلام والرسول، واعتقد أنهما حق، مع كونه على دين صحيح، هذا لو صدر منه لا ينفعه ذلك الاعتقاد، فتراه يعظم الدينيين كما قد فعله كثير من المسلمانية، فهذا لا ينفعه الإسلام حتى يتبرأ من الشرك، والعلم عند الله جل وعلا.

    هذه القصة في ترجمة عبد الله بن حذافة في سير أعلام النبلاء يذكرها أيضاً الإمام ابن حجر في الإصابة، يقول: ومن مناقب عبد الله بن حذافة .. ثم ذكر هذه القصة، وأنه تسبب في إطلاق ثلاثمائة من أسرى المسلمين من ملك الروم.

    وعبد الله بن حذافة هو الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، وكان فيه شيء من الدعابة والمزاح، وهو قائد الغزوة المشهورة التي طلب من المسلمين أن يوقدوا ناراً وأن يضرموها وأن يلقوا أنفسهم فيها، وهذا من باب المداعبة والمزاح ليختبر طاعتهم، وليمزح معهم، وهل سيلقون أنفسهم فيها أم لا؟

    والحديث رواه الإمام أحمد في المسند وابن ماجه في السنن ورواه ابن خزيمة في صحيحه وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، وإسناده صحيح، من رواية أبي سعيد الخدري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علقمة بن مجزز أميراً على بعث، يقول أبو سعيد : أنا فيهم، فأذن علقمة بن المجزز لطائفة من الجيش من هؤلاء البعث أن ينصرفوا وأن يذهبوا إلى مكان ما، وأمر عليهم عبد الله بن حذافة ، فقال لهم: أوليس لي عليكم حق السمع والطاعة؟ قالوا: بلى، قال: اجمعوا حطباً وأوقدوا ناراً، ثم قال: ألقوا أنفسكم فيها، فلما هم بعضهم أن يلقي نفسه فيها، وبدأ يحتجز، أي: يربط صدره وثيابه من أجل أن يلقي نفسه فيها، قال: أردت أن أختبر حالكم، وهل تطيعوني أم لا؟

    وتكررت مثل هذه القصة كما في الصحيحين عن علي رضي الله عنه مع بعض الأنصار عندما أمره النبي صلى الله عليه وسلم على سرية، فغضب منهم، وكأنهم أزعجوه، وخالفوه في بعض الشيء في الطريق، فقال: اجمعوا حطباً ثم أوقدوا ناراً وألقوا أنفسكم فيها، ففريق جادلوه، وقالوا: آمنا برسول الله عليه الصلاة والسلام فراراً من النار، وفريق هم أن يلقي نفسه فيها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه، إنما الطاعة في المعروف)، وقال كما في الصحيحين في حديث علي رضي الله عنه: (والذي نفسي بيده لو دخلوا فيها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف)، وقوله: (ما خرجوا منها)، أي: إذا استحلوا الدخول من غير تأويل، فهذا استحلال لمعصية فهو كفر، أو أنهم ما خرجوا منها، أي: سيموتون ويحترقون، وواقع الأمر كذلك، أو ما خرجوا منها، أي: أن دخولهم فيها سيوصلهم إلى نار جهنم بعد ذلك، وأمرهم إلى الله جل وعلا، فإن شاء عفا عنهم وإن شاء عذبهم سبحانه وتعالى، فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    الحاصل: يقول الذهبي عليه رحمة الله: لعل ملك الروم أسلم سراً، يقول: وهكذا هرقل ، فإذا كان في قلبه إيمان حقيقي، وما استطاع أن يظهره من أجل خوف قومه، لعله ينفعه ذلك عند ربه، والعلم عند الله جل وعلا.

    أقول: هذا احتمال يقوله الذهبي، لكن ما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام من أن هرقل كذب، وأنه عدو الله، ولا زال على نصرانيته، هذا يقطع كل احتمال والعلم عند الله جل وعلا.

    وجه إيراد الإمام البخاري لاستدلال هرقل بالكهانة على بعثة النبي صلى الله عليه وسلم

    إخوتي الكرام! في الحديث الذي ذكرته في الموعظة الماضية، حديث ابن عباس رضي الله عنه حول أسئلة هرقل لـأبي سفيان ، تقدم معنا أن هرقل كان حزاءً ينظر في النجوم، وهذا قلنا فيه شيء من التكهن ودعوى وزعم علم الغيب، فكيف يورد الإمام البخاري هذا في صحيحه ويسكت عليه؟ والجواب: أن البخاري عليه رحمة الله أراد أن يورد في كتاب الوحي ما يدل على نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن الأدلة والبشارات تتابعت وتواترت على صدق نبينا عليه الصلاة والسلام من كل طريق بكل لسان، بلسان العربي ولسان الأعجمي، بلسان الإنس بلسان الجن، من جميع الطرق ورد ما يدل على أن نبينا عليه الصلاة والسلام رسول الله حقاً وصدقاً، وهذا أبدع ما يشير إليه عالم، وأقوى ما يحتج به محتج، فليس هذا فيه إثبات الكِهانة، لكن طريق الكهانة أشار إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام حق وصدق، وبعثته في هذا الوقت هو الذي يدل عليه كهانتهم، والجن صرحت بذلك، والإنس صرحت بذلك، والعرب صرحت بذلك، والعجم صرحت بذلك، فهذه الطرق على اختلاف أساليبها واعتباراتها متفقة على صدق نبينا عليه الصلاة والسلام في أنه رسول الله حقاً وصدقاً.

    1.   

    ضرورة وجود علامات تدل على الحق والباطل

    إخوتي الكرام! هذه الأمور -كما قلت- مجملة تدل على صدق النبي عليه الصلاة والسلام في نبوته ورسالته، وأنه رسول الله حقاً وصدقاً على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وكنت ذكرت في الموعظة الماضية حديث الحارث بن مالك الأشعري ، وقلت: روي من طريقه ومن طريق أنس بن مالك في معجم الطبراني الكبير ومسند البزار ، والحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان وعبد الرزاق في مصنفه وفي التفسير، وفيه الإشارة إلى أن كل شيء له علامة ودلالة، عندما قال نبينا عليه الصلاة والسلام لـحارثة : ( كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمناً حقاً، قال: انظر ما تقول، إن لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: أصبحت وقد عزفت نفسي عن الدنيا، فأظمأت نهاري، وأسهرت ليلي، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون، وإلى أهل النار يعذبون ).

    بعض الإخوة الكرام كأنه أشكل عليه الأمر، فيقول: قرأ في كتاب الفتن والملاحم للإمام ابن كثير عليه رحمات ربنا الجليل، يقول: أشار الإمام ابن كثير إلى أن الحديث في صحيح البخاري، وقلت لكم: الحديث في تلك الكتب وإسناده ضعيف، لكن معناه يدل على أنه لا بد لكل شيء من علامة تدل تلك العلامة على صدق ذلك الشيء أو على بطلانه، وكأن الأخ اشتبه عليه الأمر، يقول الإمام ابن كثير في كتابه الفتن والملاحم وهو النهاية الملحق بآخر البداية، يقول: ذكر تزاور أهل الجنة بعضهم بعضاً، وتذاكرهم أموراً كانت منهم في دار الدنيا من طاعات وزلات، يقول بعد ذلك: ولهذا نظائر كثيرة قد ذكرتها في التفسير، وذكرنا في أول شرح البخاري في كتاب الإيمان حديث حارثة حين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمناً حقاً ) إلى آخر الحديث.

    يا إخوتي! لا يدل هذا على أن الحديث في صحيح البخاري ، فالإمام ابن كثير شرح قطعة من صحيح البخاري ولم يكمله، وهكذا الإمام النووي شرح قطعة من صحيح البخاري ولم يكمله، فعند باب حقيقة الإيمان في صحيح البخاري عند هذا الباب أورد بعض شراح البخاري هذا الحديث، وهو قول حارثة أن الإيمان إذا وجد في القلب ينبغي أن يكون له علامات تدل عليه، يقول: ذكرنا في أول شرح البخاري في كتاب الإيمان حديث حارثة ، من الذي ذكر؟ ابن كثير استشهد به في الشرح على أن الإيمان إذا وجد في قلب الإنسان ينبغي أن تكون عليه علامات، قال: ينبغي أن يصدقه العمل، وأن تعزف نفسه عن الدنيا، وأن يظمأ نهاره، وأن يسهر ليله فيصوم ويقوم، ثم بعد ذلك كأنه يرى عرش الرب بارزاً، ويرى أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار، هذه حقيقة الإيمان، ففي باب حقيقة الإيمان من كتاب الإيمان ذكر بعض شراح الحديث هذا الحديث لتقرير هذه القضية، وهي أن الإيمان إذا وقر في القلب تظهر آثاره على نفس الإنسان وسلوكه، فليس الحديث في صحيح البخاري ، لا رواه البخاري وليس هو في الصحيح، بل إن إسناد الحديث ليس بصحيح، إسناده ضعيف كما ذكرت سابقاً، نعم معناه صحيح، ويدل على ما قررته وهو أن كل شيء لابد له من علامة تدل عليه إما أنه حق، وإما أنه باطل.

    1.   

    كمال الخلقة والخلق في النبي صلى الله عليه وسلم

    إخوتي الكرام! بعد بيان هذه الأمور المجملة في بيان صدق أنبياء الله ورسله عليهم صلوات الله وسلامه، وأن العقل الصريح والفطرة السوية يمكن أن تتأمل العلامات التي في الرسول وفي النبي، وبعد ذلك تطلق الحكم وتصدر الحكم على هذا النبي أنه رسول الله حقاً وصدقاً، وهذا الذي فعله هرقل وفعله غيره، وفعله النجاشي أيضاً عندما استدل بما بلغه عن النبي عليه الصلاة والسلام على أنه رسول الله حقاً وصدقاً وآمن بنبينا عليه الصلاة والسلام، ووحد الله، ولما مات صلى عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، والحديث ثابت في الصحيحين.

    إذاً هناك علامات تدل على صدق النبي عليه الصلاة والسلام، هذه العلامات -إخوتي الكرام- كثيرة يمكن أن نجملها في أربع علامات:

    أولها: علامات في نفس النبي عليه الصلاة والسلام في خَلْقه وفي خُلُقه، علامات في دعوته، علامات في أصحابه، علامات تكون في المعجزات والخوارق التي يؤيده الله بها برهاناً ودليلاً على صدقه، وأنه رسول من عند ربه على نبينا صلوات الله وسلامه، هذه علامات تدل على صدق النبي عليه الصلاة والسلام.

    سنأخذ واحدة من هذه العلامات في كل موعظة إن يسر الله وأعان، لعلنا نتكلم على بعضها في موعظة واحدة وعلى بعضها في أكثر من موعظة، نأخذ الآن العلامة الأولى: علامات تكون في نفس الرسول عليه الصلاة والسلام في خلقه وفي خُلُقِه، في صورته الظاهرة وفي صورته الباطنة التي تدل عليها علامات في ظاهره، فالخلْق هو الصورة الظاهرة، والخُلُق هيئة باطنة في نفس الإنسان تصدر عنها الأفعال بسهولة وروية، فإن كانت تلك الأفعال حسنة في الشرع ممدوحة في العقل يقال لتلك الهيئة: خُلُق حسن، وإن كانت تلك الأفعال مذمومة في الشرع قبيحة في العقل يقال لتلك الهيئة التي تصدر عنها الأفعال: إنها خُلُق سيئ قبيح دنيء.

    ومن تأمل خَلْقَ النبي وخُلُقَه على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه لن يرتاب في أن هذا النبي هو رسول الله حقاً وصدقاً، هذه هي العلامة الأولى، حاله في نفسه يدل على أنه صادق أو كاذب، نبي أو متنبئ، لابد من هذا، وهذا ما سأوضحه في هذه الموعظة إن شاء الله.

    إخوتي الكرام! جعل الله نبينا عليه الصلاة والسلام في أكمل صورة في خَلْقِه وفي خُلُقِه، فهو صاحب الكمال عليه الصلاة والسلام في الأمرين: صورة كاملة في الظاهر، وصورة نقية كاملة في الباطن عليه الصلاة والسلام، فهو موهوب من قبل علام الغيوب، وهب الكمالين في خلقه وفي خُلُقِه، وهو محبوب من قبل الله ومن قبل عباد الله على نبينا صلوات الله وسلامه، موهوب محبوب عليه صلوات الله وسلامه، جمع الله له كمال الخَلْقِ وتمام الخُلُق على نبينا صلوات الله وسلامه، هذان الأمران (خَلْقه وخُلُقه) من تأملهما يعلم أنه رسول الله عليه الصلاة والسلام حقاً وصدقاً، كيف هذا؟ ما في خَلْق نبينا عليه الصلاة والسلام من كمال وجمال وبهاء وجلال، وما في خُلُقِه عليه الصلاة والسلام من كمال وحسن وتمام، يدلان على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً وصدقاً، لأن من كان فيه تلك الصفات الكاملة بأنواعها في خَلْقه وخُلُقه يستحيل أن يكذب، وأي كذب؟ كذب على الله كما استدل بذلك هرقل، فقال: لم يكن ليذر الكذب على الناس ثم يكذب على الله، ولو تنزلنا وقلنا: صاحب هذا الخُلُق العالي والخَلْق الجميل الجليل يمكن أن يكذب؛ لما أقره الله بالكذب عليه طرفة عين.

    من حكمة الله تعالى أنه لا ينصر من ادعى النبوة ولا يمكن له

    فلو قدرنا أن النبي عليه الصلاة والسلام فيه جميع الصفات الحسنة في خَلْقه وخُلُقه، لكنه في هذه الصفة ليس بصادق -لو قدرنا- فادعى أنه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما أوحى الله إليه بالرسالة، لو ادعى هذا الأمر وهو ليس بصادق فيه، لما أمهله الله طرفة عين، ولذلك قال أئمتنا في كتب التوحيد: جحد النبوة والطعن في نبوة نبينا ونبوة الأنبياء عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه طعن في كمال الرب، بل نفي لوجوده وربوبيته سبحانه وتعالى، ووجه ذلك: أن الله جل وعلا حكيم عليم عظيم على كل شيء قدير، فكيف يمكن دجالاً في هذه الحياة يدعي أنه رسول رب الأرض والسماوات، والله ينصره ويظهره ويمكن له ويجيب دعاءه ويخلد ذكره؟! لو فعل الله هذا بكذاب لما كان حكيماً، هذا لا يفعله الحكيم سبحانه وتعالى، ففي هذا طعن في ربوبية الرب، بل جحد لربوبيته، فهذا الإله العظيم المهيمن على شئون خلقه، كيف يمكن هذا الكذاب من الافتراء عليه ثم لا يعاجله بالعقوبة؟!

    نعم، قد يقوم هناك ظالم فينصر في هذه الحياة، لكن لا يكون هناك دعوى النبوة، هو معروف عند الناس أنه ظالم، ولو قدر أنه ادعى النبوة فسيفضح عاجلاً غير آجل، وسيخذله الله جل وعلا ويجعله عبرة للعالمين، وهذا الذي حصل، أما متنبئ يخلد الله ذكره ويرفع قدره وينصره ويجيب دعاءه، ويجعله في أكمل خلق وأتم خُلُق، فهذا يستحيل أن يوجد في حكمة ربنا الجليل سبحانه وتعالى، ولذلك يقول الله جل وعلا: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة:38-46]، وهو نياط القلب، عرق في القلب، إذا قطع مات الإنسان، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الحاقة:46-52].

    إذاً: لو تقول على الله بعض الأقاويل لعاجله الله بالعقوبة ولما أمهله طرفة عين، والله جل وعلا يقول في سورة الطور: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [الطور:30-31]، لو كان هذا شاعراً مفترياً أفاكاً ينسب النبوة لنفسه وليس بصادق، فإن ما تفعلونه من الانتظار به وقطع دابره واستئصاله سيحصل له، لكن إذا كان صادقاً ستستأصلون أنتم ويرفع ذكره ويعلو قدره، أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور:30]، حوادث الدهر يموت ونستريح منه، قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [الطور:31]، فالظالمون لن يفلحوا، والمفترون لن يفوزوا، فإذا كنت ظالماً حقيقة سيبتر ذكري ويمحى أثري، وإذا كنتُ صادقاً سترون لمن يكون الظهور والعلو ورفعة القدر.

    رفع الله تعالى ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم

    قال تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:1-4]، هل يرفع الله ذكر الدعي الكذاب المفتري؟ لو حصل هذا لكان طعناً في حكمة الرب، وجحداً لربوبيته، قبل أن يكون طعناً في رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام، وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4]، لا يذكر الله إلا ويذكر معه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثبت في صحيح ابن حبان ، والحديث رواه أبو يعلى في مسنده، والبغوي في معالم التنزيل، ورواه ابن المنذر في تفسيره، وابن أبي حاتم وابن مردويه في التفسير أيضاً وأبو نعيم في دلائل النبوة وإسناد الحديث حسن، من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ( أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لجبريل عندما نزلت عليه هذه الآية: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4]، قال: ما هذا يا جبريل؟ فقال: يقول الله: لا أذكر إلا ذكرت معي )، لا يدخل الإنسان في الإسلام ولا يقبل منه إيمان إلا بركنين ينطق بهما: لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، دين الله من أوله إلى آخره يقوم على هاتين الدعامتين: لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، إياك أريد بما تريد حسبما شرعت على لسان نبيك عليه الصلاة والسلام، فلا نعبد غيرك ولا نتبع إلا نبيك عليه الصلاة والسلام.

    إذاً: رفع الله ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، فما يمكن أن يحصل من الله تأييد لكذاب، دل هذا على صدق النبي عليه الصلاة والسلام حقاً وصدقاً.

    وهذا التفسير الثابت عن ربنا جل وعلا في بيان معنى الآية، أنه لا يذكر الله -وهذا قول الله- إلا يذكر معه رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا منافاة بينه وبين ما ورد عن سلفنا الكرام في معنى الآية، فقد قيل: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4]، بالنبوة، فأنت نبي حتماً، فرفع ذكره ومن أجل ذلك قرن الله اسمه باسم نبيه عليه الصلاة والسلام.

    وقيل: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ عند الملائكة، وهو مترتب على المعنى الأول، وقيل: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ، في الآخرة وفي الدنيا، وقيل: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ عندما أخذنا العهد والميثاق على الأنبياء قبلك أنه يجب عليهم أن يؤمنوا بك إذا بعثت وهم أحياء، وإذا ماتوا قبل بعثتك ينبغي أن يأخذوا العهد على أممهم إذا بعثت وهم أحياء أن يؤمنوا بك، كما قال الله جل وعلا: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81]، وإن مات قبل بعثته فينبغي أن يأخذ العهد على أمته إذا بعث محمد عليه الصلاة والسلام وهم أحياء أن يؤمنوا به.

    قال الإمام ابن كثير : وما ورد عن بعض السلف من أن معنى الآية: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران:81] أنه يجب عليهم أن يصدق بعضهم بعضاً، قال: هذا لا ينفي القول الأول الثابت عن علي وابن عباس ، بل يستلزمه ويقتضيه، أي: إذا صدق كل نبي بمن كان قبله وبمن كان بعده، يلزم أنه هذا النبي الذي سيأتي بعده لو بعث وهو حي أن يصدق به وأن يتبعه وأن يكون من أعوانه وأنصاره.

    1.   

    العلامات الخَلْقية الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم

    إذاً: هذا النبي على نبينا صلوات الله وسلامه الذي فيه هذا الكمال والجمال في خَلْقِه وخُلُقِه، وهو في أتم صور الكمال يستحيل أن يكذب، ثم لو تنزلنا وقلنا: يمكن أن يقع منه كذب، فنقول: فأين الله؟ كيف يقر هذا الكذاب وينصره ويؤيده ويجيب دعاءه ويعلي كلمته ويرفع ذكره؟ هذا كما قلنا طعن في ربوبية الله، بل جحد لربوبية الله، وكأنه ليس لهذا العالم رب يدبره، ولا حكيم يصرف شئونه عندما أيد هذا المبطل ونصره، وهو كاذب ليس برسول من قبل الله جل وعلا، هذا لا يمكن أن يقع على الإطلاق.

    ولذلك إخوتي الكرام! تأمل حال النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه خَلْقاً وخُلُقَاً يدل على أنه رسول صلى الله عليه وسلم، سأتناول هذا بالتفصيل، وسنأخذ شيئاً من خَلْق نبينا الجليل عليه الصلاة والسلام، ثم نتدارس خُلُقه النبيل بعد ذلك، لنرى هذا الخَلْق وهذا الخُلُق، وكيف صاغه الله جل وعلا بصورة الكمال والجمال والجلال في الأمرين خَلْقاً وخُلُقاً، فما خلق الله مخلوقاً أكرم ولا أفضل ولا أبهى ولا أجمل من نبينا عليه الصلاة والسلام، والأنبياء يلونه في ذلك، فهم خير خلق الله، على نبينا وأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    ومن تأمل حال النبي عليه الصلاة والسلام في الخَلْق، وهو الأمر الأول، لن يرتاب في أن هذا المخلوق ليس بإنسان عادي، هذا المخلوق هو نبي الله حقاً وصدقاً، يتميز عنهم في كل شيء، بصورته في حركاته في ريحه في جميع أحواله، إذا نظرت إليه تقول: هذا إنسان يختلف عن البشرية في هذه الأحوال، هذا اصطنعه الله لنفسه، فهو قدوة لأمته على نبينا وأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    وذكرت في الموعظة الماضية قول عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه، وقلت: هو من أحسن ما قيل في بيان حقيقة نبينا عليه الصلاة والسلام، وما يدل على نبوته عندما يقول:

    لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تنبيك بالخبر

    أي: لو لم يكرمه الله بآيات واضحات من خوارق العادات وغيرها تدل على أنه رسول الله عليه الصلاة والسلام حقاً وصدقاً، فإن طلعة وجهه الشريف، والنظر إليه في أول وهلة، هذا يدل على أنه رسول الله عليه الصلاة والسلام حقاً وصدقاً، هذا كافٍ في الدلالة على صدقه على أنه رسول ربه على نبينا صلوات الله وسلامه، ولذلك ثبت في المسند وسنن ابن ماجه وسنن الترمذي ، والحديث قال عنه الإمام الترمذي : صحيح، والحديث رواه الحاكم في المستدرك في كتاب الهجرة في الجزء الثالث صفحة ثلاث عشرة وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره عليه الإمام الذهبي .

    ولفظ الحديث عن حبر اليهود وإمامهم في زمانه عبد الله بن سلام رضي الله عنه وعن سائر الصحابة الكرام، يقول: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة من مكة مهاجراً، تنادى الناس: قدم رسول الله، قدم رسول الله عليه الصلاة والسلام، فانجفل الناس إليه ليروه على نبينا صلوات الله وسلامه، يقول: وكنت فيمن انجفل، أي: ذهبت بسرعة، يقول: فلما استثبت من وجهه، أي: تحققت وتمكنت من النظر إلى جماله وبهائه وكماله ونوره عليه صلوات الله وسلامه، فلما استثبت من النظر إلى وجهه قلت: إن وجهه ليس بوجه كذاب، وسمعته يقول، هذا قبل أن يقول، إنما جاء ونظر، الناس انجفلوا إليه وأسرعوا لاستقباله وللنظر إلى طلعة وجهه ونوره وبهائه عليه الصلاة والسلام، يقول: فجئت معهم، فلما استثبت وتمكنت من النظر، وتحققت إلى نور وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب عليه صلوات الله وسلامه، ثم سمعته يقول: (يا أيها الناس! أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصِلُوا الأرحام، وصَلّوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام)، هذا أول خطاب يلقيه نبينا عليه الصلاة والسلام في طيبة في المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه.

    هذه أحسن وصية أن تحسن صلتك بربك وصلتك بخلق الله جل وعلا، أن تعظم الله، وأن تشفق على عباد الله، والدين كله يدور على هاتين الدعامتين: تعظيم لله وشفقة على خلق الله، إطعام الطعام شفقة على خلق الله، إفشاء السلام إحسان لعباد الله، رفق بهم، مواسات لهم، ثم بعد ذلك الصلاة بالليل والناس نيام، تعظيم لذي الجلال والإكرام، فإذا عظمت الخالق وأشفقت على المخلوق وأحسنت إليه تدخل الجنة بسلام، هذا خطاب النبي عليه الصلاة والسلام في أول لقاء بأصحابه في المدينة المنورة على نبينا صلوات الله وسلامه.

    الشاهد في الحديث وهو صحيح: قوله: فلما استثبت من النظر إلى وجهه، علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب على نبينا صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! لنفصل الكلام على خَلْق النبي عليه الصلاة والسلام وخُلُقه، ونرى دلالة هذين الأمرين على نبوته ورسالته على نبينا صلوات الله وسلامه. ‏

    حسن خَلْق النبي صلى الله عليه وسلم وكماله وبهاؤه وهيبته

    أما خَلْقه الظاهري، وصورته الظاهرة، جسده من رأسه إلى رجليه الشريفتين المباركتين على نبينا صلوات الله وسلامه، فقد أعطاه الله ملاحة وبهاء، كان مليحاً ولكن هذه الملاحة فيها بهاء، فيها جلال وجمال، هذا حال نبينا عليه الصلاة والسلام، كمال، والكمال هو ما انتظم أمرين: جمالاً وجلالاً، ملاحة وبهاء، وترتب على هذين الأمرين أمران نحو من يراه: أولهما: كان من يرى النبي عليه الصلاة والسلام يحبه لما فيه من جمال وبهاء وملاحة، وكان أيضاً يجله ويوقره لما يرى فيه من جلال وبهاء على نبينا صلوات الله وسلامه، ملاحة وبهاء ترتب عليهما في نفوس الناس أمران جليلان معتبران، أقرر هذه الأمور بأدلتها إن شاء الله، حب من الناس له، وتعظيم وتوقير وإجلال من الناس له على نبينا صلوات الله وسلامه.

    فكان له هيبة عليه الصلاة والسلام، وكان أيضاً فيه حلاوة، وهو محبوب عليه الصلاة والسلام، ولابد من الأمرين: أن يوجد فيه الهيبة، وأن يكون محبوباً، أما الهيبة بدون محبة فهذا يصبح حاله كحال الجبابرة والملوك فزعاً وخوفاً منه، لكن ليس في القلب تعلق به، ويريدون الخلاص منه كما يحصل في الجبابرة والملوك يخافونهم ويرهبونهم، لكن دون تعلق ومحبة وميل إليهم، ومحبة بلا رهبة بلا إجلال يصبح فيها ميوعة وشطط.

    فإذاً بهاء وملاحة ترتب عليها هيبة ومحبة.

    كان الصحابة يحبونه ويجلونه عليه صلوات الله وسلامه، أما الملاحة التي فيه، والجمال الذي فيه ومنحه الله له عليه صلوات الله وسلامه، فلا يمكن أن يعطي الله هذا لمن يكذب عليه بعد ذلك، ولو كان يحصل من هذا الذي منح هذا الكمال في خلقه وخلقه، يحصل منه كذب على ربه، لمسخه الله وعجل عقوبته، أما الملاحة التي في خَلْقه عليه صلوات الله وسلامه فحدث ولا حرج.

    وتقدم معنا -إخوتي الكرام- عند بيان الأمور التي ينبغي أن توجد في النبي والرسول على نبينا وأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، الشروط في النبي والرسول، وقلت: إنها ثمانية، السابع والثامن: الكمال في الخَلْق والخُلُق، حسن الخلق والخلق، وذكرت عند خَلْق نبينا عليه الصلاة والسلام بعض الأحاديث وقلت: كان أضوأ من الشمس وأبهى من القمر عليه صلوات الله وسلامه، وقررت هذا بأحاديث صحيحة ثابتة ذكرتها، وقلت: أضيف إليها شيئاً آخر، ومن جملة الأحاديث التي تقدمت معنا حديث البراء بن عازب رضي الله عنه وهو في الصحيحين وغيرهما، قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهاً وأحسنهم خَلْقاً، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير عليه صلوات الله وسلامه )، كان أحسن الناس وجهاً، وأحسنهم خَلْقاً، الوجه وسائر الجسم في خِلْقة معتدلة مستقيمة بهية جميلة، ليس بالطويل البائن الذي فحش في الطول، ولا بالقصير، فكان ربعة عليه الصلاة والسلام، وفيه هذا الجمال.

    ذكر بعض الأحاديث الواردة في حسن خلْق النبي صلى الله عليه وسلم وجماله

    الروايات في بيان حسنه كثيرة متواترة عليه صلوات الله وسلامه.

    فمن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم وسنن أبي داود ، والحديث من رواية سعيد الجريري ، وهو من التابعين، قال لـأبي الطفيل وهو عامر بن واثلة الليثي ، وهو آخر الصحابة موتاً على الإطلاق، آخر من مات من الصحابة أبو الطفيل مات سنة مائة وعشر للهجرة في مكة المكرمة، هذا آخر صحابي فارق الحياة، أبو الطفيل عامر بن واثلة ، يقول سعيد الجريري لـأبي الطفيل عامر بن واثلة : هل رأيت رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قال: نعم رأيته، قال: كيف رأيته؟ قال أبو الطفيل: ( كان عليه الصلاة والسلام أبيض مليحاً )، وفي رواية: ( كان أبيض مليح الوجه عليه صلوات الله وسلامه نور يتلألأ )، فيه هذه الملاحة، وهذه الإشراقة على نبينا صلوات الله وسلامه، كان أبيض مليحاً، وفي رواية في صحيح مسلم : يقول أبو الطفيل عامر بن واثلة : ( ما بقي على وجه الأرض أحد رأى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنا )، لا يوجد أحد من الصحابة في زمني إلا أنا، وأنا الذي انفردت في هذه العصور بحصول الرؤية لي من النبي عليه الصلاة والسلام، وما يشاركني في الأحياء أحد في هذه الصفة التي حصلت لي، ( رأيته عليه الصلاة والسلام فكان أبيض مليحاً مُقَصّداً )، والرواية في صحيح مسلم ، وهذا البياض -كما تقدم معنا- مشرب بحمرة، نور يتلألأ، مقصداً، أي: متوسطاً في كل شيء، في طوله وقصره، في ضعفه وسمنه عليه الصلاة والسلام، كان قصداً متوسطاً في هذا الأمر، فما فيه شيء لا ينزل عن الحد المطلوب ولا يزيد، كان أبيض مليحاً مقصداً، عليه صلوات الله وسلامه.

    وهذا الصحابي الجليل أبو الطفيل -كما قلت إخوتي الكرام- هو آخر صحابي مات وفارق الحياة سنة مائة وعشر للهجرة في مكة المكرمة، وأما الذي ادعى الصحبة في القرن السادس للهجرة وهو الدجال رتن بن عبد الله الهندي ، فهذا من كذبه وزوره وإفكه وضلاله، وقد أورد أئمتنا هذا في ترجمة رتن في كتب الجرح والتعديل، انظروا ذلك في ميزان الاعتدال ولسان الميزان، بل إن الحافظ الذهبي أورد ترجمته في تدريب أسماء الصحابة ليبين أن رتن ليس بصحابي، والحافظ ابن حجر أورد ترجمة رتن أيضاً في الإصابة وأطال الكلام في ترجمة هذا الضال المضل الزنديق المفتري، لكن ما ادعى النبوة، ادعى الصحبة في القرن السادس للهجرة، وهل هو موجود أيضاً أو ادعاه له بعض الدجالين من المخرفين في ذلك الوقت؟ العلم عند الله، لكنه وجد في القرن السادس وتوفي سنة 630 للهجرة، ادعى أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام وصحبه ودعا له بطول العمر، كل هذا كذب وإفك مفترى.

    والحافظ ابن حجر أورد ذلك في الإصابة، وذكر هذا في الفصل الرابع من حرف الراء، والفصل الرابع دائماً في كل حرف يورده لتراجم أناس معينين يريد بهم من ادعي أنهم صحابة وليسوا كذلك، وهذا الأمر في الإصابة عند كل حرف مما انفرد به الحافظ في الإصابة لا يوجد في كتب تراجم الصحابة الأخرى، جعل في كل حرف أربعة فصول، الفصل الأول: فيمن ثبتت صحبته ولا خلاف في ذلك، الفصل الثاني: لأولاد الصحابة الذين ثبتت ولادتهم في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يثبت من طريق صحيح مجيئهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أو حصول هذا لهم، كيف أدرجهم ضمن الصحابة؟ قال: لأن كل مولود كان يؤتى به إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليحنكه وليدعو له عليه الصلاة والسلام، فقد ثبتت له الصحابة وإن لم يرد نص بخصوصه في بيان الصحبة لهذا الإنسان الذي ثبت أنه ولد في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، والفصل الثالث: للمخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يثبت لقاؤهم بنبينا عليه الصلاة والسلام، والفصل الرابع: لمن ادعي أنهم صحابة وليسوا كذلك، ومنهم رتن الهندي ، وأطال الكلام -كما قلت- في ست صفحات، ولو أفردت لبلغت ما يزيد على عشرين صفحة من الحجم المتوسط، لكن الطبعة الأولى للإصابة الكلام فيها دقيق جداً.

    وغاية ما فعله ابن حجر أنه لخص كتاب الإمام الذهبي ، فله كتاب اسمه (كسر وثن رتن )، جزء ألفه الإمام الذهبي ، يقول الحافظ ابن حجر : لازلت أبحث عنه حتى وجدته بخط مؤلفه، فلخص ما في الكتاب في الإصابة، وما عندنا خبر عن هذا الجزء الذي ألفه الإمام الذهبي في كسر وثن رتن ، ثم تحدث الإمام الذهبي في هذا الكتاب عن رتن الهندي وعن ضلالاته وافتراءاته، ومنها قوله: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من مشط حاجبيه عند المساء، وصلى علي، لا يصبه رمد ما بقى حياً! ومنها: ما من عبد يبكي في يوم قتل الحسين عليه وعلى سائر الصحابة رضوان الله جل وعلا، إلا أعطاه الله ثواب الأنبياء وحشره مع أولي العزم! ومن ضلالاته: يقول: من أعان تارك الصلاة بلقمة فعليه إثم من قتل الأنبياء جميعاً، ومن هذا حدث ولا حرج.

    ثم علق الذهبي على هذه الخرافات فقال: هذه الخرافات هي خرافات الزنادقة من الصوفية الذين يقولون: حدثني قلبي عن ربي، كلهم هكذا، الباب مفتوح، وهنا الباب مفتوح، لكن باب الشيطان، ليقول ما شاء من غير زمام ولا خطام، من أين لك هذا؟ وفي أي كتاب؟ يقول: أنا صحبت النبي عليه الصلاة والسلام، ما أريد واسطة، ودعا لي بطول العمر فاسمعوا أحاديث، وذاك الصوفي من أين يروي ذلك الدجل؟ يقول: عن الله مباشرة، أنتم تأخذون من الكتب ونحن نأخذ من الرب جل وعلا، القلب عن الرب! هذه دعوى الزنادقة، وهكذا رتن الهندي .

    وأنا أعجب لبعض علماء الإسلام كالصلاح الصفدي غفر الله له، عندما قال: وما المانع أن يكون هناك رجل صحابي اسمه رتن ، وأن الحياة قد امتدت به، والعقل لا يحيل هذا، وإذا كان هذا جائزاً في العقل فلم نستبعد هذا؟! فقال له شيخ الإسلام في زمانه الإمام ابن جماعة : ليس التعويل في هذه المسألة على تجويز العقل، إنما التعويل على النقل، فبأي طريق ثبتت صحبة هذا الإنسان؟! يعني لو جاءنا إنسان من بلاد مجهولة وما نعرف أصله ولا فصله، وقال: أنا رأيت النبي عليه الصلاة والسلام، واجتمعت به، ودعا لي بطول العمر، فأنا صحابي، فهل نصدقه؟! أم أن هذا يحتاج إلى نقل؟! العقل يجوز هذا، لكن ليس هذا الأمر مبناه تجويز العقل، مبناه على ثبوت النقل، فمن أين ثبتت صحبة رتن ، وأنه عاش إلى القرن السادس وتوفي سنة630 للهجرة؟! أين ثبتت؟ ومن الذي نقل هذا؟ يقول الإمام ابن جماعة يرد هذا، ويبين أنه لا يمكن لصحابي أن يعيش بعد النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من مائة سنة، والنبي عليه الصلاة والسلام توفي في العام العاشر من الهجرة، وأبو الطفيل مات سنة مائة وعشر.

    ولذلك ورد الحديث ويستدل به ابن جماعة وغيره في الصحيحين وغيرهما على أنه لا يمكن أن يعيش أحد ممن كان حياً في آخر حياة النبي عليه الصلاة والسلام، وقال هذا الكلام قبل موته بشهر، لا يمكن أن يعيش كل من كان حياً في ذاك الوقت أكثر من مائة سنة، سواء رأى النبي عليه الصلاة والسلام أو لم يره سيموت وسينقرض أهل ذالك القرن، وسيأتي بعدهم أناس آخرون.

    والحديث ثابت في الصحيحين ومسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي ، من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض اليوم أحد)، أي: لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض هذا اليوم، والنبي عليه الصلاة والسلام قال هذا الكلام قبل موته بشهر كما وضحت هذا رواية المسند والصحيحين أيضاً عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قام قبل موته بشهر فقال: (ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهي يومئذٍ حية).

    وعليه فغاية ما يمكن أن يعيش الإنسان مائة سنة، وهذا الذي ثبت لواحد فقط وهو أبو الطفيل عامر بن واثلة توفي سنة مائة وعشرة للهجرة، ولم يبق بعد ذلك صحابي رضوان الله عليهم أجمعين.

    حسن طيب ريح النبي صلى الله عليه وسلم

    إخوتي الكرام! من تأمل خَلْق نبينا عليه الصلاة والسلام بدنه وصورته الظاهرة لن يرتاب في أنه رسول ربنا الرحمن سبحانه وتعالى، أعطاه الله ملاحة وبهاء عليه صلوات الله وسلامه، وتقدم معنا بيان تلألؤ وجهه عليه الصلاة والسلام، وبيان نور وجهه عليه الصلاة والسلام، وأنه أبهى من القمر، وأضوأ من الشمس، وتقدم معنا أيضاً بيان طيب عرقه عليه صلوات الله وسلامه، وكيف كان يؤخذ عرقه ليوضع في الطيب ليزداد الطيب طيباً، فطيب نبينا عليه الصلاة والسلام عرق نبينا عليه الصلاة والسلام أطيب أنواع الطيب على نبينا صلوات الله وسلامه.

    إذاً: هذا الخلق الذي ينفرد بهذه الأمور له اعتبارات ينبغي أن نستدل بها، وقد يقول قائل: قد يوجد هذا لصالح، أن يكون له ريح طيبة وعرقه طيب، نقول: هل الصالح ادعى النبوة؟ وهل ما يحصل للصالح من كرامات يدل على أنه نبي؟ ما حصل له هذا إلا ببركة اتباعه للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن أرني متنبئاً دجالاً ادعى النبوة وهو كذاب يشم منه ريح الطيب وريح المسك من غير تطيب ومن غير تعطر، ثم بعد ذلك إذا مج في بئر يفوح منها المسك؟ هذا لا يوجد، نعم قد يأتي صالح ويكرمه الله بهذا، لكن لا يوجد عنده دعوى النبوة والرسالة، هذا ببركة اتباعه للنبي عليه الصلاة والسلام، فذاك له كرامة، أما في موضوعنا فإذا جاء صادق وقال: أنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهو بين أمرين: إما أنه صادق في دعوى الرسالة، فهذا الكمال في خَلْقه وخُلُقه في محله، وإما أنه كاذب في دعوى الرسالة فلابد من أن يهتك الله ستره، وأن يشوه خَلْقه، وأن يبين انحطاطه ووضاعته وشناعة خلقه في الحياة قبل الممات، وأما أن يؤيده الله، وأن يزيده بعد ذلك تمكيناً ومدداً، فهذا لا يمكن أن يحصل بحال، فانظر لهذه الأحاديث التي تبين لنا خَلْق نبينا عليه الصلاة والسلام وملاحته وطيبه عليه صلوات الله وسلامه.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه ، والحديث إسناده صحيح من رواية وائل بن حجر رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( أتي النبي عليه الصلاة والسلام بدلو من ماء فأخذه وشرب منه، ثم مج فيه مجة، ثم حمله وطرحه وصبه في بئر، ففاحت من البئر ريح المسك )، وفي رواية: ( أنه شرب من الدلو وأخذ مجة ومجها في البئر مباشرة ففاحت منها ريح المسك ).

    هذا الأمر الذي يحصل لهذا البدن الكريم الطاهر من حسن وبهاء وكمال، ينبغي أن يكون له دلالة، هذا لو كان كذاباً لفاحت من تلك المجة رائحة النتن، كما سيأتينا في علامات المتنبئ الكذاب عند خوارق العادات، وكيف يهتك الله ستره، ويظهر أمره، ويفضحه في الدنيا مع ما له من الفضيحة على رءوس الأشهاد، وتقدم معنا كيف كان يجمع عرق النبي عليه الصلاة والسلام ويوضع في الطيب ليطيب، وهنا بئر يصب فيه مجة النبي عليه الصلاة والسلام فتفوح من هذا البئر رائحة المسك على نبينا صلوات الله وسلامه.

    وكنت ذكرت غالب ظني في الموعظة الماضية أن نبينا عليه الصلاة والسلام قرأ في فم أحد القراء السبعة في المنام وهو نافع الذي توفي سنة 169 للهجرة، فكان لا يقرأ في مجلس من المجالس إلا عبقت فيه رائحة المسك، فقيل له: هل تطيب فمك؟ قال: لا، رأيت النبي عليه الصلاة والسلام في النوم فقرأ القرآن في في، فما تشمون من الرائحة الشذية الطيبة، هذا بسبب قراءة النبي عليه الصلاة والسلام في في في فمي، ولذلك يقول الإمام الشاطبي عليه رحمة الله في حرز الأماني في المنظومة التي نظمها في القراءات السبع، يقول:

    فأما الكريم السر في الطيب نافع فذاك الذي اختار المدينة منزلا

    كريم السر، كريم الباطن، أكرمه الله بهذا الأمر، وهو نافع رحمه الله.

    وهنا مجة يمجها في بئر فتفوح منها رائحة المسك على نبينا صلوات الله وسلامه.

    شدة حياء النبي صلى الله عليه وسلم

    وهذا الخَلْق الظاهري من بهاء وملاحة، زانه حياء عظيم عظيم، حياء طبيعي غريزي، وحياء مكتسب فعلي حصله نبينا عليه الصلاة والسلام بما أدبه به ربنا جل وعلا بتوجيهات القرآن وتعاليم القرآن، ولذلك ورد في وصف نبينا عليه الصلاة والسلام أنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها، والحديث في المسند والصحيحين، ورواه البخاري في الأدب المفرد، ورواه ابن ماجه في سننه من رواية أبي سعيد الخدري ، ورواه البزار في مسنده بإسناد صحيح عن أنس من رواية أبي سعيد وأنس : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا رأى شيئاً يكرهه عرفنا ذلك في وجهه دون أن يتكلم صلوات الله وسلامه، فكان إذا سر يستنير وجهه كأنه فلقة قمر، وكأن الشمس تجري في جبهته عليه صلوات الله وسلامه، وكان إذا غضب كأنه يفقأ في وجهه حب الرمان عليه صلوات الله وسلامه )، تظهر عليه هذه العلامات، وهنا كان أشد حياء من العذراء في خدرها عليه صلوات الله وسلامه، والعذراء هي البنت البكر، والخدر هو المكان الذي تجلس فيه فلا يراها فيه أحد، فهذه المرأة كيف سيكون حياؤها؟ فنبينا عليه صلوات الله وسلامه والذي هو سيد الرجال، وإمام الأبطال، وأفضل خلق الله، أشد حياء من هذه البنت المخدرة على نبينا صلوات الله وسلامه، جمال وبهاء زانه هذا الحياء.

    مهابة النبي صلى الله عليه وسلم في قلوب أصحابه

    ولذلك كما قلت: صار له في قلوب الناس مهابة كما صار له محبة، انظر للمهابة التي كانت تقع في قلوب الصحابة وفي قلوب من يراه، ثبت في سنن ابن ماجه ، والحديث رواه الحاكم وإسناده صحيح من رواية أبي مسعود البدري الأنصاري ، ورواه الحاكم في المستدرك أيضاً، والطبراني في الأوسط عن جرير بن عبد الله البجلي ، رضي الله عنهم أجمعين، قال: أتي برجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وقف أمامه ورآه بدأت ترتعد فرائصه، يضطرب من الخوف والفزع، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (هون عليك، إني لست بملك، إني ابن امرأة كانت تأكل القديد)، على نبينا صلوات الله وسلامه، لم هذا الفزع؟ لم هذا الرعب؟ هذا هو الوجل، وهذه هي الرهبة، لكن معها -كما سيأتينا- محبة لا نهاية لها، فعندما يراه في أول الأمر، وليس حوله صلوات الله وسلامه لا خدم ولا حشم ولا حراس ولا جنود عليه صلوات الله وسلامه، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]، لكن من ينظر إلى طلعة وجهه وبهائه عليه الصلاة والسلام يعتريه هذا الوجل من النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: (هون عليك، إني لست بملك)، ليس حالي كحال الجبابرة، (أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد)، والقديد: هو اللحم الذي يجفف ويملح، وهذا يفعله الإنسان في الغالب إذا كان فقيراً، يملح اللحم عندما يذبح الذبيحة، لا يريد أن يأكلها بكاملها، ولا يوجد ثلاجات في ذاك الوقت، فما بقي إلا أن يملح ويجفف ليؤكل عند الحاجة، فكأنه يقول: أنا ابن امرأة كانت تأكل كما يأكل الناس يعني من أسرة عادية، ليست من أسرة ملوك، فعلام هذا الفزع والخوف؟ ولا يقولن قائل: هذا حال إنسان لم يسبق له أن رأى النبي عليه الصلاة والسلام، بل هذا هو حال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ما استطاع صحابي أن يحد النظر في وجه نبينا عليه الصلاة والسلام هيبة له.

    واسمعوا لهذا الحديث الذي هو في صحيح مسلم ، لتروا أن هذه ليست بحال من يراه في أول لقاء، بل الذين عاشروه لا يستطيع واحد منهم أن يديم النظر إلى وجه نبينا عليه الصلاة والسلام، مما فيه من الهيبة والمهابة صلوات الله وسلامه والبهاء، ثبت في صحيح مسلم من رواية عبد الرحمن بن شماسة المهري ، بفتح الشين وضمها رحمه الله، قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياق الموت، وعمرو أسلم في العام الثامن للهجرة هو وخالد قبل فتح مكة رضي الله عنهم أجمعين، ثم امتدت حياته إلى أن توفي سنة ثلاث وأربعين للهجرة وعاش تسعاً وتسعين سنة رضي الله عنه وأرضاه، وهو كما قال الذهبي: داهية قريش ورجل العالم، ومن يضرب به المثل في الفطنة والدهاء والحزم، يقول عبد الرحمن بن شماسة: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياق الموت، فبكى طويلاً، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه عبد الله يقول: ما يبكيك يا أبتاه؟ أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، فقد قال له النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث في المسند وغيره، وإسناده صحيح: (أسلم الناس وآمن عمرو )، ولعل نبينا عليه الصلاة والسلام يقصد بالناس الذين أسلموا بعد فتح مكة، فهؤلاء أسلموا لأن الغلبة صارت للإسلام، وأما عمرو فجاء قبل فتح مكة هو وخالد وآمنوا رغبة لا رهبة، رغبة في الإسلام لا رهبة مما حصل من قوة الإسلام، والحديث رواه الترمذي : (أسلم الناس وآمن عمرو )، ورواه الإمام أحمد في المسند وإسناده حسن.

    قال: أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا؟ فأقبل بوجهه وقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام، إني كنت على أطباق ثلاث، أي: على ثلاث حالات، لقد رأيتني -هذه الحالة الأولى- وما أحد أشد بغضاً لرسول صلى الله عليه وسلم مني، ولا أحب إلا أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت -بكسر الميم وضمها- على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم -هذا الحالة الثانية- فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه فقبضت يدي، فقال: ( ما لك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قلت: أن يغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله )، وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحلى في عيني منه -انتبه لكلام عمرو - قال: وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو قيل لي: صفه لما استطعت أن أصفه.

    وكان بعض شيوخنا يقول -وما أعلم صحة هذا القول- يقول: ما استطاع أحد أن يصف النبي عليه الصلاة والسلام إلا النساء، وأما الصحابة الكرام فما استطاعوا أن يصفوه وأن يحدوا النظر فيه عليه صلوات الله وسلامه، ولو قيل لي: صفه لما استطعت أن أصفه؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة.

    الحالة الثالثة: قال: ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فسنوا أو فشنوا -بالسين المهملة والشين المعجمة- فسنوا علي التراب سناً، أي: ضعوه برفق دون شدة وغلظة وعنف، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي.

    والحديث -كما قلت- في صحيح مسلم وهذا لفظه، انظر لعمرو بن العاص ، وله هذه المكانة، رجل العالم، أقوى الناس في الحزم والعزم والدهاء، ما استطاع أن ينظر إلى خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وأن يملأ عينيه منه عليه صلوات الله وسلامه.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، اللهم لا تجعل فينا ولا منا ولا معنا ولا بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.